مشاكل في التخطيط الاقتصادي

إقرأ معي :

مشاكل في التخطيط الاقتصادي

تأليف : ايفان دوربن

ترجمة : احمد رضوان عزالدين

نشر هذا العرض للكتاب في ايار / مايو 1961 ، العدد السابع ، الرائد العربي

يحتل موضوع التخطيط مركزاً تزداد أهميته مع توسع مشاريع التنمية والسياسات الاقتصادية التوجيهية التي تتبعها الحكومات العربية ، واحدة بعد الاخرى ، ويتزايد تبعاً لهذه الاتجاهات ، الاهتمام بين الكتاب والاساتذة والقراء ببحث موضوع التخطيط عبى صعيد الصحافة تارة وفي الكتب العلمية طوراً ، وفي درس اختبارات البلدان الاخرى أطواراً . وقد سبق ان مرت بلدان أخرى بهكذا مرحلة من التلمس الفكري لمعالم التخطيط الاقتصادي وامكانياته ومحاذيره . ومن هذه البلدان من استعان بسياسة التخطيط الاقتصادي ايماناً منها بضرورة تدخل الدولة في برمجة التنمية الاقتصادية ، ومنها من تبنته سعياً وراء تغيير الهياكل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية القائمة في البلد ايماناً منها بعقائد اجتماعية – اقتصادية معينة ، ومنها من توجهت الى التخطيط كتجربة دعا اليها حزب تطوري يساري نسبياً ، معتدل في تقدميته كحزب العمال البريطاني الذي يؤمن بالاشتراكية وبالديمقراطية السياسية ، انما يترك اسلوب العمل لما دعاه بالتجربة والخطأ ، انسجاماً مع العقلية الانكلوساكسونية التجربية .

غير ان حزب العمال قد واجه ، شأنه في ذلك شأن كل الاحزاب الاشتراكية ، معارضة لأرائه يهمنا منها الجانب الفكري ، خاصة في مظاهره الاقتصادية . وكان مفكرو الحزب قد ردوا على هذه الاعتراضات بأبحاث فكرية مقابلة يبررون فيها اتجاههم نحو التخطيط ، ويظهرون نتائجه على رفاه الشعب ، ويقترحون وسائل معينة لتطبيقه ومعايير محددة لقياس نتائجه ، مدللين في الوقت نفسه على فشل النظام المتفاوت في تحقيق الرفاه الذي ينتظره منه منظرو الاتجاهات المحافظة .

نشطت حركة ترجمة مناقشات تلك الفترة الفكرية الى اللغة العربية إغناء للفكر العربي ومساندة لدعم فكرة التخطيط وما يفترضه من منطلقات واستنتاجات . وأفضل مثل لهذا النمط من الكتب هو مؤلف الاستاذ ايفان دوربن ، الاقتصادي العمالي الذي قال عنه كلمنت أتلي ، رئيس حزب العمال آنذاك ، ” انه يعتبر من أقدر إقتصاديينا الشبان ” . ولعل الميزة التي يتحلى بها دوربن وكتابه ، موضوع بحثنا ، أنه ليس من الكتاب النظريين ، بل انه مارس الاقتصاد التطبيقي وجمع في كتابه هذا مجموعة من محاضراته التي كتبها بلغة ونسق يفهمها المثقف العادي ، كما يفهمها الاختصاصي . ويشمل الكتاب عشر محاضرات يشرح فيها الاشتراكية وعلاقتها بالديمقراطية وترابطها مع فكرة التخطيط الهادف الى زيادة رخاء المجتمع وتوزيع هذا الرخاء على كل الافراد مع المحافظة على عناصر النمو والتقدم والامن . ويشرح كذلك الناحية التي تعارف الناس على تسميتها بالاقتصاد السياسي ، وهو ذلك النمط من الدراسة التي يستقصي علاقة الجهاز الاقتصادي بالجهاز السياسي . وبحث كذلك في الاعتبارات التي هي من نوع الكفاءة الادارية والتخطيط ( المحاضرة الخامسة ) وامكانية الانسياق في ظل التخطيط نحو الدكتاتورية السياسية ( المحاضرة الرابعة ) . ثم يطرح في المحاضرة السادسة موضوع التوزيع الامثل للموارد والرخاء الناتج عن هذا التوزيع ، ويحاول ان يثبت كيف ان النظام الحر ( الذي يعني بالنسبة له النظام المنفلت laisser – faire ) لا يمكن ان يؤدي الى التوزيع الامثل ، بينما يمكن ان يتم هذا التوزيع في ظل النظام الاشتراكي . ويشرح في رسالته السابعة ” الحساب الاقتصادي في الاقتصاد المخطط ” كيف يمكن تطبيق نظرية القيمة على اقتصاد مخطط في المدى القصير فقط ( كما أشار الى ذلك ابا ليرنر Aba Lerner في مجلة Economic Journal ) .

يتعرض الجزء الثالث من الكتاب وعنوانه ” في علم الاقتصاد ” الى بعض النواقص التي تعتري علم الاقتصاد وتجعله أعجز من ان يبحث المشكلة الاجتماعية من جميع نواحيها . ويجري البحث في هذا القسم في ثلاث رسائل : ” طبيعة علم الاقتصاد ” ( المحاضرة الثامنة ) وهي تبحث بطريقة مبسطة في طبيعة الاسلوب العلمي ومشاكل تطبيق هذا الاسلوب على دراسة المشاكل الاجتماعية ، وكذلك تقييم المدى الذي استخدمه علم الاقتصاد وغيره من العلوم الاجتماعية في هذا المجال في الماضي . وهو يحدد الاسلوب العلمي في البحث بالثلاثي المعروف أي المشاهدة والاستقراء والاثبات ، ويعطي الامثلة من علم الظواهر الطبيعية والميكانيك في تطبيق هذا الاسلوب . ثم ينظر في تطبيقه على الاقتصاد كعلم في مسألتين رئيستين : التقلبات التجارية ، وهي من خصائص النظام الرأسمالي ، ومشكلة الحوافز الصناعية . ويستخدم دوربن هذين الموضوعين ليثبت ان كثيراً من الاقتصاديين قد أهمل الربط بين المشاهدة والاستقراء والاثبات . فبينما اتجهت بعض المدارس الاقتصادية الى النظريات المنطقية البحتة ، إتجه بعض الكتاب الاميركيين الى تكوين الاحصاءات ( المشاهدات ) من دون البحث فيها او ربطها وتفسيرها . وهذا لا يعني ان الاقتصاد ليس علماً ، بل بالعكس ، فقد تقدم علم الاقتصاد كثيراً عن طريق تطبيق الاسلوب العلمي في ابحاثه . غير ان بعض الاقتصاديين أهمل او نسي كون المادة التي يعملون بها هي الطبيعة البشرية التي ترفض ان تجزأ الى عناصر اقتصادية بمعزل عن سائر عناصرها النفسية والاجتماعية والسياسية . ولما كان الناس يتعلمون من تجاربهم ، فان عنصراً جديداً من عدم الدقة يدخل في حسابنا ، بالاضافة الى كون اي علم او قانون طبيعي موضعاً للتغييريوفر اثباتات ومشاهد جديدة .

أما الرسالة التاسعة وهي ” أساليب البحث ” فيطبق فيها المؤلف المبادىء التي وضعها في الرسالة السابقة ويطرح مستقبل البحث الاقتصادي ، وينادي فيها بالتعاون بين الاقتصادين وغيرهم من الاخصائيين في العلوم الاجتماعية . فهو يبحث عن وسيلة للوصول الى علم ايجابي يجمع بين النظريات الفرضية والمشاهدة الاحصائية من جهة ، وبين هذه في كل العلوم الاجتماعية ، في علم واحد . وهو ينادي بالبحث التعاوني الذي تشترك فيه مجموعة من الاخصائيين في العلوم الاجتماعية لبحث المشاكل المشتركة . وهذه تشمل أكثر المشاكل . ولعل من المفيد الاشارة الى ان هذا البحث الاسلوبي كان مقدمة ( بين مقدمات لغيره من الكتاب ) لما أصبح يعرف الآن بعلم تحليل العمليات operation analysis والذي تطور خلال الحرب العالمية الثانية وبعدها ، ويشترك فيه عدد من الخبراء في علوم متفرقة لها علاقة بمشكلة معينة مطروحة على بساط البحث.

قد يكون المجال هنا مناسباً لايراد الانتقاد الاساسي لكتاب دوربن وهو ان عملية البحث العلمي الثلاثي الجوانب ” هي عملية تقدمية ولا نهاية لها على الاطلاق ” ، وانه كلما تقدمت المعرفة كلما وضح عجز بعض المواقف والاساليب الماضية في حل المشاكل التي صممت في الاصل لحلها . فكتاب دوربن قد اصبح في كثير من نواحيه ، وخاصة في ابحاثه التي يستخدم فيها النظرية الاقتصادية السائدة في ايامه ( التقلبات التجارية مثلاُ ونظرية القيمة ) ، قديماً بسبب التقدم الكبير الذي حصل في تينك الزاويتين بشكل خاص . ومن جهة اخرى ، فانه كثيراً من الامور التي طالب بها ، كالبحث العلمي التعاوني ، قد تحققت وأصبح البحث في موضوعها اليوم ذا أهمية تاريخية فقط .

غير ان هنالك زوايا متعددة تكمن اهميتها في انها مبادىء اساسية مبنية على معطيات انسانية يصعب ان تتغير . وهذا ما ينطبق بشكل خاص على مقاله الاول ” دفاع عن الاشتراكية ” يتحدث فيه عن التفاوت الاقتصادي وحق الارث ، والتفرقة الاجتماعية والهمجية vandalism وفقر الخيال . ويرسم صورة لمجتمع بريطاني افضل تسوده العدالة والرفاه والأمن وتتوفر فيه امكانات النمو وفرص التقدم الفردي .

ينطبق القول نفسه على اجزاء من مقاله الثالث ” مشاكل القطاع المؤمم ” ، خاصة حيث يتكلم عن الحوافز التي تحرك العمال والمديرين نحو العمل الشاق والكفاءة العالية في القطاع المؤمم ، وهو مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالقسم الثاني من هذا المقال ” الاشراف التكنيكي ” .

وتمكن الاشارة الى بعد نظر الكاتب وتعمقه في فهم نفسية الموظف في اقتراحه لتدريب ” المشرفين التقنيين ” ، أي المديرين والمشرفين الصناعيين من الصف الثاني ، فيقترح اولاً ان يعمل الموظف مدة ما في ميدان من الميادين التي تشرف عليها الادارة التي يعمل بها ، وثانياً ابعاد الموظف في المناصب الادارية عن الخدمة في فترات منتظمة من خدمته باعطائه اجازة استجمام اجبارية يطلب منه فيها ان ينعش عقله وان يطور معرفته ليساير آخر التطورات في ميدان عمله عن طريق الدراسة والسفر . وهذان الشرطان يوفران لعقله ، او عقلها ، الانتعاش والاستعداد العملي اللذين يفتقدهما اليوم الموظفون الحكوميون المتقدمون بالسن ص 106 .

وبالرغم ان الكاتب اقتصادي تطبيقي ، او بالحري بسبب ذلك ، فان هذه المقالات العشر ليست مقالات شعبية فحسب ، بل ان الكاتب يدخل في كثير من الامكنة في مناقشات مع الاقتصاديين التقليديين والنظريين امثال هيكس وليرنر ودوبس وهايك . وقد نشرت اكثر هذه المقالات في المجلات المعنية الاقتصادية .

من المؤكد ، انه لم تكن كل الاراء التي يوردها دوربن في مقالاته هذه قابلة للتطبيق في الوطن العربي ، او لم تكن بعضها قد حافظت على اهليتها كنظرية حديثة ، فان جزءاً كافياً من الكتاب ، وهو الجز الأهم والأكثر إتصالاً بالناحية الانسانية غير المقيدة بحدود جغرافية ، يثير تساؤلات كبرى ويقترح احتمالات آن ان تدرس مدلولاتها وان تستقصى محاذيرها . على ان من الضروري ان نذكر ان لدينا ميزة النظر الى فترة من التجربة العملية لبعض آراء دوربن وغيره من العماليين في الفطاع الانكليزي المؤمم ، وان نستفيد منها .