موارد المياه والتوسع الزراعي في المملكة العربية السعودية

موارد المياه والتوسع الزراعي في المملكة العربية السعودية

د. محمد فاتح عقيل

نشر المقال في ايار / مايو 1962 ، العدد التاسع عشر ، الرائد العربي

على الرغم من اعتماد المملكة العربية السعودية اعتماداً كبيراً على مواردها من زيت البترول ، فما زال الانتاج الزراعي والحيواني من أهم الاسس التي تقوم بدور كبير في اقتصادياتها .وقد أخذت الدولة تبذل جهوداً كبيرة وصادقة لتنمية الموارد الزراعية والحيوانية لسد حاجة السكان من المواد الغذائية ولزيادة مناطق الاستقرار السكاني والعمل على ايجاد نوع من التوازن بين سكان المملكة .

تبلغ مساحة الاراضي الزراعية في  المملكة العربية السعودية نحو 300 الف هكتار ، أي حوالى 750 الف فدان ، يعتمد 80 بالمئة منها على الري ، بينما تعتمد المساحات الباقية على مياه الامطار . وهذه المساحات الاخيرة يقع معظمها في منطقة جبال عسير في جنوب المملكة . وتتوقف زيادة المساحات الزراعية على تنمية موارد المياه والمحافظة عليها واستغلالها استغلالاً ناجحاً ومنظماً . ويعتمد توفر المياه وتخزينها على التكوينات الجيولوجية : نوعها وشكل طبقاتها،  وعلى ظاهرة السطح والتضاريس وعلى الاحوال المناخية . لذلك كان لا بد من وضع برنامج شامل ومتكامل للتنمية الزراعية يرتكز على دراسة هذه الظاهرة الطبيعية ليتسنى على ضوئها فهم توزيع موارد المياه وتقرير احسن السبل وأفضلها للاستفادة منها .

توجد اقدم الصخور في القسم الغربي من المملكة ، وهي صخور اركية بلورية تعلوها في بعض جهاتها غطاءات بركانية يطلق عليها اسم ” الحرات ” . وقد نمت حول هذه القاعدة القديمة صخور رسوبية منتشرة في بقية انحاء الجزيرة . وهذه الصخور الرسوبية تمتد في نطاقات مختلفة وتعود الى عصور جيولوجية متتالية حتى تصل الى احدث التكوينات على ساحل الخليج العربي . وتبدأ مجموعة الصخور الرسوبية بصخور الحجر الرملي الباليوزوى ( التابع للزمن الاول ) ، وهي صخور تحتوي على طبقات خازنة للمياه ، تليها التكوينات الجيرية الموجود في وسط نجد والمعروفة باسم مجموعة طويق . والى الشرق منها تقوم تكوينات جيرية احدث عهداً منتشرة في منطقتي الاحساء والقطيف . وهي تكون احواضاً كبيرة للمياه الجوفية . اما تكوينات الزمن الرابع فتوجد في السهول الساحلية وفي مناطق الكثبان الرملية وفي الاودية والسهول الفيضية .

اما من حيث التضاريس ، فاننا نجد في غرب المملكة وعلى طول سواحل البحر الاحمر سهولاً ساحلية ضيقة تعرف باسم سهول تهامة ، كما تعرف باسماء اخرى مختلفة ، ويختلف اتساعها من الجنوب الى الشمال . والى الشرق منها نجد سلسلة جبال السراة ، العمود القري لمرتفعات الحجاز وعسير واليمن . وينحدر من هذه السلاسل الجبلية ، التي يزيد ارتفاعها في الجنوب عنه في الشمال ، عدد من الاودية الصغيرة والمسيلات المائية السريعة الجريان المتجهة نحو البحر ، وأهمها اودية جيزان وبيش . وبعضها يمتد لمسافات طويلة في منطقة المرتفعات كوادي الحمض وروافده الجزل . وتنحدر بعض الاودية الكبيرة الى الصحراء والى الداخل ايضاً كأودية بيشة ونجران والتثليث . والى الشرق من هذه المرتفعات توجد هضاب نجد التيتحدها من الشرق جبال العرمة والطوق ، ومن الشمال منطقة الكثبان الرملية التي تعرف باسم ” النفوذ الكبير ” ، ومن الجنوب صحراء الربع الخالي . والى الشمال منها توجد جبال شمر التي يفصلها وادي الرمة عن بقية اراضي نجد ، وتتخللها اراضي سهلية فيضية . وتنحدر هضبة نجد تدريجياً حتى اقليم الحسا الذي تقع فيه واحة الهفوف . وتستمر الاراضي بالانحدار وصولاً الى ساحل الخليج العربي .

من أهم الظواهر الطبيعية في شبه الجزيرة العربية :

1 – مناطق الكثبان الرملية المعروفة باسم النفوذ الدهناء والربع الخالي .

2 – السنجات التي يقرب فيها مستوى المياه من السطح وتمتد على طول ساحل الخليج العربي .

3 – السهول الصخرية في أقصى شمال المملكة والتي تكسوها الحصى في بعض جهاتها.

4 – منخفض وادي السرحان وامتداده في منخفض الجوف وسكاكة .

تقل الامطار بشكل واضح في كل انحاء المملكة العربية السعودية . ولا تزيد كمية الامطار المتساقطة سنوياً على 120 ملم ، باستثناء منطقة عسير حيث تتراوح الامطار بين 250 و 300 ملم ، تسقط معظمها صيفاً . اما اقليم الربع الخالي  فتكاد تنعدم فيه الامطار ، كما ترتفع فيه نسبة الحر ارتفاعاً كبيراً نظراً لشدة الحرارة وازدياد الجفاف في معظم ايام السنة .

تشتمل موارد المياه التي يمكن استغلالها في المملكة العربية السعودية على مياه جارية على السطح نتيجة لتساقط الامطار ، وعلى مياه جوفية ناتجة عن تسرب مياه الامطار منذ ازمنة بعيدة الى الصخور الخازنة للمياه، وعلى مياه باطنية على اعماق بسيطة من السطوح وقد تسربت من الامطار الحالية التي كثيراً ما تكون سيولاً تملأ الوديان لفترات قصيرة . وعلى ضوء الظواهر الجغرافية التي ذكرناها سابقاً ، يمكننا ان نوزع الموارد على النحو التالي :

اولاً : مياه الامطار والمجاري المائية

يقتصر استخدام هذه المياه على الاجزاء الجنوبية الغربية من  المملكة العربية السعودية في عسير وجنوب الحجاز . ويعتمد كثير من الحقول المدرجة على السفوح الشرقية لجبال عسير على مياه الامطارالتي تهطل في الشتاء . وتستغل مياه الاودية العديدة في الزراعة ، وذلك باقامة سدود ترابية تحول مياه فيضاناتها الى الاراضي الزراعية الواقعة على جانبيها ، او بزراعة قيعان هذه الاودية بعد تشربها لمقادير كبيرة من المياه .

ثانياً : المياه الجارية والمياه الجوفية غير العميقة

تستغل هذه المياه في النطاق الذي يلي النطاق السابق الغزير الامطار . وهو يشمل منطقة حدية حيث تلقي فيها الاودية والمسيلات الصغيرة مياهها الفيضية ، وبذلك تزيد كمية المياه الجوفية المخزونة . ومن أهم الجهات التي تتوافر فيها موارد المياه في هذا النطاق :

1 – تهامة اليمن ، وهي السهول الساحلية الممتدة بمحاذاة البحر الاحمر من حدود اليمن جنوباً حتى حرة البرك شمالاً . وهي تشتمل على 6 اودية رئيسة تتجمع فيها مياه السهول والفياضانات . ويمكن السيطرة على مياه هذه الاودية بانشاء سدود حجرية ، بالاخص في اودية بيش وجيزان ودرب واتوارد ، كما يمكن كذلك ري مساحات لا بأس بها اعتماداً على المياه الجفوفية غير العميقة .

2 – تهامة الشام ، وهي تمتد من حدود اقليم تهامة اليمن شمالاً حتى بدء منطقة الامطار الشتوية بالقرب من جدة . وتروى فيها اراضي الاودية بمياه السيول ، بالاضافة الى مياه الابار غير العميقة القليلة نسبياً . وتحتاج الاودية فيها الى مشروعات لضبط فيضاناتها المتكررة .

ثالثاً : المياه الجوفية

تتوفر الامكانيات الرئيسة لوجود هذه المياه في :

أ – التكوينات الصخرية والرملية

1 – الصخور الرملية المنشرة على الجوانب الشرقية للكتلة البلورية القديمة والصخور الرملية الاحدث نسبياً في المنطقة الوسطى الشمالية من المملكة . وتوجد فيها أعظم الموارد المائية غير المستغلة . وهي طبقات سميكة عملت التكوينات الجيولوجية وشدة الانحدار وسهولة جريان المياه تحت السطح الى تجميع مقادير عظيمة من المياه في خزاناتها الجوفية الكبيرة . وأهم هذه التكوينات التي يرجَح وجود المياه فيها بوفرة هي تكوينات ” الباليوزوي الاسفل ” في واحة تبوك وفي العلا ومدائن صالح وفي منخفض الجرف وسكاكة واسلف واحات الفصيم  .

2 – تكوينات واجد الرملية في اسفل وادي الدواسر والروافد المتصلة بها .

3 – صخور ” المنجور ” الرملية التي توجد على اعماق بعيدة في اسفل الرياض وشمال نجد .

4 – تكوينات ” ظروما ” الرملية التي تنتشر في مساحات على اعماق بعيدة تحت منخفض الافلاج واجزاء من الربع الخالي .

5 – تكوينات ” بياض واسع ” الرملية وتوجد في اسفل الطبقات الجيرية في الربع الخالي وفي واحات الحسا .

ب – الصخور الجربية . توجد معظم هذه الموارد المائية في الاجزاء الشرقية والجنوبية من المملكة السعودية ، خاصة في منطقة عيون الهيت والحفر المائية الكبيرة في الخرج وخفض وغرة الافلاج وفي عيون وآبار القطيف والحسا التي تتدفق منها المياه بقوة ، وحيث ادى عدم وجود وسائل الصرف الى تشبع التربة بالمياه . كما توجد ايضاً في منطقة الرياض والربع الخالي وفي طبقات الايوسين الى الجنوب من منطقة ساحل الصلح البحري  وفي واحة جبرين .

ج – مجاري الاودية والمنخفضات المملؤة بالرواسب الفيضية من الحصى والغرين . وهي تنتشر في كل ارجاء المملكة العربية السعودية . غير ان اهمها ، من حيث موارد المياه المستغلة ، توجد في واحة حائل وفي وادي حنيفة وروافده ، وتعتمد عليها مدينة الرياض في تزويدها بمياه الشفة وكذلك الاراضي الزراعية المنتشرة على جانبي الوادي وبالاخص في منطقة الدرعية . كما توجد ايضاً في الاودية القريبة من المدينة المنورة وفي واحتي خيبر وينبع النخل وفي وادي الحمضى ورافده الجذل وفي وادي فاطمة الذي يغذي كلا من مكة المكرمة ونجذة بحاجتيهما من المياه . ويمكن الحصول كذلك على هذه الرواسب المائية في واحة الطائف ووادي تربة . وكذلك في وادي رانية وبيشة ، وهما من أكبر الاودية التي تصرف مياه الجانب الشرقي لجبال عسير ويتصلان بوادي الدواسر ، وايضاً في وادي نجران الذي تصب رواسبه المائية في الربع الخالي الى الشمال من حدود اليمن .

يمكن القول انه ، من الناحية الجغرافية ، تتوزع موارد المياه في المملكة العربية السعودية على النحو التالي :

–     الاقليم الجنوبي : تعتمد الزراعة فيه على الامطار المتساقطة على سفوح المدرجات وعلى مياه فيضانات الاودية في السهول الساحلية .

–          الاقليم الشمالي الغربي : توجد فيه المياه في الصخور الرملية وفي الرواسب الفيضية للاودية .

–     اقليم الوسط القائم في هضاب نجد : توجد المياه في حفر كبيرة في طبقات الحجر الجيري ، كما توجد على اعماق كبيرة في طبقات الحجر الرملي .

–          الاقليم الشمالي ومعظمه سهول صخرية : تتوفر فيه المياه في منخفض الجوف وسكاكة ، وفي طبقات الصخور الرملية .

–     الاقليم الشرقي : توجد فيه المياه في طبقات الحجر الجيري ، وهي مياه متدفق معظمها من الينابيع . و يواجه الاقليم مشكلة ملوحة التربة وصرف المياه .

يبدو من تقديرات منظمة الزراعة والتغذية التابعة للامم المتحدة ان الاراضي الزراعية تشكل مساحة ضئيلة من البلاد ، ومعظم هذه المساحات يعتمد على الري . ويعتمد نحو 70 بالمئة من الاراضي المروية على مياه الابار التي ترفعها المضخات والحيوانات . ويحصل 10 بالمئة من الاراضي على مياهه من الينابيع المتدفقة . اما العشرون بالمئة الباقية فتعتمد في ريها على مياه الفيضانات المتكررة في الاودية . ويمكن القول ان اهم مناطق التوسع الزراعي ، والتي تحتاج الى تنفيذ مشاريع ري فيها ، هي :

1 – وادي جيزان في تهامة اليمن لوفرة مياهه وجودة تربته وقربه من الميناء ولنشاط سكانه ودرايتهم بأساليب الري . ويمكن إضافة اكثر من 50 الف فدان قابل للزراعة اذا ما تم انشاء سدود تحجز مياه الفيضانات ، كما يمكن اضافة 60 الف فدان آخر عن طريق استخدام المياه الجوفية . وسيسمح هذا المشروع ، عند تنفيذه ، بانتاج محاصيل جيدة كالقطن والموز والمحاصيل الزيتية .

2 – مشروعات الصرف في الحساء والقطيف .

3 – زيادة المساحات الزراعية في ابها وخميس مشيط في عسير .

4 – استغلال منخفضات تبوك والجوف وسكاكة .

5 – صرف مياه القصيم وتوسيع رقعة الاراضي الزراعية في الافلاج ووادي بيشة ووادي نجران .