مياه البحر كوقود

مياه البحر كوقود

د. سمعان ابراهيم سالم

نشر المقال في ايلول / سبتمبر 1961 ، العدد الحادي عشر ، الرائد العربي

دأب الانسان منذ البداية على استخدام شتى الوسائل وتسخير مختلف المرافق للقيام ببعض اعماله وتحقيق بعض متطلباته فاستألف حيوانات جر الاثقال وحملها واستعبد أخيه الانسان . وعندما اتسع أفق تفكيره استنجد بالريح والماء ، وفي السنوات الاخيرة أخذ يفتش عن الوقود ، متنقلاً تدريجاً من الخشب الى الفحم الحجري حتى وصل الى الزيت المعدني . فالانسان المفكر بطبيعته متطور يشتاق الى التقدم ، ناظراً ابداً الى غده وما يرجوه منه ان يكون غداً مشرقاً . فماذا يرى في غده ؟ كميات الوقود المعروفة محدودة الوجود مما يعني انها ستنفذ حتماً . لكن هذا الانسان المفكر باحث بطبيعته ، لا يقف كالصنم امام المعضلة مهما صعبت واستعصت وتعقدت ، بل يظل يفتش عن حل لها . انه يسأل ان المحروقات التي ستحرك الالة وتدير العجلات عندما تنضب آبار الزيت وتجف . جاءه الجواب في الاشهر الاخيرة من الحرب العالمية الثانية . وبعبارة أصح قرب هذا الاكتشاف نهاية البشر والعالم .

في سنة 1938 اكتشف العالمان هاهن وستراسمان ان ذرة اليورانيوم 235 ( U 235 ) يمكن خلقها اذا أصيبت بنيوترون ( neutron ) . وأثبت الفرق بين ثقل الذرة الأم ومجموعة اثقال الذرات المتولدة ان عملية من هذا النوع تنتج حوالى 200 مليون الكترون فالت ( MEV ) . وفي سنة 1942 بنى العالم الايطالي فرمي ( Fermi ) ومساعده في الولايات المتحدة اول آلة تستخدم هذا النوع الجديد من الوقود . لكن هذا الاكتشاف ، على اهميته ، لم يكن إلا حلاً موقتاً لأن ذرات اليورانيوم 235 موجودة بكميات قليلة جداً على القشرة الارضية ، وتكون سبعة بالالف من اليورانيوم الخام فقط . وعلى الرغم من ان علماء الفيزياء تمكنوا من بناء ذرات جديدة مثل يورانيوم 233 ( U 233 ) وبلوثانيوم 239 ( 239 P ) التي يمكن فلقها تماماً كما تفلق ذرات اليورانيوم 235 ، فقد كان من الضروري التفتيش عن مصدر للمحروقات أغزر وأوفر . عندها اتجهت الابحاث نحو مادة الهيدروجين الموجودة بغزارة في الماء ، والتي أثبتت التجارب انها أصلح انواع الوقود المعروفة حالياً ، مما يجعل حجماً واحداً من مياه البحر كوقود موازياً بقيمته الحرارية 300 حجم من أفضل وانقى انواع البنزين .

اذا تمكن الانسان من استخراج الطاقة الكامنة في الهيدروجين يكون قد توصل الى مصدر للطاقة تكفيه وتسد حاجاته الى ملايين السنين . وهذا الهيدروجين ” المائي ” على نوعين : الخفيف او العادي والثقيل . وقد سمي بالثقيل لأن ثقل ذرته يساوي ضعفي ثقل ذرةالهيدروجين العادي . وهو هيدروجين نادر نسبياً . فهناك ذرة واحدة ثقيلة لكل ستة الآف ذرة من النوع العادي او الخفيف . ولكن بالرغم من هذه الندرة النسبية ، فكمياته الموجودة على القشرة الارضية كبيرة جداً ويمكن استخراجها بسهولة كلية وبتكاليف زهيدة . فيمكن ، مثلاً ، فصل الكمية الموجودة في ليتر واحد من مياه البحر بكلفة لا تتعدى 1.5 قرشاً لبنانياً فقط .

عملية الصهر

إن استعمال المواد ذات الذرات الخفيفة كوقود مبني مبدئياً على النظرية الطبيعية نفسها التي تستخدم في فلق الذرات الثقيلة ، أي تحويل المادة الى طاقة ( energy) . لكن بينما نرى ان فلق الذرات الثقيلة يقوم بتحويل كهذا ، نرى ان العكس هو صحيح في الذرات الخفيفة ، أي يجب صهر ( fuse ) ذرتين خفيفتين او أكثر لتأليف ذرة ثقيلة نسبياً ، أجزاؤها أشد ارتباطاً بعضها ببعض . وقد ثبت علمياً ان الطاقة المنبعثة من الشمس واغلبية النجوم مصدرها صهر ذرات الهيدروجين وتحويلها الى ذرات هيليوم . وقد تمكن العلماء من تقليد ما تقوم به الطبيعة في الشمس والنجوم فكانت القنبلة الهيدروجينية عملية  صهر حولت المادة الى طاقة في هذه القنبلة . لكن الطاقة المنبعثة من هذا التحويل لا يمكن استخدامها في شكلها الحالي في عملية البناء والانارة وادارة الالآت ، لأنه لا يمكن حصرها والسيطرة عليها . فعملية صهر الهيدروجين في الشمس والنجوم مبعثها شدة الحرارة التي تبلغ حوالى عشرين مليون درجة مئوية داخل شمسنا مثلاً . وهذه الحرارة كافية لصهر ذرات الهيدروجين . وهذه الذرات ، رغم شدة حرارتها ، تبقى قريبة من بعضها البعض كي يتم صهرها . فجاذبية الشمس والنجوم قوية جداً بحيث تجعل افلات هذه الذرات وانطلاقها في الفضاء مستحيلاً . والعلماء اليوم يحاولون تقليد ما يجري في الشمس والنجوم مرة ثانية ، أي جعل عملية الصهر عملية بطيئة مستمرة وبناءة بدلاً من احداث انفجار سريع مدمر .

العراقيل امام العلماء كثيرة ومعقدة . لكن ليس هنالك ، عملياً ، ما يدل على انها عملية مستحيلة . فما يجب عمله هو حصر كمية كافية من ذرات الهيدروجين الثقيل ( plasma ) ورفع حرارتها الى ما يقارب العشرة ملايين درجة مئوية . إن هذه الحرارة تكفي لتبخير أي أنواع المواد المعروفة على الارض . اذن ، المادة لا تصلح لحصر ذرات الهيدروجين في وعاء وصهرها . إنما ، عندما تخذل المادة العلم يلجأ هذا العلم المتطور حالياً الى حل أثبت فاعليته . فقد وجد العلماء ان الحقل المغنطيسي يصلح لحصر غاز مؤلف من ذرات الهيدروجين . وهو لا يتبخر ولا تؤثر فيه الحرارة مهما ارتفعت . ويدور البحث اليوم في عدد من الجامعات والمختبرات الاميركية ، كما في الاتحاد السوفياتي وبريطانيا ، لبلوغ هذا الهدف .

تجاوزت هذه البحوث امكانية استعمال الماء كوقود لأن العلم أثبت صدق وصلاحية هذه الامكانية وجعل منها حقيقة واقعة . والعلماء يتجهون الآن الى ايجاد وسيلة فعالة لاستعمال الطاقة المتولدة  من عملية الصهر في الاغراض السلمية . لذا ، فهم يقومون بدراسة اشكال هندسية متعددة للحقل المغنطيسي الذي هو ، على ما يظهر ، الوعاء الوحيد القادر على استيعاب الذرات وابقائها قريبة من بعضها البعض ، حتى ولو بلغت حرارتها عشرة ملايين درجة مئوية . ولا يبدو الآن ان بلوغ هذه الحرارة الشديدة يمكن الوصول اليها إلا بواسطة تيار كهربائي عنيف . وأقرب الحلول الممكنة هو ارسال التيار الكهربائي داخل الغاز الذري (plasma) نفسه لتوليد الحرارة اللازمة لصهر الذرات وانتاج الحقل المغنطيسي المطلوب لبقائها .

إن الطاقة الناتجة عن صهر ثلاث ذرات من الهيدروجين الثقيل تبلغ حوالى 22 مليون الكترون فالت ، او ما يقارب عشر الكمية المولدة من فلق ذرة يورانيوم 235 واحدة . وهذا يعني ان الهيدروجين كوقود ، يوازي بقيمة طاقته الحرارية خمسة اضعاف وزنه من اليورانيوم 235 تقريباً . أي ان الطاقة المولدة من صهرم غرام واحد من ذرات الهيدروجين تساوي خمسة اضعاف الطاقة الناتجة عن فلق ذرات اليورانيوم 235 التي يبلغ ثقلها غراماً واحداً . فمن الناحية النوعية نرى ، ولا شك ، ان الماء او بعبارة أصح الهيدروجين الموجود في الماء هو أصلح انواع الوقود المعروفة . وعلاوة على ذلك ، فهو ولا شك ، أغزرها وأسهلها استخراجاً . ومن جهة اخرى ، فان كثرة انتشار المياه على القشرة الارضية سيخفف حتماً من حدة التطاحن والتوتر العالمي الناتج عن رغبة الدول والشركات العالمية الكبرى في السيطرة على آبار النفط ومناجم اليورانيوم لأن احتكار مياه البحار ، من الناحية العملية ، مستحيل . والاحتكار الوحيد الممكن في هذا المجال هو احتكار علمي مشروع . فالدولة التي ستتوصل قبل غيرها من استخراج الطاقة الناتجة عن صهر الهيدروجين واستخدامها ستكون الدولة المحتكرة . وهذا النوع من الاحتكار لا غضاضة فيه .

اذا تمكن العالم ، في يوم من الايام ، من استخدام هذا النوع من الوقود ، فانه يكون قد توصل فعلياً الى حل الكثير من مشاكله . واذا أردنا ، نحن سكان العالم الناطق باللغة العربية ، شعباً ودولاً ، ان نثبت للعالم اننا نصلح لسكن فيه واننا نسير به الى الامام ، او على الاقل ، ان نحاول ذلك ، فما علينا الا ان نشترك فعلياً وعملياً في حل بعض مشاكله . وهنا لا نرسل الدعوة الى الافراد العاجزين لأن هذا الطموح يحتاج الى تعاون المجموع وتعاضد الدولة . إن المجهود ، ولا شك ، كبير ويتطلب علماً عالياً وطموحاً لا محدود . لكن النتيجة، اذا ما نجحنا ، لا تقدر بثمن . وقد قال الدكتور الهندي بهابها Bhabha ، رئيس مجتمع الذرة للاغراض السلمية الاول في مدينة جنيف السوسرية سنة 1955 ما معناه : نحن اليوم نعلم انه بالامكان استخدام الهيدروجين كوقود ، وقد أثبتت القنبلة الهيدروجينية ذلك . وليس هنالك ما يدل على عدم امكانية صهر الهيدروجين للاغراض السلمية . ولذا يمكنني ان أقول ان هذا الحلم سيتحقق في غضون السنوات العشرين المقبلة . وهذا يعني ان عند ذلك ستحل كبرى مشاكل هذا العالم الى الابد ، وستصبح الوقود غزيرة كغزارة الهيدروجين في مياه الاوقيانوسات .