ناطحات السحاب اليمنية

ناطحات السحاب اليمنيه

كانت المدن اليمنية القديمة تبنى هياكلها وقصورها من الحجر والرخام. أما بناء غالبية مدن وادي حضرموت، فمن الطين المخلوط بالتبن وجذوع الاشجار.

فمن هذه المواد الأولية البسيطة والمتوافرة في عموم الوادي، يتم بناء المنازل في وادي حضرموت والتي تعمر عدة سنوات وتمتاز بالقوة والمتانة. فهي لا تتأثر بالعواصف أو الأمطار الموسمية.

لنقف قليلاً ونرَ كيف تبنى تلك المدن الطينيه ولنأخذ مثالا لذلك طريقة بناء واحداً من منازلها العالية أو إحدى ناطحات السحاب الطينيه الفريدة في شكل هندستها، العجيبة في تكوينها، في مدينة شبام حضرموت .

يبدأ البناء عادة بتحضير المواد الأولية وهي الطين والتبن وجذوع النخيل وأشجار السدر وبعض الأحجار المنحوتة لجعلها كأساسات سفلي المنزل، وتهيئة الأرض المزمع البناء عليها. ثم يقوم متعهد البناء الذي يسميه الأهالي “المعلّم” بتفقد الأرض وتسويتها. وطبيعة أرض المدينة شديدة الصلابة لدرجة أن الفؤوس لا تطرقها إلا بجهد. وسبب شدة صلابتها كونها مقامة على أنقاض بيوت قديمة. وبفعل الأمطار والبناء تارة والاندثار تارة أخرى أصبحت على ما هي عليه الآن قوية وصلبة.

يبدأ العمل بأمر “المعلم” وتحفر الأخاديد في الأرض التي تصل إلى الطبقة الاولية العلوية أي “العدفه”. عندها يتوقف الحفر ثم يوضع أساس المنزل من أحجار صخرية تشتهر بها جبال حضرموت نحو ذراعين حتى يتساوى بالأرض، وذراع زيادة فوقها. هنا ينتهي استخدام الحجر ثم يأتي دور الطين بعد ذلك .

تبدأ المراحل الاخرى للبناء من إعداد المواد الأوليه اللازمة له من طين وتبن وخشب. تهيأ الأرض التي سيبنى عليها المنزل أو في مساحة أوسع وسط البلدة.

يكوّم الطين كومة كبيرة ويعمل في وسطها حفرة واسعة يصب فيها الماء ويرش عليه التبن. ثم يدخلها الرجال الأشداء فيدوسون التراب بأقدامهم ويخلطونه بأيديهم. وتسمى هذه العملية “المقلب”.

يستلم الطين عمال آخرون على خشبة ذات فتحتين طول كل منهما ذراع وربع ذراع وعرضها ذراع إلاّ ربع ذراع. ثم يصب فيها الطين المخلوط بالتبن لتُشكل قوالب على هذا النمط تترك تحت أشعة الشمس لحرقها لفترة حتى تجف تماماً ثم ترفع من على الأرض وتقلب في وضعية جيدة على شكل مثلثات. تنقل بعد ذلك ويرص بعضه فوق بعض بشكل رأسي كجدران مؤقتة ويسمى “حمار المدر”.

هنا تنتهي المرحلة الأولى بتوفير اللبنات الصالحة للبناء. يأتي بعد ذلك نقل اللبن إلى موضع أساسات المنزل.

يتناول العمال اللبن وبإشارة من “المعلم” يبدأ وضع اللبن على الأساس الحجري وتتوالى اللبنات لتأخذ مكانها وموقعها في جدار الأساس. فيقوم عليها الجدار السميك ليصبح عرضه ذراعين ونصف ذراع. يعتلي بعد ذلك الجدار قدر قامة الإنسان المتوسط ويسمى “المدماك”. ثم يرتفع البناء بطريقة أخرى لوضع اللبن فيكون على شكل “سبية ومعروضة”. والسبية هي وضع اللبن أفقياً طولاً و”المعروضة” بوضعها أفقيا عرضاً.

تتكون أولى الطبقات الست بإقامة منافذ المنزل والباب الرئيس له ويسمى “الضيقة” ومخازن سفلى لحفظ المؤن والحطب والغلال وتسمى “غيال” .

في الطبقة الأولى من البناء يبدأ تكوين واستدارة السلالم “الرقاد” بعمل جدار قوي وسميك تعتمد عليه دورة السلم والبناء ويسمى “العروس” وهو عبارة عن جدار قوي يبنى بطريقة “المعروضتين” أو “السبية ومعروضة”. ونادراً ما يقام معتمداً على خشب السدر “الحمر” .

ترتفع الطبقة بمعدل 4 أمتار تقريباً، وهذا هو المعدل الثابت لارتفاع كل طبقة عن الأخرى، ثم يسقف بالأخشاب ليقوم عليها الطبقة الثانية.

تبدأ الطبقة الثانية في الارتفاع، والمخصصة غالباً للأغنام وخزن الحبوب المستعملة يومياً لأهل المنزل ويسمى “السطوح”، ومنها تتحدد أحجام الغرف.

يرتفع البناء بعد ذلك الى الطبقة الثالثة المخصصة لمجالس الرجال وتسمى “الهابطيات” وهي مكونة من غرفتين تكون إحداهما لاجتماع الضيوف وعند الأفراح والأحزان، كذلك. وبداخل تلك الغرف أيضا مخازن صغيرة مقفلة تسمى “المبارد” لحفظ الأشياء والملابس وغيرها.

في الطبقة الرابعة والمخصصة لمجالس النساء والتي تسمى “الطالعيات” على النمط الأول نفسه ويقوم فيها المطبخ العام لأهل المنزل، فيوجد به تنور لخبز القمح أو الذرة، وبجواره مكان لوضع الحطب المستعمل يومياً ويسمى “سف الحطب” وخزانة صغيرة لحفظ المواد الخاصة بالطبخ وبعض الغلال وما تحتاجه الطاهية من سمن وزبد وخلافه. كما توجد فتحة فوق التنور بارتفاع الجدار إلى أعلى تستعمل كمنفذ لخروج الدخان وللتهوية أيضا.

في الطبقه السفلى يوجد مخازن لحفظ الغلال والمؤن وبها ايضا مكان مخصص “للرحى” وهي عبارة عن حجرين بعضهما فوق بعض لطحن الحبوب، و”مدق” لدق الحبوب ايضا يسمى “منحاز”.

وقديما كان في كل منزل مؤونته من غلال وحبوب وتمور ما يكفي أهله لمدة عام كامل. والإكتفاء الذاتي لكل أسرة في مدينة شبام موجود في منازلها من طهو الطعام وتحضيره وغسل الملابس وتربية الأغنام والدواجن فيه. ولكل بيت تقريباً المزرعة الخاصة به والنخيل. وهي تمد اهل المنزل بحاجتهم من الحبوب والتمور، وتعتمد على مياه الامطار والسيول .

تتكون الطبقة الخامسة من غرف على النمط المشار اليه في الأدوار الاخرى وبه مجلس كبير يسمى “المرواح” حيث يجتمع أهل المنزل ومستراح وبه غرف لا سقف لها اشبه بالشرفات الواسعة تسمى “الريوم” وتستعمل لتجفيف الملابس وما يحتاج تعريضه لأشعة الشمس. وفي المساء تكون متنفسا لأهل المنزل يتسامرون فيها وخاصة في الصيف.

ثم يكتمل البناء بالطبقة السادسة مع تقليل حجم “المدرة” أي اللبنة عن ذي قبل ويضيق تبعاً لذلك السلم أو “الرقاد” وتصغر الغرف نسبياً. ويكون هذا الطابق خاصاً برب الدار أو للأبناء حديثي عهد بالزواج.

هنا يكون بناء المنزل قد اكتمل لتبدأ بعد ذلك المراحل الأخرى والتي تعتبر مكملة له، من صقل الجدران الداخلية ثم تركيب الأبواب والنوافذ الخشبية وكلها منقوشه بنقوش بديعة جميلة تزيد من بهاء المنزل ورونقه.

تأتي بعد ذلك رحلة الصقل النهائي بالجير بعد أن تزول ملوحة الجدران الطينية. ومع الجير يخلط “الرماد” وهو من مخلفات الفحم الجيري بعد احتراقه ليكون مادة جديدة تصقل وتسبك به أرضية الحمامات أو “الطهائر”.

بعد الانتهاء من الطرقه وتركيب الأبواب يتم تركيب الباب الرئيس للمنزل ويسمى “الضيقة” وهو باب ضخم من خشب الحمر لا يستطيع أقل من خمسة رجال أشداء حمله وتركيبه. وهو مزين بنقوش دقيقة جميلة ومثبت بمسامير ومتداخل بعضه في بعض تتوسطه حلقة معدنية تسمى “القرقعة” يطرق عليها من يريد الدخول للمنزل. ويعرف أهل كل منزل صوت الطرق الذي يعنيهم.

بعد الانتهاء من كل ذلك جميعه، يبدأ البناؤون برش الجير أي “النورة” المخففة بالماء على الجدران من الداخل لزيادة الإضاءة العاكسة لأشعة الشمس. ثم يغطى المنزل من الخارج بطبقة من الطين ويرش عليها الرمل الناعم. وتسمى هذه الطريقة “التجليد”.

قوة البناء غالبا ما تعتمد على الزمن نفسه. فمع بناء كل طبقة يترك فترة طويلة بدون إعمار حتى يجف تماماً بفعل أشعة الشمس الحارقة لمدة لاتقل عن العام تقريباً. وهذه الطريقة تساعد كثيراً على قوة وتماسك البناء واللبنات.