نسب أشجع وأخباره

نسب أشجع وأخباره

نسبه

أخبرني محمد بن عمران الصيرفي والحسن بن علي قالا: حدثنا الحسن بن عليل العنزي قال: حدثني علي بن الفضل السلمي قال: كان أشجع بن عمرو السلمي يكنى أبا الوليد من ولد الشريد بن مطرود السلمي تزوج أبوه امرأة من أهل اليمامة فشخص معها إلى بلدها فولدت له هناك أشجع ونشأ باليمامة ثم مات أبوه.

كان يعد من فحول الشعراء

فقدمت به أمه البصرة تطلب ميراث أبيه وكان له هناك مال فماتت بها وربي أشجع ونشأ بالبصرة فكان من لا يعرفه يدفع نسبه ثم كبر وقال الشعر وأجاد وعد في الفحول وكان الشعر يومئذ في ربيعة واليمن ولم يكن لقيس شاعر معدود فلما نجم أشجع وقال الشعر افتخرت به قيس وأثبتت نسبه وكان له أخوان: أحمد وحريث ابنا عمرو وكان أحمد شاعراً ولم يكن يقارب أشجع ولم يكن لحريث شعر ثم خرج أشجع إلى الرقة والرشيد بها فنزل على بني سليم فتقبلوه وأكرموه ومدح البرامكة وانقطع إلى جعفر خاصة وأصفاه مدحه فأعجب به ووصله إلى الرشيد ومدحه فأعجب به أيضاً فأثرى وحسنت حاله في أيامه وتقدم عنده.

شخص إلى الرقة لينشد الرشيد قصيدته

أخبرني محمد بن عمران قال: حدثني العنزي قال: حدثني صخر بن أسد السلمي قال: حدثني أبي أسد بن جديلة قال: حدثني أشجع السلمي قال: شخصت من البصرة إلى الرقة فوجدت الرشيد غازياً ونالتني خلة فخرجت حتى لقيته منصرفاً من الغزو وكنت قد اتصلت ببعض أهل داره فصاح صائحٌ ببابه: من كان هاهنا من الشعراء فليحضر يوم الخميس فحضرنا سبعة وأنا ثامنهم وأمرنا بالبكور في يوم الجمعة فبكرنا وأدخلنا وقدم واحدٌ منا ينشد على الأسنان وكنت أحدث القوم سناً وأرثهم حالاً فما بلغ إلي حتى كادت الصلاة أن تجب فقدمت والرشيد على كرسي وأصحاب الأعمدة بين يديه سماطان. خاف وجوب الصلاة فبدأ إنشاد الرشيد بما جاء في قصيدته من مدح فقال لي: أنشدني فخفت أن أبتدىء من أول قصيدتي بالتشبيب فتجب الصلاة ويفوتني ما أردت فتركت التشبيب وأنشدته من موضع المديح في قصيدتي التي أولها:

تذكر عهد البيض وهو لها ترب وأيام يصبي الغانيات ولا يصبو

فابتدأت قولي في المديح:

إلى ملك يستغرق المال جوده مكارمه نثر ومعـروفـه سـكـب

وما زال هارون الرضا بن محمد له من مياه النصر مشربها العذب

متى تبلغ العيس المراسيل بابه بنا فهناك الرحب والمنزل الرحـب

لقد جمعت فيك الظنون ولم يكن بغيرك ظن يستريح له الـقـلـب

جمعت ذوي الأهواء حتى كأنهم على منهجٍ بعد افتراقهـم ركـب

بثثت على الأعداء أبناء دربةٍ فلم يقهم منهـم حـصـونٌ ولا درب

وما زلت ترميهم بهم متفرداً أنيساك حزم الرأي والصارم العضـب

جهدت فلم أبلغ علاك بمدحةٍ وليس على من كان مجتهداً عـتـب

فضحك الرشيد وقال لي: خفت أن يفوت وقت الصلاة فينقطع المديح عليك فبدأت به وتركت التشبيب وأمرني بأن أنشده التشبيب فأنشدته إياه فأمر لكل واحد من الشعراء بعشرة أنشد الرشيد فقال هكذا تمدح الملوك أخبرني حبيب بن نصر المهلبي قال: حدثنا عمر بن شبة قال: حدثني أحمد بن سيار الجرجاني وكان راوية شاعراً مداحاً ليزيد بن مزيد قال: دخلت أنا وأشجع والتيمي وابن رزين الخراساني على الرشيد في قصر له بالرقة وكان قد ضرب أعناق قوم في تلك الساعة فجعلنا نتخلل الدماء حتى وصلنا إليه فأنشده أبو محمد التيمي قصيدة له يذكر فيها نقفور ووقعته ببلاد الروم فنثر عليه مثل الدر من جودة شعره وأنشده أشجع قوله:

قصرٌ عليه تحيةٌ وسلام ألـقـت عـلـيه جـمـالـهـا الأيام

قصرت سقوف المزن دون سقوفه فيه لأعلام الهـدى أعـلام

تثني على أيامـك الأيام والـشـاهـدان الـحـل والإحـرام

نتك من ظل النبـي وصـية بةُ وشـجـت بـهـا الأرحـام

برقت سماؤك في العدو وأمطرت هاماً لها ظل السيوف غمام

وإذا سيوفك صافحت هام العدى طارت لهن عن الرؤوس الهام

وعلى عدوك يابن عم محمد رصدان ضوء الصبح والإظـلام

وأنشدته أنا قولي: زمنٌ بأعلى الرقمتين قصير حتى انتهيت إلى قولي:

لا تبعد الأيام إذ ورق الصبا خضلٌ وإذ غض الشباب نضير

فاستحسن هذا البيت ومضيت في القصيدة حتى أتممتها فوجه إلي الفضل بن الربيع: أنفذ إلي قصيدتك فإني أريد أن أنشدها الجواري من استحسانه إياها.

قال: وركب الرشيد يوماً قبةً وسعيد بن سالم معه في القبة فقال: أين محمد البيذق وكان رجلاً حسن الصوت ينشد الشعر فيطرب بحسن صوته اشد من إطراب الغناء فحضر فقال: أنشدني قصيدة الجرجاني فأنشده فقال: الشعر في ربيعة سائر اليوم فقال له سعيد بن سالم: يا أمير المؤمنين استنشده قصيدة أشجع بن عمرو فأبى فلم يزل به حتى أجاب إلى استماعها فلما أنشده هذين البيتين: وعلى عدوك يابن عم محمد والذي بعده قال له سعيد بن سالم: والله يا أمير المؤمنين لو خرس بعد هذين لكان أشعر الناس.

أخبرني الحسن بن علي الخفاف قال: حدثني محمد بن القاسم بن مهرويه قال: حدثني أبي قال: بلغني أن أشجع لما أنشد الرشيد هذين البيتين: وعلى عدوك يابن عم محمد والذي بعده طرب الرشيد وكان متكئاً فاستوى جالساً وقال: أحسن والله هكذا تمدح الملوك.

أخبرني أحمد بن إسحاق العسكري والحسن بن علي قالا: حدثنا أحمد بن سعيد بن سالم الباهلي عن أبيه قال: كنت عند الرشيد فدخل إليه أشجع ومنصورٌ النمري فأنشده أشجع قوله:

وعلى عدوك يابن عم محمدٍ رصدان ضوء الصبح والإظلام

فإذا تنبه رعنه وإذا غفا سلت علـيه سـيوفـك الأحـلام

فاستحسن ذلك الرشيد وأومأت إلى أشجع أن يقطع الشعر وعلمت أنه لا يأتي بمثلهما فلم يفعل ولما أنشده ما بعدهما فتر الرشيد وضرب بمحضرة كانت بيده الأرض واستنشد منصوراً النمري فأنشده قوله:

ما تنقضي حسرةٌ مني ولا جزع إذا ذكرت شباباً ليس يرتجع

فمر والله في قصيدة قل ما تقول العرب مثلها فجعل الرشيد يضرب بمخصرته الأرض ويقول: الشعر في ربيعة سائر اليوم فلما خرجنا قلت لأشجع: غمزتك أن تقطع فلم تفعل ويلك! ولم تأت بشيء فهلا مت بعد البيتين أو خرست فكنت تكون أشعر الناس.

مدح جعفر بن يحيى

أخبرني حبيب بن نصر المهلبي قال: حدثنا هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات قال: حدثني موسى بن عيسى قال: اشترى جعفر بن يحيى المرغاب من آل الرشيد بعشرين ألف ألف درهم ورده على أصحابه فقال أشجع السلمي يمدحه بذلك ويقول:

رد السباخ ندى يديه وأهلها منها بمنزلة السـمـاك الأعـزل

قد أيقنوا بذهابها وهلاكهم والدهر يوعدهم بـيومٍ أعـضـل

فافتكها لهم وهم من دهرهم بين الجران وبين حد الكلـكـل

ما كان يرجى غيره لفكاكها يرجى الكريم لكل خطبٍ معضل

أنشد جعفر بن يحيى مديحاً له لوقته على وزن قصيدة لحميد بن ثور وقافيتها جلس جعفر بن يحيى بالصالحية يشرب على مستشرفٍ له فجاءه أعرابي من بني هلال فاشتكى واستماح بكلام فصيح ولفظ مثله يعطف المسؤول فقال له جعفر بن يحيى: أتقول الشعر يا هلالي فقال: قد كنت أقوله وأنا حدث أتملح به ثم تركته لما صرت شيخاً قال: فأنشدنا لشاعركم حميد بن ثور فأنشده قوله:

لمن الديار بجانب الحمس كمحط ذي الحاجات بالنفس

حتى أتى على آخرها فاندفع أشجع فأنشده مديحاً له فيه قاله لوقته على وزنها وقافيتها فقال:

ذهبت مكارم جعفرٍ وفعاله في الناس مثل مذاهب الشمس

ملك تسوس له المعالي نفسه والعقل خير سياسة النفـس

فإذا تراءته الملوك تراجعوا جهر الكلام بمنطقٍ همـس

ساد البرامك جعفرٌ وهم الألى بعد الخلائف سادة الإنـس

ما ضر من قصد ابن يحيى راغباً بالسعد حل به أم النحس طلب منه جعفر وصف مكانه شعراً فقال وأجاد فقال له جعفر: صف موضعنا هذا فقال:

مطلاتٌ على بطنٍ كسته أيادي الماء وشياً نسج غـرس

إذا ما الطل أثر في ثراء تنفس نوره من غير نـفـس

فتغبقه السماء بصبغ ورسٍ وتصبحه بأكؤس عين شمس

فقال جعفر للأعرابي: كيف ترى صاحبنا يا هلالي فقال: أرى خاطره طوع لسانه وبيان الناس تحت بيانه وقد جعلت له ما تصلني به قال: بل نقرك يا أعرابي ونرضيه وأمر للأعرابي بمائة دينار ولأشجع بمائتين.

أنس بن أبي شيخ يعجب بشعره

أخبرني عمي قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال: حدثني أبو عامة قال: حدثني أشجع السلمي قال: كنت ذات يوم في مجلس بعض إخواني أتحدث وأنشد إذ دخل عليهم أنس بن أبي شيخ النصري صاحب جعفر بن يحيى فقام له جميع القوم غيري ولم أعرفه فأقوم له فنظر إلي وقال: من هذا الرجل قالوا: أشجع السلمي الشاعر قال: أنشدني بعض قولك فأنشدته. فقال: إنك لشاعر فما يمنعك من جعفر بن يحيى فقلت: ومن لي بجعفر بن يحيى فقال: أنا فقل أبياتاً ولا تطل فإنه يمل الإطالة فقلت: لست بصاحب إطالة فقلت أبياتاً على نحو ما رسم لي وصرت إلى أنس فقال: تقدمني إلى الباب فتقدمت فلم يلبث أن جاء فدخل وخرج أبو رمح الهمذاني حاجب جعفر بن يحيى فقال أشجع: فقمت فقال: ادخل فدخلت فاستنشدني فأنشدته أقول:

وترى الملوك إذا رأيتهم كل بعيد الصـوت والـجـرس

فإذا بدا لهم ابن يحيى جعفرٌ رجعوا الكلام بمنطقٍ همس

ذهبت مكارم جعفر وفعاله في الناس مثل مذاهب الشمس

قال: فأمر له بعشرة آلاف درهم قال: وكان أشجع يحب الثياب وكان يكتري الخلعة كل يوم بدرهمين فيلبسها أياماً ثم يكتري غيرها فيفعل بها مثل ذلك قال: فابتعت أثواباً كثيرة بباب الكرخ فكسوت عيالي وعيال إخوتي حتى أنفقتها.
الفضل بن يحيى يهب له ضعف ما وهبه إياه جعفر ثم لقيت المبارك مؤدب الفضل بن يحيى بعد أيام فقال لي: أنشدني ما قلته في جعفر فأنشدته فقال: ما يمنعك من الفضل فقلت: ومن لي بالفضل فقال: أنا لك به فأدخلني عليه فأنشدته:

لقد أرهب الأعداء حتى كأنما على كل ثغرٍ بالمنية قائم

فقال لي: كم أعطاك جعفر فقلت: عشرة آلاف درهم فقال: أعطوه عشرين ألفاً.

جعفر بن يحيى يجري عليه في كل جمعة مائة دينار أخبرني علي بن صالح قال: حدثني أحمد بن أبي فنن قال: حدثني داود بن مهلهل قال: لما خرج جعفر بن يحيى ليصلح أمر الشام نزل في مضربه وأمر بإطعام الناس فقام أشجع فأنشده قوله:

فئتان باغيةٌ وطاغيةٌ جلت أمورهما عن الخطـب

قد جاءكم بالخيل شازبةً ينقلن نحوكم رحى الحرب

لم يبق إلا أن تدور بكم قد قام هاديها على القطب

قال: فأمر له بصلة ليست بالسنية وقال له: دائم القليل خيرٌ من منقطع الكثير فقال له: ونزره أكثر من جزيل غيره فأمر له بمثلها قال: وكان يجري عليه في كل جمعة مائة دينار مدة مقامه ببابه.

إسحاق الموصلي ينشد له قصيدة في الخمر أمام الرشيد وجعفر بن يحيى أخبرني محمد بن جعفر النحوي صهر المبرد قال: حدثني الفضل بن محمد اليزيدي قال: حدثنا دخلت إلى الرشيد يوماً وهو يخاطب جعفر بن يحيى بشيءٍ لم أسمع ابتداءه وقد علا صوته فلما رآني مقبلاً قال لجعفر بن يحيى: أترضى بإسحاق قال جعفر: والله ما في علمه مطعن إن أنصف فقال لي: أي شيء تروي للشعراء المحدثين في الخمر أنشدني من أفضل ما عندك وأشده تقدماً فعلمت أنهما كانا يتماريان في تقديم أبي نواس فعدلت عنه إلى غيره لئلا أخالف أحدهما فقلت: لقد أحسن أشجع في قوله:

وقد طعنت الليل في أعجازه بالكأس بين غطارفٍ كالأنجم

يتمايلون على النعيم كأنهم قضبٌ من الهندي لم تـتـثـلـم

وسعى بها الظبي العزير يزيدها طيباً ويغشمها إذا لم تغشم

والليل منتقب بفضل ردائه قد كاد يحسر عن أغـر أرثـم

فإذا أدارتها الأكف رأيتها تثني الفصيح إلى لسان الأعجـم

وعلى بنان مديرها عقيانةٌ من سكبها وعلى فضول المعصم

تغلي إذا ما الشعريان تلظيا صيفاً وتسكن في طلوع المرزم

ولقد فضضناها بخاتم ربها بكراً وليس البكر مـثـل الأيم

ولها سكونٌ في الإناء وخلفها شغبٌ يطوح بالكمي المعلـم

الرشيد يفضل أبا نواس عليه في الخمر

فقال لي الرشيد: قد عرفت تعصبك على أبي نواس وإنك عدلت عنه متعمداً ولقد أحسن أشجع ولكنه لا يقول أبداً مثل قول أبي نواس:

يا شقيق النفس من حكم نمت عن ليلي ولم أنم

فقلت له: ما علمت ما كنت فيه يا أمير المؤمنين وإنما أنشدت ما حضرني فقال: حسبك قد سمعت الجواب.
قال الفضل: وكان في إسحاق تعصب على أبي نواس لشيء جرى بينهما.

الواثق يطرب لشعر أشجع ويستعيده

أخبرني محمد بن مزيد قال: حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال: اصطبح الواثق في يوم مطير واتصل شربه وشربنا معه حتى سقطنا لجنوبنا صرعى وهو معنا على حالنا فما حرك أحدٌ منا عن مضجعه وخدم الخاصة يطوفون علينا ويتفقدوننا وبذلك أمرهم وقال: لا تحركوا أحداً عن موضعه فكان هو أول من أفاق منا فقام وأمر بإنباهنا فأنبهنا فقمنا فتوضأنا وأصلحنا من شأننا وجئت إليه وهو جالس وفي يده كأس وهو يروم شربها والخمار يمنعه فقال لي: يا إسحاق أنشدني في هذا المعنى شيئاً فأنشدته قول أشجع السلمي:

ولقد طعنت الليل في أعجازه بالكأس بين غطارفٍ كالأنجم

يتمايلون عن النعيم كأنهم قضبٌ من الهندي لم تـتـثـلـم

وسعى بها الظبي الغرير يزيدها طيباً ويغشمها إذا لم تغشم

والليل منتقب بفضل ردائه قد كاد يحسر عن أغـر أرثـم

وإذا أدارتها الأكف رأيتها تثني الفصيح إلى لسان الأعجـم

وعلى بنان مديرها عقيانةٌ من لونها وعلى فضول المعصم

تغلي إذا ما الشعريان تلظيا صيفاً وتسكن في طلوع المرزم

ولقد فضضناها بخاتم ربها بكراً وليس البكر مـثـل الأيم

ولها سكونٌ في الإناء وخلفها شغبٌ يطوح بالكمي المعلـم

تعطي على الظلم الفتى بقيادها قسراً وتظلمه إذا لم يظلـم

فطرب وقال: أحسن والله أشجع وأحسنت يا أبا محمد أعد بحياتي فأعدتها وشرب كأسه وأمر لي بألف دينار.

أخبرني جعفر بن قدامة قال: حدثنا أبو هفان قال: ذكر أبو دعامة أن أشجع دخل على الفضل بن الربيع وقد توفي ابنه العباس والناس يعزونه فعزاه فأحسن ثم استأذنه في إنشاد مرثية قالها فيه فأذن له فأنشده:

لا تبكين بعين غير جائدةٍ وكل ذي حزنٍ يبكي كـمـا يجـد

أي امرىءٍ كان عباسٌ لنائبةٍ إذا تقنع دون الـوالـد الـولـد

لم يدنه طمعٌ من دار مخزيةٍ ولم يعز له من نـعـمة بـلـد

قد كنت ذا جلدٍ في كل نائبةٍ فبان مني عليك الصبر والجلـد

لما تسامت بك الآمال وابتهجت بك المروءة واعتدت بك العدد

ولم يكن لفتى في نفسه أملٌ إلا إليك به مـن أرضـه يفـد

وحين جئت أمام السابقين ولم يبلل عـذارك مـيدانٌ ولا أمـد

وافاك يومٌ على نكراء مشتملٌ لم ينج من مثله عادٌ ولا لـبـد

فما تكشف إلا عن مولولةٍ حرى ومكتئبٍ أحـشـاؤه تـقـد

قال: فبكى الفضل وبكى الناس معه وما انصرفوا يومئذ يتذاكرون غير أبيات أشجع.

أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال: حدثنا الحسن بن محمد بن طالب الديناري قال: حدثني علي بن الجهم قال: دخل أشجع على الرشيد وقد مات ابنٌ له والناس يعزونه فأنشده قوله:

نقصٌ من الدين ومن أهله نقص المنايا من بني هاشم

قدمتهفاصبر على فقده إلـى أبـيه وأبـي الـقـاسـم

فقال الرشيد: ما عزاني اليوم أحدٌ أحسن من تعزية أشجع وأمر له بصلة.

أذن له جعفر بن يحيى بالوصول إليه وحده دون سائر الناس أخبرني الحسن بن علي قال: حدثنا العنزي قال: حدثني عبد الرحمن بن النعمان السلمي قال: كنا بباب جعفر بن يحيى وهو عليل فقال لنا الحاجب: إنه إذن عليه فكتب إليه أشجع:

لما اشتكى جعفر بن يحيى فارقني النوم والقـرار

ومر عيشي علي حتى كأنما طعـمـه الـمـرار

خوفاً على جعفر بن يحيى لا حقق الخوف والحذار

إن يعفه الله لا نحاذر ما أحدث الليل والـنـهـار

قال: فأوصل الحاجب رقعته ثم خرج فأمره بالوصول وحده وانصرف سائر الناس.
أخبرني الحسن قال: حدثنا العنزي قال: حدثني محمد بن الحسين عن عمرو بن علي: أن أشجع السلمي كتب إلى الرشيد وقد أبطأ عنه شيءٌ أمر له به:

أبلغ أمير المؤمنين رسالةً لها عنقٌ بين الـرواة فـسـيح

بأن لسان الشعر ينطقه الندى ويخرسه الإبطاء وهو فصيح

فضحك الرشيد وقال له: لن يخرس لسان شعرك وأمر بتعجيل صلته.

مدح محمد بن منصور بشعر كان أحب مدائحه إليه أخبرني الحسن ومحمد بن يحيى الصولي قالا: حدثنا العنزي قال: حدثني أحمد بن محمد بن منصور بن زياد وكان يقال لأبيه فتى العسكر قال: أقبل أشجع إلى باب أبي فرأى ازدحام الناس عليه فقال:

على باب ابن منصور علاماتٌ من البذل

جماعات وحسب البا ب نبلاً كثرة الأهل

فبلغ ابي بيتاه هذان فقال: هما والله أحب مدائحه إلي.

هنأ جعفر بن يحيى بولاية خراسان أخبرني عمي والحسن بن علي قال: حدثنا الفضل بن محمد اليزيدي قال: حدثنا إسحاق بن لما ولى الرشيد جعفر بن يحيى خراسان جلس للناس فدخلوا عليه يهنئونه ثم دخل الشعراء فأنشدوه فقام أشجع آخرهم فاستأذن في الإنشاد فأذن له فأنشده قوله:

أتصبر للبين أم تجزع فإن الديار غداً بلقـع

غداً يتفرق أهل الهوى ويكثر باكٍ ومسترجع

حتى انتهى إلى قوله:

ودويةٍ بين أقطارها مقاطيع أرضين لا تـقـطـع

تجاوزتها فوق عيرانةٍ من الريح في سيرها أسرع

إلى جعفر نزعت رغبةٌ وأي فتى نحـوه تـنـزع

فما دونه لامرىءٍ مطمعُ ولا لامرىءٍ غيره مقنـع

ولا يرفع الناس من حطه ولا يضعون الذي يرفـع

يريد الملوك مدى جعفرٍ ولا يصنعون كما يصنـع

وليس بأوسعهم في الغنى ولكن معروفـه أوسـع

تلوذ الملوك بآرائه إذا نالها الـحـدث الأفـظـع

بديهته مثل تدبيره متى رمته فهو مسـتـجـمـع

غدا في ظلال ندى جعفرٍ يجر ثياب الغنى أشجـع

فقل لخراسان تحيا فقد أتاها ابن يحيى الفتى الأروع

فأقبل عليه جعفر بن يحيى ضاحكاً واستحسن شعره وجعل يخاطبه مخاطبة الأخ أخاه ثم أمر له بألف دينار.
يهون على جعفر بن يحيى عزله عن خراسان قال: ثم بدا للرشيد في ذلك التدبير فعزل جعفراً عن خراسان بعد أن أعطاه العهد والكتب وعقد له العقد وأمر ونهى فوجم لذلك جعفر فدخل عليه أشجع فأنشده يقول:

أمست خراسان تعزى بما أخطأها من جعفر المرتجى

كان الرشيد المعتلى أمره ولى عليها المشرق الأبلجـا

ثم أراه رأيه أنه أمسـى إلـيه مـنـهـم أحـوجـا

فكم به الرحمن من كربة في مدةٍ تقصر قد فـرجـا

فضحك جعفر ثم قال: لقد هونت علي العزل وقمت لأمير المؤمنين بالعذر فسلني ما شئت فقال: قد كفاني جودك ذلة السؤال فأمر له بألف دينار آخر.
يمدح محمد الأمين وهو ابن أربع سنين دخلت على محمد الأمين حين أجلس مجلس الأدب للتعليم وهو ابن أربع سنين وكان يجلس فيه ساعة ثم يقوم فأنشدته:

ملكٌ أبوه وأمه من نبعةٍ منها سراج الأمة الـوهـاج

شربت بمكة في ربا بطحائها ماء النبوة ليس فيه مزاج

يعني النبعة. قال: فأمرت له زبيدة بمائة ألف درهم قال: ولم يملك الخلافة أحدٌ أبوه وأمه من بني هاشم إلا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضى الله عنه ومحمد بن زبيدة. يمدح إبراهيم بن عثمان بن نهيك أخبرني الحسن بن علي ومحمد بن يحيى الصولي قالا: حدثنا الحسن بن عليل العنزي قال: حدثنا المهزمي قال: لما ولي إبراهيم بن عثمان بن نهيك الشرطة دخل عليه أشجع فأنشده قوله فيه:

لمن المنازل مثل ظهر الأرقم قدمت وعهد أنيسها لم يقـدم

فتكت بها سنتان تعتورانها بالمعصفات وكل أسحـم مـرزم

دمنٌ إذا استثبت عينك عهدها كرت إليك بنظرة المتـوهـم

ولقد طعنت الليل في أعجازه بالكأس بيد غطارفٍ كالأنجـم

والليل مشتملٌ بفضل ردائه قد كاد يحسر عن أغـر أرثـم

لبني نهيكٍ طاعةٌ لو أنها زحمت بهضب متالعٍ لم تـكـلـم

قومٌ إذا غمزوا قناة عدوهم حطموا جوانبها ببأسٍ محـطـم

في سيف إبراهيم خوفٌ واقعٌ لذوي النفاق وفيه أمن المسلم

ويبيت يكلأ والعيون هواجعٌ مال المضيع ومهجة المستسلـم

ليلٌ يواصله بضوء نهاره يقظان لـيس يذوق نـوم الـنـوم

شد الخطام بأنف كل مخالفٍ حتى استقام له الذي لم يخطـم

لا يصلح السلطان إلا شدةٌ تغشى البريء بفضل ذنب المجرم

منعت مهابتك النفوس حديثها بالشيء تكرهه وإن لم تعـلـم

ونهجت في سبل السياسة مسلكاً ففهمت مذهبها الذي لم يفهم

فوصله وحمله وخلع عليه.

يراجع جعفر بن يحيى في تقليل عطائه فيزيده أخبرني محمد بن يحيى الصولي قال: حدثنا الغلابي قال: حدثنا مهدي بن سابق قال: أعطى جعفر بن يحيى مروان بن أبي حفصة – وقد مدحه – ثلاثين ألف درهم وأعطى أبا البصير عشرين ألفاً وأعطى أشجع – وقد أنشده معهما – ثلاثة آلاف درهم وكان ذلك في أول اتصاله به فكتب إليه أشجع يقول:

أعطيت مروان الثلا ثين الـتـي دلـت رعـاثـه

وأبا البصير وإنما أعطيتـنـي مـنـهـم ثـلاثـه

ما خانني حوك القري ض ولا اتهمت سوى الحداثه

فأمر له بعشرين ألف درهم أخرى.

العباس بن محمد ينشد الرشيد شعراً لأشجع ويدعيه لنفسه حدثني علي بن صالح بن الهيثم الأنباري قال: حدثني أبو هفان قال: حدثني سعيد بن هريم وأبو دعامة قالا: كان انقطاع أشجع إلى العباس بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس فقال الرشيد للعباس يوماً: يا عم إن الشعراء قد أكثروا في مدح محمد بسببي وبسبب أم جعفر ولم يقل أحدٌ منهم في المأمون شيئاً وأنا أحب أن أقع على شاعر فطن ذكي يقول فيه فذكر العباس ذلك لأشجع وأمره أن يقول فيه فقال:

بيعة المأمون آخذةٌ بعنان الحق في أفـقـه

لن يفك المرء ربقتها أو يفك الدين من عنقه

وله من وجه والده صورةٌ تمت ومن خلقه

قال: فأتى بها العباس الرشيد وأنشده إياها فاستحسنها وسأله: لمن هي فقال: هي لي فقال: قد سررتني مرتين: بإصابتك ما في نفسي وبأنها لك وما كان لك فهو لي وأمر له بثلاثين ألف دينار فدفع إلى أشجع منها خمسة آلاف درهم وأخذ باقيها لنفسه.

يستعجل عطاء يحيى بن خالد ثم يمدحه أخبرني عمي قال: حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن مالك الخزاعي قال: وعد يحيى بن خالد أشجع السلمي وعداً فأخره عنه فقال له قوله:

رأيتك لا تستلذ المطال وتوفي إذا غدر الخـائن

فماذا تؤخر من حاجتي وأنت لتعجيلها ضامـن!

ألم تر أن احتباس النوال لمعروف صاحبه شائن!

فلم يتعجل ما أراد فكتب إليه:

رويدك إن عز الفقر أدنى إلي من الثراء مع الهوان

وماذا تبلغ الأيام مني بريب صروفها ومعي لسانـي

فبلغ قوله جعفراً فقال له: ويلك يا أشجع! هذا تهددٌ فلا تعد لمثله ثم كلم أباه فقضى حاجته فقال:

كفاني صروف الدهر يحيى بن خالد فأصبحت لا أرتاع للحدثان

كفانيكفاه الـلـه كـل مـلـمةٍ طـلاب فـلانٍ مـرةً وفـلان

فأصبحت في رغدٍ من العيش واسعٍ أقلب فيه ناظري ولساني

جعفر بن يحيى يوليه عملاً ثم يصرفه عنه أخبرني محمد بن عمران الصيرفي قال: حدثنا العنزي عن ابن النطاح قال: ولى جعفر بن يحيى أشجع عملاً فرفع إليه أهله رفائع كثيرة وتظلموا منه وشكوه فصرفه جعفر عنهم فلما رجع إليه من عمله مثل بين يديه ثم أنشأ يقول:

أمفسدةٌ سعاد علي ديني ولائمتي على طول الـحـنـين

وما تدري سعاد إذا تخلت من الأشجان كيف أخو الشجون

تنام ولا أنام لطول حزني وأين أخو السرور من الحزين!

لقد راعتك عند قطين سعدى رواحل غادياتٌ بالقـطـين

كأن دموع عيني يوم بانوا عياناً سح مـطـردٍ مـعـين

هم جازوا حجابك يابن يحيى فقالوا بالذي يهوون دونـي

أطافوا بي لديك وغبت عنهم ولو أدنيتني لتجنـبـونـي

وقد شهدت عيونهم فمالت علي وغيبت عنهم عـيونـي

ولما أن كتبت بما أرادوا تدرع كل ذي غـمـزٍ دفـين

كففت عن المقاتل بادياتٍ وقد هيأت صخرة منجـنـون

ولو أرسلتها دمغت رجالاً وصالت في الأخشة والشؤون

وكنت إذا هززت حسام قولٍ قطعت بحجتي علق الوتين

لعل الدهر يطلق من لساني لهم يوماً ويبسط من يمينـي

فأقضي دينهم بوفاء قولٍ وأثقلهم لصـدقـي بـالـديون

وقد علموا جميعاً أن قولي قريب حين أدعوه يجـينـي

وكنت إذا هجوت رئيس قوم وسمت على الذؤابة والجبين

بخط مثل حرق النار باقٍ يلوح على الحواجب والعـيون

أماثلةٌ بودك يابن يحيى رجالاتٌ ذوو ضـغـن كـمـين

يشيمون السيوف إذا رأوني فإن وليت سلت من جفـون

علاموأنت تعلم نصح جنبيوأخذي منك بالسبـب الـمـتـين

وعسفي كل مهمهةٍ خلاءٍ إليك بكـل يعـمـلةٍ أمـون

وإحيائي الدجى لك بالقوافي أقيم صدورهن على المتون

تقرب منك أعدائي وأنأى ويجلس مجلسي من لايلينـي!

ولو عاتبت نفسك في مكاني إذاً لنزلت عندك بالـيمـين

ولكن الشكوك نأين عني بودك والمصير إلـى الـيقـين

فإن أنصفتني أحرقت منهم بنضج الكي أثباج البـطـون

أول ما نجم به أشجع اتصاله بجعفر بن المنصور أخبرني محمد بن يحيى الصولي والحسن بن علي قالا: حدثنا العنزي قال: حدثنا علي بن الفضل السلمي قال: أول ما نجم به أشجع أنه اتصل بجعفر المنصور وهو حدثٌ وصله به أحمد بن يزيد السلمي وابنه عوف فقال أشجع في جعفر بن المنصور قوله:

اذكروا حرمة العواتك منا يا بني هاشم بن عبد مـنـاف

قد ولدناكم ثلاث ولادا تٍ خلطن الأشراف بـالأشـراف

إن أرماح بهثة بن سليم لعجاف الأطراف غير عـجـاف

ولأسيافهم فري غير لذ راجعٌ في مـراجـع الأكـتـاف

معشرٌ يطعمون من ذروة الشو ل ويسقون خمرة الأقحاف

يضربون الجبار في أخدعيه ويسقونه نـقـيع الـذعـاف

فشاع شعره وبلغ البصرة ولم يزل أمره يتراقى إلى أن وصلته زبيدة بعد وفاة أبيها بزوجها هارون الرشيد فأسنى جوائزه وألحقه بالطبقة العليا من الشعراء.

الفضل بن الربيع يصله بالرشيد

أخبرني عمي قال: حدثني أحمد بن المرزبان قال: حدثني شيبة بن أحمد بن هشام قال: حدثني أحمد بن العباس الربيعي: أن الذي أوصل أشجع لسلمي إلى الرشيد جده الفضل بن الربيع وأنه أوصله له وقال له: هو أشعر شعراء أهل هذا الزمان وقد اقتطعته عنك البرامكة فأمره بإحضاره وإيصاله مع الشعراء ففعل فلما وصل إليه أنشده قوله:

قصرٌ عليه تحيةٌ وسلام نـثـرت عـلـيه جـمـالـهـا الأيام

قصرٌ سقوف المزن دون سقوفه فيه لأعلام الـهـدى أعـلام

نشرت عليه الأرض كسوتها التي نسج الربيع وزخرف الإرهام

أنتك من ظل النبي وصيةٌ وقرابةٌ وشـجـت بـهـا الأرحـام

برقت سماؤك في العدو وأمطرت هاماً لها ظل السيوف غمام

وإذا سيوفك صافحت هام العدا طارت لهن عن الرؤوس الهـام

أثنى على أيامـك الأيام والـشـاهـدان: الـحـل والإحـرام

وعلى عدوك يابن عم محمدٍ رصدان: ضوء الصبح والإظـلام

فإذا تنبه رعته وإذا غفا سـلـت عـلـيه سـيوفـك الأحـلام

قال: فاستحسنها الرشيد وأمر له بعشرين ألف درهم فمدح الفضل بن الربيع وشكر له إيصاله إياه إلى الرشيد فقال فيه قصيدته التي أولها:

غلب الرقاد على جفون المسهد وغرقت في سهرٍ وليلٍ سرمد

قد جد بي سهرٌ فلم أرقد له والنوم يلعب في جفـون الـرقـد

ولطالما سهرت لحبي أعينٌ أهدى السهاد لها ولـمـا أسـهـد

أيام أرعى في رياض بطالةٍ ورد الصبا منها الـذي لـم يورد

وخفيفة الأحشاء غير خفيفة مجدولة جدل العـنـان الأجـرد

غضبت على أعطافها أردافها فالحرب بين إزارها والمجسـد

خالفت فيه عاذلاً لي ناصحاً فرشدت حين عصيت قول المرشد

أأقيم محتملاً لضيم حوادثٍ مع همةٍ موصـولة بـالـفـرقـد

وأرى مخايل ليس يخلف نوؤها للفضل إن رعدت وإن لم ترعد

للفضل أموالٌ أطاف بها الندى حتى جهدن وجوده لم يجـهـد

يابن الربيع حسرت شكري بالتي أوليتني في عود أمرك والبدي

أوصلتني ورفدتني وكلاهما شرفٌ فقأت به عيون الحسـد

ووصفتني عند الخليفة غائباً وأذنت لي فشهدت أفخر مشهد

وكفيتني منن الرجال بنائل أغنى يدي عن أن تمد إلـى يد

يسأل جعفر بن يحيى ابتياع غلام جميل فيجيبه أخبرني محمد بن عمران الصيرفي قال: حدثنا العنزي قال: حدثني صخر بن أحمد السلمي عن أبيه قال:

كنت أنا وأشجع بالرقة جلوساً فمر بنا غلامٌ أمرد رومي جميل الوجه فكلمه أشجع وسأله ومضطرب الوشاح لمقلتيه علائق ما لوصلتها انقطاع

تعـــرض لـــي بـــنـــظـــرةٍ ذي دلالٍ يريع بـــمـــــــقـــــــلـــــــتـــــــيه ولا يراع

لحـــاظٌ لـــيس تـــحـــجـــب عـــن قـــلـــوبٍ وأمـــرٌ فـــي الـــذي يهـــوى مـــطــــاع

ووســـعـــي ضـــيقٌ عـــنـــه ومـــالـــي وضـــيق الأمـــر يتـــبـــعـــه اتـــســـــــاع

وتـــعـــويلـــي عـــلـــى مـــال ابـــن يحـــيى إلـــيه حـــســـن شـــوقـــي والـــنـــزاع

وثــقـــت بـــجـــعـــفـــرٍ فـــي كـــل خـــطـــب فـــلا هـــلـــكٌ يخـــاف ولا ضـــياع

فأمر له بخمسة آلاف درهم وقال: اشتره بها فإن لم تكفك فازدد.
يذكر جاريته ريم في قصيدة رثى بها الرشيد أخبرني الحسن بن علي قال: حدثنا أحمد بن الحارث قال: كانت لأشجع جاريةٌ يقال لها: ريمٌ وكان يجد بها وجداً شديداً فكانت تحلف له إن بقيت بعده لم تعرض لغيره وكان يذكرها في شعره فمن ذلك قوله في قصيدته التي يرثي بها الرشيد:

وليس لأحزان النساء تطاولٌ ولكن أحزان الرجال تطـول

فلا تبخلي بالدمع عني فإن من يضن بدمعٍ عن هوى لبخيل

فلا كنت ممن يتبع الريح طرفه دبوراً إذا هبت له وقبول

قال: وقال فيهما أيضاً:

إذا غمضت فوقي جفون حفيرةٍ من الأرض فابكيني بما كنت أصنع

تعزك عني عند ذلك سلوةٌ وأن ليس فيمن وارت الأرض مطمـع

إذا لم تري شخصي وتغنك ثروتي ولم تسمعي مني ولا منك أسمع

فحينئذٍ تسلين عني وإن يكن بكاءٌ فأقصـى مـا تـبـكـين أربـع

قليلٌ ورب البيت يا ريم ما أرى فتاةً بمن ولى به الموت تـقـنـع

بمن تدفعين الحادثات إذا رمى عليك بها عامٌ من الجـدب يطـلـع

فحينئذ تدرين من قد رزيته إذا جعلـت أركـان بـيتـك تـنـزع

أحمد أخوه يجيبه بشعر ينسبه إلى جاريته ريم قال: فشكته ريم إلى أخيه أحمد بن عمرو فأجابه عنها بشعر نسبه إليها ومدح فيه الفضل أيضاً فاختير شعره على شعر أخيه وهو:

ذكرت فراقاً والفراق يصدع وأي حـياةٍ بـعـد مـوتـك تـنـفـع!

إذا الزمن الغرار فرق بيننا فما لي في طيبٍ من العـيش مـطـمـع

ولا كان يومٌ يابن عمرٍو ولـيلةٌ يبـدد فـيهـا شـمـلـنـا ويصـدع

وألطم وجهاً كنت فيك أصونه وأخشع مما لم أكـن مـنـه أخـشـع

ولو أنني غيبت في اللحد لم تبل ولم تـزل الـراؤون لـي تـتـوجـع

وهل رجلٌ أبصرته متوجعاً على امرأةٍ أو عينـه الـدهـر تـدمـع!

ولكن إذا ولت يقول لها: اذهبي فمثلك أخرى سوف أهـوى وأتـبـع

ولو أبصرت عيناك ما بي لأبصرت صبابة قلب غيمها لـيس يقـشـع

إلى الفضل فارحل بالمديح فإنه منيع الحمى معروفـه لـيس يمـنـع

وزره تزر حلماً وعلماً وسودداً وبأساً بـه أنـف الـحـوادث يجـدع

وأبدع إذا ما قلت في الفضل مدحةً كما الفضل في بذل المواهب يبـدع

إذا ما حياض المجد قلت مياهها فحوض أبي العباس بالجـود مـتـرع

وإن سنةٌ ضنت بخصبٍ على الورى ففي جوده مرعى خصيبٌ ومشرع

وما بعدت أرضٌ بها الفضل نازلٌ ولا خاب من في نائل الفضل يطمع

فنعم المنادي الفضل عند ملمةٍ لدفع خطوبٍ مـثـلـهـا لـيس يدفـع

إليك أبا العباس سارت نجائبٌ لها هـمـمٌ تـسـمـو إلـيك وتـنـزع

بذكرك نحدوها إذا ما تأخرت فتمضي على هول المضـي وتـسـرع

إليك أبا العباس أحمل مدحةً مطـيتـهـاحـتـى تـوافـيكـأشـجـع

فزعت إلى جدواك فيها وإنما إلى مفـزع الأمـلاك يلـجـأ ويفـزع

قال: فأنشدها أشجع الفضل وحدثه بالقصة فوصل أخاه وجاريته ووصله.

وقال أحمد بن الحارث: فقيل لأحمد بن عمرو أخي أشجع: ما لك لا تمدح الملوك كما يمدحهم أخوك فقال: إن أخي بلاءٌ علي وإن كان فخراً لأني لا أمدح أحداً ممن يرضيه دون شعري ويثيب عليه بالكثير من الثواب إلا قال: أين هذا من قول أشجع فقد امتنعت من مدح أحد لذلك.
أحمد أخو أشجع يهجوه قال أحمد بن الحارث: وقال أحمد بن عمرو يهجو أخاه أشجع وقد كان أحمد مدح محمد بن جميل بشعر قال فيه فسأل أخاه أشجع إيصاله ودفع القصيدة إليه فتوانى عن ذلك فقال يهجوه – أخبرني بذلك أحمد بن محمد بن جميل -:  

وسائلةٍ لي: ما أشجع فقـلـت: يضـر ولا ينـفـع

قريبٌ من الشر واعٍ له أصم عن الخير ما يسـمـع

بطيءٌ عن الأمر أحظى به إلى كل ما ساءني مسرع

أسب بأني شقيقٌ لـه فـأنـفـي بـه أبـداً أجـدع

الفضل بن يحيى يطرب لشعر أشجع ويكافىء منشده أخبرني جعفر بن قدامة قال: حدنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال: دخلت على الفضل بن يحيى وقد بلغ الرشيد إطلاقه يحيى بن عبد الله بن حسن وقد كان أمره بقتله فلم يظهر له أنه بلغه إطلاقه فسأله عن خبره: هل قتلته فقال: لا فقال له: فأين هو قال: أطلقته قال: ولم قال: لأنه سألني بحق الله وبحق رسوله وقرابته منه ومنك وحلف لي أنه لا يحدث حدثاً وأنه يجيبني متى طلبته.

فأطرق ساعة ثم قال: امض بنفسك في طلبه حتى تجيئني به واخرج الساعة فخرج. قال: فدخلت عليه مهنئاً بالسلامة فقلت له: ما رأيت أثبت من جنانك ولا أصح من رأيك فيما جرى. وأنت والله كما قال أشجع:

بديهته وفكرته سواءٌ إذا ما نابه الخطب الـكـبـير

وأحزم ما يكون الدهر رأياً إذا عي المشاور والمشير

وصدرٌ فيه للهم اتساعٌ إذا ضاقت بما تحوي الصدور

فقال الفضل: انظروا كم أخذ أشجع على هذه القصيدة فاحملوا إلى أبي محمد مثله. قال: يرثي صديقاً له من بغداد أخبرني الحسين بن القاسم الكوكبي إجازة قال: حدثني محمد بن عجلان قال: حدثنا ابن خلاد عن حسين الجعفي قال: كان أشجع إذا قدم بغداد ينزل على صديقٍ له من أهلها فقدمها مرة فوجده قد مات والنوح والبكاء في داره فجزع لذلك وبكى وأنشأ يقول:

ويحها هل درت على من تنوح أسقيمٌ فؤادها أم صحيح!

قمرٌ أطبقوا عليه ببغدا د ضريحاً ماذا أجن الضـريح!

رحم الله صاحبي ونديمي رحمةً تغتدي وأخرى تـروح

وهذه القصيدة التي فيها الأبيات المذكورة والغناء فيها من قصيدة يمدح بها أشجع الرشيد ويهنئه بفتح هرقلة وقد مدحه بذلك وهنأه جماعةٌ من الشعراء وغني في جميعها فذكرت خبر فتح هرقلة لذكر ذلك.

سبب غزاة الرشيد هرقلة أخبرني بخبره علي بن سليمان الأخفش قال: حدثنا محمد بن يزيد قال: كان من خبر غزاة الرشيد هرقلة أن الروم كانت قد ملكت امرأة لأنه لم يكن بقي في أهل زمانها من أهل بيتها – بيت المملكة – غيرها وكانت تكتب إلى المهدي والهادي والرشيد أول خلافته بالتعظيم والتبجيل وتدر عليه الهدايا حتى بلغ ابنٌ لها فحاز الملك دونها وعاث وأفسد وفاسد الرشيد فخافت على ملك الروم أن يذهب وعلى بلادهم أن تعطب لعلمها بالرشيد وخوفها من سطوته فاحتالت لابنها فسملت عينيه فبطل منه الملك وعاد إليها فاستنكر ذلك أهل المملكة وأبغضوها من أجله فخرج عليها نقفور وكان كاتبها فأعانوه وعضدوه وقام بأمر الملك وضبط أمر الروم فلما قوي على أمره وتمكن من ملكه كتب إلى الرشيد: كتاب نقفور إلى الرشيد ” من نقفور ملك الروم إلى الرشيد ملك العرب أما بعد فإن هذه المرأة كانت وضعتك وأباك وأخاك موضع الملوك ووضعت نفسها موضع السوقة وإني واضعك بغير ذلك الموضع وعامل على تطرق بلادك والهجوم على أمصارك أو تؤدي إلي ما كانت المرأة تؤدي إليك والسلام “.

رد الرشيد عليه فلما ورد كتابه على الرشيد كتب إليه: ” بسم الله الرحمن الرحيم – من عبد الله هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم أما بعد فقد فهمت كتابك وجوابك عندي ما تراه عياناً لا ما تسمعه “. ثم شخص من شهره ذلك يؤم بلاد الروم في جمع لم يسمع بمثله وقواد لا يجارون نجدةً ورأياً فلما بلغ ذلك نقفور ضاقت عليه الأرض بما رحبت وشاور في أمره.

أبو العتاهية يذكر هزيمة نقفور ويمدح الرشيد وجد الرشيد يتوغل في بلاد الروم فيقتل ويغنم ويسبي ويخرب الحصون ويعفي الآثار حتى صار إلى طرق متضايقة دون قسطنطينية فلما بلغها وجدها وقد أمر نقفور بالشجر فقطع ورمي به في تلك الطرق وألقيت فيه النار فكان أول من لبس ثياب النفاطين محمد بن يزيد بن مزيد فخاضها ثم اتبعه الناس فبعث إليه نقفور بالهدايا وخضع له أشد الخضوع وأدى إليه الجزية عن رأسه فضلاً عن أصحابه فقال في ذلك أبو العتاهية:

إمام الهدى أصبحت بالدين مغنياً وأصبحت تسقي كل مسـتـمـطـر ريا

لك اسمان شقا من رشادٍ ومن هدى فأنت الذي تدعى رشـيداً ومـهـديا

إذا ما سخطت الشيء كان مسخطاً وإن ترض شيئاً كان في الناس مرضيا

بسطت لنا شرقاً وغرباً يد العلا فأوسعت شرقياً وأوسـعـت غـربـيا

ووشيت وجه الأرض بالجود والندى فأصبح وجه الأرض بالجود موشيا

قضى الله أن يبقى لهارون ملكه وكان قضاء الله في الخلق مقـضـيا

تجللت الدنيا لهارون ذي الرضا وأصبح نـقـفـورٌ لـهـارون ذمـيا

شاعر من أهل جدة يعلم الرشيد بغدر نقفور فرجع الرشيد – لما أعطاه نقفور ما أعطاه – إلى الرقة فلما سقط الثلج وأمن نقفور أن يغزى اغتر بالمهلة ونقض ما بينه وبين الرشيد ورجع إلى حالته الأولى فلم يجتزىء ييى بن خالد – فضلاً عن غيره – على إخبار الرشيد بغدر نقفور فبذل هو وبنوه الأموال للشعراء على أن يقولوا أشعاراً في إعلام الرشيد بذلك فكلهم كع وأشفق إلا شاعراً من أهل جدة كان يكنى أبا محمد وكان مجيداً قوي النفس قوي الشعر وكان ذو اليمينين اختصه في أيام المأمون ورفع قدره جداً فإنه أخذ من يحيى وبنيه مائة ألف درهم ودخل على الرشيد فأنشده:

نقض الذي أعطاكه نقفور فعلـيه دائرة الـبـوار تـدور

أبشر أمير المؤمنين فإنه فتـحٌ أتـاك بـه الإلـه كـبـير

فلقد تباشرت الرعية أن أتى بالنقض عنه وافـد وبـشـير

ورجت بيمنك أن تعجل غزوةً تشفي النفوس نكالها مذكـور

أعطاك جزيته وطأطأ خذه حذر الصوارم والردى محـذور

وصرفت في طول العساكر قافلاً عنه وجارك آمن مسرور

نقفور إنك حين تغدر أن نأى عنك الإمام لجاهلٌ مـغـرور

أظننت حين غدرت أنك مفلتٌ هبلتك أمك ما ظننت غرور

ألقاك حينك في زواخر بحره فطمت عليك من الإمام بحور

إن الإمام على اقتسارك قادرٌ قربت ديارك أو نأت بك دور

ليس الإمام وإن غفلنا غافلاً عما يسوس بـحـزمـه ويدير

ملك تجرد للجهاد بنفسه فـعـدوه أبـداً بـه مـقـهـور

يا من يريد رضا الإله بسعيه والله لا يخفى عليه ضـمـير

لا نصح ينفع من يغش إمامه والنصح من نصحائه مشكور

نصح الإمام على الأنام فريضةٌ ولأهله كفـارةٌ وطـهـور

فتح هرقلة قال: فلما أنشده قال الرشيد: أو قد فعل! وعلم أن الوزراء احتالوا في إعلامه ذلك فغزاه في بقية من الثلج فافتتح هرقلة في ذلك الوقت فقال أبو العتاهية في فتحه إياها:

ألا نادت هرقلة بالخراب من الملك الموفق للصواب

وراياتٍ يحل النصر فيها تمر كأنها قطع السحـاب

أمير المؤمنين ظفرت فاسلم وأبشر بالغنيمة والإياب

قال محمد: وجعل الرشيد قبل وصوله إلى هرقلة يفتح المدن والحصون ويخربها حتى أناخ على هرقلة وهي أوثق حصنٍ وأعزه جانباً وأمنعه ركناً فتحصن أهلها وكان بابها يطل على وادٍ ولها خندق يطيف بها فحدثني شيخ من مشايخ المطوعة وملازمي الثغور يقال له علي بن عبد الله قال: حدثني جماعة أن الرشيد لما حصر أهل هرقلة وغمهم وألح بالمجانيق والسهام والعرادات فتح الباب فاستشرف المسلمون لذلك فإذا برجل من أهلها كأكمل الرجال قد خرج في أكمل السلاح فنادى: قد طالت مواقعتكم إيانا فليبرز إلي منكم رجلان ثم لم يزل يزيد حتى بلغ عشرين رجلاً فلم يجبه أحد فدخل وأغلق باب الحصن وكان الرشيد نائماً فلم يعلم بخبره إلا بعد انصرافه فغضب ولام خدمه وغلمانه على تركهم إنباهه وتأسف لفوته فقيل له: إن امتناع الناس منه سيغويه ويطغيه وأحر به أن يخرج في غد فيطلب مثل ما طلب فطالت على الرشيد ليلته وأصبح كالمنتظر له ثم إذا هو بالباب قد فتح وخرج طالباً للمبارزة وذلك في يوم شديد الحر وجعل يدعو بأنه يثبت لعشرين منهم فقال الرشيد: من له فابتدره جلة القواد كهرثمة ويزيد بن مزيد وعبد الله بن مالك وخزيمة بن حازم وأخيه عبد الله وداود بن يزيد وأخيه فعزم على إخراج بعضهم فضجت المطوعة حتى سمع ضجيجهم فأذن لعشرين منهم فاستأذنوه في المشورة فأذن لهم فقال قائلهم: يا أمير المؤمنين قوادك مشهورون بالبأس والنجدة وعلو الصوت ومداوسة الحروب ومتى خرج واحدٌ منهم فقتل هذا العلج لم يكبر ذلك وإن قتله العلج كانت وضيعة على العسكر عجيبة وثلمة لا تسد ونحن عامة لم يرتفع لأحد منا صوت إلا كما يصلح للعامة فإن رأى أمير المؤمنين أن يخلينا نختار رجلاً فنخرجه إليه فإن ظفر علم أهل الحصن أن أمير المؤمنين قد ظفر بأعزهم على يد رجل من العامة ومن أفناء الناس ليس ممن يوهن قتله ولا يؤثر وإن قتل الرجل فإنما استشهد رجلٌ ولم يؤثر ذهابه في العسكر ولم يثلمه وخرج إليه رجل بعده مثله حتى يقضي الله ما شاء قال الرشيد: قد استصوبت رأيكم هذا. فاختاروا رجلاً منهم يعرف بابن الجزري وكان معروفاً في الثغر بالبأس والنجدة فقال الرشيد: أتخرج قال: نعم وأستعين الله فقال: أعطوه فرساً ورمحاً وسيفاً وترساً فقال: يا أمير المؤمنين أنا بفرسي أوثق ورمحي بيدي أشد ولكني قد قبلت السيف والترس فلبس سلاحه واستدناه الرشيد فودعه واستتبعه الدعاء وخرج معه عشرون رجلاً من المطوعة فلما انقض في الوادي قال لهم العلج وهو يعدهم واحداً واحداً: إنما كان الشرط عشرين وقد زدتم رجلاً ولكن لابأس فنادوه: ليس يخرج إليك منا إلا رجلٌ واحد فلما فصل منهم ابن الجزري تأمله الرومي وقد أشرف أكثر الروم من الحصن يتأملون صاحبهم والقرن حتى ظنوا أنه لم يبق في الحصن أحدٌ إلا أشرف فقال الرومي: أتصدقني عما أستخبرك قال: نعم فقال: أنت بالله ابن الجزري قال: اللهم نعم فكفر له ثم أخذ في شأنهما فاطعنا حتى طال الأمر بينهما وكاد الفرسان أن يقوما وليس يخدش واحدٌ منهما صاحبه ثم تحاجزا بشيء فزج كل واحد منهما برمحه وأصلت سيفه فتجالدا ملياً واشتد الحر عليهما وتبلد الفرسان وجعل ابن الجزري يضرب الرومي الضربة التي يرى أنه قد بلغ فيها فيتقيها الرومي وكان ترسه حديداً فيسمع لذلك صوت منكر ويضربه الرومي ضرب معذر لأن ترس ابن الجزري كان درقة فكان العلج يخاف أن يعض بالسيف فيعطب فلما يئس من وصول كل واحد منهما إلى صاحبه انهزم ابن الجزري فدخلت المسلمين كآبة لم يكتئبوا مثلها قط وعطعط المشركون اختيالاً وتطاولاً وإنما كانت هزيمته حيلةً منه فأتبعه العلج وتمكن منه ابن الجزري فرماه بوهق فوقع في عنقه وما أخطأه وركض فاستل عن فرسه ثم عطف عليه فما وصل إلى الأرض حياً حتى فارقه رأسه فكبر المسلمون أعلى تكبير وانخذل المشركون وبادروا الباب يغلقونه واتصل الخبر بالرشيد فصاح بالقواد: اجعلوا النار في المجانيق وارموها فليس عند القوم دفع ففعلوا وجعلوا الكتان والنفط على الحجارة وأضرموا فيها النار ورموا بها السور فكانت النار تلصق به وتأخذ الحجارة وقد تصدع فتهافتت فلما أحاطت بها النيران فتحوا الباب مستأمنين ومستقبلين فقال الشاعر المكي الذي كان ينزل جدة: صوت

هوت هرقلة لما أن رأت عجباً حوائما ترتمي بالنفط والنار

كأن نيراننا في جنب قلعتهم مصبغاتٌ على أرسان قصار

في هذين البيتين لابن جامع لحن من الثقيل الأول بالبنصر.
قال محمد بن يزيد: وهذا كلام ضعيف لين ولكن قدرة عظيم في ذلك الموضع والوقت وغنى فيه المغنون بعد ذلك. وأعظم الرشيد الجائزة للجدي والشاعر وصبت الأموال على ابن الجزري وقود فلم يقبل التقويد إلا بغير رزق ولا عوض وسأل أن يعفى وينزل بمكانه من الثغر فلم يزل به طول عمره.
ابن جامع يغني الرشيد بهرقلة أخبرني محمد بن خلف وكيع قال: حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال: حدثنا أحمد بن علي بن أبي نعيم المروزي قال: خرج الرشيد غازياً بلاد الروم فنزل بهرقلة فدخل عليه ابن جامع فغناه: فنظر الرشيد إلى ماشية قد جيء بها فظن أن الطاغية قد أتاه فخرج يركض على فرس له وفي يده الرمح وتبعه الناس فلما تبين له أنها ماشية رجعوا فغناه ابن جامع: صوت

رأى في السما رهجاً فيمم نحوه يجر ردينياً وللرهج يستقري

تناولت أطراف البلاد بقدرةٍ كأنك فيها تقتفي أثر الخـضـر

الغناء لابن جامع ثاني ثقيل عن بذل وابن المكي.
أشجع يهنىء الرشيد بفتح هرقلة أخبرني هاشم بن محمد أبو دلف الخزاعي قال: حدثني الفضل بن محمد اليزيدي عن إسحاق الموصلي قال: لما انصرف الرشيد من غزاة هرقلة قدم الرقة في آخر شهر رمضان فلما عيد جلس للشعراء فدخلوا عليه وفيهم أشجع فبدرهم وأنشأ يقول:

لازلت تنشر أعياداً وتطويها تمضي بها لك أيام وتـثـنـيهـا

مستقبلاً زينة الدنيا وبهجتها أيامنا لك لا تفنـى وتـفـنـيهـا

ولا تقضت بك الدنيا ولا برحت يطوي لك الدهر أياماً وتطويها

أمست هرقلة تهوي من جوانبها وناصر الله والإسلام يرميهـا

ملكتها وقتلت الناكثين بها بنصر من يملك الدنيا ومـا فـيهـا

ما روعي الدين والدنيا على قدم بمثل هارون راعيه وراعيها

قال: فأمر له بألف دينار وقال: لا ينشدني أحدٌ بعده فقال أشجع: والله لآمره بألا ينشده أحدٌ بعدي أحب إلي من صلته.
حدثني أحمد بن وصيف ومحمد بن يحيى الصولي قالا: حدثنا محمد بن موسى بن حماد قال: حدثني عبد الله بن عمرو الوراق قال: حدثني أحمد بن محمد بن منصور بن زياد عن أبيه قال: دخل أشجع على الرشيد ثاني يوم الفطر فأنشده: صوت

استقبل العيد بعمرٍ جديد مدت لك الأيام حبل الخـلـود

مصعداً في درجات العلا نجمك مقرونٌ بسعد السعود

واطو رداء الشمس ما أطلعت نوراً جديداً كل يوم جديد

تمضي لك الأيام ذا غبطة إذا أتى عيدٌ طوى عمر عيد

يصف فتح طبرستان ويمدح الرشيد أخبرني محمد بن جعفر النحوي قال: حدثنا محمد بن موسى بن حماد قال: حدثني أبو عبد الله النخعي قال: دخل أشجع على الرشيد فأنشده قوله:

أبت طبرستان غير الذي صدعت به بين أعضائها

ضممت مناكبها ضمةً رمتك بما بين أحشـائهـا

سموت إليها بمثل السماء تدلى الصواعق في مائها

فلما نظرت إلى جرحها وضعت الدواء على دائها

فرشت الجهاد ظهور الجياد بأبنائه وبـأبـنـائهـا

بنفسك ترميهم والخيول كرمي العقاب بأفـلائهـا

نظرت برأيك لما همم ت دون الرجال وآرائهـا

قال: فأمر له بألف دينار.
يمدح الرشيد بعد قدومه من الحج وقد مطر الناس أخبرني محمد بن جعفر قال: حدثنا محمد بن موسى قال: حدثني أبو عمرو الباهلي البصري دخل أشجع بن عمرو السلمي على هارون الرشيد حين قدم من الحج وقد مطر الناس يوم قدومه فأنشده يقول:

إن يمن الإمام لما أتانا جلب الغيث من متون الغـمـام

فابتسام النبات في أثر الغي ث بنواره كسرج الظـلام

ملكٌ من مخافة الله مغضٍ وهو مغضى له من الإعظام

ألف الحج والجهاد فما ين فك من سفرتين في كل عام

سفرٍ للجهاد نحو عدو والمطـايا لـسـفـرة الإحـرام

طلب الله فهو يسعى إليه بالمطايا وبالجياد السـوامـي

فيداه يدٌ بمكة تدعو ه وأخـرى فـي دعـوة الإسـلام

يذكر حفر نهر ويمدح الرشيد أخبرني محمد بن جعفر قال: حدثني محمد بن موسى بن حماد قال: أخبرني أبو عبد الله النخعي قال: أمر الرشيد بحفر نهر لبعض أهل السواد وقد كان خرب وبطل ما عليه فقال أشجع السلمي يمدحه:

أجرى الإمام الرشيد نهراً عاش بعمرانه الموات

ألقمه درة لقوحاً يرضع أخلافهـا الـنـبـات

حلم الرشيد حلماً مزعجاً ومات بعده فرثاه أشجعأخبرني جحظة قال: حدثني ميمون بن هارون قال: رأى الرشيد فيما يرى النائم كأن امرأة وقفت عليه وأخذت كف تراب ثم قالت له: هذه تربتك عن قليل فأصبح فزعاً وقص رؤياه فقال له أصحابه: وما هذا قد يرى الناس أكثر مما رأيت وأغلظ ثم لا يضر. فركب وقال: والله إني لأرى الأمر قد قرب فبينا هو يسير إذ نظر إلى امرأة واقفة من وراء شباك حديد تنظر إليه فقال: هذه والله المرأة التي رأيتها ولو رأيتها بين ألف امرأةٍ ما خفيت علي ثم أمرها أن تأخذ كف تراب فتدفعه إليه فضربت بيدها إلى الأرض التي كانت عليها فأعطته منها كف تراب فبكى ثم قال: هذه والله التربة التي أريتها وهذه المرأة بعينها. ثم مات بعد مدة فدفن في ذلك الموضع بعينه اشتري له ودفن فيه وأتى نعيه بغداد فقال أشجع يرثيه:

غربت بالمشرق الشم س فقل للعين تدمع

ما رأينا قط شمساً غربت من حيق تطلع

يتغزل في جارية حرب الثقفي ويذمه أخبرني عمي قال: حدثنا محمد بن موسى قال: حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال: حدثني محمد بن عبد الله بن مالك قال: كان حرب بن عمرو الثقفي نخاساً وكانت له جارية مغنية وكان الشعراء والكتاب وأهل الأدب ببغداد يختلفون إليها يسمعونها وينفقون في منزله النفقات الواسعة ويبرونه ويهدون إليه فقال أشجع:

جاريةٌ تهتز أردافها مشبعة الخـلـخـال والـقـلـب

أشكو الذي لاقيت من حبها وبغض مولاها إلى الـرب

من بغض مولاها ومن حبها سقمت بين البغض والحب

فاختلجا في الصدر حتى استوى أمرهما فاقتسما قلبـي

تعجل الله شفائي بها وعجل الـسـقـم إلـى حـرب

قال مؤلف هذا الكتاب: فأخذ هذا المعنى بعض المحدثين من أهل عصرنا فقال في مغنية تعرف بالشاة:

بحب الشاة ذبت ضنى وطال لزوجها مقتي

فلو أني ملكتهما لأسعد في الهوى بختـي

يهنىء يحيى بن خالد بسلامته من المرض أخبرني أبو الحسن الأسدي قال: حدثنا سليمان بن أبي شيخ قال: حدثني صالح بن سليمان قال: اعتل يحيى بن خالدٍ ثم عوفي فدخل الناس يهنئونه بالسلامة ودخل أشجع فأنشده:

لقد قرعت شكاة ابن علي قلوب معاشرٍ كانوا صحاحـا

فإن يدفع لنا الرحمن عنه صروف الدهر والأجل المتاحا

فقد أمسى صلاح أبي علي لأهل الدين والدنيا صلاحـا

إذا ما الموت أخطأه فلسنا نبالي الموت حيث غدا وراحا

قال: فما أذن يومئذ لأحد سواه في الإنشاء لاختصاص البرامكة إياه.
يعود علي بن شبرمة في مرضه أخبرني الحسن بن علي قال: حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال: حدثنا محمد بن عمران الضبي قال: سمعت محمد بن أبي مالك الغنوي يقول: دخل أشجع السلمي على علي بن شبرمة يعوده فأنشأ يقول:

إذا مرض القاضي مرضنا بأسرنا وإن صح لم يسمع لنا بمريض

فأصبحت لما اعتل يوماًكطائرٍسما بجناحٍ للنهـوض مـهـيض

منعه حاجب أبان بن الوليد من الدخول عليه فهجاه أخبرني الحسن قال: حدثنا ابن مهرويه قال: حدثني محمد بن عمران قال: سمعت محمد بن أبي مالك يقول: جاء أشجع ليدخل على أبان بن الوليد البجلي فمنعه حاجبه وانتهره غلمانه فقال فيه:

ألا أيها المشلي علي كلابهولـيغـير أن لـم اشـلـهـنـكـلاب

رويدك لا تعجل علي فقد جرى بخزيك ظبيٌ أعضبٌ وغـراب

علام تسد الباب والسر قد فشا وقد كنت محجوباً ومالـك بـاب

فلو كنت ممن يشرب الخمر سادراً إذاً لم يكن دوني عليك حجاب

ولكنه يمضي لي الحول كاملاً وما لي إلا الأبـيضـين شـراب

من الماء أو من شخبٍ دهماء ثرةٍ لها حالبٌ لا يشتكي وحـلاب

مر بقبري الوليد بن عقبة وأبي زبيد الطائي فقال شعراً أخبرني أحمد بن جعفر جحظة قال: حدثني ميمون بن هارون قال: حدثنا علي بن الجهم قال: حدثني ابن أشجع السلمي قال: لما مر أبي وعماي أحمد ويزيد – وقد شربوا حتى انتشوا – بقبر الوليد بن عقبة وإلى جانبه قبر أبي زبيد الطائي – وكان نصرانياً – والقبران مختلفان كل واحدٍ منهما متوجه إلى قبله ملته وكان أبو زبيد أوصى لما احتضر أن يدفن إلى جنب الوليد بالبليخ قال: فوقفوا على القبرين وجعلوا يتحدثون بأخبارهما ويتذاكرون أحاديثهما فأنشأ أبي يقول:

مررت على عظام أبي زبيدٍ وقد لاحت ببلقعةٍ صلود

وكان له الوليد نديم صدقٍ فنادم قبره قبـر الـولـيد

أنيسا ألفةٍ ذهبت فأمست عظامهما تآنس بالصـعـيد

وما أدري بمن تبدا المنايا بأحمد أو بأشجع أو يزيد

قال: فماتوا والله كما رتبهم في الشعر أولهم أحمد ثم أشجع ثم يزيد.

صوت

حي ذا الزور وانهه أن يعودا إن بالباب حارسين قعـودا

من أساوير ما ينون قياماً وخلاخيل تذهـل الـمـولـودا

لا ذعرت السوام في فلق الص بح مغيراً ولا دعيت يزيدا

يوم أعطي مخافة الموت ضيماً والمنايا يرصدنني أن أحيدا

الشعر ليزيد بن ربيعة بن مفرغ الحميري والغناء لسياط خفيف رمل بإطلاق الوتر في مجرى البنصر عن إسحاق وذكر أحمد بن المكي أنه لأبيه يحيى وذكر الهشامي أنه لفليح. قال: ومن هذا الصوت سرق لحن: تلك عرسي تلومني في التصابي