ندوة الرائد: المقاطعة العربية لاسرائيل

ندوة الرائد: المقاطعة العربية لاسرائيل

نشرت وقائع هذه الندوة في كانون الثاني / يناير 1962 ، العدد الخامس عشر ، الرائد العربي

قامت المقاطعة العربية لاسرائيل كردة فعل لسلب الصهاينة للحقوق العربية المشروعة في فلسطين المحتلة وكوسيلة لتضييق الخناق على الاقتصاد الاسرائيلي لمنعه من النمو والاستقرار . وقد لعبت المقاطعة دوراً بالغ الاهمية في السنوات العشر الماضية في تقرير علاقات البلاد العربية باسرائيل وببعض الدول المتعاملة معها .

غير ان معرفة أثر هذه المقاطعة لم يدرس بعناية كافية . من هنا كانت دعوتنا لعدد من رجال الفكر والاعمال لعقد ندوة حول الموضوع ، رغبة منا في القاء بعض الضوء على الجوانب المختلفة للمقاطعة ، علنا نكون قد مهدنا السبيل امام دراسة أثر المقاطعة بصورة موضوعية ومجردة .

ساهم في هذه الندوة السادة :

الدكتور يوسف صايغ ، استاذ الاقتصاد في الجامعة الاميركية في بيروت .

الاستاذ وليد الخالدي ، استاذ العلوم السياسية في الجامعة الاميركية في بيروت .

الاستاذ برهان دجاني ، سكرتير المكتب الدائم لاتحاد غرف التجارة والصناعة والزراعة بيروت .

الاستاذ ادمون عصفور ، مدير التخطيط والاقتصاد ، شركة طيران الشرق الاوسط ،بيروت .

الاستاذ مروان اسكندر ، استاذ اقتصاد في كلية بيروت للبنات .

أدار الندوة الدكتور يوسف صايغ .

صايغ : تستمر المقاطعة العربية لاسرائيل منذ قيام اسرائيل في فلسطين المحتلة . وينظر العرب الى المقاطعة كعامل رئيس في مضايقة الاقتصاد الاسرائيلي ، وبالتالي مضايقة الكيان الاسرائيلي وعدم السماح له بالاستقرار والتعامل مع الدول العربية المجاورة . لكن ، على الرغم من اهمية الدور المسنود الى المقاطعة في عملية مجابهة اسرائيل ، فان أثر المقاطعة قلما جرت دراسته بدقة . ولعل دراسة كهذه لا بد لها من ان تحاول الاجابة على عدد من الاسئلة ، مما سنعرض له في هذه الندوة . ونقطة الانطلاق هي تحديد المقاطعة . وسيكون سؤالنا الاول هو التالي : ما هي المقاطعة العربية لاسرائيل ، وما هي الاجراءات والقيود التي تشملها ، وما هي الاجراءات التي تتقيد بها .

دجاني : تطورت المقاطعة منذ ان فرضت باشكال شتى شملت اجراءات متنوعة . فهنالك اولاً منع البضائع الاسرائيلية من الدخول الى الاسواق العربية ، سواء بصورة مباشرة او بصورة غير مباشرة او بصورة غير مباشرة عن طريق بلد ثالث او بطرق غير شرعية كالتهريب . كذلك تضمنت المقاطعة منذ ان فرضت منعاً مماثلاً لتصدير البضائع العربية الى اسرائيل . والقصد من منع البضائع الاسرائيلية دخول البلدان العربية هو لحرمان اسرائيل من الدخول الى الاسواق العربية . اما منع دخول البضائع العربية الى اسرائيل فالقصد منه منع اسرائيل من الحصول على المواد الاولية والمواد الغذائية والوقود بالاسعار المنخفضة التي يمكن ان تحصل عليها في البلدان العربية . وهذا ينطبق اكثر ما يكون على البترول والقطن وبعض المنتجات الزراعية .

الاجراء الثاني في المقاطعة ينص على منع السفر من والى اسرئيل ، ويحظر استعمال خدماتها . وهذا الحظر على الخدمات له اسبابه السياسية والعسكرية ، بالاضافة الى الاسباب الاقتصادية . وهذه الاسباب الاقتصادية واضحة ، وهي الرغبة في عدم اعطاء اسرائيل فرصة لبيع خدماتها في البلاد العربية وتحصيل ارباح من هذه الخدمات .

الى جانب هذين الحظرين على البضائع والخدمات نشأت بالتدريج اجراءات اخرى القصد منها مضايقة اسرائيل. وهذه الاجراءات لم تتناول البضائع والخدمات الاسرائيلية بالذات ، بل تناولت بضائع وخدمات ومؤسسات الاطراف الثالثة التي تتعامل مع اسرائيل . والقصد من هذه الاجراءات هو ردع هذه الاطراف من التعامل مع اسرائيل وبالتالي اغلاق كثير من المجالات امامها .

كانت اولى هذه الاجراءات الاجراء المتعلق بمقاطعة الشركات التي تنشيء فروعاً في اسرائيل . وقد اهتمت الدول العربية بهذه المقاطعة بالذات في الفترة التي حاولت فيها اسرائيل استدراج عدد من الشركات العالمية لتقيم لها مصانع في اسرائيل زاعمة انها تستطيع ان توزع منتجات هذه المصانع . وقد اضطر العديد من هذه الشركات الاجنبية الى اغلاق فروعها نتيجة للمقاطعة العربية وبتأثير ما اكتشفته من ان اسرائيل ليست سوقاً كافية . كذلك تناولت هذه الفئة من المقاطعة اجراءات لمضايقة حركة النقل من والى اسرائيل ، خاصة في ما يتعلق بالنقل البحري . وتنص هذه الاجراءات على ان كل باخرة تمر في ميناء عربي وميناء اسرائيلي في سفرة واحدة توضع على القائمة السوداء . كذلك توضع على هذه اللائحة السوداء كل ناقلة بترول تنقل البترول الى اسرائيل ، كما لا يسمح للناقلات المحملة بالبترول المتجهة الى اسرائيل بالمرور في قناة السويس . وشملت هذ الاجراءات منع الطائرات التي تهبط في مطارات اسرائيلية من المرور في الاجواء العربية . وكان من نتيجة هذا الاجراء ان مطار اللد لم يتمكن من ان يصبح مطاراً دولياً  ، وتحولت المطارات الدولية الى بيروت والقاهرة وغيرهما من المدن العربية .

كانت اجراءات المقاطعة تعزز احياناً بالاجراءات العسكرية بمقدار القوة المتيسرة للبلدان العربية المحيطة باسرائيل . وحصل هذا الامر حينما منعت البواخر الاسرائيلية من دخول خليج القبة وقناة السويس . إلا ان الظروف الدولية حالت دون الاستمرار في اغلاق مداخل العقبة . اما بالنسبة للمرور في قناة السويس ، فما زال هذا الاجراء سارياً .

كان آخر تطور في المقاطعة هو الاهتمام بها على الصعيد السياسي ، أي جعل المقاطعة جزءاً من العمل السياسي العربي ، بمطالبة الدول الصديقة التي ترغب في التعامل مع البلاد العربية بتقليص تعاملها مع اسرائيل. وقد حصل هذا الطلب اثناء انعقاد مؤتمر الدار البيضاء وحقق نجاحاً كبيراً . كذلك ، فهنالك عدد من الدول الصديقة تطبق بشكل ضمني نوعاً من الحظر على اسرائيل  ومنها باكستان واندونيسا وافغانستان ومؤخراً سيلان .

صايغ : بعد هذا العرض لاجراءات المقاطعة ، يتوجب معرفة مدى الدقة في تطبيقها . فالى اي مدى يجري تطبيق اجراءات المقاطعة باحكام ودقة ، وما هي الثغرات في كيفية التطبيق .

اسكندر : سأجيب على هذا السؤال من ناحيتين ، الاولى تتعلق بمدى شمول المقاطعة ، والثانية كيفية تطبيقها عملياً . فالبنسبة للناحية الاولى ، فان الاجراءات المنصوص عليها في قانون المقاطعة والمقررات التي اتخذها ضباط المقاطعة هي من الشمول بحيث انها ، فيما لو طبقت بدقة واتقان ، فانها ستحد الى درجة كبيرة من امكانية التعامل مع اسرائيل بصورة مباشرة او غير مباشرة . فقد أخذت احكام المقاطعة بالاعتبار اكثر الاحوال التي يمكن فيها لاسرائيل ان تدخل منتجاتها الى البلاد العربية او ان يدخل رأسماليوها كمستثمرين لاموالهم في البلاد العربية . كذلك نصت احكام المقاطعة على عدم السماح بالتصدير الى اسرائيل . على ان هناك من الناحية العملية بعض الثغرات تجد فيها اسرائيل منطلقاً لخرق طوق المقاطعة . فهناك ،مثلاً ، امكانية دخول الاسرئيليين كمساهمين في مؤسسات تركية او قبرصية بصورة مستترة . ونحن نشتري منتجات هذه المؤسسات على انها منتجات تركية او قبرصية ، بينما هي في الواقع منتجات مؤسسات يشترك في تمويلها اسرائيليون . وقد أخذت احكام المقاطعة هذه الثغرة بالاعتبار ، إلا ان امكانية منع تسرب الانتاج الذي يشترك فيه رأسمال اسرائيلي صعبة بسبب صعوبة الاستعلام عن اشتراك الاسرائيليين . لذلك نصت قرارات المقاطعة على احكام خاصة بالنسبة لبعض الدول التي يمكن لاسرائيل ان تستثمر فيها اموالها . فقد نصت احكام المقاطعة على انه يحب على المستورد من تركيا او من قبرص ان يحصل على شهادة منشأ تفيد ان البضائع المستوردة لا يشترك في انتاجها اسرائيليون . وللتشديد على هذه الناحية قسمت قرارات المقاطعة البضائع الى ثلاث فئات هي : الفئة الاولى ، وتشمل البضائع التي لا ينتجها البلد الثالث وتنتجها اسرائيل . وهذه يحظر استيرادها اطلاقاً من البلد الثالث ، خاصة من تركيا وقبرص . وتشمل الفئة الثانية البضائع التي ينتجها البلد الثالث ولكنه يستورد بعضها من اسرائيل . وهذه البضائع يتوجب الحصول بشأنها على شهادة منشأ تفيد ان البضائع من انتاج البلد الثالث ولا يشترك في انتاجها اسرائيليون . وتشمل الفئة الثالثة البضائع التي ينتجها البلد الثالث ولا تصدرها اسرائيل . وهذه يسمح باستيرادها من اية قيود .

هناك ثغرة اخرى اوجدتها التعويضات الالمانية لاسرائيل . فهذه التعويضات تقدم بشكل بضائع . وقد توفرت لاسرائيل امكانية طرح الفائض منها في الاسواق العالمية على انها بضائع المانية قد يشتريها مستوردون في البلدان العربية . وقد أخذت احكام المقاطعة بهذه الناحية ايضاً فنصت على انه لا يمكن استيراد البضائع الالمانية الا من المانيا نفسها ، والا قامت قرينة على ان هذه البضائع هي من فائض التعويضات الالمانية ووجب عندها على المستورد ان يبرهن عكس ذلك قبل السماح له بالاستيراد .

هناك ابضاً ثغرة ثالثة ناتجة عن قيام البعض بعمليات تهريب غير مشروعة . وقد تقدم مكتب مقاطعة اسرائيل بمشروع قانون لمعاقبة المهربين . ولا اعتقد انه جرى تطبيق هذا القانون بعد . وهذا يتيح للمهربين مجال ممارسة نشاطهم بحرية .

اما بالنسبة لتقيد الجهات المعنية باحكام المقاطعة ، فالتقيد بها يجري الى حد كبير ولكن ليس بالسرعة المرجوة . فهناك تفاوت زمني بين حصول المخالفة لاحكام المقاطعة واتخاذ الاجراءات المنصوص عليها . فهذه الاجراءات لا تتخذ الا بعد التبلغ والمصادقة عليها بالطرق الروتينية ، وهذه تتطلب وقتاً يختلف باختلاف الدول المعنية .

صايغ : هل تعتقد استاذ اسكندر ان التهريب يشمل مقادير كبيرة من البضائع ؟ .

اسكندر : من الصعب جداً معرفة كمية البضائع المهربة نظراً لأن عمليات التهريب تجري في الخفاء . لكنني اعتقد ان تهريب البضائع الاسرائيلية الى الدول العربية ليس كبيراً . إنما هناك بضائع لا تسمح اسرائيل باستيرادها وتهرب اليها بكميات ملحوظة .

عصفور : لكن كيف يتم الدفع في هذه الحالة ؟ . فاذا افترضنا ان اسرائيل تستورد من الدول العربية فهذا يعني ان الدول العربية إما انها تستورد بضائع من اسرائل بالمقابل ، او انها تحصل يشكل من الاشكال على اثمان بضائعها المصدرة الى اسرائيل .

اسكندر : بما ان التهريب يجري على نطاق الافراد ، فهؤلاء يقومون بالتهريب اذا توفرت لهم عملات صعبة .

صايغ : إن الدفع بعملة صعبة يعني ، او يفترض ، ان البضائع المهربة ارخص سعراً من البضائع التي تأتي عن طريق الاستيراد الرسمي .

اسكندر : يكون هذا صحيحاً لوكانت اسرائيل تسمح باستيراد كل السلع التي تحتاج اليها . ولكن بما انها تمنع استيراد بعض السلع فلا مجال للمقارنة بالنسبة لهذه البضائع .

عصفور : لي سؤال يتعلق باحكام المقاطعة . إن أهم البضائع التي تهرب الى اسرائيل هي البترول ومشتقاته . واكثر هذا البترول الذي تحصل عليه اسرائيل يأتي من ايران . فهل هناك طريقة لاحكام المقاطعة في ما يخص البترول ومشتقاته ؟ .

اسكندر : لي ملاحظة صغيرة قبل ان اجيب على سؤالك هذا . فقد ذكرت مجلة الايكونومست البريطانية ان اسرائيل تستورد سنوياً ما قيمته 18 مليون دولار من الزيت الخام من دول الاسترليني . كذلك ذكرت المجلة في المقال نفسه ان اهمية ميناء ايلات هي بالنسبة لاستيراد البترول . فالنتيجة المعقولة ان البترول الذي تستورده اسرائيل ، اوبعضه على الأقل ، يأتي من بلدان الخليج العربي الواقعة تحت سيطرة النفوذ البريطاني . لذلك أعتقد انه من المتوجب ان يبذل جهداً لاشراك بلدان الخليج في المقاطعة . كذلك يجب على العرب ، ولنفس السبب ، دعم مطالب الجزائر الاستقلالية . فانتاج النفط في الجزائر سيرتفع سنة 1965 وسيزيد عن حاجات فرنسا . وبما ان فرنسا هي من اصدق أصدقاء اسرائيل ، فمن المحتمل ان تقوم بتزويدها بالبترول في المستقبل غير البعيد .

دجاني : قد يكون ما افترضه الاستاذ اسكندر من ان البترول المستورد الى اسرائيل يأتي من بلدان الخليج العربي صحيحاً للغاية ، لكن ليس لدينا اي طريقة للتأكد من ذلك . وانا ارجح ان شركات النفط تعلم ان في الاقدام على هذا العمل مخاطرة لا مبرر لها . فشركات البترول التي تعمل في الخليج العربي هي نفسها التي تعمل في ايران . ومن الاسلم عاقبة لهذه الشركات ان تزود اسرائيل بالبترول من ايران بدلاً من الكويت او قطر مثلاً .

الخالدي : إن المعلومات التي توفرت لدي تدل بصورة قاطعة على ان مصدر النفط هو ايران . ولما ينطوي عليه البترول من اهمية ، فانه بفترض على الدول العربية ان تحاول سد هذه الثغرة . فما هي الوسيلة لذلك ؟ .

دجاني : يجب في هذه الحالة الضغط على شركات الكونسرتيوم التي تقوم بانتاج البترول الايراني ، والتي لها مصالح نفطية في البلدان العربية ،  بتهديدها باعادة النظر في امتيازاتها اذا لم تمتنع عن تزويد اسرائيل بالبترول .

اسكندر : قد يكون بالامكان الضغط على ايران عن طريق منظمة البلدان المصدرة للنفط ، اذا أصبحت هذه المنظمة ذات فعالية .

صايغ : ننتقل الآن الى بحث أثر المقاطعة على الاقتصاد الاسرائيلي . فالدراسات التي جرت حول هذا الموضوع قليلة ، مما يوجب علينا ان نولي هذه الناحية اهتماماً خاصاً . فما هو أثر المقاطعة ، كما يجري تطبيقها ، على شتى نواحي الاقتصاد الاسرائيلي ، إن من حيث رفع كلفته او من حيث حرمان هذا الاقتصاد من مشتريات يحتاج اليها من البلدان العربية او من اسواق عربية ملائمة له ؟ . وهل بالامكان اجراء كشف حساب بهذا الاثر؟.

عصفور : يشير السؤال كما وضع الى عاملين رئيسين هما : رفع الكلفة وحرمان الاقتصاد الاسرائيلي من مشتريات يحتاج اليها من البلدان العربية .

إن البضائع التي كان من الممكن لاسرائيل ان تشتريها من الدول العربية بكميات كبيرة هي البترول والقطن والحبوب والعلف واللحوم . وهذه كلها متوفرة في اسواق غير عربية ، ولها اسعار عالمية محددة ومعروفة ، ويمكن لاسرائيل ان تشتريها من خارج الاسواق العربية . انما شراء هذه البضائع من خارج البلدان العربية يحمل اسرائيل خسارة ناتجة عن ازدياد تكاليف النقل . ومن المعروف ان تكاليف نقل بضائع ذات وزن ثقيل وكبير ومعرضة ، في الوقت نفسه ، للعطب السريع ، مسألة مهم . وهناك خسارة اخرى تلحقها المقاطعة العربية باسرائيل متأتية عن تضييق السوق الطبيعية لاسرائيل . فالبلدان العربية سوق طبيعية لاسرائيل لقربها منها ولضآلة تكاليف النقل اليها . اما من ناحية التصدير الى دول افريقيا وآسيا ، فان زيادة تكاليف النقل تقلل من قدرة البضائع الاسرائيلية على مزاحمة بضائع الدول الاخرى ، خاصة وان الطريقة التي تمكن اسرائيل من المنافسة هي تخفيض اسعار منتجاتها .

إن أكبر خسارة تلحقها المقاطعة العربية باسرائيل هي في حرمانها من تصدير خدماتها الى البلدان العربية . فلا حدود للخدمات التي كان يمكن لاسرائيل ان تصدرها الى البلدان العربية لولا وجود المقاطعة ، وقد سبق ان عددها الاستاذ دجاني . من جهة اخرى ، يصعب اجراء كشف حساب برصيد أثر المقاطعة . فالرقم الوحيد الذي رأيته هو الذي ذكره ابا ايبان ، ممثل اسرائيل في هيئة الامم المتحدة ، كجزء من حجة استعملها في مجلس الامن . فقد ذكر ان اسرائيل تقدر الخسارة التي لحقت بها جراء المقاطعة تقدر بمئة مليون جينه استرليني خلال السنوات العشر المبتدئة في سنة 1948 . ولا يمكننا ان نأخذ هذا الرقم كأساس لتقديراتنا . فالمندوب الاسرائيلي كان ، ولا بد ، يبالغ في تقدير الخسارة لاغراض دعائية .

صايغ : تدخلنا ملاحظتك الاخيرة في بحث الأثر السياسي للمقاطعة . فلننتقل الى بحث هذه الناحية . فالى أي مدى يمكن القول ان المقاطعة تضع في يد الاسرائيليين والصهيونيين في الخارج سلاحاً دعاوياً يتمكنون بواسطته من استدرار العطف المعنوي والسياسي والمعونة الاقتصادية لاسرائيل ، وبالتالي التعويض عن أثر المقاطعة .

الخالدي : يصعب الجواب على هذا السؤال نظراً لصعوبة الفصل بين دور المقاطعة بالذات والجو القائم في العالم العربي بالنسبة للوضع الاسرائيلي . فنحن اجمالاً في موقف دفاعي في العالم العربي من الناحية العاطفية ومن الناحية السياسية في ما يتعلق باسرائيل . فهناك محاولة تقوم بها اسرائيل لاستعمال المقاطعة كسلاح في ترسيخ الفكرة القائلة بأن العلاقة بين العرب والصهيونية هي ظاهرة من ظواهر العداء الديني او العرقي لليهود . فالصهيونيون يحاولون دائماً ازالة التمييز بين العداء للصهيونية كحركة سياسية وبين الشعور نحو اليهود كطائفة دينية . واساليب تطبيق المقاطعة تلعب دوراً بارزاً من هذه الناحية . فنحن نسهل للصهيونية ولاسرائيل استخدام المقاطعة كسلاح دعائي ضدنا ضمن اطار الجو المعنوي العدائي للعرب من خلال عدم تمييزنا بين اليهودي والصهيوني في منح تأشيرات الدخول ، مثلاً .

الناحية الثانية تتعلق بالسويس . فقد استطاعت الصهيونية ان تخلق حول الجمهورية العربية المتحدة فكرة تضعها في مصاف الدول اللاسامية . واصبحت الجمهورية العربية المتحدة ، بالنسبة لكونها مركز الثقل السياسي في العالم العربي والعامل الاساس في منع السفن الاسرائيلية من دخول السويس ، هدفاً لهذا لهذا النوع من التهجم .

القضية الثالثة التي تسهل عملية الدعاية ضد العرب عن طريق سلاح المقاطعة ، هي ان الصهيونية تصور المقاطعة وكأنها جزء من سياسة التعدي والتهجم العربي على اسرائيل .    فالصيونية تعيد مبدأ المقاطعة لاسرائيل الى 15 ايار سنة 1948 قائلة ان الجيوش العربية دخلت اسرائيل غازية ومحاولة قلب نظام حكم أقرته هيئة الامم المتحدة . فالمقاطعة اذن ، في نظرها ، استمرار لهذا العمل العدائي الذي يبرر لاسرائيل اتخاذ اجراءات للدفاع عن النفس .

انا متيقن من ان اسرائيل ستقوم في الاشهر القليلة القادمة بحملة جديدة ضد المقاطعة في اميركا والاوساط العمالية في العالم . وهناك الآن مشروع للقيام بحركة عمالية على اوسع نطاق لمقاطعة السفن العربية . وقد يفشل هذا المشروع ، لكن أثره المعنوي سيكون كبيراً بالنسبة لموقفنا الدعاوي .

يجب علينا ، بالطبع ، بذل جهود كبيرة لمواجهة هذه المشاريع والاعمال الصهيونية . ففي ما يتعلق باستخدام الصهيونية للمقاطعة كسلاح لترسيخ فكرة لاسامية المقاومة العربية لها ، يتوجب علينا مقارعة هذا العمل الدعائي بنشاط دعائي مبرمج ومدروس . كذلك يجب ، في رأيي ، البحث في ازالة كلمة يهودي من استجواباتنا للشركات والافراد ، ذلك ان استعمال كلمة يهودي يعطي الصهيونية شحناًً دعائياً ، ولأن هناك صهيونيين غير يهود . ولعل أخطر من عانيناهم من الصهيونيين كانوا من غير اليهود . يمكننا ، مثلاً ، ان نطلب من الشخص ان يؤكد انه لم يشترك في السنوات العشر الماضية في تأييد الحركة الصهيونية عن طريق دفع التبرعات او عن طريق شراء السندات الاسرائيلية او غيرها من الضمانات .

اما في ما يتعلق بالربط من قبل الصهيونية العالمية بين الجمهورية العربية المتحدة وحدها ومنع السفن الاسرائيلية من عبور السويس ، يتطلب الامر موقفاً جماعياً من الدول العربية . فالقضية قضية عربية جماعية ، وليست قضية بلد عربي واحد . اما في ما يتعلق بتصوير المقاطعة كعمل عدائي من قبلنا ، فالرد عليه لا يكون الا عن طريق العمل الدعائي المركز . ونحن نلحظ فراغاً كبيراً في عملنا الدعائي بالنسبة لقضية فلسطين في العالم الغربي .

دجاني : أود أن أورد ملاحظة حول ما قاله الاستاذ الخالدي وهي ان مقدرة اسرائيل على استخدام المقاطعة في عمل دعائي محدودة بعامل في غاية الاهمية هوكون الدول الغربية الكبيرة،  وبالاخص الولايات المتحدة الاميركية ، تفرض هي الاخرى مقاطعات اقتصادية لاغراض سياسية . فاميركا ،مثلاً ، تفرض مقاطعة على الصين الشعبية ، كما انها تفرض مقاطعة على روسيا في ما يتعلق بالمواد الاستراتيجية . فاستعمال المقاطعة في عمل دعائي سلاح ذو حدين . وعلى الدول العربية ان تتنبه الى هذا الامر وان تأخذه بالاعتبار الجدي .

اسكندر: بالاضافة الى ما تقدم به الاساتذة الكرام أشير الى ان الصهيونيين قد فرضوا المقاطعة على العرب في فلسطين سنة 1949 ، أي قبل بدء المقاطعة العربية .

الخالدي : الواقع ان المقاطعة الصهيونية للعرب بدأت سنة 1897 ، أي عند تأسيس الحركة الصهيونية ، وهي من صلب هذه الحركة .

صايغ : تناول بحثنا حتى الآن أثر المقاطعة العربية على الاقتصاد الاسرائيلي . ولعله من المناسب الآن ان ننتقل الى بحث أثر المقاطعة على الاقتصادات العربية ، سواء كان الاثر سلبياً او ايجابياً . فما هو أثر المقاطعة على الاقتصادات العربية ، سواء أكان هذا الاثر مفيداً لهذه الاقتصادات أم ضاراً بها ، وبالتالي ما هو الرصيد النهائي عند مقارنة الفائدة بالضرر .

دجاني : باستطاعتنا دراسة أثر المقاطعة على الاقتصادات العربية من زاويتين ، ونحتاج في هذه الدراسة الى بعض التخيل . الزاوية الاولى هي الاثر العام على كل الاقتصادات العربية . وللمقاطعة نتيجتان بالنسبة لهذا الاثر : نتيجة مانعة ونتيجة تنشطية . في ما يختص بالمنع ، أعطت المقاطعة البلاد العربية نوعاً من الحماية ازاء محاولة اغراقية كان لا بد ان تقوم بها الصناعة الاسرائيلية . فالصناعة الاسرائيلية المرتفعة الكلفة تحصل على دعم مالي كبير يبلغ حوالى ستين الى سبعين مليون دولار سنوياً لتتمكن من المزاحمة والاستمرار . وبسبب الدفق الهائل من الاموال الصهيونية ، تستطيع الصناعة الصهيونية ان تمارس ضغطاً إغراقياً على البلاد العربية . وانا واثق من ان اسرائيل كانت ستمارس مثل هذا الضغط لو اتيحت لها الفرصة  لكن المقاطعة اغلقت امامها هذا الباب اغلاقاً تاماً . اما النتيجة التنشيطية فتتأتى من ان الصناعة الاسرائيلية شكلت حافزاً منشطاً للصناعة العربية ولارباب العمل العرب . فقد نشأ عند  الكثيرين من هؤلاء شعور بأن ما يستطيع ان ينتجه الاسرائيلي يجب على العرب ان يتمكنوا من انتاج مثيلاته . وهذه نتيجة يجب ان لا نتناساها عند تقدير نتائج المقاطعة .

الزاوية الثانية لدراسة أثر المقاطعة هي الاثر الخاص على بعض الاقتصادات العربية . فهذه الاقتصادات استفادت استفادة متفاوتة من المقاطعة الاسرائيلية . وهذا التفاوت ناتج عن الطريقة التي كانت المكاسب ستوزع على اساسها لو لم تكن هناك مقاطعة . وفي هذا المجال ، يمكن القول ان لبنان استفاد أكثر من سواه ، خاصة في مختلف ميادين الخدمات بفضل وعي لبنان لهذه الفوائد وقدرته اكثر من غيره على استخلاصها .

صايغ : استاذ دجاني ، هل يمكن القول اذن ان مقارنة اضرار المقاطعة بفوائدها بالنسبة الى الدول العربية اقتصادياً يكون بالنتيجة لصالح هذه الدول ؟ .

دجاني : بدون شك . وهنا أود ان اضيف ملاحظة جديدة . يقول الصهيونيون في معرض تهجمهم على المقاطعة انه لو اتيحت لهم الفرصة لتقديم خدماتهم الفنية للبلاد العربية لكانوا افادوا هذه البلدان كثيراً في تنميتها وتطويرها . والحقيقة هي ان اسرائيل لا تحتكر الخدمات الفنية ، بل هناك من هو أقدر من الاسرائيليين في هذا الميدان وباستطاعة البلدان العربية ان تستعين بهم . كما ان البلدان العربية آخذة الآن بتنمية مقدراتها الفنية ، وبالتالي فان هذه الحجة لا نصيب لها من الصحة.

صايغ : ننتقل الآن الى سؤالنا الاخير في هذه الندوة . هنالك اندفاع واضح من قبل اسرائيل باتجاه الاسواق الافريقية والآسيوية الشرقية ، بعد ان فتحت امام البواخر الاسرائيلية ابواب خليج العقبة.  ويبدو لي ان الضجيج الاعلامي الحاصل عن هذه الانطلاقة أوسع من عملية التبادل الاقتصادي الناتجة عنه . فهل يمكننا تقييم مدى اهمية انفتاح خليج العقبة في كسر طوق المقاطعة ؟ . وهل نجحت اسرائيل نتيجة لهذا الاندفاع عبر العقبة في التعويض عن اضرار المقاطعة ؟ .

عصفور : سأحاول ان أجيب على هذا السؤال بشكل عام ، وسأترك للاستاذ دجاني ان يعطينا امثلة حقيقية حيث انه زار افريقيا مؤخراً وكتب عنها .

الصناعة الاسرائيلية ، كما ذكر سابقاً ، مرتفعة الكلفة وليست بمستوى الصناعات الاوروبية والاميركية . وقد دلت دراسات قامت بها هيئة الامم ان القيمة المضافة على المنتجات الصناعية الاسرائيلية ضئيلة جداً . والطريقة الوحيدة التي تستطيع بها الصناعات الاسرائيلية ان تنافس الصناعات التي تفوقها نوعية لا بد ان تكون عن طريق تخفيض الاسعار . وهنا تجدر الاشارة الى ان ما يمكن لاسرائيل ان تصدره من بضائع مرتبط الى حد بعيد بقدرتها على دعم هذه الصادرات مالياً . وهذ الدعم قد يصل الى حدود 300 مليون دولار اميركي سنوياً ، أي ما يوزاي مجموع المساعدات المالية التي تحصل عليها اسرائيل من الخارج .

تتعلق الملاحظة الثانية بواقع التوظيف البشري . فمن اهم الامور بالنسبة لاسرائيل ايجاد مجالات لتوظيف الايدي العاملة فيها . ولا بد لاسرائيل من خلق صناعات قادرة على استيعاب الاعداد الكبيرة من الايدي العاملة . لذلك نراها تهتم في اقامة صناعات مهما بلغت تكاليفها ، حتى لو نتج عن ذلك هدراً للمساعدات التي تحصل عليها كي تؤمن الاستقرار الاقتصادي فيها وتظهر بمظهر الدولة القادرة على البقاء . وبما ان الدول العربية قد أغلقت اسواقها امام اسرائيل ، فانها تحولت نحو ما تبقى لها من اسواق افريقية واسيوية ، مستغلة الوهم الذي خلقته في هذه الاقطار بان اقتصادها ، خاصة صناعاتها ، متقدم . وقد قامت بمحاولات عديدة لفتح هذه الاسواق وحققت بعض النجاح المتواضع . واعتقد ان الاستاذ دجاني سيذكر لنا بعض الامثلة على محاولات اسرائيل في هذا المجال .

دجاني : البلدان الافريقية التي زرتها هي بلدان غرب افريقيا . وفي هذه البلدان تحاول اسرائيل ان تبيع منتجاتها على اسس اغراقية ، حتى ان السلع الاسرائيلية تباع هناك بنصف السعر الذي تباع به السلع المماثلة التي تنتجها البلدان الصناعية المتقدمة . إلا ان السلع ليست الا الطعم الذي تستخدمه اسرائيل من اجل الدخول في حقلي المقاولات والخدمات . وهي تعلق أهمية كبيرة على هذين الحقلين . والخطر من دخول الاسرائيليين في هذين الحقلين يكمن في انهم سيشاركون الحكومات المحلية بحيث يتمكنون من التغلغل في الاوساط الحكومية واستخدام الشركات المشتركة لافساد الحكومات والسيطرة عليها ، ويمكنهم بالتالي من الحصول المقاولات بارباح مرتفعة. وقد تنبه بعض المسؤوليين الافريفيين الى هذا الامر ، كما شاهدوا الغش في اعمال الشركات الاسرئيلية ولجوء هذه الشركات بشكل مستمر الى وسائل الافساد . ثم انهم يتدخلون ايضاً في السياسات المحلية لحساب دول اجنبية وبأمول سرية مصدرها الاستخبارات في الدول الاجنبية .

عصفور : هناك نوع آخر من التغلغل له أهميته الاقتصادية ، ولكنه أكثر أهمية من الناحية السياسية ، وهو دعوة عدد كبير من موظفي الحكومات ومن الطلاب الافريقيين للسفر الى اسرائيل للترفيه ولدورات تعليمية . مثل هذا العمل يزيد من ارتباط الطبقات الحاكمة في الدول الافريقية باسرائيل .

دجاني : لكن أهم ما يلفت النظر ان البلدان التي انضمت الى ميثاق الدار البيضاء أخذت تبتعد عن التعاون مع اسرائيل ، وبالتالي فان مقاومة الوجود الاسرائيلي في افريقيا يجب ان تكون عملية سياسية بامتياز .

الخالدي : هناك قضية لم تعالج بصورة كافية ولها علاقة بمحاولة اسرائيل كسر طوق المقاطعة ، وهي محاولتها دخول السوق الاوروبية المشتركة .

صايغ : إن دخول اسرائيل الى السوق الاوروبية المشتركة امر خطير للغاية ، ولكنني استبعده . فالدول الاقرب الى اوروبا من اسرائيل تجد صعوبة كبيرة في الانضمام الى السوق ، حتى ان دخول بريطانيا نفسها محفوف بالمخاطر والتساؤلات . ولعل البترول العربي يستطيع ان يلعب دوراً في ردع اوروبا الغربية من قبول انضمام اسرائيل الى السوق المشتركة ، اذا ما تقدمت هذه الاخيرة بطلب انضمام .

الخالدي : لا يمكن بحث انضمام اسرائيل الى السوق الاوروبية المشتركة على الصعيد الاقتصادي وحده ، لا سيما وان هنالك عداء بين بعض الدول العربية وبعض الدول الرئيسة في السوق . فالعمل الاقتصادي يجب ان يترافق مع عمل سياسي مركز .

صايغ : هذه قضية بالغة الاهمية ، لكن ضيق الوقت لا يسمح لنا التوسع في بحثها . وسأحاول الآن ان ألخص ما يبدو لي كاستنتاجات من ندوتنا هذه .

اولاً ، من الضروري جداً ابقاء المقاطعة والتوسع بها واحكامها حتى نبقي على التنبه للخطر الصهيوني ، وعلى الاقل من الناحية الاقتصادية .

ثانياً ، ينال الاقتصاد الاسرائيلي ضرر من المقاطعة ، لعله أقل مما نتمنى ان يكون ومما نظن ، ولكنه ملموس .

ثالثاً ، ان اسرائيل والمنظمات الصهيونية التي تساندها تستغل المقاطعة استغلالاً سياسياً واقتصادياً وعسكرياً الى حد ما في الخارج ، كما انها توظفها في استدرار العطف والمعونة وفي تشجيع الهجرة اليها .

رابعاً ، ان رصيد أثر المقاطعة على الاقتصادات العربية رصيد ايجابي ، أي ان الضرر اللاحق بالبلدان العربية أقل بكثير من استفادتها اقتصادياً ، استفادة مباشرة او غير مباشرة او من حيث ما كان سيكون عليه الوضع لو لم يكن هناك مقاطعة .

خامساً ، ان احكام المقاطعة عمل سياسي كما هو عمل اقتصادي ويتطلب من الدول العربية مجابهة محاولات اسرائيل لكسر طوق المقاطعة ، مجابهة اقتصادية وسياسية على السواء .