نحو استقرار الزراعة في سوريا

نحو استقرار الزراعة في سوريا

محمد فياض دندشي

نشر المقال في كانون الاول / ديسمبر 1961 ، العدد الرابع عشر ، الرائد العربي

تبلغ مساحة الاراضي القابلة للزراعة في سوريا حوالى ستة ملايين هكتار ، أي ما يعادل 60 الف كيلو متر مربع من مجموع مساحة البلاد البالغة حوالى 185 الف كيلومتر مربع . اما توزيع هذه المساحة بين اراضي مروية وبعلية وقابلة للزراعة فهو كالآتي :

1 – الاراضي المروية حالياً وتبلغ مساحتها 500 الف هكتار . وهي تنتشر في جميع انحاء الجمهورية السورية حول مجاري الانهار ومساقط المياه والابار الارتوازية .

2 – الارضي البعلية وتبلغ مساحتها 4600 الف هكتار . وهي عبارة عن مساحات شاسعة مؤلفة من جبال وسهول ، تزرع فيها الحبوب والبقول في مواسم هطول الامطار اثناء فصل الشتاء .

3 – الاراضي غير المزروعة ، وتبلغ مساحتها حوالى 900 الف هكتار من الاراضي الخصبة القابلة للزراعة، والتي يمكن تحويل القسم الاكبر منها الى اراض مروية والاستفادة منها بواسطة بناء السدود التخزينية والتحويلية وانشاء شبكات ري منظمة بعد اجراء عمليات استصلاح ضرورية ، من تجفيف وخلافه .

تقسم مساحة الااضي المروية حالياً ، والبالغة حوالى 500 الف هكتار الى ثلاثة أقسام :

القسم الاول ، ويتألف من كل المساحات التي تروى إما بالراحة وإما بواسطة الاقنية والسواقي المتفرعة من مجاري الانهر والينابيع والفجارات . ويبلغ مجموع هذه المساحات حوالى 215 الف هكتار .

القسم الثاني ، ويتألف من كل المساحات التي تروى بواسطة اجهزة الضخ المختلفة ، وتبلغ مساحتها حوالى 235 الف هكتار .

القسم الثالث ، ويشمل المساحات التي تروى بواسطة شبكات ري منظمة أنشأت في فترة ما قبل سنة 1957 بعد ان نفذت الدولة مشاريع ري كبيرة . وتبلغ مساحة هذا القسم حوالى 50 الف هكتار .

تحتل الزراعة مكانة بارزة ومهمة في حياة البلاد الاقتصادية ، وهي تقوم بدور فعال في تعزيز الدخل الوطني . وعملاً بمبدأ تحرير الزراعة من الاعتماد الكلي على كميات الامطار الهاطلة واختلاف توزعها بين منطقة واخرى ، فقد احتلت مشاريع الري واستصلاح الاراضي أهمية بالغة في خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية ، وذلك بقصد تحرير الزراعة من عناصر القحط والجفاف ، واعتمادها بالتالي على ري دائم ومستقر ، بعد ان اتخذت الاجراءات الكفيلة بتوسيع الرقعة الزراعية المروية .

فكرة تجفيف وادي الغاب والقضاء على مستنقعاته وتحويل اراضيه الى اراض خصبة واستثمارها بشكل منظم، فكرة قديمة طالما خامرت رؤؤس الحكومات التي تعاقبت على سورية.  ففي العهد العثماني قام السلطان عبد الحميد بمحاولة لوضع الدراسات اللازمة لتحقيق هذا الهدف. غير ان شيئاً لم يتحقق . ثم تلت فرنسا الدولة العثمانية في هذه المحاولة وفشلت ايضاً . واستمرت هذه الفكرة بين مد جزر ولم تبرز الى حيز الوجود الا بعد ان استقلت سوريا وأصبحت تمسك بزمام الامور بيدها ، فصدر في 21 كانون الثاني / يناير 1951 القانون رقم 72 القاضي باحداث مؤسسة الغاب وأوكل اليها القيام بدراسات جديدة لتحقيق هذا الهدف الكبير ، بل الحلم الكبير ، وخولها حق الاشراف والتنفيذ معاً .

قامت مؤسسة الغاب في سنة 1952 باعداد الدراسات اللازمة للقيام بتجفيف الغاب ، وهو الوادي الواقع ما بين العشارنة جنوباً والكفير شمالاً ، وسلسلتي جبال الزاوية شرقاً وجبال العلويين غرباً.  ومن المعتقد ان هذا الوادي قد تكون نتيجة لتفاعلات العوامل الجيولوجية التي حدثت في منطقة الشرق الاوسط عبر الازمنة الغابرة ونجم عنها انخفاضات وحفر انهدامية كبيرة . وتبلغ مساحة حوض الغاب حوالى 68 كيلو مترا في مجرى نهر العاصي ، حيث تجمعت فيه مياه الفيضانات والسيول مع مرورالزمن بسبب العتبة البازلتية المرتفعة في شمالي الوادي وارتفاع اكتاف المجرى وضيقه احياناً ، مما ساعد في احتجاز مياه العاصي وعرقلة تصريفها ، فشكلت مستنقعاً كبيراً تبلغ مساحته حوالى 35 الف هكتار .

إقتصرت الدراسات والاعمال في بادئ الامر على كيفية تجفيف هذ المستنقع الكبير واستخلاص 35 الف هكتار بعد تحويل الوادي الى ارض صالحة للزراعة . غير انه ثبت مع مرور الزمن ، وبنتيجة التحريات المتواصلة والدراسات المختلفة ان اعمال التجفيف وحدها لا تفي بالغرض المطلوب ، ولا بد من توسيع الاعمال بحيث تشمل إقامة سدود تخزينية وتحويلية والاستفادة من انشاء محطة موسمية لتوليد الطاقة الكهربائية يمكن الاعتماد عليها لاحقاً في المشاريع الصناعية والزراعية المزمع انشاؤها في مدينتي حمص وحماة . وبهذا اصبح مشروع الغاب يتألف من ثلاثة مراحل رئيسة هي :

المرحلة الاولى ، وتشمل اعمال التجفيف لمستنقع الغاب ذاته واستصلاح ما يعادل 35 الف هكتار من أخصب الاراضي ، وقد كانت قبلاً مرتعاً للأوبئة والامراض الفتاكة .

المرحلة الثانية ، وتتضمن اعمال الري التنظيمية لحوالى 72 الف هكتار من اراضي سهل الغاب واراضي سهل طار العلا – العشارنة .

المرحلة الثالثة ، وتشمل توليد طاقة كهربائية موسمية بالقرب من سد الرستن تبلغ قدرتها الانتاجية حوالى 80 مليون كيلوات ساعي .

يبرز سد الرستن في طليعة العمليات الانشائية المتفرعة عن مشروع الغاب ، وتبلغ سعته التخزينية حوالى 250 مليون متر مكعب . وهي كميات متجمعة من مياه نهر العاصي ومياه الفيضان التي تشكل بحيرة الرستن وتقع خلف السد مباشرة . وتكفي هذه الكمية المحتجزة من المياه لري حوالى 35 الف هكتار . وهي من اخصب اراضي سهلي وادي الغاب وطار العلا – العشارنة . ويعتبر هذا السد الاول من نوعه في مجموعة مشاريع الري . ومن المعتقد انه يعتبر من اعلى السدود التي ستقام في الجمهورية العربية السورية بما فيها سد الفرات ، إذ يبلغ ارتفاعه حوالى 69.5 متراً ، بينما يبلغ طوله مع المفيض حوالى 446 متراً ، وعرضه في الاسفل حوالى 80 متراً ، وعرضه  في أعلاه حوالى 11 متراً .

يأتي سد محرده بالدرجة الثانية من حيث أهمية العمليات الانشائية ضمن مشروع الغاب بعد سد الرستن ، إذ انه يتمم سد الرستن بالنسبة لاستيعابه مياه الفياضانات في شدتها القصوى . والفكرة الاساسية من انشائه هي درء السيول التي تنصب في مجرى نهر العاصي بعد سد الرستن فتغمر الاراضي الزراعية في سهل الغاب ، مما يؤدي الى حدوث مستنقعات جديدة . ويمكن لهذا السد ان يستوعب في سعته العظمى حوالى 67 مليون متر مكعب ، وقد يسبب عدم احتجازها بعض الضرر في الاراضي المستصلحة حديثاً والواقعة خلف السد . ومن المتوقع ان يبلغ ارتفاع  سد محرده حوالى 52 متراً وطوله حوالى 230 متراً وعرضه في الاسفل حوالى 155 متراً وفي الاعلى حوالى 6 امتار .

وبالنظر لعدم التأكد ، بشكل جازم ، من صلاح البقعة في اعمال تخزين المياه بسبب الطبيعة الجيولوجية هناك ، والحاوية على بعض الشقوق الصخرية التي قد تتسرب منها المياه المخزنة الى داخل الطبقات الجوفية السفلى ، فقد رؤيء انه من الافضل التريث بعض الوقت في اتخاذ الاجراءات الضرورية لتنظيم اعمال شبكات الري بشكل نهائي ، ومراقبة كميات المياه المتسربة من الخزان مراقبة دقيقة لمعرفة ما تتغذى منها تلك الطبقات السفلى وما يمكن ان يستغل منها في اعمال ري سهل طار العلا – العشارنة . وعندئذ فقط يصبح بالامكان تحديد الكميات المتوفرة ، والبت بصورة قاطعة اذا ما كان من المفيد البدء بتنظيم شبكات ري دقيقة تستخدم فيها المياه المختزنة لغايات الري في المنطقة المذكورة .

 

لمشروع وادي الغاب والمشاريع المتفرعة عنه مميزات على جانب كبير من الاهمية إنفرد بها وحده من دون سواه عن بقية السهول السورية ، بالاضافة الى موقعه الجغرافي الذي يتوسط الجمهورية العربية السورية ، وقربه من المدن الكبرى ، وبصورة خاصة من مدينة اللاذقية ، حيث المرفأ الذي يمكن بواسطته تصدير حاصلاته الى العالم الخارجي . فهو يقع في المنطقة المناخية الرطبة التي يزيد متوسط الامطار السنوية فيها عن 80 مم . زد على ذلك ارتفاعه عن سطح البحر المقدر بحوالى 170 متراً فقط ، وحمايته الطبيعية من الرياح العنيفة بواسطة سلسلتي جبال العلويين وجبال الزاوية .

مما لا شك فيه ان الدولة السورية حققت اهدافاً كبيرة في تنفيذ المشروع بجميع مراحله وتفرعاته  وجاءت نتائجه الاقتصادية والاجتماعية مشجعة للغاية . فقد ارتفعت الرقعة الزراعية بما يعادل 72 الف هكتار من الاراضي الخصبة المروية ، وقد كانت قبلاً مستنقعاً تعشعش في الحشرات المضرة وتنتشر منه الامراض والاوبئة . وهناك ما يشير الى ان الدخل الوطني سيرتفع بواسطة القطاع الزراعي الذي عززه مشروع الغاب بما يساوي 90 مليون ليرة سورية ، تأتي بمجملها من العملة الصعبة ، لأن معظم هذه الاراضي المستصلحة تزرع الآن قطناً معداً للتصدير الى العالم الخارجي .

يعتبر مشروع الغاب انتصاراً هائلاً يحققه القطاع العام في المجال الزراعي في سلسلة المشاريع الزراعية التي تعتزم الدولة تنفيذها ضمن خطة مرسومة اقصاها عشر سنوات . وجاء هذا الانتصار ليشمل الناحيتين الاقتصادية والاجتماعية . فالبنسبة للناحية الاقتصادية ، تبلغ قيمة الاراضي التي ستمتلكها الدولة نتيجة تجفيف وادي الغاب حوالى 150 مليون ليرة سورية ، وهو مبلغ يفوق قيمة مجموع التكاليف التي انفقت على المشروع بجميع تفرعاته ، بالاضافة الى تشغيل الآلاف الايدي العاملة وزيادة دخلها وتحسين احوالها المعيشية . اما من الناحية الاجتماعية  فقد كان لتجفيف المستنقع اثاره القيمة على المستويين الاجتماعي والصحي . فبزواله زالت عقبة كانت تعترض سبيل اتصال سكان الضفة الغربية منه بسكان الضفة الشرقية وقضت بصورة نهائية على العزلة التي فرض على منطقة العلويين وحالت دون اختلاطهم ببقية السكان . اما في حقل الصحة ، فقد تم ، بتجفيف الغاب ، القضاء المبرم على الامراض التي كانت منتشرة هناك بشكل مريع ، وبصورة خاصة مرض الملاريا . ويمكننا ، في الحقيقة ، اعتبار تحقيق مشروع وادي الغاب كأحد المشاريع النموذجية التي تقوم بها الدولة في هذا المجال لقطع خطوات جديدة ورائدة في ميدان التنمية الاقتصادية – الاجتماعية وتحقيق قسط من الرفاه الشعبي .