ندوة الرائد: دور الحكومات في التنمية الاقتصادية

ندوة الرائد: دور الحكومات في التنمية الاقتصادية

نشرت وقائع الندوة في تشرين الاول / اكتوبر 1961 ، العدد الثاني عشر ، الرائد العربي

أبرز ظاهرة في حياة المجتمعات المتخلفة اقتصادياً اليوم هي إدراكها لواقع تخلفها وسعيها الحثيث من اجل تنمية اقتصادياتها ورفع مستوى معيشة سكانها ، كي تتمكن من ان تلحق بركب التقدم ، وان تجاري المجتمعات التي سبقتها في هذا المضمار . وإذ تعمل الدول المتخلفة اقتصادياً اليوم على تحقيق هذه الغاية ، فانها تحاول تلمس افضل السبل التي تتيح لها القيام بعملية التنمية بأسرع وقت ممكن وبأقل كمية من الجهد . وهنا يبرز السؤال الاساس عن الدور الذي يمكن للقطاعات الحكومية ان تقوم به . فهل من الأفضل ان تشارك هذه القطاعات فعلياً في النشاطات الاقتصادية ام تترك هذا النشاط للقطاع الخاص وتكتفي الدولة وجهازها الرقابي بالتوجيه والاشراف . واذا ما اشترك القطاع العام في النشاطات الاقتصادية فالى أي مدى تكون مشاركته .

بحثت الندوة هذه الاسئلة واتخذ المشاركون فيها من الدول العربية مثالاً لبحثهم ، خاصة وان هذه الدول تمر اليوم في اكبر تجربة انمائية عرفتها دول متخلفة .

اشترك في الندوة السادة :

الدكتور يوسف صايغ ، استاذ الاقتصاد في الجامعة الاميركية في بيروت

الدكتور محمد عطا الله ، المدير العام للشركة العربية للتوظيف المالي في بيروت وعضو مجلس الانماء والاعمار في لبنان .

الدكتور سمير مقدسي ، استاذ مساعد في دائرة الاقتصاد في الجامعة الاميركية في بيروت .

الاستاذ محمد فياض دندشي ، مدير الصناعة والتعدين والمواصلات في وزارة التخطيط في دمشق .

الاستاذ عدنان مكوك ، دائرة الشرق الاوسط في صندوق النقد الدولي .

الاستاذ الياس سابا ، استاذ مساعد في دائرة الاقتصاد في الجامعة الاميركية في بيروت

أدار الندوة الاستاذ الياس سابا

سابا : يتعلق موضوع ندوتنا اليوم بدور الحكومات في التنمية الاقتصادية . ولقد وجدت من المستحسن ان نبدأ ابحاثنا ببعض الاراء النظرية المتعلقة بهذا الموضوع . وسأبدأ بطرح سؤال طالما تقت انا شخصياً لمعرفة الجواب عليه . فمن الملاحظ ان الدول المتخلفة اقتصادياً ، والتي تعمل حالياً على تطوير اقتصادياتها ، تعتمد الى درجة كبيرة ومتزايدة على القطاع الحكومي في عملية التنمية الاقتصادية ، بينما نجد ان غالبية الدول التي نعتبرها اليوم متقدمة اقتصادياً أحرزت تقدماً جذرياً هائلاً من دون الاعتماد على القطاع الحكومي . فما هي الاسباب الكامنة وراء هذا التباين في مقاربة عملية الانماء الاقتصادي بين ما عرفناه من تاريخ تطور اقتصاد بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة ، مثلاً ، وبين ما نشهده اليوم في الهند والجمهورية العربية المتحدة وغيرها. وبكلام آخر ، ما هي الاسباب الكامنة وراء تزايد الدور الذي يلعبه القطاع الحكومي في التنمية الاقتصادية .

عطا الله : أود ، قبل كل شيء ، ان أتساءل عن مدى صحة المسلمة الاولى من السؤال . هل يصح القول ان الدول التي تقدمت حتى الآن تقدماً اقتصادياً كبيراً لم تعتمد على القطاع الحكومي بشكل من الاشكال وفي ظرف من الظروف .

يجدر هنا التمييز بين صفتين للقطاع الحكومي : القطاع الحكومي كمؤسسة رسمية تقوم بعمليات الانتاج والتوزيع وغيرها من العمليات الاقتصادية ، والقطاع الحكومي كسلطة تتولى الاشراف على هذه العمليات من دون ان تقوم بها بنفسها .

هناك أمثلة متعددة على أهمية دور القطاع الحكومي في عملية التنمية الاقتصادية لم نذكرها هنا ، كالنمو الاقتصادي الذي شهدته اليابان والذي استند الى حد بعيد على المبادرات الحكومية . وحتى الدول التي تعتبر اليوم دولاً متقدمة اقتصادياً ، والتي ازدهرت بفضل الجهد الخاص ، حتى هذه الدول يمكن ان تشير الى أهمية دور القطاع الحكومي في تحقيق ازدهارها الاقتصادي . فنحن لا يمكن ان نتحدث عن النمو الاقتصادي في بريطانيا او البلدان المجاورة لها ، مثلاً ، من دون ذكر الشركات الكبيرة التي أسست فيها ، والتي اتجهت نحو اسواق التصدير واسواق المواد الخام في بلاد الشرق الاقصى والتي ، وان كانت رسمياً شركات خاصة ، فانها كانت تتمتع بالدعم الحكومي ، بل كانت الى حد ما الحكومة نفسها . اما في ما يتعلق بدور القطاع الحكومي كسلطة تتولى الاشراف على عمليات الانتاج والتوزيع ، فانا أعتقد ان الدول المذكورة في السؤال ، أي بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة ، قد أخذت منذ زمن بعيد نبيساً بالقناعة ان القطاع الحكومي يجب ان يكون له دور مهم في توجيه الاقتصاد وفي المساهمة في دفع عمليات النمو ، خاصة بعد ان أخذت عمليات النمو المتوازن تحظى باهتمام الاقتصاديين الاميركيين بعد كارثة الثلاتينيات . وانا أعتقد ان الاقتصاد في البلاد المتقدمة اقتصادياً يقع اليوم تحت سلطة الحكومة واشرافها أكثر من أي بلد متخلف حيث توكل امور التنمية فيه الى قطاعات حكومية بحتة بالمعنى الاول . فالاقتصاد الاميركي ، مثلاً ، هو تحت اشراف المؤسسات الحكومية التي توجهه والتي تحاول ان تؤثر في معطياته الاجمالية أكثر مما هو الحال في الاقتصاد الهندي مثلاً .

إن القطاع الحكومي ، بمعنى الاشراف الحكومي على عمليات الانتاج والتوزيع ، أصبح ضرورة للبلاد المزدهرة اقتصادياً والتي تريد ازدياد الازدهار ، كما هو ضرورة للبلاد المتخلفة اقتصادياً والتي تريد ان تبدأ عملية الانماء . كذلك كان دور القطاع الحكومي مهماً في عملية تطوير اقتصاديات البلاد المتقدمة اقتصادياً اليوم .إلا ان دور القطاع الحكومي في البلاد المتخلفة اقتصادياً يختلف عما هو في البلاد المتقدمة فيما يتعلق بأخذ المبادرة . فاذا كانت مهمة القطاع الحكومي في البلاد المزدهرة اقتصادياً هي الاحاطة بالمبادرة الخاصة واحتضانها وتوجيهها وتشجيعها ، فقد تكون مهمة القطاع الحكومي في البلاد المتخلفة خلق المبادرة .

سابا : لا شك ان التباين بين دور القطاع الحكومي في البلاد المتقدمة ودوره في البلاد المتخلفة هو تباين كمي أكثر مما هو تباين نوعي . ومما لا شك فيه ايضاً ان القطاع الحكومي في الدول المتقدمة حالياً قد لعب دوراً مهماً . لكن الذي نلاحظه ان زمام المبادرة في الدفعة التطويرية الاولى في اقتصاد فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة الاميركية كان في يد القطاع الخاص . أما اليوم ، فان القطاع الحكومي في الدول المتخلفة يأخذ على عاتقه زمام المبادرة . فما هي الاسباب التي تدعو الدول المتخلفة اقتصادياً اليوم الى اعتماد القطاع الحكومي في اخذ زمام المبادرة ، ولماذا لا تأتي الدفعة التطويرية الاولى عن طريق القطاع الخاص .

صايغ : هناك عدد من الاسباب التي تدعو الى هذه الظاهرة . ولا بد هنا من الدخول في مقارنة تاريخية بين حال التخلف اليوم في البلدان المتخلفة وبين حالة التخلف التي كانت تسيطر في بريطانيا ، مثلاً ، في منتصف القرن الثامن عشر . ومما لا جدال فيه ان بريطانيا عندما كانت في حالة التخلف في منتصف القرن الثامن عشر كانت أفضل حالاً مما نحن عليه اليوم في البلدان المتخلفة من حيث مستوى الدخل الفردي وانتشار التعليم ومستواه وتوفر الامكانيات وعدم وجود ضغط سكاني .هذا من حيث الفرق في الموارد والظروف الاقتصادية المحضة . لكن هناك امراً آخر هو الفرق في الالحاح الاجتماعي . فقد كان بامكان صاحب العمل في القرن الثامن عشر ان ينصرف بكليته الى رفع مستوى الانتاج من دون ان يضطر الى بذل المزيد من التفكير والجهد في كيفية ارضاء عماله . ومن الملاحظ ان اكتساب الآراء الاجتماعية التقدمية يتم بشكل اسرع من اكتساب القدرة التقنية ، بحيث ان العامل في الوطن العربي أصبح لديه اليوم بعض افكار اجتماعية اكثر تطوراً من قدرته التقنية . وهذا يخلق الحاحاً اجتماعياً شديداً تضطر معه الدولة الى التدخل من اجل ان تخطو خطوات واسعة نحو المساواة الاجتماعية والاقتصادية . والفرق الثالث ينتج عن نظر العديد من الاقتصاديين الى عدم صلاح النموذج الاقتصادي المشار اليه بنموذج المنافسة الحرة التي يرتكز اليه الاقتصاد الكلاسيكي : عدم صلاحه ، اولاً ، من حيث عدم انطباقه على الاوضاع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية ، وثانياً من حيث عدم قدرته النظرية على تلبية متطلبات المجتمع المتخلف حالياَ .

هناك سبب آخر يتمثل في ان معظم البلدان المتخلفة قد مر بتجارب سياسية مؤلمة مع الاستعمار الاجنبي أوجدت حالات من عدم التوازن . وبحسب اصطلاح اقتصادي شرقي من بورما ، يقول  في معرض الحديث عن ايجاد التوازن او السعي لازالة عدم التوازن ، ان هناك ظواهر لعدم التوازن نشأت في البلدان المستعرة تتطلب ازالتها تدخل الدولة ، كسوء توزيع الثروة والدخل والنمو غير المتكافيء بين القطاعات او الجزر النامية في البلدان المتخلفة كانتاج النفط في بعض البلدان . فقطاع النفط متقدم كلياً ، وهو جزيرة متقدمة تقنياً في وسط محيط من التخلف الاقتصادي .

كل هذه العوامل ، في رأي ، تجعل تدخل الدولة امراً ضرورياً ، وتحملها مسؤولية لم تكن موجودة في منتصف القرن الثامن عشر او القرن التاسع عشر . ولهذا ، اذا رغبنا في تحري نقطة المبادرة لوجدنا ان لا احد غير الدولة يستطيع اخذ زمام المبادرة في بلد لم ينطلق بعد صوب النمو الاقتصادي . اما حيث يكون هذا الانطلاق قد بدأ ، وحيث بدأت المؤسسات الاقتصادية تتكامل وتتكاثر ويرتفع مستوى فعاليتها ، فعندئذ يكون بامكان القطاع الخاص أخذ المبادرة ويجند نشاطه وامكاناته لينمي الاقتصاد الوطني .

سابا : لو اعتبرنا ان تزايد أهمية دور القطاع العام يتوقف على المعطيات الاقتصادية وعلى ان القطاع الخاص وقد أخذ زمام المبادرة ، ونظرنا الى الدول العربية كنموذج لتطبيق هذه النظرية ، فما الذي سنجده ؟ . لدينا في البلاد العربية مثالين على نهجين في الاقتصاد : كلاسيكي ومستجد ، اذا صح التعبير . فهنالك الجمهورية العربية المتحدة التي تحاول ان تخلق نموذجاً اقتصادياً مستجداً ، ولدينا الاقتصاد اللبناني الذي يمكن ان يسمى اقتصاداً كلاسيكياً . فهل يتفضل الاستاذ دندشي ويشرح لنا دور القطاع الخاص في اقتصاد الجمهورية العربية المتحدة ، والى أي مدى يصح القول ان الجمهورية العربية المتحدة تحاول ، بقطاعها العام ، ان تأخذ زمام المبادرة حيث فشل القطاع الخاص .

دندشي : من الافضل عندما نتحدث عن الجمهورية العربية المتحدة ان يقتصر حديثنا على ما حدث ، اذ انني أعتقد انه من السابق لاوانه الحديث عما يحدث .

مما لا شك فيه ان الثورة عندما قامت في الاقليم المصري قامت على أساس كونها ثورة شاملة . والثورة الشاملة تعني تغيراً جذرياً في المجتمع من حيث القيم والمفاهيم والاساليب ، وتعني بالتالي احداث ، او السعي لاحداث ، مجتمع جديد . وبطبيعة الحال ، فقد كانت الخطوة الاولى للمسؤولين الجدد هو التعرف على الاوضاع القائمة آنذاك وتحري الاسباب التي تعرقل التقدم . وقد تبين للمسؤولين ان القطاع الخاص كان في غالب الاحيان يسيطر على الحكم والدولة . ومنعاً لهذه السيطرة والتخلص منها بدأت الحكومة تتدخل ، وابتدأت الثورة تعمل على كافة الصعد والمستويات ، وفي كافة النواحي الاقتصادية والاجتماعية . وعندما تمت الوحدة انتشرت عدوى الثورة الى الاقليم السوري .

كانت الاوضاع الاقتصادية في الاقليم السوري تختلف عما كانت عليه في الاقليم المصري . فقد قامت في سوريا بعد الاستقلال نواة لقطاع خاص . ثم نمت هذه النواة وتوسعت مع الوقت ، وأصبحت من العوامل الرئيسة في تنمية الاقتصاد السوري ورفعه الى المستوى الذي وصل اليه قبل الوحدة . ولحسن الحظ ان غالبية هذه النواة كانت من العناصر الوطنية ، بينما كانت العناصر الاجنبية هي التي تسيطر على الاقتصاد المصري . وبلغ نشاط القطاع الخاص في الاقليم السوري الحد الاقصى الذي يمكن ان يصل اليه . وعندما تمت الوحدة ، أخذت الدولة على عاتقها القيام بتطوير الاقتصاد والعمل على تنميته . فتبنت من اجل تحقيق هذه الغاية مبدأ التخطيط . وتمشياً مع هذا المبدأ ، رسمت الدولة خطة للاقليم السوري حددت بموجبها الخطوط العريضة للتنمية. وكان من أهم أهدافها مضاعفة الدخل خلال عشر سنوات . ثم ان الدولة أشركت القطاع الخاص بالخطة، فكان من نصيبه 40 – 45 بالمئة من مجموع الاستثمارات المقدرة . ولم تأخذ الدولة على عاتقها الا المشاريع التي اعتقدت ان طبيعتها لا تتلاءم مع خصائص القطاع الخاص .

سابا : هل تعتقد ، استاذ دندشي ، ان ادارة المصارف والصحافة لا تقع ضمن خصائص القطاع الخاص ؟ .

دندشي : يقودنا الحديث عن المصارف الى موضوع اجراءات التأميم التي حدثت مؤخراً في الجمهورية العربية المتحدة ، خاصة في الاقليم السوري . القضية ، كما تبدو لي ، هي ان الدولة عندما رسمت خطة التنمية حددت الموارد المطلوبة لتنفيذ هذه الخطة . ولكي تقوم الدولة بحصر الموارد المتوفرة في الاقليم السوري اضطرت الى ان تقوم بنفسها بادارة المصارف وشركات التأمين ، وذلك لتتمكن من معرفة الامكانات الداخلية ، ومعرفة ما يلزمها من الخارج للحصول عليه .

سابا : ذكر الاستاذ دندشي ايضاً ان هنالك بعض التفاوت في المعطيات الاقتصادية بين الاقليمين  المصري والسوري . هل يمكن القول ان هذا الاختلاف في المعطيات الاقتصادية لا يشكل اختلافاً جذرياً يتطلب اختلافاً في السياسة الاقتصادية المتبعة في الاقليمين ؟ .

محوك : اود اولاً ان أعلق على ما قاله الاستاذ دندشي بشأن القطاع الخاص في الاقليم السوري . انا أعتقد ان كل من يطلع على انجازات الاقتصاد السوري في ما بين سنتي 1950 و 1958 لا بد وان يصل الى نتيجة تظهر ان معدل النمو عن طريق القطاع الخاص في الاقليم السوري كان من أعلى المعدلات في العالم . فالاحصاءات التي تنشرها دوائر الاحصاء في الاقليم السوري تدل على ان الزيادة الحقيقية في الدخل القومي بلغت 80 بالمئة في عشر سنوات . وتم تحقيق هذه الزيادة بالرغم من تقصير الدولة . لهذا ، فانا لا يمكنني ان أقبل الحجة القائلة بان جمود القطاع الخاص هو الذي دفع الدولة الى التدخل . وانا أعتقد ان السبب هو فشل القطاع الخاص في الاقليم المصري . وبما ان هناك وحدة بين الاقليمين ، فيجب ان يتشابه النظامان الاقتصاديان في الاقليمين .

عطا الله : أعتقد ان اللجوء الى استعمال الامثلة العملية قد أضاف زاوية جديدة الى بحثنا . إن المشكلة في الاساس هي في تحديد الجهة التي يجب ان نعهد اليها بعملية التنمية . أي ، اذا وضعنا السؤال بشكله الابسط ، فلنقل من هي الجهة التي يجب ان تأخذ زمام المبادرة ، هل هي القطاع العام ام القطاع الخاص ؟.

أما اذا اخذنا ببحث الانظمة الاقتصادية في البلاد التي تحدث فيها ثورات اجتماعية ، فنحن بذلك نزيد وجهاً جديداً للبحث ، لأن هذه الثورات لا تقبل ان تكون مهمتها حل مشكلة التنمية الاقتصادية فقط ، بل ان لها مهمة اخرى هي تحقيق العدالة الاجتماعية والتوزيع الافضل للدخل . وانا اعتقد انه لا يمكننا معرفة النظام الاقتصادي الافضل الذي يحل مشكلتي التنمية والتوزيع اذا اقتصرنا في بحثنا على درس المعطيات الاقتصادية بمفردها ، وعلى التساؤل عمن يستطيع ان يقوم بمهمة التنمية . هذا السؤال لا نستطيع ان نجيب عليه من دون ان نأخذ الاعتبارات الاجتماعية والسياسية في الحسبان . لكن ، ما هو النظام الاقتصادي الافضل الذي يحقق اكبر قدر ممكن من زيادة الانتاج القومي ، والذي يحقق في الوقت نفسه افضل توزيع للدخل . هذا السؤال لا يمكن ان نتوصل الى الاجابة عليه عن طريق الجدل الاقتصادي البحت .

إن معظم الثورات التي حدثت بعد الحرب العالمية الثانية توجهت بشدة ضد القطاع الخاص ، لا لأن هذا القطاع أثبت عجزه في القيام بالتنمية المطلوبة ، بل لأنه أكل معظم الكعكة . وبكلام أوضح ، ان المسيطرين على القطاع الخاص كانوا هم المستفيدين من عملية التنمية التي يمكن ان يكونوا قد نجحوا فيها نجاحاً كبيراً . اذن ، فالثورات الاجتماعية توجهت ضد القطاع الخاص لا لأنه فشل دائماً في عملية التنمية ، وقد يكون قد فشل او لم يفشل ، ولكن لأنه فشل في إقامة نظام يضمن التوزيع العادل .

مقدسي : لا يمكن تحديد دور الدولة في عملية التنمية بصورة اعتباطية . فهذا الدور قد يختلف من زمن الى زمن ومن مكان الى مكان حسب المعطيات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وغيرها من العوامل التي تؤثر في النمو الاقتصادي . وهدف التنمية يمكن تحقيقه بأكثر من سبيل واحد ، وليس العامل الاقتصادي وحده ، بل كما ذكر الدكتور عطا الله ، هو الذي يقرر أياً من السبل التي يجب اتباعه . فاذا كان هدف التنمية في الاقليم الشمالي الوصول الى معدل في زيادة الدخل القومي تبلغ 7 بالمئة ، فقد يمكن تحقيق هذا الهدف في ظل نظام اشتراكي ، كما يمكن الوصول اليه بواسطة نظام يسمح بحرية فردية نسبية ، كما هو الحال الآن في لبنان . لكن النتائج الاجتماعية التي ترتبط باتباع احد هذين السبيلين هي التي تقرر ايهما أصلح للاقليم السوري .

دندشي : أعتقد ان القطاع الخاص في الاقليم السوري قد وصل الى نقطة لا يمكن للجهد الفردي ان يتجاوزها في رفع معدل النمو الذي وصل اليه الآن .

سابا : على ماذا تبني اعتقادك هذا يا استاذ دندشي ؟

دندشي : انا أضع في ذهني الرقعة الزراعية القابلة للزراعة في الاقليم السوري . لقد استحدث القطاع الخاص أراض جديدة للزراعة . لكن الطريقة التي أستحدث القطاع الخاص بواستطها هذه الاراضي قد استنفدت أغراضها . ولا يمكن الآن توسيع رقعة الاراضي القابلة للزراعة بالاساليب التي كان يتبعها القطاع الخاص .

مقدسي : استاذ دندشي ، انا أومن ايماناً كبيراً بوجوب تزايد دور الحكومة في التنمية الاقتصادية. لكنني لست مقتنعاً بأن القطاع الخاص في الاقليم السوري قد وصل في القطاع الزراعي الى نقطة لا يمكن بعدها تنمية هذا القطاع الا بالقرارات التي اتخذت مؤخراً . فلو ان الدولة أمدت القطاع الخاص بالمعلومات التقنية ، هل كان بوسعنا ان نقول آنذاك انه لا يمكن للقطاع الخاص ان ينمي القطاع الزراعي أكثر مما نماه ؟ .

عطا الله : أعتقد ان هناك أسباباً كثيرة تبرر ضرورة تدخل القطاع الحكومي في الاقليم السوري ، وهناك مبرر وحيد يمكن ان يقال لمصلحة القطاع الخاص في الاقليم السوري هو الذي ذكره الاستاذ دندشي . ولو اتبعنا منطق الحجة هذه ، فاننا نجد ان القطاع الخاص قد وصل الى الى الحد الأعلى من التنمية بالنسبة للامانات التقنية المتوفرة لديه ، وان التقصير كان من جانب القطاع العام .

سابا : قد يجوز انه بالنسبة للمعطيات الاقتصادية المتفرقة أن استنفد القطاع الخاص كل مجال للمبادرة . إنما هنالك اسلوباً آخر للتدخل الحكومي ، عدا التدخل المباشر والتملك الحكومي ، يتمثل بتغيير المعطيات الاقتصادية ببناء السدود ، مثلاً ، او احداث برامج للارشاد وسواها .

دندشي : كان السبب في تحديد الملكية ، على ما أعتقد ، بلوغ الطاقة الانتاجية أقصى ما يمكن ان تصل اليه في ظل النظام القديم . لهذا وضعت الدولة سقفاً للملكية الزراعية في الاقليم السوري ، رغبة منها في رفع الطاقة الانتاجية للرقعة الزراعية المتوفرة .

سابا : لا شك ان الموضوع متشعب . اود لو انتقلنا الى مقارنة اخرى . لو اعتبرنا ان النظام الاقتصادي المتبع في الجمهورية العربية المتحدة هو النظام الامثل ، ليس من اجل تحقيق زيادة معينة في الدخل الوطني فحسب ، بل ايضاً من اجل اجراء توزيع عادل للدخل ، فهل يمكننا ان نقول ان النظام المتبع في لبنان هو ايضاً نظام ملائم للمعطيات الاقتصادية فيه ؟ .أي هل يمكن القول إن النظامين الاقتصاديين القائمين حالياً في الجمهورية العربية المتحدة وفي لبنان يعكسان اعتبارات اقتصادية مختلفة ، بحيث ان النظام الاقتصادي في كل منهما يلائم المعطيات الاقتصادية فيه ؟ . فاذا كان الجواب بالنفي ، ما هي المقترحات التي يمكن بحثها من اجل تحسين النهج الاقتصادي في البلدين ؟ .

عطا الله : اولاً ، لا أريد ان أقلل من أهمية العامل الجغرافي في تحديد النظام الاقتصادي . فانا أعتقد ان المعطيات الجغرافية تؤثر في تحديد النظام الاقتصادي الأفضل . لكن لا يمكن تحديد النظام الاقتصادي الافضل للبنان بناء على المعطيات الجغرافية وحدها .

إن الاقتصاد اللبناني ليس اقتصاداً عجيباً . كل ما في الامر ان لبنان يعتمد في دخله ، الى حد كبير مبالغ فيه ، على قطاع الخدمات . ثم ان توزيع الانتاج في لبنان على القطاعات الاقتصادية توزيع غريب ، وهو ليس مرغوباً فيه من قبل معظم الاقتصاديين اللبنانيين . فمعظم هؤلاء يعتقدون ان هناك عدم توازن في القطاعات الاقتصادية اللبنانية تجب معالجته . ويجري الاتجاه الآن نحو زيادة نصيب القطاعين الصناعي والزراعي في الدخل الوطني ، حتى يصبح مقود الاقتصاد اللبناني في يد ابنائه أكثر مما هو عليه الآن ، وحتى تصبح قدرة التأثير على الاقتصاد من قبل القطاعين الحكومي والخاص أكبر وأفعل .

سابا : هل يعتبر الدكتور عطا الله ان عدم التوازن الموجود حالياً بين القطاعات الاقتصادية يسبب عدم استقرار في الاقتصاد اللبناني ؟ .

عطا الله : يتأثر الاقتصاد اللبناني ، بفعل طبيعة تكوينه الحالي ، بالعوامل الخارجية الى حد بعيد . وكل اقتصاد يتأثر بعوامل خارجة عن ارادة ابنائه الى مثل هذا الحد يكون ابناؤه أقل قدرة على تنظيمه .

سابا : ما هو رأي الدكتور صايغ ؟ .

صايغ : إن ما أعتقده في هذا الصدد هو ما يلي : ليس هناك من أسباب خاصة تحبب بكيان اقتصادي تتفوق فيه قطاعات على قطاعات اخرى . المحك هو نجاح الاقتصاد بكيانه الحاضر في تأمين دوام ازدهاره . من هنا أقول إن تفوق قطاع الخدمات في لبنان ، بما يستدعي ذلك من اعتماد كلي على البلدان المجاورة والتعاون معها في ميادين الاصطياف والسياحة والترنزيت ، يخلق ظروف عدم استقرار وتخوف ، بقدر ما تكون العلاقات السياسية والاقتصادية مع الدول المجاورة غير منسجمة . وبما ان البلدان المجاورة ، التي كان لبنان مركز خدمات لها ، تسعى سعياً حثيثاً الآن لتنمية قدراتها على الاستيراد والتصدير وعلى بناء مصايفها وانشاء مراكز مالية فيها ، فان مركز القوة في الاقتصاد اللبناني ، في رأي ، مهدد بفعل هذا الاتجاه وليس بسبب عجز اللبنانيين من الاستمرار في استثمار هذه الناحية من شخصيتهم .

ثم هناك ناحية اخرى شخصية ، لي رأي فيها . إنها النفسية العنائية catering التي تخلق اهتماماً بالمهارة الكلامية بدل الاهتمام بالخلق الانتاجي . لهذا أعتقد ان الاقتصاد اللبناني ، من صالحه كاقتصاد ، ومن صالح المجتمع اللبناني كمجتمع ، أن يسعى ، من أجل تأمين استمرار الازدهار الذي يتمتع به لبنان حالياً ، الى اجراء بعض التعديل في حصص القطاعات الاقتصادية من الدخل الوطني . وباستثناء هذا التحفظ ، فانا أعتقد ان الاقتصاد اللبناني يلائم الشخصية اللبنانية الى حد بعيد . لهذا لا أرى ان الاقتصاد اللبناني سيتجه بشكل تطوري باتجاه يقربه كثيراً من اقتصاد الجمهورية العربية المتحدة . كذلك ، في رأي ، لا أرى في النظام الاقتصادي في الجمهورية العربية المتحدة نظاماً ايديولوجياً . فالاشتراكية في الجمهورية العربية المتحدة ، حتى بعد القرارات الاخيرة ، تقف موقفاً عملياً وواقعياً . فلو كان النظام الاشتراكي فيها نظاماً ايديولوجياً لبدأت عندئذ باتخاذ مواقف محددة ، بقطع النظر عن صلاحية هذه المواقف او عدم صلاحيتها ، من الاهداف التي اختطتها الدولة لنفسها .

من هنا أرى ان الاقتصاد اللبناني يلائم الشخصية اللبنانية ، لكن بولغ في ملائمته هذه . كذلك أرى ان النظام السائد في الجمهورية العربية المتحدة قد بولغ فيه ايضاً ، أي ان الجمهورية العربية المتحدة ذهبت الى حد بعيد في الاندفاع في الاتجاه الذي تسير فيه ، لأنها جمهورية ديناميكية متحركة . وقد تولد لدى واضعي السياسة العامة فيها شعور بانه لا يجوز الوقوف عند حد معين ، بل يجب الاندفاع الى آخر المرحلة . وبما ان الجمهورية العربية المتحدة تقود الدول المتخلفة في مضمار التجارب الاجتماعية ، فان هذا قد ولد عاملاً نفسياً حملها على الاندفاع الى هذه المرحلة من الاشتراكية .

سابا : ليسمح لي الدكتور صايغ ان أخالفه في ما يختص بملاءمة الاقتصاد اللبناني للشخصية اللبنانية . فانا أعتقد ان اعتماد الاقتصاد اللبناني على الخدمات لا يلائم الشخصية اللبنانية ، بل يضيعها ويمحوها . وقد يكون هذا الاعتماد ملائماً للشخصية البيروتية ، انما ليس الشخصية اللبنانية ككل .

مقدسي : انا لا أعتقد ان هذه هي نقطة البحث الاساسية . فالقضية ليست قضية اعتماد لبنان على قطاع الخدمات ، وما اذا كان هذا الاعتماد على الخدمات يلائم الشخصية اللبنانية ام لا . إن القضية هي قضية إيجاد التوازن في الاقتصاد اللبناني وديمومته . ان تنمية القطاعين الصناعي والزراعي يجب ان تتم بغض النظر عما اذا كان لبنان يعتمد على الخدمات ام لا ، وبغض النظر عن المؤثرات السياسية والاجتماعية الخارجية .

عطا الله : إن الغاية الانسانية لكل اقتصاد كانت في كل البلدان بلوغ الحد الاقصى للانتاج . ثم برزت غاية جديدة هي بلوغ الشكل الاكمل للتوزيع بأقل جهد ممكن . وهذه متطلبات انسانية تصح في أي بلد كان . وانا أعتقد ان اللبنانيين ما زالوا بحاجة الى رفع الانتاج وتحسين التوزيع . وما زالوا ايضاً بحاجة الى حسن استخدام امكاناتهم الانتاجية . وكذلك الحال في الجمهورية العربية المتحدة . وحتى يستطيع اللبنانيون ان يصلوا الى الحد الاعلى للانتاج ، والى الشكل الأكمل للتوزيع ، أن يستفيدوا من كافة امكاناتهم الانتاجية . يجب ان يستمروا في استغلال مواهبهم الطبيعية في قطاع الخدمات وان يبذلوا جهداً اكبر في القطاعين الصناعي والزراعي . ولا يمكن للبنانيين ان يقوموا بالجهد المطلوب الا اذا ساعدهم القطاع الحكومي ، أي الا اذا قام القطاع الحكومي بتوجيه الجهد الاكبر الى الزراعة والصناعة ، وتدخل ايضاً في توزيع الدخل ، اذ يجب ان لا ينظر اللبنانيون الى توزيع الدخل في لبنان مع الرضى عن النفس . فارتفاع مستوى الطبقات الفقيرة في لبنان عنه في البلاد المجاورة ليس دليلاً على وجود عوامل استقرار إضافية ، بل انه دليل على وجود عامل قلق أكبر . فالقلق الذي يحصل مع سوء توزيع الثروات يكون خطره اكبر اذا كان مستوى الطبقات الفقيرة اعلى . والدليل على ذلك ان أكبر القلق الاجتماعي الذي يحدث في لبنان الآن لا يأتي من قبل الفئات المعوزة كثيراً ، بل يأتي من الفئات المنظمة التي يزيد مستوى دخلها عن المتوسط اللبناني.

اما في ما يتعلق بالنظام الاقتصادي في الجمهورية العربية المتحدة ، فما ظهر منه حتى الآن يقنعنا ان النظام القائم يهتم ، أكثر ما يهتم في الوقت الحاضر ، بناحية التوزيع العادل للثروة . اما مشكلة انماء الدخل فهي مشكلة صعبة جداً . وانا أعتقد انها ستبقى تحدياً للجمهورة العربية الى أمد بعيد .

وأنا أعتقد ، من جهة اخرى ، ان الشيء الجديد في النظام الاقتصادي في الجمهورية العربية المتحدة لم يظهر حتى الآن . فالاجراءات التي اتخذت حتى هذا التاريخ اجراءات عرفت من قبل بلاد اخرى واعطيت لها اسماء كثيرة . اما بالنسبة الى ما سيخرج من هذه البوتقة التي تصهر فيها مختلف الانظمة حتى يخرج منها النظام الاشتراكي الديمقراطي ، فما زلنا نتطلع الى المستقبل حتى نرى ما تخبئه البوتقة .

محوك : من الملاحظ ان حيثما توجد قيود مالية واقتصادية ينشأ “مركز” يتوفر فيه قسط اكبر من الحرية ، وتنشأ فيه النفسية العنائية . ويعيش هذا ” المركز ” الى حد ما على الخدمات . وفي الشرق الاوسط حاجة ملحة الى الخدمات التي يقدمها لبنان . واللبنانيون أكثر سكان المنطقة قدرة على القيام بهذه الخدمات . وطالما زادت القيود في الشرق الاوسط ، فمن الطبيعي ان يزداد ازدهار الاقتصاد اللبناني . لهذا ، أرى ان ان اساس ازدهار لبنان ما زال موجوداً ، وان هذا الازدها اخذ ينتقل الى القطاعات المنتجة للسلع ، ولا أرى بالتالي ان هناك حدوداً يتوقف عندها ازدهار الاقتصاد في لبنان .

دندشي : أعتقد انه ، بالنسبة للجمهورية العربية المتحدة ، لا يجوز الحكم على ما يجري فيها الآن. فهي ما زالت في مرحلة انتقال . لكن اذا أخذنا الاتجاه العام وتحرينا الدوافع لتوسع القطاع الحكومي ، لرأينا ان هناك رغبة لدى المسؤولين لرفع المستوى المعيشي للمجتمع العربي وتحقيق عدالة أفضل في التوزيع . وهذه الرغبة منبثقة من واقع المجتمع العربي الذي أدركه المسؤولون تمام الادراك . وهناك عامل آخر هو عامل الزمن . وهو عامل يلعب دوراً كبيراً بالنسبة للجمهورية العربية المتحدة . فهناك أهداف معينة يبغي المسؤولون الوصول اليها في فترة قصيرة معينة . لذلك لا يمكن ترك الامور تنمو نمواً طبيعياً بطيئاً .

كذلك للجمهورية العربية المتحدة أهداف إنسانية أهم بكثير من مجرد التنمية الاقتصادية . فللجمهورية العربية رسالة مهمة هي السمو بالقيم والمفاهيم في مجتمعنا العربي ، حتى يتمكن المواطن العربي من الاسهام في الحضارة الانسانية . ولعل أبرز دليل على هذا هو احداث وزارة للبحث العلمي . وهذه الاهداف التي رسمتها الجمهورية العربية المتحدة لنفسها لا يمكن للقطاع الخاص تحقيقها . لذلك اصبح من الضروري ان تتدخل الحكومة بشكل فعال .

سابا : يمكن القول اذن ، ان على الحكومات العربية ان تلعب دوراً فعالاً ومسؤولاً في تحقيق رغبة المجتمع العربي برفع مستواه المعيشي ، وبأن تسهم اسهاماً فاعلاً في عمليات الانماء ، وان تتدخل من أجل تحقيق نظام أكمل يؤمن التوزيع العادل للثروات والمداخيل.