نحو تعاون سياحي عربيى أوثق

نحو تعاون سياحي عربيى أوثق

المحامي صلاح الدباغ

نشر المقال في تشرين الاول / اكتوبر 1961 ، العدد الثاني عشر ، الرائد العربي

يتميز الوضع السياحي في بلدان الوطن العربي بثلاث خصائص رئيسة ، هي التخلف ووفرة الامكانات والتكامل. فالصناعة السياحية متخلفة في الاقطار العربية بالنسبة للدور الذي تلعبه في اقتصاديات الدول المتقدمة، لا سيما دول اوروبا الغربية ، حيث يسهم الدخل السياحي بقسم مهم جداً من هذا الدخل ويجلب لبلدانه كتلة كبيرة من العملات الاجنبية . والسبب في ذلك ان السياحة ، لما فيها من متعة وتسلية وثقافة واسترداد نشاط، لم تعد مجرد نشاط كمالي موقوف على طبقة من الموسورين ، بل أضحت امراً يكاد يبلغ حد الضرورة لمجموعات كبيرة من الطبقات ، خصوصاً وان وسائل النقل الحديثة قد عملت على تقريب المسافات وحدت من تكاليف السفر والانتقال .

لا تتخلف صناعة السياحة في البلاد العربية عن وضعها في بلاد اوروبا فحسب ، بل هي تتخلف ايضاً بالنسبة للامكانات السياحية الموجودة فيها . ورغم ان الاقطار العربية تزخر بامكانات سياحية كبيرة بفعل كونها مهبط الاديان السماوية ومهد الحضارات القديمة وتتمتع بخصائص تؤهلها لان تصبح من اهم مراكز الاصطياف والاشتاء والاستشفاء العالمية لجمال طبيعتها المتنوعة وفرادة آثارها التاريخية ، وكلها عوامل مهمة في اجتذاب السياح واغرائهم بزيارتها ، فانها ما زالت بحاجة الى استثمار أفضل لكل هذه الميزات . فمعالمها السياحية ، من دينية وتاريخية وطبيعية ، لا تزال بحاجة الى ان يزال عنها غبار الاهمال ، والى من يضعها على خرائط السياحة العالمية ويقدمها للعالم الخارجي بحلة اعلامية مشوقة .

يتميز الوضع السياحي في البلاد العربية بتكامله . فالآثار السياحية في البلاد العربية تشكل سلسلة متكاملة ، تكمل الحلقة منها الحلقة الاخرى ، رغم تنوع المعالم المنتشرة في طول  العالم العربي وعرضه . وقد يكون هذا التنوع هو بالذات مصدر التكامل ، اذا عرفنا كيف نقدمه للمشتاق الى زيارة مناطق جديدة لم يتعود على زيارتها من قبل . فبعض مناطقنا غني بمراكز الحج والمزارت الدينية . ولهذه المراكز زوارها من المؤمنين والدارسين والباحثين . وبعضها غني بمناظره الطبيعية الخلابة ومناخه المريح . ولهذه المناطق عشاقها ممن يقضون الاشهر الطويلة في المناخات الصعبة ، بارد أكانت أم حارة ، ويتطلعون الى اماكن تريحهم من شدة البرد او الحر وتمتعهم بجمال طبيعة خلابة ومتنوعة المناظر . والبعض الآخر من بلداننا غني بالاسواق القديمة وما لها من طابع عربي او شرقي أصيل ، الى جانب ما أضيف اليها من معالم حديثة تتمتع بوسائل الراحة . كل هذا التنوع المتكامل في معالمنا السياحية يحمل السائح الاجنبي الذي يزور احد الاقطار العربية على زيارة بقية ، او بعض ، الاقطار الاخرى . واذا أضفنا الى ذلك كون البلاد العربية ، او على الأقل بلاد المشرق العربي ، مجموعة طبيعية واحدة ، بالنظر الى تقاربها الجغرافي ، أمكننا اعتبارها منطقة سياحية واحد قائمة بذاتها .

إن اعتبار البلاد العربية وحدة سياحية قائمة بذاتها يفرض عليها التعاون في الميدان السياحي الى ابعد الحدود ودونما تحفظات . فالسياحة العالمية اليوم ووسائل الاستفادة منها لا تقوم على بلد واحد ، بل على منطقة بأسرها. وفي معظم الحالات لا يتحمل السائح تكاليف النقل وعناء السفر للاكتفاء بزيارة بلد واحد ، بل ليزور منطقة بأكملها . وتعاون البلاد العربية السياحي هذا لا تفرضه حالة التكامل للاوضاع السياحية العربية فحسب ، بل تفرضه حالة التخلف ايضاً . فوسائل النهوض بالسياحة العربية وطرق استثمارها تصبح اسهل بكثير عندما تكون ثمرة جهد مشترك تتجمع فيه المعلومات والخبرات الفنية . وفضلاً عن ذلك ، فان إنماء بعض المعالم السياحية يكون اجدى واربح اذا اقيم على اساس المنطقة العربية كلها ، بدلاً من اقامته في كل قطر على حدة ، كما سنبين ذلك فيما بعد .

نستطيع ايجاز هذه الوسائل باربع رئيسة ، هي :

1 – توحيد الدعاية السياحية العربية .

2 – تسهيل معاملات السياح الاجانب عند الانتقال من بلد عربي الى بلد آخر .

3 – اقامة مشاريع سياحية مشتركة بين البلدان العربية .

4 – توحيد القوانين والانظمة المختصة بالسياحة .

1 – توحيد الدعاية السياحية العربية

تلعب الدعاية الدور الاهم في حمل السياح على زيارة البلاد العربية . وان تعريف الاجانب بالمعالم السياحية العربية امر على جانب كبير من الاهمية للاسباب الثلاثة التالية :

أ – فقدان الدعاية السياحية العربية يكاد يكون تاماً في الاوساط الاجنبية باستثناء ما تقوم به الجمهورية العربية المتحدة من مجهود بواسطة مكاتبها السياحية في روما وجنيف وفرنكفورت ونيويورك  . ثم انه من الضروري تسهيل السياحة للمواطنين العرب بالسماح لهم بالانتقال بحرية من بلد عربي الى آخر بتذكرة الهوية ومن دون الحاجة الى تأشيرة دخول .

ب – رغبة السياح الاوروبيين والاميركين ، الذين يشكلون الآن القسم الاكبر من السياح الاجانب ، في زيارة مناطق جديدة خارج اوروبا والولايات المتحدة . فهم قد ملوا التجوال في تلك المناطق ويرغبون بزيارة مناطق اكثر سحراً واختلافاً عن بلدانهم ، كبلدان اميركا اللاتينية واليابان وسواها من البلدان الاسيوية . وما من شك في ان ابراز المعالم السياحية العربية سيكون له الاثر الفعال في حمل هؤلاء السياح على زيارة المنطقة العربية .

ج – أثر الدعاية السياحية في تعريف الاجانب على معالم النهضة العربية الحديثة من اقتصادية وثقافية واجتماعية .

يتم توحيد الدعاية السياحية العربية باصدار نشرات تعرف بالبلدان العربية وافلام سينمائية تبرز معالم البلاد العربية السياحية بصورة جماعية تشترك فيها الحكومات والهيئات والمؤسسات السياحية العربية ، وذلك بقصد توحيد الدعاية العربية . ولتوحيد هذه الدعاية على صعيد الحكومات ، لا بد من انشاء دائرة تختص بامور الترويج والدعاية داخل الجامعة العربية تتولى اصدار النشرات السياحية المشوقة بلغات متعددة وتوزيعها بواسطة جهاز سياحي يعمل بواسطة مكاتب الدعاية التابعة للجامعة العربية المنتشرة في الخارج . والى جانب هذا النشاط الدعائي ، لا بد من انشاء مكاتب سياحة عربية مشتركة في دول اوروبا واميركا تتولى امر الترويج للسياحة العربية وتشجيعها.

2 – تسهيل معاملات السياح الاجانب عند الانتقال من بلد عربي الى بلد آخر

لا بد ، من أجل تحقيق هذا الهدف ، من تبسيط اجراءات الجمارك وتخفيف قيود النقد على المنتقلين من بلد عربي الى آخر وتوحيد رسوم الدخول والتأشيرة على جميع السياح وتخفيضها والاكتفاء باعطاء الاجنبي تأشيرة دخول موحدة يستعملها للدخول الى كل البلدان العربية . وفي خطوة متقدمة ، يمكن اصدار نقد عربي سياحي موحد  ،على غرار الشيكات السياحية الاجنبية ، يطلق عليه ، مثلاً ، اسم الدينار العربي السياحي الموحدة ، وذلك لتسهيل معاملات النقد للسياح الاجانب في البلدان العربية .

3 – اقامة مشاريع سياحية مشتركة

لعل اهم المشاريع السياحية التي يمكن التفكير بها ، إقامة سلسلة من الفنادق الحديثة المشتركة والتي تحمل الاسم نفسه ، تنتشر في كل العواصم والمدن السياحية العربية ، بحيث توفر على السياح عناء التفتيش عن فندق يتمتع بالمواصفات التي يريدها ، عند تجوالهم في البلدان العربية . ومن المشاريع المهمة التي يكون لها فائدة سياحية كبيرة ، الى جانب فوائدها التجارية والاقتصادية ، مشروع الطرق البرية الحديثة التي تربط بين البلدان العربية المتجاورة . وسبق ان أقترحت الامانة العامة لجامعة الدول العربية مشروعاً من هذا القبيل .

4 – توحيد التشريعات السياحية

لا بد من توحيد ، او على الاقل تنسيق ، القوانين والانظمة السياحية بين البلاد العربية . ويتم ذلك بتأليف لجنة عربية مشتركة مهمتها تنسيق قوانين مكاتب السفر والسياحة والفنادق وتوحيدها ، اذا امكن ، بالاضافة الى تنظيم مهنة الادلاء السياحيين .

هذه الوسائل التي نقترحها في مقالنا هذا سيكون لها ، ولا شك ، مفعولها الاكيد في توثيق التعاون السياحي العربي وتعميقه ، ومن شأنها ان تجعل من المنطقة العربية وحدة سياحية ناجحة . لكن ، اين نحن ، حكومات وهيئات خاصة ، من كل ذلك ؟ . لا شك اننا لا نزال في بداية البداية . فالتعاون السياحي العربي لا يزال يتعثر في كل خطوة ايجابية يخطوها . غير ان اهمية هذا التعاون الذي ندعو اليه قد اتضحت على الصعيدين الرسمي والاهلي الخاص . فهناك هيئتان عربيتان سياحيتان ، احداهما خاصة والاخرى عامة ، تعملان على توثيق التعاون السياحي العربي ، وبالتالي على خلق وحدة سياحية عربية ،هما رابطة مكاتب السياحة والسفر في البلدان العربية والاتحاد العربي للسياحة .

تأسست الرابطة سنة 1954 . وهي تتألف من ممثلين عن مكاتب السفر والسياحة في البلدان العربية التالية : ليبيا ، السودان ، الجمهورية العربية المتحدة بإقليميها المصري والسوري ، المملكة العربية السعودية ، العراق، الاردن ، لبنان ، قطر ، البحرين والكويت . وهي تعقد مؤتمرات سنوية تدرس خلالها مشاكل السياحة العربية وتقدم التوصيات الى الحكومات العربية من اجل توثيق التعاون السياحي العربي الى ابعد الحدود .

اما الهيئة الثانية ، أي الاتحاد الدولي العربي للسياحة ، فقد تأسست في سنة 1954 ايضاً ، وتتألف من ممثلين عن حكومات كل من المغرب وتونس وليبيا والسودان والجمهورية العربية المتحدة ولبنان والاردن والعراق والكويت . وفي كل دورة من دوراته ، يتقدم الاتحاد بتوصيات الى الحكومات الاعضاء ترمي الى تسهيل السياحة العربية وازالة العقبات التي تعترضها .

الى جانب هاتين الهيئتين ، لا بد من ذكر التوصيات المتعلقة بتشجيع السياحة التي درج مؤتمر التجارة والصناعة والزراعة للبلاد العربية منذ نيف وخمس سنوات على تقديمها للمسؤولين العرب في كل مؤتمر من مؤتمراته .

إن ازدياد التعاون السياحي العربي وتوثيق عراه بغية خلق وحدة سياحية عربية ضرورة لا ريب فيها . فهو يشكل خطوة مهمة في تحقيق الوحدة الاقتصادية العربية . وفي الوحدة الاقتصادية العربية يكمن ازدهار المنطقة العربية ورفاه ابنائها . وقد وعت دول العالم المتقدم أهمية التعاون السياحي هذا . فما ان ازالت بعض آثار الدمار الذي خيم عليها بعد الحرب العالمية الثانية حتى سارعت دول اوروبا الغربية الى انشاء لجنة للسياحة عن طريق المنظمة الاقتصادية الاوروبية تهدف الى تنمية السياحة بطريقة مشتركة بينها كلها . وكان من بين ما حققته هذه اللجنة ، الحملة الدعائية السنوية في الولايات المتحدة التي قامت بها لصالح جميع الدول الاعضاء ، والتي بلغت تكاليفها 250 الف دولار سنوياً . إنه مثال آخر على التعاون من اجل تحقيق الرفاه بين دول فرقتها سنين طويلة من الحروب ، وباعدت بين ابنائها وسائل التفاهم وتراكمات الماضي الأليم . أليس في هذا عبرة ، بل أبلغ العبر والدروس لدولنا العربية التي لها من روابط الجمع والتفاهم التي تضرب جذورها في اعمق اعماق التاريخ ؟ . فلماذا هي تتعثر الان في سيرها على طريق الوحدة والتعاون ، حين لا يكون التعاون سبباً من اسباب الرفاه والرخاء فحسب ، بل ضرورة من ضرورات البقاء وحاجة لاستمرار الوجود ؟…