ندوة الرائد: العلاقات الاقتصادية والتجارية بين البلدان العربية و دول افريقيا

ندوة الرائد: العلاقات الاقتصادية والتجارية بين البلدان العربية و دول افريقيا

نشرت وقائع هذه الندوة في كانون الاول / ديسمبر ، 1961 ، العدد الرابع عشر ، الرائد العربي

يرتبط الوطن العربي باقطار افريقيا بصلات وشيجة وروابط متعددة . فالى جانب الصلات والروبط السياسية والثقافية والجغرافية ، هناك الروابط الاقتصادية ذات الأثر المهم الفاعل في تقرير العلاقات بين العرب وافريقيا  وذات التأثير الكبير على مستقبل هذه العلاقات وامكانات تطويرها في مختلف الحقول والمجالات .

إن المشاكل الاقتصادية التي تواجهها اقطار افريقيا اليوم ، بعد ان أخذ ظل الاستعمار ينحسر عن ربوعها شيئاً فشيئاً ، سبق ان واجهنا معظمها في وطننا العربي وما زلنا نواجه بعضها الآخر ، الأمر الذي يجعل للتعاون العربي – الافريقي ابعاده الاقتصادية والتجارية التي تتعدى الاستفادة المادية المتبادلة ، ابعاداً تدفعنا جميعاً الى تعزيز التضامن بين شعوبنا تجاه الاخطار التي هددتها في الماضي وتهددها في الحاضر والمستقبل بصور متنوعة ومتجددة . وهذا ما يجعل من موضوع هذه الندوة أمراً بالغ الاهمية . وقد دعونا للاشتراك في هذه الندوة فئة من الملمين في هذا الموضوع ومن المعنيين مباشرة بالعلاقات العربية – الافريقية . وقد اشترك في ندوتنا هذه السادة :

الدكتور محمد عطالله ، مدير الشركة العربية للتوظيف المالي في بيروت وعضو مجلس التصميم والانماء في لبنان .

الدكتور الياس غناجه ، استاذ الاقتصاد في الجامعة اليسوعية في بيروت .

الاستاذ برهان دجاني ، امين عام الاتحاد العام لغرف التجارة والصناعة والزراعة العربية .

الاستاذ انيس بيبي ، مدير بنك الاتحاد الوطني في  بيروت .

الاستاذ اسكندر ساره ، المستشار القضائي لجمعية المصارف في لبنان .

الاستاذ مالك شهاب ، مستشار لبنان التجاري في دكار .

الدكتور مروان حنا ، مستشار لبنان الثقافي في دكار .

وقد ادار الندوة الاستاذ عبد المحسن ابو ميزر .

ابو ميزر : سؤالنا الاول يرمي الى إعطاء فكرة عامة عن الاوضاع الاقتصادية في دول افريقيا. فهل لنا في بداية الندوة ان نعطي لمحة موجزة عن هذه الاوضاع في دول افريقيا التي نرغب اليوم في استقصاء امكانات التعاون الاقتصادي معها ؟ .

دجاني : إن الاقتصاديات الافريقية تتشابه الى حد ما . فنتيجة للاوضاع التي كانت سائدة قبل موجة الاستقلال الحديثة فانها تختلف من ناحية واحدة بسبب اختلاف السياسات التي اخذت الدول الافريقية تنتهجها بعد ان نالت استقلالها . أما أوجه الشبه فهي تلك الناجمة عن كون الاقتصاديات الافريقية كلها ، فيما مضى ، كانت تابعة لاقتصاديات البلدان الاوروبية المتقدمة ، ذلك لأن هذه الدول كانت بلداناً مستعمرة وكون الدول المستعمرة كلها تنهج نمطاً واحداً في التنظيم الاقتصادي لبلدان افريقيا .

فالدول المستعمرة كانت تحرص ، بالدرجة الاولى ، على توجيه الاقتصاديات الافريقية نحو انتاج المواد الاولية والمواد الاستهلاكية الاولية التي تحتاجها اقتصاديات الدول المستعمرة ، كانتاج الكاكاو والفستق السوداني وزيت النخيل والبن والمطاط والفاكهة الاستوائية والخامات المعدنية كخام الحديد والاكسيد وغيرهما والماس والذهب ومواد اخرى عديدة . وكانت الدول المستعمرة تحرص ، في الوقت نفسه ، على جعل مستعمراتها الافريقية سوقاً لمنتجاتها . فلو درسنا المؤسسات الاقتصادية الموجودة في الدول الافريقية لوجدناها تعكس هذا النمط الاستعماري . فالاوروبيون موجودون في افريقيا من خلال نوعين رئيسين من المؤسسات : اولاً المؤسسات المالية التي تمول عمليات انتاج المواد الاولية من ناحية وتمول التجارة الخارجية مع افريقيا من ناحية ثانية ؛ وثانيا ، الشركات الكبرى التي تقوم باستيراد البضائع الاستهلاكية من البلدان الاوروبية . والى جانب هذه المؤسسات ، هنالك الشركات العاملة مباشرة في انتاج المواد الاولية الافريقية التي تحتاج اليها الاقتصاديات الاوروبية ، كشركة فايرستون في ليبيريا وشركات التعدين في العديد من الاقطار الافريقية . أما أوجه الاختلاف في الاقتصاديات الافريقية فقد اخذت تظهر الآن نتيجة لسياسة التنمية المختلفة التي تنتهجها الدول الافريقية حالياً.

يلاحظ ، على وجه العموم ، أن الدول الافريقية الاكثر نزوعاً الى الاستقلال الفعلي ، تحاول ان تسارع خطوات التغيير ، بينما هنالك دول افريقية اخرى لم تزل مستمرة على النمط القديم . ونحن نستطيع ان نشير الى ثلاث دول تحاول الآن تغيير النمط الاستعماري القديم وهي غانا وغينيا ومالي . فقد انتهجت هذه الدول الثلاث نهجاً اشتراكياً وأخذت تخضع الشركات الاجنبية العاملة فيها لقيود شديدة ، وفي بعض الاحيان تؤممها . وتأمل هذه الدول الثلاث ان تصل في نهاية المطاف الى توطيد اقتصادياتها والى اقامة صناعات متنوعة تخفف من الاعتماد على الاستيراد من الخارج . وهناك على النقيض من هذه الدول مجموعة اخرى من الدول الافريقية التي تنتهج سياسة اقتصادية حرة ، او ما يسمى بنظام الباب المفتوح . ومن أهم هذه الدول ليبيريا وشاطيء العاج والسنغال ودول الحلف الرباعي . وما زالت اقتصاديات هذه الدول على وجه العموم تتبع النهج الاقتصادي القديم وليس لها سياسة تهدف الى الاسراع بتوطيد الاستقلال ، وإن كانت ترغب في زيادة التنمية الاقتصادية في البلاد قدر الامكان . فهي لا تمارس اي ضغط على المؤسسات القديمة التي كانت ايام الاستعمار، بل تشجعها وتؤمن لها الحماية ، كما انها تسمح بنطاق واسع من التجارة الحرة . وفي الوسط بين هاتين السياستين تقف نيجيريا ، أكبر الدول الافؤيقية والتي لها من ضخامة حجمها ووفرة مواردها الطبيعية ما يؤمن لها قاعدة استغلالية قوية لا تحتاج معها الى الكثير من الضغط لتخفف استغلالها . لذلك نراها تنتهج سياسة اقتصادية تقع في الوسط بين السياسة الحرة وسياسة التخطيط الاشتراكي .

هذه هي المظاهر الاساسية للاوضاع الاقتصادية في افريقيا حالياً . هناك ملاحظة واحدة اود ان اضيفها ، وهي ان انحسار الحكم الاوروبي عن القارة الافريقية قد بدأ يعطي نتائج اقتصادية في غاية الاهمية . فالاوروبيون ، بعد انتشار حركات الاستقلال ، لا يقبلون على الاستثمار في افريقيا بنفس الثقة القديمة ، وبالتالي فان الكثير من الاقتصاديات الافريقية يمر اليوم في مرحلة حرجة بسبب انتهاء العهد الاقتصادي القائم على الاستثمار ، وعدم تبلور العهد الجديد الذي سينبثق عن الاستقلال ، والذي سيكون الاساس للنمو الاقتصادي في هذه البلدان .

ابو ميزر : استاذ دجاني . هل هناك اي نوع من التكلات الاقتصادية بين الدول الافريقية المستقلة حديثاً ؟ .

دجاني : لا تزال الاقتصاديات الافريقية حتى هذه اللحظة مرتبطة بالاقتصادات الاوروبية التي انبثقت عنها في الاصل ، أكثر مما هي مرتبطة في ما بينها . وهذا امتداد للسياسة الاقتصادية القديمة ، كما هو امتداد للواقع الاقتصادي الذي كان قائماً وما يزال الى الآن . فالدول الافريقية ما تزال تعتمد بشكل شبه كلي على استيراد القسم الاكبر من سلع الاستهلاك وكل سلع راس المال من الدول الصناعية الاوروبية . ومن الطبيعي ان يتغير هذا الوضع في المستقبل . وقد جرت ابحاث متعددة لاقامة سوق افريقية مشتركة ، لكن هذه الابحاث لم تتبلور بعد .

ابو ميزر : هناك مشروع وحدة اقتصادية بين غينيا وغانا .

دجاني : مثل هذه المشاريع يمكن ان تتحقق اذا ارادت لها الهيئات السياسية ذلك . لكن يجب ان نتساءل عن مدى قيمتها العملية . أنا أعتقد ان قيمتها الاساسية قد تشكل اطاراً للمستقبل اكثر مما هي واقع للحاضر . فالاسوق الافريقية مجتمعة سوقاً كبيراً جداُ ، لكنها سوق لا تنتج السلع التي تحتاج اليها البلاد ، مما يضطرها الى الاعتماد على استيراد السلع من الخارج ، بانتظار ان تنشأ صناعات محلية .

ابو ميزر : هل من ملاحظات اخرى ؟ .

بيبي : اقتصر الاستاذ دجاني في بحثه على دول غرب افريقيا ، وانا أعتقد ان الاستاذ دجاني تعمق في حصر البحث في هذه الدول ، إذ ان هذه الدول هي التي نهتم بها من ناحية اقتصادية عند بحث امكانات التعاون بين الدول العربية ودول افريقيا . إن الامكانات الاقتصادية في هذه الدول كبيرة . وكان من نتائج حصولها على الاستقلال ان فتحت مجالات العمل والتعاون الاقتصادي بيننا وبين هذه الدول مما يدفعنا الى زيادة الاهتمام بهذا التعاون .

ابو ميزر : تنقلنا ملاحظة الاستاذ بيبي الى سؤالنا التالي المتعلق بامكانات التعاون بين البلدان العربية ودول افريقيا . وتدل التقارير على ان امكانات التعاون الاقتصادي بيننا وبين هذه الدول متعددة الجوانب . فهل بمكن ان نعدد هذه الامكانات في حقول التجارة واستثمار الاموال والتعاون الفني ؟ .

عطا الله : لي ملاحظات عامة اود ان ابديها الان قبل ان اجيب على هذا السؤال المهم ، خوفاً من ان نقع في منزلق . انا اتخوف من اللهجة التي فيها ما يدور في تفكير البعض من ان افريقيا ميدان للنشاط الاقتصادي العربي . فمثل هذا التفكير يدعو الى التساؤل عن الفرق بيننا وبين الاوروبيين الذين استعمروا افريقيا في الماضي . فاذا أخذنا هذا التحفظ بعين الاعتبار يمكن عندها بحث الموضوع على أساس سليم ، إذ يصبح عندها أساس البحث معرفة الاشياء التي تحتاج اليها الدول الافريقية ومدى قدرتنا على تزويدها بها .

انا أعتقد ان الدول الافريقية لا تختلف كثيراً عن البلدان العربية في تجهيزها الفني وفي ثروتها الطبيعية . هذا ، مع اننا ننادي بأننا قد حققنا تقدماً كبيراً في ميادين التنظيم الاقتصادي والمالي والاستثماري والفني . فالتجهيزات الموجودة في الدول الافريقية ، في هذا الميدان ، قد تفوق مثيلاتها في البلدان العربية . لذلك يجب عند البحث في امكانات التعاون بين البلدان العربية ودول افريقيا ان لا نتناسى الواقع الاقتصادي في كل من البلدان العربية ودول افريقيا . هذه الدول تعتمد في الدرجة الاولى على تصدير المواد الخام ، فلذا هي تحتاج الى اسواق لتصريف هذه المواد . ومن ناحية ثانية تهدف الدول الافريقية الى تشييد كيانات اقتصادية قوية ، وهي لهذا السبب بحاجة الى خبرات فنية حقيقية تدعم جهودها في تشييد هذه الكيانات . ووضع البلدان العربية ، كما نعلم ، لا يختلف عن هذا الوضع . فهي ايضاً تحتاج الى اسواق لتصريف مواردها الخام والى كفاءات فنية تنظم امكاناتها الاقتصادية والمالية . لذلك أعتقد ان التعاون الاقتصادي بين البلدان العربية وافريقيا هو الآن أصعب منه في اي وقت مضى . فطاقاتنا على استيعاب المواد الخام التي تصدرها الدول الافريقية محدودة جداً وقدرتنا على تزويدها بالكفاءات الفنية هي ايضاً محدودة . لذلك أقول ان الدور الذي يمكن ان نقوم به ينحصر ، الى حد بعيد ، بدور الوسيط . وهذا الدور اداه مغتربون على مدى سنين عديدة واستحقوا عليه القاباً كثيرة نحن بغنى عن ذكرها . ولا يمكننا اليوم ان نستعيد هذا الدور الذي ارتبط بالنفوذ الاجنبي وما قام به المغتربون في مساعدته على تصريف سلعه الاستهلاكية وتأمين المواد الخام باسعار ملائمة للدول المصدرة .

انا لا أريد ان أكون متشائماً في تقديري لامكانية التعاون الاقتصادي بيننا وبين الدول الافريقية . لكنني اود ان تزول الفكرة السائدة بان افريقيا بلد مفتوح لكل راغب . فانا أعتقد ان أهم رصيد نتمتع به في هذا المضمار هو وحدة المشاكل بيننا وبين دول افريقيا ، واننا ونحن نبني كياننا من جديد ، بعد التخلص من الاستعمار عندنا وعندهم ، ان نصبح اقدر على التعاون مع دول افريقيا وهي تواجه المشاكل نفسها التي نواجهها نحن .

سارة : ما قاله الدكتور عطا الله عن المغتربين هو في مكانه . فالدور الذي اداه المغتربون قد انتهى عهده ، ولا يمكننا ان نقوم به مجدداً . كما ان الافريقيين لا يرغبون ان نقوم به ، بل هم يرغبون في ان يلعب مغتربونا ، اذا شاءوا البقاء في افريقيا ، دوراً جديداً ، دور المشاركة مع المواطنين في المشاريع الانمائية . واعتقد ، كذلك ، ان هنالك مجالاً للتبادل الفني بيننا وبين الدول الافريقية . هذا اذا أخذنا بالاعتبار ما قاله الدكتور محمد عطاالله عن وجود امكانات فنية في الدول الافريقية . ولدي اقتراح ، بهذا الخصوص ، سآتي على ذكره عند بحث هذه الناحية .

غناجة : انا ايضاً أعتقد ان الدور الذي لعبه المغتربون في الماضي قد انتهى وان عليهم ان يجدوا دوراً جديداً يكون اساساً لبقائهم هناك .

بيبي : مما لا شك فيه ان دور الوسيط الذي كان يقوم به المغتربون في الماضي قد انتهى وصار بامكان ابناء الاقطار الافريقية القيام به . وقد عبر لنا رجال الحكم في الدول الافريقية الذين اجتمعنا بهم عن رأيهم بأن على الهجرة العربية الى افريقيا ، اذا كان لها ان تستمر ، ان تقوم على اساس جديدة وبعقلية جديدة وان ترتكز على اساس المشاركة مع ابناء البلاد في خلق تكتلات اقتصادية داخلية مشتركة .

غناجه : هل يعي مغتربونا في افريقيا ضرورة هذا التغيير ؟ .

بيبي : أعتقد انهم قد بدأوا يشعرون باهمية هذا التغيير ولديهم الاستعداد لذلك .

حنا : انا أعتقد ان الرأي الذي يقول بان دور المغتربين في افريقيا قد انتهى رأي يخلو من بعض الدقة . ولي ملاحظتان بشأن المغتربين . الملاحظة الاولى : انه بينما بلغت المدن الساحلية في افريقيا درجة معتدلة من التقدم ، فان المناطق الداخلية ما زالت متأخرة . ولذلك ، فهناك مجال واسع كي يتابع المغتربون الدور الذي يقومون به في هذه المناطق الداخلية . اما الملاحظة الثانية فتتعلق بنوعية المغتربين . ان العدد الاكبر من المغتربين اللبنانيين والعرب هم من جماعة التجار الصغار الذين يقومون باعمال تجارية بسيطة ، ولا يمكن لهم ان يقوموا باي عمل آخر سوى ان يستمروا في اداء الدور الذي مارسوه حتى الآن ، أي التجارة على نطاق ضيق ومحدود في المناطق الداخلية .

عطا الله : إن البحث في علاقتنا مع الدول الافريقية من خلال المغتربين خطأ فني يؤدي الى اخطاء اخرى في بحثنا . فهذه العلاقة يجب ان تقوم على اساس ان الدول الافريقية والعربية قد بدأت عملية نفض لماضيها وبدأت بناء كياناتها من جديد على اسس جديدة . فما هو دور المغترب في توجيه الاقتصاد الافريقي لما فيه مصلحة الافارقة ومن اجل بناء الدولة القوية التي تستطيع ان تستغل خيراتها وتحسن توزيع الثروة الوطنية على ابنائها .

ابو ميزر : تطرقنا في بحثنا هذا الى جوانب كان سيأتي دورها فيما بعد من دون ان نكون قد أجبنا على سؤالنا الاول . فدور المغترب العربي كان سيطرح على البحث في سؤال مستقل ، وقد قمنا بالاجابة عليه . لذلك ارى ان نعود فنحصر البحث في امكانات التعاون بيننا وبين الدول الافريقية على الاسس الجديدة التي نريد ان يلعب المغترب دوره من خلالها ، والتي نريد من حكوماتنا وشعوبنا ان تقوم بدورها تجاهه . وارى ان نأخذ الامكانات في حقول التجارة والاستثمار والتبادل الفني كل على حدة كي يكون بحثنا اكثر انتظاماً . ولنبدأ بالحقل التجاري.

شهاب : مجال التجارة في افريقيا واسع للغاية . انما اذا اردنا ان نتعرف الى امكانات التبادل التجاري بيننا وبين الدول الافريقية ، فيجب تحديد السلع التي يمكن ان نستوردها من هذه الدول وتلك التي يمكن ان نصدرها اليها .

ان الحاجة الاولى للدول الافريقية ، كما لمسنا اثناء زيارة وفد غرف التجارة لهذه البلدان ، تتعلق بايجاد اسواق للمواد الخام المنتجة في افريقيا . وسيق للاستاذ دجاني ان عدد هذه المنتجات في بداية الندوة . إن امكانيات استيعاب الاسواق العربية لهذه المواد ضئيلة جداً ، اذا ما قيست بما تستوعبه الاسواق الاوروبية والاميركية ، حيث ان الصناعات القادرة على الاستفادات من هذه المواد الخام ما زالت في مرحلة بدائية في البلدان العربية .

اما بالنسبة لتصدير المنتجات العربية الى الاسواق الافريقية فالمجال اوسع . فالدول في افريقيا تستورد كثيراً من السلع الاستهلاكية التي تنتج بعضها البلدان العربية ، كالنسيج من مصر والبترول والفاكهة من لبنان وسواه . غير ان زيادة التبادل التجاري بين البلدان العربية والدول الافريقية يقتضي ايجاد خط ملاحي مباشر ، بينما لم يقم احد حتى الآن بدراسة وافية للتحقق من امكانية انشاء مثل هذا الخط . وهذه الدراسة يجب ان تقوم على اساس فني يشمل دراسة حركة الموانيء الافريقية واتجاهات الاستيراد والتصدير في كل من البلدان الافريقية ، حيث ان الخط الملاحي لا يمكن ان يقوم على المنتجات العربية فقط .

هناك قضية اخرى اود ان أشير اليها وهي امكانية تطوير التجارة من الصعيد الفردي الى الصعيد الجماعي ، أي الاستعاضة عن النشاط الفردي الذي كان يقوم به الافراد بتكتلات تجارية مدعومة من قبل مصارف عربية يمكن لها ان تقوم بعملية التوزيع التجاري ، أسوة بالشركات الاجنبية القائمة في الدول الافريقية .

ابو ميزر : ما هو دور الحكومات العربية في هذا المضمار ؟ .

دجاني : يمكن للدول العربية ان تقوم بثلاثة اجراءات لتشجيع التبادل التجاري مع الدول الافريقية الرئيسة . الاجراء الاول هو عقد اتفاقيات تجارية مع هذه الدول كي تتمكن المنتجات العربية من الحصول على معاملة معتدلة ، إن لم يكن معاملة مفضلة . فاذا لم تستطع الدول العربية ان تحصل على افضلية لمنتجاتها فسيكون من الصعب على هذه المنتجات ان تنافس المنتجات الاجنبية في الاسواق الافريقية . ولا يمكن الحصول على الافضلية التجارية الا من خلال إطار سياسي . من هنا كانت اهمية مؤتمر الدار البيضاء في تنمية العلاقات الاقتصادية بين الدول المشتركة .

الاجراء الثاني الذي يمكن للحكومات العربية القيام به هو تشجيع تصدير بعض السلع باعطائها المنح . وهذا بالطبع يعتمد على السياسة التجارية التي تنتهجها الحكومة . فالجمهورية العربية المتحدة ، مثلاً ، لديها نظام لدعم التصدير . ومن الضروري للبنان ان يفكر باقامة مثل هذا النظام السائد . اما الاجراء الثالث فيتعلق باقامة مؤسسات مالية تسهم في تمويل التجارة بين البلدان العربية والدول الافريقية .

بيبي : اود ان أضيف الى ما قاله الاستاذ شهاب بشأن انشاء خط ملاحي انه اذا كنا نود زيادة التبادل التجاري بيننا وبين الدول الافريقية على اسس صحيحة ، فيجب ان تقارب تكاليف الشحن من بلداننا التكاليف التي يدفعها الاوروبيون في شحن منتجاتهم وبضائعهم من و الى الدول الافريقية .

شهاب : الشحن لا يتضمن شحن البضائع والمنتجات فقط بل يجب ان يشمل الاشخاص ايضاً . فاذا كانت البواخر من نوع الحمولة المزدوجة ، أي البضائع والاشخاص فان امكانات نجاحها سيكون أكبر .

ايو ميزر : أعتقد اننا قد أوفينا موضوع التجارة حقه ولذا أرى ان ننتقل الى بحث مجالات الاستثمار.

عطا الله : اذا كان المقصود بالاستثمار توظيف اموال عربية في افريقيا فيجب ان تعالج هذه القضية بغاية الحذر. فالاموال المطلوبة للتوظيف في الدول الافريقية غير الاموال الاوروبية التي كانت تأتي في السابق وغير الاموال الاوروبية التي توظف في الدول العربية . فالاموال التي توظف في مشاريع البترول ، مثلاً ، في البلدان العربية هي نفسها التي كانت توظف في افريقيا سابقاً وهي ليست مرغوباً بها هناك . فهي اموال خاصة او اموال مدعومة دعماً قوياً من قبل الحكومات الاوروبية ، وهي تهدف الى تحقيق الربح السريع والكبير . ومن آثارها النظام الاقتصادي الاستعماري الذي أشرنا اليه سابقاً . فاذا كان لا بد من توظيف الاموال العربية في افريقيا ، فيجب ان توظف على أساس انها شريكة في عملية التنمية . وحتى تكون الاموال شريكة في عمليات الانماء يجب ان تأتي عن طريق الحكومات لا عن طريق النشاط الفردي ، والا كانت موضع ريبة بسبب السمعة التي نتجت عن نشاط المغتربين هناك . فحتى نستطيع ان نبرهن للدول الافريقية ان هذه الاموال ليست خادمة لمصلحة الاجنبي يجب ان ندعمها بالكفاءة الفنية التي تمكننا من ان نشارك الدول الافريقية في عملية بناء كياناتها الجديدة . فمن اين نأتي بهذه الكفاءات الفنية ؟ . إن مشكلة الانماء في بلادنا نفسها ما تزال مشكلة عويصة وتشكل تحدياً لنا . فكبف نريد ان نكون مثلاً يحتذي به الافريقيون . اما اذا كان المقصود عمليات مصرفية بحتة فهذه ستتطور بطبيعة الحال وسيدخل راس المال العربي افريقيا كما يدخلها اي رأس مال آخر .

بيبي : الاستثمار المالي ، على ما أفهمه ، يهدف الى امور عديدة منها انشاء المؤسسات المالية والمصرفية . وهذا المجال مفتوح في الدول الافريقية ، وقد سبق ان طرقه البعض . والدول الافريقية تغفل اعطاءنا الفرص خوفاً من عدوى تنتقل الى المؤسسات المالية الافريقية ، مع العلم ان الدول الافريقية بحاجة ماسة الى الاستثمار المالي لتوظيفه في عملياتها الانمائية . ولا بد من الاشارة الى ان هناك مجال للاستثمار الفردي في ميدان التجارة ، وهذا المجال مفتوح امام الاموال العربية .

غناجة : لا اعتقد انه من الممكن الاستثمار في المشاريع الصناعية . وانا أعتقد ان ما تحتاج اليه الدول الافريقية هو رأس المال لتمويل المشاريع الانمائية الحكومية مثل الطرق والكهرباء وغيرها ، ولا يمكن تمويل هكذا مشاريع الا عن طريق الحكومات .

شهاب : لي ملاحظتان في هذا الخصوص . الاولى تتعلق بما قاله الاستاذ غناجة عن صعوبة تمويل المشاريع الصناعية ، او حتى عدمها . فاثناء زيارتنا لنيجيريا ابدى وزير الاقتصاد هناك استعداد حكومته للمشاركة بنسبة 50 بالمئة في انشاء معامل للجلود . وفي كل البلدان الافريقية برامج للتصنيع يمكننا المشاركة بها ، إذ ان هذه الدول تحتاج الى المنتجات الصناعية من كل الانواع . وبعض هذه الصناعات لا يحتاج الى رأس مال كبير . اما الملاحظة الثانية فتتعلق باموال المغتربين هناك . وهذه الاموال بأكثرها مجمدة ويمكن لها ان ان تستثمر محلياً في مشاريع صناعية ويستطيع اصحابها اخراجها من البلاد بهذه الوسيلة اذا شاؤوا .

ابو ميزر : لننتقل الآن الى موضوع التعاون الفني .

غناجة : يجب ان يكون هذا التعاون عن طريق التعاون الثقافي فقط ، إذ ان البلدان العربية ما تزال بحاجة الى الامكانات الفنية ولا يمكن لها الاستغناء عنها ، على ان يشمل هذا التعاون ارسال بعثات الى هناك واحضار طلاب للدراسة في معاهدنا ، كما يشمل ارسال بعثات صحية .

سارة : سبق ان ذكرت ان لدي اقتراحاً بهذا الشأن أود ان أذكره الآن . انا اعتقد انه يمكننا اقامة تعاون فني بيننا وبين الدول الافريقية عن طريق تبادل الخبرات وتبادل المعرفة . وبما اننا أقدم عهداً بالاستقلال فيمكن للدول الافريقية ان تستفيد من خبرتنا في طريقة تطوير اقتصادياتها من مرحلة انتاج المواد الخام الى مرحلة تطوير وتصنيع هذه المواد وتصديرها . وانا ارى انه من الواجب ان ينشأ في لبنان مركز لتطوير الملكات الادارية يخصص لخدمة البلدان العربية والافريقية . كذلك يمكن ان نتبادل رجال الاعمال والاخصائيين ، كما يمكننا ان نقيم دورات تدريبية يحضرها اصحاب الاعمال الافريقيين للتعرف على الوسائل المتبعة هنا . ويمكن تدريب قسم من هؤلاء في المؤسسات التي نجحنا في اقامتها ، كالمؤسسات المصرفية وبعض المؤسسات الصناعية .

عطا الله : إن الخطوة الاساسية التي يجب ان نقوم بها هي تشجيع الهجرات الثقافية ، أي ان نفتح ابواب معاهدنا للافريقيين الراغبيين ان يتعلموا فيها مجاناً ، لأن هذا ما نقدر ان نقوم به ، بعد ان فتح الافريقيون ابوابهم وقلوبهم لنا ، فنرد لهم الجميل بفتح قلوبنا لهم وبدعوتهم للحضور الى ربوعنا واقامة اتصال ثقافي وعاطفي معهم . هذا هو الاساس الذي يجب ان يرتكز عليه اتصالنا .

حنا : انا أشك كثيراً بمقدرتنا على تعليم الافريقيين في بلادنا . لذلك من الافضل ان نعطيهم منحاً للدراسة في افريقيا نفسها ، كما نقوم بارسال بعثات تدريسية الى الدول الافريقية .

ابو ميزر : لدينا سؤال اخير حول النشاط الاسرائيلي الاقتصادي في افريقيا أود ان أطرحه على بساط البحث . فاسرائيل تحاول بشتى السبل ان تتغلغل في الاسواق الافريقية . فما هي الاساليب التي تتبعها من اجل تحقيق غايتها ، وما هو مدى نجاحها ، وكيف يمكن للبلدان العربية ان تحد من هذا التغلغل ؟ .

دجاني : إن ما لاحظناه اثناء زيارتنا لبعض الدول الافريقية ان موقف الدول العربية وسياساتها تجاه اسرائل هو اقوى في الدول التي يقوم بيننا وبينها تفاهم سياسي . فالتغلغل الاقتصادي الاسرائيلي في افريقيا هو في الدرجة الاولى عملية سياسية . فاسرائيل لا تعمل في افريقيا لحسابها الخاص فقط ، بل هي مدعومة بالمال وبالنفوذ السياسي من دول اخرى . وهذا واضح تمام الوضوح . فالحكم الفرنسي ،مثلاً ، يأتي بالاسرائليين الى مناطق نفوذه ويعمل على تثبيتهم بشتى الوسائل . وكذلك الحال في مناطق النفوذ الانكليزي . كذلك توضع في تصرف اسرائيل اموال طائلة للانفاق على توغلها الاقتصادي والسياسي والثقافي في افريقيا ، والا من اين كان لاسرائيل هذا المال الطائل لتنفق ما يزيد على المليوني جنيه في الانتخابات في المناطق العربية في نيجيريا لمناصرة احزاب معينة . فلو ان اسرائيل تعمل في افريقيا على اساس امكاناتها البحتة لما كان لها امل في النجاح . لذلك يجب مواجهتها باجراءات واساليب سياسية . وكلنا يرى ان مؤتمر الدار البيضاء كان نقطة تحول في مركز العرب في افريقيا ، والمباديء التي اقرت واتفق عليها في مؤتمر الدار البيضاء هي التي يجب اعتمادها وجعلها اساس عملنا هناك .

بيبي : مما لا شك فيه ان مؤتمر الدار البيضاء قد نبه الدول الافريقية الى خطر التغلغل الصهيوني . وقد كان من نتائجه الاستغناء عن البعثة الاسرائيلية للتدريب على الطيران في غانا وعن شركة بواخر النجمة السوداء الاسرائيلية .

ابو ميزر : ان هذا الواقع يلقي مسؤولية كبيرة على الدول العربية في شمالي افريقيا . أليس كذلك استاذ دجاني؟

دجاني : وخاصة في السودان . فاذا ما شعرت السودان بمسؤوليتها تجاه العروبة يصبح باستطاعتها ان تفعل اكثر مما يمكن لجميع الدول العربية ، خاصة لكونها سوداء .

ابو ميزر : اذن ، يمكن القول والحالة هذه ، ان الدول العربية مقصرة في هذا المضمار .

دجاني : لو كان باستطاعة العرب القيام بعمل جماعي على المستوى الاهلي او الحكومي او المستوى الاهلي – الحكومي مجتمعاً لكان نحاحنا في افريقيا اكبر بكثير من نجاح اسرائيل هناك . كذلك أعتقد ان المجال لا يزال مفتوحاً امام المؤسسات الخاصة ، كل منها ضمن مقدرتها وامكاناتها ، للعمل على مجابهة التغلغل الاسرائيلي .

شهاب : إن تحقيق المواضيع التي بحثناها في لقائنا اليوم ، سواء في حقل التجارة او الصناعة او البناء ، سيكون فوزاً للعرب واضعافاً لمركز اسرائيل في القارة الافريقية .

ابو ميزر : يمكننا ، اذن ، ان نصل الى نتيجة حول مجابهة اسرائيل وتغلغلها في افريقيا ، وهي ان الوسيلة لتحقيق هذه الغاية يجب ان تكون سياسية ، على ان تدعمها الصلات الاقتصادية في شتى الحقول .

بيبي : على ان يكون لبنان الرائد في هذا المضمار لما له من علاقات تاريخية مع اكثر الدول الافريقية .

ابو ميزر : نأمل ان تجد اراءكمم هذه الصدى الجيد واللائق لدى مختلف القطاعات الرسمية والشعبية في وطننا العربي .