من مشاكل التصنيع الحديث في العالم العربي

 من مشاكل التصنيع الحديث في العالم العربي

بقلم باحث اقتصادي عربي

نشر هذا المقال في اذار / مارس 1961 ، العدد الخامس ، الرائد العربي

لا نعتزم في هذا المقال التمهيدي الخوض في التفصيلات المتعلقة بعملية التصنيع ، سواء عن طريق الانشاءات الجديدة او توسيع المنشئات الصناعية القائمة والنهوض بمستوى الكفاية والانتاج فيها ، في كل بلد عربي بصفته الفردية . لكننا سنحاول ان نلقي قدراً من الضوء على بعض المشكلات الرئيسة المتجانسة او المتقاربة في المنطقة العربية بأسرها ، في كل من القارتين الآسيوية والافريقية ، ذلك لأننا ننظر الى التقسيمات الحالية والى التطورات الاقتصادية العامة ، وكلها مما فرضه العهد الاستعماري ، على انها تتعارض تعارضاً جذرياً مع المصالح الاساسية لشعب هذه المنطقة الواسعة ذات الامكانيات الوافرة لتحقيق التقدم الاقتصادي الذي يعتبر الاساس الحقيقي الذي يقوم عليه اي تقدم في النواحي السياسية والاجتماعية . واذا كانت المشكلات التي تواجه عملية التنمية الصناعية متجانسة او متقاربة ، فلأن الاوضاع الاقتصادية ، بالرغم من من تفاوت نسبي قل او كثر بين بلد وآخر ، متجانسة او متقاربة . ومن هنا فالحلول تتسم بطابع التجانس والتقارب .

من أجل التكامل الاقتصادي

أ – أول ما يلفتنا انه باستبعاد النشاط التعديني بحثاً عن البترول والفوسفات والذي قررته رؤوس الاموال الاجنبية واتخذت بشأنه موقفاً سلبياً يلبي مصالحها الخاصة ومصالح بلدانها ، وانه بالرغم من قيام عدد من الصناعات التحويلية ، فالحقيقة ان الزراعة ما زالت تمثل النشاط الاساس للغالبية الساحقة من السكان . غير ان هذا الامر الذي له أكبر الاهمية من وجهة نظر الموضوع الذي نعالجه هنا . فان الصناعات الاستهلاكية الصغيرة ذات العلاقة ، بشكل من الاشكال ، بالنشاط الزراعي ، والتي لا تتجاوز في معظم ارجاء المنطقة العربية الغزل والنسيج ودبغ الجلود وصنع الزيوت النباتية والسكر والمواد التموينية النباتية ، قائمة الى حد كبير على اساس التنافس لا التكامل . وهذا الاتجاه الذي ظهر في الماضي لا يزال سائداً ، مما يعكس النزعات المحلية التي ترفض ان تخرج الى النطاق غير المحلي الاوسع مدى . والخطورة الناجمة عن هذه الظاهرة يجب ان تحملنا على التفكير العميق الذي يستهدف الخير العام . فالنجاح التصنيعي لا يقاس بمجرد اقامة المنشئات الصناعية على اختلاف انواعها واحجامها ، وانما يقاس بطاقته على التطور الارتقائي التدريجي ، بحيث يصبح في وسع الصناعات القائمة ، بعد فترة ما ، ان تحتل مركزاً مرموقاً في الاسواق التنافسية مع الصناعات الاجنبية . ولعل ما يعرقل الوصول الى هذا المركز بالنسبة الى عدد ليس بقليل من الصناعات ضيق السوق المحلية. وعلينا، لاعتبارات عديدة ، ان لا نغفل أهمية عدد السكان في الدول العربية، باستثناء بعضها كمصر مثلاً ، كما يتضح من الارقام التالية :

البلد       عدد السكان

العراق        6538100
لبنان          1400000
اليمن         4500000
ليبيا           1200000
تونس         3683169
الاردن        1600000

ب – على ضوء هذه الارقام المتواضعة ، يبدو في نظرنا ان في مقدمة ما ينبغي الاهتمام به ، المبادرة الى خلق الجهاز الصالح للتخطيط الصناعي على مستوى المنطقة العربية كلها ، بحيث تراعى اعتبار امكانية التخصيص المناطقي المنطلق من مزايا محلية جدية ، بحيث تسفر عن انتاج اقتصادي سليم ، انتاجاً وتسويقاً . وبذلك تنتفي المنافسة الضارة بين وحدات صغيرة يصعب على كل منها ان تقف على قدميها في سوق تنافسية. هذا التخطيط الذي ندعو اليه ، والذي نرجو ان يتحقق ، يفسح في المجال امام الصناعات العربية ان تزدهر وان تحسن اساليبها وان تخفض تكاليف انتاجها ، إذ تغدو اسواقها كبيرة وواسعة بدل ان تكون محلية محدودة او صغيرة . فما سيتجده هي اسواق واسعة تضم حوالى خمسة وثمانين مليوناً من الانفس . فاذا إتضح مثلاً ان بلداً عربياً او أكثر أعظم صلاحية لاستغلال البترول ومشتقاته والغاز الطبيعي لاقامة فرع او أكثر من الصناعات البتروكيماوية ، فلا بد اذن من وضع خطة لفتح الاسواق العربية كلها امام هذه الصناعة. واذا توفرت في بلد او أكثر الظروف الملائمة لصناعة انواع من الزيوت النباتية ، بحيث يمكن ان تباع منتجاتها في الاسواق العربية الاخرى باسعار لا يمكن ان تضاهيها اسعار منتج مماثل في بلد عربي آخر بسبب كلفته العالية ، صار لزاماً الاتفاق على مبدأ التخصيص لمنع مضاربة مضرة ببلدين عربين احدهما تتوفر له ظروف انتاج مادة ارخص وآخر لا يمكنه مجاراة هذا الامر . كذلك اذا تنين ان بلداً عربياً له قدرة على الثبات امام منافسة اجنبية في صناعة كبيرة كصناعة الصلب والحديد فيجب مؤازرة هذا البلد والاعتماد على إنتاجه ومساعدته ، اذا لزم الامر، في تحسين انتاجه وتوسيعه .

ج – يجب ان تكون الصناعات من النوع الذي تتطلبه السوق المحلية بمقادير كافية . وهذا شرط اساسي لتلبية طلبات الاسواق الداخلية الآنية والمستقبلية . إن اشباع السوق المحلية مهم بالدرجة الاولى ومن ثم الانطلاق الى الاسواق الخارجية حيث تكون المنافسة على أشدها لأكثر من سبب على رأسها ما سبق ان اكتسبته الصناعات الاقدم من خبرة فنية وما لديها من امكانات يصعب على اي صناعة جديدة ان تتفوق عليها ، بالاضافة الى الاسعار التنافسية التي غالباً ما تكون مؤمنة للصناعي القديم أكثر من الصناعي الجديد المنطلق من نقطة البدء . فلا بد للمنتج الجديد ان يبدأ بسوقه المحلية ثم اسواق اشقائه وبعدها ، اذا وجد قدرة وطموحاً لديه ، بنطلق نحو الاسواق الخارجية والعالمية الاصعب اختراقاً .

د – توفر العملات الاجنبية . فالصناعات الكبيرة تتطلب راس مال كبير ، أكثره بالعملات الاجنبية . وعلينا هنا ان نقارن بين ما تحتاجه هذه الصناعات الكبيرة من مال أجنبيى لتلبية سوق محلية صغيرة او محدودة ، وبين ان نستمر في استيراد المنتاجات الاجنبية المماثلة . فإذا ما تبين ان الفارق كبيرلصلح الاستيراد ، علينا الاستمرار بهذا الاستيراد والاحجام عن هدر مال كلفته كبيرة في تصنيع شىء لا يمكن تسويقه بسبب كلفته العالية ، وبالتالي سيكون سعر مبيعه مرتفعاً . مثل ذلك ، انه لو فكر العراق ، مثلاً ، في اقامة صناعة السيارات لتلبية حاجة العراق الداخلية وكانت العملية غير ذي جدوى اقتصادي لصغر حجم الاستهلاك المحلي، او لاستحالة منافسة الشركات الكبرى في الاسواق العربية ، لأصبح لزاماً صرف النظر عن انشاء هكذا صناعة وتوجيه المال الى صناعات اخرى أكثر اتصالاً بالحاجات المحلية وأوفر امكانية للنجاح ، كإنتاج الجرارات او انواع أخرى من المعدات الزراعية .

ه – توجيه الاهتمام نحو الصناعات التي يمكن ان يستفاد من مخلفاتها ، سواء بواسطتها او عن طريق منشأة صغيرة ، لاستغلال هذه المخلفات . وكذلك قد توجد منشأة يسهل علينا ان نضيف اليها وحدة ما لانتاج سلعة تستفيد منها صناعة محلية . وفي هذه الحالة يكون من الاوفق عدم اقامة منشأة جديدة مستقلة لانتاج مثل هذه السلعة الفرعية .

و – مراعاة الدقة المتناهية في دراسة مخلفات عناصر المشروع الصناعي الذي يراد إنشاؤه ، بخاصة من ناحية تكاليفه . وقد يحدث تفاوت بين التقديرات الاولية والتكاليف النهائية الفعلية بسبب ما قد يطرأ من ارتفاع في أثمان الآلات والمعدات المستوردة وأثمان الخامات ، سواء أكانت محلية الصنع او اجنبية ، او تغييرات في سعر الصرف بالنسبة الى العملة المحلية ، وما الى ذلك من الاعتبارات . وكل هذه الاعتبارات الطارئة يجب ان تؤخذ في الحسبان خلال مرحلة الدراسة . وقد جرت العادة ان يتراوح عنصر الاحتياط هذا بين 5 و 10 بالمئة من التقديرات الاولية . وما من شك ان الاناة في الدرس والبحث سوف تجنبنا الوقوع في مطبات كبيرة تعرقل تنفيذ المشروع او في ارتفاع كلفة انتاجه ، مما قد يحد من عملية التصريف ، ومما ينعكس سلباً، على نطاق أخطر ، على تقدم الخطة العامة الموضوعة للتنمية الوطنية .

ز – كذلك لا بد من احصاء دقيق لما يتطلبه المشروع من العناصر العاملة في صفوف القائمين على الادارة والفنيين والعمال الحاذقين . وعلى ضوء هذا تتخذ التدابير اللازمة لتوفير هذه العناصر ، سواء من أهل البلد انفسهم او عن طريق استقدام فريق متخصص من الاجانب بصفة موقتة ، وباعداد العدة لتدريب اكبر عدد ممكن من الوطنيين ، بخاصة في المعاهد والمصانع الاجنبية . والواقع ان مشكلة العنصر البشري ، ضخمة تواجهها البلدان الراغبة في الخروج من دائرة التخلف والتي تقرر الاخذ باسباب التصنيع . فالموارد البشرية المؤهلية للعمل في مشلريع صناعية متقدمة محدودة جداً ، وهو نقص ورثناه من العهود الاستعمارية التي لم تشأ ان تنمي الطاقات البشرية في نواح قد تؤدي في يوم من الايام الى منافسة انتاج الدول المستعمرة . لذلك ينبغي ، عند وضع برامج التخطيط الصناعية ان يؤخذ هذا النقص في الحسبان بحيث تتمشى المشاريع ، على الأقل في مراحلها الاولى ، مع ما هومتوفر من امكانات بشرية وفنية واعداد العدة للانتقال عند اكتمال جهوزية القوى العاملة البشرية الى مرحلة اكثر تقدماً وتطوراً . وامامنا شواهد في آسيا واميركا الجنوبية عما نتحدث عنه ، حيث تعرضت صناعات واقتصادات الى التدهور والافلاس بسبب ضآلة الموارد البشرية المحلية المدربة والأقل كلفة .

موضوع الحماية

يثير موضوع التخطيط الصناعي ، وفق الاعتبارات التي أوردناها ، مسألة على جانب كبير من الاهمية ، نقصد بها الحماية الجمركية . إن الصناعة ، شأنها في ذلك شأن الكائن العضوي ، تمر في مراحل متعاقبة من النمو تتطلب العون والارشاد حتى تصبح قادرة على الوقوف على أقدامها واللحاق بالصناعة في الدول المتقدمة . وهذا ما يفسر المبرر الاساس لتوفير الحماية للصناعات الناشئة . وهذا ما سارت عليه ، وما تزال تسير عليه ، دول عديدة . وقد حقق بعضها بفضل الحماية تقدماً كبيراً في الميدان الصناعي . إلا أنه يجب الا ننظر الى هذه المسألة من الناحية المطلقة ، وانما ينبغي ان لا نوفر الحماية الا للصناعات التي نعرف سلفاً ان لها من المقومات والامكانات التي تؤهلها للنجاح على نطاق محلي ودولي . من هنا قالت اللجنة المالية التي شكلت عام 1923 لبحث حالة الصناعة في الهند : ” يجب ان تكون الصناعة تلك التي تتمكن في نهاية الامر من مواجهة الصناعة العالمية ” . وهذا ما تحقق في الهند . فبعد ان كانت البلاد تستورد المنسوجات القطنية قبل الحرب العالمية الاولى أصبحت أكبر دولة مصدرة لها . فقد صدرت في عام 1950 ما مقداره 1109 مليون يارد من القماش القطني . وخضعت صناعة الصلب في اتحاد جنوب افريقيا من بداية عهدها لحماية شديدة مما مكنها من امداد البلاد بحاجاتها من الصلب باسعار تقل عن المنتجات المستوردة . وكذلك الحال بالنسبة الى استراليا إذ أصبح الصلب الذي تنتجه أرخص ثمناً من أي بلد آخر في عام 1939 .

يجب ان نتنبه ، من جهة أخرى ، ان الحماية اذا طالت مدة تفوق الدرجة المطلوبة والمتوجبة ، سيترتب عليها ارتفاع لا موجب له من التكاليف ، كما انها قد تؤدي الى اضعاف حوافز التحسين ورفع مستوى الانتاج مما يعرقل ، في النهاية ، التطور الاقتصادي العام . فجميع التدابير التي تتخذ لعزل الصناعة المحلية عن قوى الاسواق الخارجية قد تكون لها ، عاجلاً او آجلاً ، نتائج مضرة أقلها انحطاط في النوعية وارتفاع في الاسعار التي سيعاني منها المستهلك .

لهذا لا بد من المراجعة الدورية للتعرفة الجمركية التي وضعت بقصد حماية صناعة معينة . ويتم ذلك عن طريق تقدير العنصر التنافسي في المستقبل . وهذا الامر ليس وظيفة النجاحات الاقتصادية والفنية التي حققتها هذه الصناعة بحمايتها فحسب ، بل والتغيرات التي قد تطرأ على الطلب على انتاجها وكذلك التغييرات في التكاليف النسبية للسلع او المنتجات المنافسة . واذ يدرك رجال الصناعة حقيقة هذه المراجعة الدورية من جانب الدولة ، فسوف يبذلون الجهد من اجل تحسين اساليبهم الصناعية وخفض النفقات حتى يتمكنوا في نهاية الامر من الصمود بنجاح في وجه الصناعة الاجنبية المماثلة .

ولا ريب ان هذا الامر الذي نشير اليه هنا سيدفع رجال الاعنال واصحاب المصانع في التدقيق الشديد عند اختيارهم للمشاريع التي يودون تمويلها واقامتها ، فلا يقدمون الا على ما تتوفرله عناصر النجاح والاستمرار والتقدم . وسيجعهلهم اشد حذراً في تقييم المشاريع التي تعرض عليهم، إما لتمويلها او للمشاركة فيها . فبعض الشركات الاجنبية ، كما هو ملاحظ ، تتهافت على البلدان المتخلفة او النامية وتعرض عليها انواعاً من مشاريع غير اقتصادية ، ذلك لأن هذه الشركات وسماسرتها وعملاءها لا يعنيهم مستقبل الصناعة بشكل عام، انما يعنيهم بيع الآلات والمعدات التي تنتجها شركاتهم او تتجر فيها . وقد شهدت مصر قبل عام 1952 عدداً من هذه الصناعات التي سرعان ما أخفقت بشكل يدعو الى الاسف . إن أمثال هذه العروض يجب ان تخضع للفحص الدقيق من جانب الدولة على أيدي اجهزة خبيرة ونزيهة ومحايدة حتى لا يتعرض الاقتصاد الوطني الى هزات واضطراب .