مشاكل المجتمع العربي

مشاكل المجتمع العربي

الانفجار السكاني : حقيقة ام خيال ؟

د. عبد المجيد فراج

نشر المقال في كانون الاول / ديسمبر 1961 ، العدد الرابع عشر ، الرائد العربي

التقارير التي تصدرها الامم المتحدة والكتابات التي ينشرها المؤلفون الاقتصاديون والاجتماعيون ويتناولون فيها الوضع السكاني في العالم ، يصفون فيها الوطن العربي ومنطقة الشرق الاوسط بوجه عام ، بأنها منطقة انفجار سكاني واضح . وهم يرتكزون في تصورهم هذا ان المنطقة بأجزائها المختلفة تتصف بارتفاع واضح في معدلات المواليد ، مما يجعلها منطقة ذات معدل نمو سكاني مرتفع ، رغم ارتفاع معدلات الوفيات فيها بالمقارنة باجزاء كثيرة من العالم . وسواء سميت هذه الظاهرة انفجاراً سكانياً او ضغطاً سكانياً ، فانها ، ولا شك ، ظاهرة جديرة بالاعتناء والبحث لكي نتبين مدى ما في هذا الوصف من تصوير للواقع ، ومدى ما يحمله هذا الواقع من خطورة على مستقبلنا ومستقبل الاجيال القادمة .

دعونا أولاً ان نتفق على ان الانفجار السكاني او الضغط السكاني ليست أوصافاً مطلقة ، أي انها لا يمكن ان تبنى على أساس النظرة الى الموقف السكاني فحسب ، لأن نمو السكان ، بأي معدل من معدلات النمو لا يمكن ان تستكشف آثاره إلا اذا قورن هذا النمو بنمو الموارد التي يعتمد عليها السكان عموماً في تدبير اسباب المعيشة والحياة . ففي الحالات التي ينمو فيها السكان بمعدل أقل من معدل نمو الموارد المتاحة لا يكون هنالك خطر من نمو السكان بهذا المعدل المرتفع ، ومن ثم لا يمكن ان تعتبر الدول التي تسود فيها هذه الحالة دولاً مهددة بالانفجار السكاني او دولاً ترزح تحت اعباء الضغط السكاني ، ومثلها الدول التي ينمو فيها السكان بمعدل قريب من معدل نمو الموارد او يساويه . لكن الدول التي ينمو فيها السكان بمعدل أكبر من معدل نمو الموارد ، يمكن ان تعتبر مهددة بالانفجار السكاني ولو بعد حين .

العبرة اذن ، عند الحديث عن الضغط السكاني والانفجار السكاني ، ليست باعداد السكان المطلقة او معدلات نموهم ، في حد ذاتها ، إنما بالعلاقة بين هذا الجانب وحجم الموارد ومعدلات نموها ، في جانب آخر . فمشكلة الانفجار السكاني ، اذن ، ليست مشكلة مطلقة ، بل هي مشكلة نسبية . ومن هنا يمكن الحديث عن ضخامة عدد السكان او عن ارتفاع معدلات المواليد حديثاً لا يدل بالضرورة على وجود حالة ضغط سكاني ولا ينذر بالضرورة بوجود حالة انفجار سكاني . ولكي نحكم على مدى ضغط السكان في أي بلد ، يتعين علينا ان نبحث عن مدى التوازن بين السكان والموارد المتاحة ، فنقارن ، مثلاً ، بين عدد السكان والمساحة لنعرف نصيب الفرد من الرقعة التي يعيش عليها الناس جميعاً في دولة معينة . لكن البعض يعترض على هذه المقارنة لأن بعض الدول تطغي فيها مساحات الصحارى على مساحات الاراضي الزراعية او القابلة للزراعة ، ولذلك يميل هذا البعض الى استبعاد الصحارى واجراء المقارنة بين عدد السكان والمساحة القابلة للزراعة او المزروعة فعلاً . وحتى هذه المقارنة لا تلقى كل الترحيب من كل الناس لأن العبرة ليست بالزراعة ، بل بما ينجم عن عملية الزراعة من انتاج ، وبما يتحقق ايضاً من انتاج في الصناعة وفي باقي القطاعات الاقتصادية . لذلك يميل هؤلاء الى مقارنة عدد السكان بجملة الانتاج . وهناك مقاييس أخرى كثيرة ابتدعها الباحثون ولا يزالون يبتدعون غيرها تباعاً ، وعلى مر الزمن ، بقصد تصوير هذه العلاقة تصويراً يقربنا ، بالتدرج ، من الواقع ، ويساعد الدول على استكشاف موقفها بصورة أقرب الى الكمال والوضوح .

ليس يعنينا هنا أن نثبت او ان ننفي وجود حالة انفجار سكاني في المجتمع العربي الجديد ، بل اننا سنسلم جدلاً بأن هنالك حالة ضغط سكاني ، على الاقل ، في بعض اجزاء الوطن العربي . وذلك لكي تنصرف جهودنا الى التعرف على اسباب هذا الضغط ، على فرض وجوده ، بدلاً من ان تنصرف جهودنا الفكرية الى النقاش والمجادلة حول وجود هذه الحالة او عدم وجودها . وسواء رضي البعض ان يسلم بوجود هكذا حالة او لم يسلم، فان الأمر الذي لا جدال فيه اننا في كل اجزاء الوطن العربي في حاجة ماسة الى رسم سياسات سكانية تهدف، في النهاية ، الى تخفيف آثار حدة الضغط السكاني في بعض هذه الاجزاء وتنمية الموارد السكانية في اجزاء اخرى ، بحيث نتحاشى وقوع هذا الضغط . ويضطرنا هذا الامر الى ايضاح معنى السياسة السكانية ومدلولها .

السياسات السكانية ، شأنها شأن أي سياسات أخرى ، ما هي الا أساليب محددة تهدف الى وضع ضوابط معينة لتحقيق أهداف محددة في ازمنة موقوتة . فاذا رغبت اي دولة في اتباع سياسة سكانية توسعية ، كان عليها ان تشجع الناس على الزواج والتوالد او ان تحمي الناس من الامراض وتؤمنهم شر غائلة الموت بتخفيض معدل الوفيات او ان تفتح ابوابها امام الراغبين في الهجرة اليها من دول اخرى ، او ان تفعل كل هذا جميعاً . واذا رغبت الدولة في اتباع سياسة سكانية انكماشية ، عمدت الى رفع سن الزواج ، مثلاً ، والحد من الرغبة في الزواج بوسائل مختلفة والى مناشدة المتزوجين الاقلال من التوالد ، والى غلق ابوابها دون هجرة الناس اليها ، وتشجيع مواطنيها بالهجرة الى بلدان اخرى . ولا تستطيع ، بالطبع ، ان ترفع معدلات الوفيات فيها مهما اقتضى الحال .

بديهي ان السياسات التوسعية أيسر في الاتباع من السياسات الانكماشية . فتشجيع الناس على الزواج أكثر سهولة ، وتشجيعهم على التوالد أمر أسهل وأهون ، وفتح الباب امام المهاجرين ، بما يحيط بسياسة الباب المفتوح ، من صعاب في التأقلم والاندماج . الا ان هذه الصعاب يمكن ان تذلل بالتدريج على مر الزمن . كما ان خفض معدلات الوفيات امر مرغوب فيه ومرحب به . لكن العقبة الحقيقية هي في محاولة اتباع سياسة انكماشية للسكان . ذلك لأن مثل هذه السياسة تعتمد أساساً على خفض معدلات الزواج والمواليد ، ومثل هذا الامر لا يمكن ان يتم بنجاح إلا اذا أعتمدت الدولة في احداثه على فهم الاسباب الكامنة وراء ارتفاع هذه المعدلات ، لكي تأخذ من الاجراءات ما يكفل القضاء على هذه الاسباب او على الأقل ما يكفل الحد من مفاعيلها.

أحب في هذا المجال ان أفرق بين العوامل والوسائل . فحين يتحدث الناس عن ضبط النسل ، إنما يتحدثون ، في الواقع ، عن وسائله . لكنهم قلما يتناولون العوامل الكامنة وراء عدم ضبط النسل . وهي العوامل التي لا تدفع الناس الى طلب وسائله ، ومن ثم يستمرون في التناسل ولا تنجح الدعوة الى تحديد النسل .

الزواج والتناسل مظاهر اجتماعية تتحكم فيها عموماً عوامل اقتصادية واجتماعية ، وسياسية ايضاً ، الى حد ما. فالناس في المجتمعات الزراعية ، على وجه الخصوص ، يعتبرون النسل وسيلة من وسائل الانتاج ، إذ يعتمدون في انتاجهم الزراعي على اولادهم ، ويفرحون لمولد الصبية باعتبارهم عماد هذه المعاونة وسندها ، كما انهم يربونهم طمعاً في تأمين مستقبلهم ، بحيث يصبح للاباء لدى الابناء العاملين بعض الحقوق والالتزامات التي تقيهم شر غائلة الزمان وتؤمن معاشاً مضموناً حتى الممات . يضاف الى ذلك ان مجتمعاتنا مجتمعات فقيرة، مهما اختلفت درجات الفقر فيها او الغنى . واذا ما حرص الاغنياء على عدم التوالد خشية ان ينخفض مستوى معيشتهم ، فان الفقراء ليس لديهم هذا الوازع لأنهم لا يملكون شيئاً يخشون عليه من الضياع . ومن ثم يستمرون في التوالد إيماناً منهم بأن أي مولود جديد لن يحرمهم مما لا يملكون ولن يشاركهم الا في الجوع . وليس في هذا تضحية من جانبهم على الاطلاق .

واذا أضفنا الى كل ما قلناه سابقاً ، أن كبر العائلة يكسب العائلة مكانة اجتماعية ، على الأقل في الريف ، ويجعلها موضع هيبة وتقدير واحترام ، امكننا ان ندرك السر في حرص الناس على انجاب المزيد من الاطفال والاستمرار في هذا الانجاب من دون ان يقفوا عند حد معين ، خشية ان يأتي عليهم الموت فجأة فيقضي على القليل مما انجبوه واكتفوا به . لذلك ، فمن حق الموت على الناس في مثل هذه المجتمعات ان يحفظوا له نصيبه من دون ان يكون في هذا مساس بحجم العائلة الكبير المرغوب ، ومن ثم يستمر الناس في الانجاب ليخلقوا رصيدأ للموت ورصيداً للحياة في آن معاً .

فاذا أردنا ان نسلك سياسة انكماشية للسكان ، وجب علينا ان نقضي على هذه الاسباب ، وأهمها في رأي ، انخفاض مستوى المعيشة ، لأنه اذا ارتفع هذا المستوى وادرك الناس هذا المستوى واستمتعوا به ، أمكمهم ان يجدوا شيئاً يحرصون على استبقائه ويخشون ضياعه ، وبدأوا يفكرون في ان اي مولود جديد سوف يزيد عبأ الحياة ويحرمهم من بعض ما يستمتعون به من طيبات الحياة والمستوى المعيشي المرتفع .

لكن ، ماذا يكون الحال اذا باءت كل نبوءاتنا بالفشل فارتفع مستوى المعيشة وظل الناس على حالهم يتوالدون وينجبون ، كما كانوا يفعلون من قبل ؟ . مثل هذه النتيجة بعيدة الاحتمال . لكن لنسلم جدلاً بأن هذا الامر يمكن ان يحدث ، فهل معنى ذلك اننا أصبحنا على شفير الهاوية ؟ .

من حسن الحظ ان موجة من التفاؤل بدأت تسود الفكر الاقتصادي والاجتماعي خلال السنوات الاربعين الماضية وساعدت في تبديد بعض ما سيطر على اذهان الناس من تشاؤم بمستقبل البشرية في ظروف النمو السكاني المطرد الذي نشهده في بعض بقاع العالم . وترتكز هذه الموجة التفاؤلية في جملتها على انه لم يثبت حتى الآن ان امكانيات الانتاج المتاحة في بعض الدول قد استوعبت آخرها . فهناك فرص كثيرة لزيادة الانتاج ، وهناك الاختراعات التي ساعدت البشرية في الماضي على الا يهبط مستواها المعيشي عما سبق ، رغم زيادة عدد السكان زيادة كبيرة عما كانت عليه في الماضي وفي العالم اجمع .

يتنبأ الكثيرون ان بمقدورنا ان نستبدل الاغذية الطبيعية التي نستهلكها اليوم باغذية صناعية ، وان الالياف التي تخصص لها مساحات زراعية واسعة ، يمكن ان نستعيض عنها بألياف صناعية لكي نسخر الارض لزراعة غذاء الانسان . وبدل ان نزرع الارض بغذاء الحيوان ، ثم نأكل هذا الحيوان ، يمكننا ان نسخر الارض لغذائنا ونصنع للحيوان غذاء صناعياً يكفيه ولا يضر بنا اذا نحن أكلنا الحيوان . هذا ، بجانب تقدم الفنون والعلوم الانتاجية والتوسع في انتشار الالية ، واحتمال استخدام الذرة في الاغراض السلمية ، وما قد يترتب على ذلك من تحويل الصحارى ، او أكثرها ، الى أراض زراعية خصبة ، على نحو ما يتوقع العلماء . ويؤيدهم في تفاؤلهم هذا ، كما قلت ، ان مستوى معيشة العالم بعد زيادة عدد سكانه على مر الزمن لم ينخفض عما كان عليه العدد في السابق ، وذلك بفضل ما توصل اليه الانسان من اختراعات ومستحدثات جعلت مزيداً من طيبات الحياة ملك يديه ، وستجعل المزيد منها يأتي اليه مستقبلاً بفضل ما أودعه الله في الانسان من قدرات وامكانيات.