مشاكل المجتمع العربي الجديد

مشاكل المجتمع العربي الجديد

إكثار الانتاج

د. عبد المجيد فراج

كلية الاقتصاد – جامعة القاهرة

نشر المقال في تموز / يوليو 1961 ، العدد التاسع ، الرائد العربي

مشكلة رفع مستوى معيشة شعب ما ليست مشكلة مستقلة عن مشاكل فرعية اخرى ، بل انها مشكلة أصلها ثابت في مشاكل أخرى وثيقة الصلة بها ، بحيث لا يمكن ان تحل الا عن طريق حل مجموعة هذه المشاكل كل على حدة ، شرط ان تتجمع الحلول المتفرقة في إطار برنامج عام  هدفه تحقيق الهدف الاسمى المتمثل برفع مستوى معيشة الشعب . ولما كان رفع مستوى المعيشة يتطلب زيادة كميات السلع والخدمات التي يستهلكها الناس ، فضلاً ان زيادة انواعها ايضاً ، فقد كان لزاماً ان يرتفع انتاج هذه السلع بالذات ، او ان يزيد انتاج غيرها ، مما يمكننا من تبادلها مع سلع وخدمات مستوردة من العالم الخارجي . واذا علمنا ان للانتاج عوامله التي تساعد على تحقيقه بمستوى آخر من المستويات المختلفة والمحددة ، وان هذه العوامل قد إصطلح على حصرها في اربعة عوامل هي : الطبيعة ورأس المال والعمل والتنظيم ، وان من بين الاقتصاديين من يميل الى ادماج العمل مع التنظيم وبذلك تصبح العوامل ثلاثة فقط ، فان زيادة الانتاج لا تعني زيادة هذه العوامل فحسب ، بل تعني ايضاً زيادة استخدام هذه العوامل ، او بالاحرى زيادة كفاءة هذا الاستخدام . بمعنى ان الدول النامية قد لا تجد نفسها مضطرة الى زيادة ما لديها من ثروات طبيعية فوق سطح الارض وفي باطنها فحسب ، بل تضطر ايضاً الى رفع كفاية استغلال هذه الموارد الطبيعية واستخدامها . وقد نجد ان من بين هذه الدول من تجد نفسها عاجزة عن سلوك المسلك الاول حين تكون قد استوعبت مواردها الطبيعية كل امكانيات الزيادة والتوسع ، فلا تجد مندوحة عن التفكير في مختلف السبل والوسائل التي تكفل رفع الكفاءة الانتاجية لهذه الموارد الطبيعية . ومثل هذا القول ينطبق ايضاً على رأس المال ، سواء رأس المال العامل او ما كان منه في شكل أصول ثابتة .

اما في مجال العمل ، فإن ارتفاع عدد العاملين ، وإن كان هو الهدف الاساس لكل الدول المتقدمة والمتأخرة على حد سواء ، إلا ان عنصر الكم هنا قد لا يفيد وحده في احداث زيادة في الانتاج ، حتى ولو زادت الكفاية الانتاجية لطبقة او اخرى من الطبقات المختلفة التي ينتمي اليها هؤلاء العاملين . فعملية الانتاج تستلزم ان يتوفر في الدولة خليط من الكفاءات والمواهب التي تتفاعل مع بعضها البعض في عملية الانتاج بنسب مختلفة، ولا يمكن ان يرتفع مستوى الانتاج كماً ونوعية بغير هذا التفاعل والخليط . وللعملية الانتاجية هذه جوانبها الادارية والتنظيمية التي قد يعرقل انعدامها او انخفاض مستواها سير الانتاج ذاته .

لا يكفي اذن ان تكون الزيادة في عوامل الانتاج المختلفة زيادة في الكم فقط ، بل يجب ان تحدث هذه الزيادة ايضاً في الكيف ، بمعنى انه لا بد من ان يرتقي مستوى هذه العوامل ايضاً . مثل هذا الشرط مستمد ، في الواقع ، من الشروط التي يجب ان تراعى في زيادة الانتاج نفسه . فلا يكفي ان تزيد كميات الانتاج ، بل يجب ايضاً ان ترتقي مستوياته الفنية فتزداد الكميات الناتجة في نوعيتها وترتقي مستويات المنتجات .

لسنا نعدو الواقع ، في قليل او كثير ، ان نحن اعتبرنا الطبيعة هي العامل الاساس في الانتاج . او بعبارة أخرى ، انها مصدر الخير والرزق لابن آدم منذ خلق الله البرية وقبلها ، تسعى فيها الدواب وتأكل من رزق الله ، ويضرب فيها ابن آدم بقدميه ليقتات من فولها وثومها وبصلها ، ويصنع منها أدواته من جذع الشجر ويقيم من ورق الشجر مأواه ، ويغوص في مائها فيأكل منه لحماً طرياً ، ويجد في لآلئه ومرجانه زينة له في الحياة الدنيا . وحتى حين يرتقي الانسان عن مستوى البدائية ، وترتقي معه وسائل استغلاله لما حوله من موارد طبيعية ، نراه ينظر الى الطبيعة كمصدر اساس فيزرع الارض ليقتات منها ويضرب في باطنها بحثاً عن المعادن والخامات التي تقوم عليه الصناعات في الدول المختلفة . فكل ما تحمله لنا الارض فوق سطحها او في باطنها يتمثل لنا في النهاية في شكل موارد طبيعية يختلف توزيعها بين الدول باختلاف المساحات التي تقع داخل تلك الدول ، وباختلاف طبيعة هذه الموارد والثروات ، وباختلاف المعالم الجيولوجية والصفات الجيوفيزيقية للارض التي يعيش عليها سكان هذه الدول على اختلاف جنسياتهم ونحلهم واجناسهم والوانهم .

الارض التي تعيش عليها مجتمعاتنا العربية مساحاتها شاسعة . لكن جانباً كبيراً من هذه المساحات ليست إلا صحارى قفار ، وما في باطن هذه الارض من معادن غفل مجهول  ، وما بين الضفاف من ثروات مائية لم تستغل الاستغلال الكافي . وما فوق اراضينا من زرع ونخيل إما ضيق النبت او ضائع الثمر . فاذا نحن رغبنا في التغلب على هذا الضيق بالتوسع في الرقعة المزروعة صدمتنا في بعض أجزاء وطننا العربي حدود الصحارى التي تحف بالوديان الخضر الضيقة ، وصدمتنا كذلك صعوبات الري وانخفاض مناسب المياه ومستوياته وندرة الامطار واستفحال الجفاف في مواسم كثيرة خلال السنة ، فلا تبقى من سبل التغلب على هذا الضيق إلا أن نزيد من امكانيات الانتاج للمساحات المزروعة نفسها . وهذا بدوره يستلزم مزيداً من الري ، أي مزيداً من مشاريع الري ، ومزيداً من العناية والجهد في الاكثار مما تنبته لنا هذه المساحات المحدودوة الضيقة ، ومزيداً من الحرص على تنويع حاصلاتنا وتخصيص كل تربة لما تصلح له من المزروعات . ثم لا بد من زيادة الانتاجية باستخدام المزيد من الآلات . لكن كل هذا الجهد لا يحل مشكلة الضياع . من هنا تلزم مكافحة الافات الزراعية باستخدام المبيدات ، وتوفير الظروف الملائمة لخزن المحاصيل ببناء الصوامع او بتخفيض بعض هذه المحاصيل وحفظها ، اذا كان يلائمها الحفظ والتخفيض .

ثم علينا ، بعد هذا ، ان نستغل باطن الارض وما في أعماق البحار والانهار . فخاماتنا الطبيعية من المعادن المختلفة تستلزم المزيد من البحث والاستكشاف ، والثروة السمكية شبه مهملة ، فلا نحن استفدنا منها في الاستهلاك الداخلي بالقدر الكافي ، ولا نحن يسَرنا لها سبل الحفظ بانشاء صناعة سمكية خاصة تسهم في احداث شيء من الرواج في الداخل ، وتساعدنا اذا ما صدَرنا كميات منها في الوصول على ما نحتاج اليه من الخارج .

لا أحسبني خارجاً عما رسمته لنفسي من حدود لهذا المقال اذا انا عرَجت قليلاً على موضوع الاستيراد بمناسبة ما أثرته من امر الحصول على ما نحتاج اليه من الخارج لأن مثل هذا الامر لا يمكن ان نمر عليه مرور الكرام . فلا يكفي الدولة ، اي دولة ، الراغبة في النمو والساعية اليه ان تستورد من الخارج ما تحتاج اليه لاستهلاكها  الداخلي العاجل السريع ، بل يجب ان تحيط تجارتها الخارجية بفلسفة الانماء ، والمزيد من الانماء ، وذلك لا يمكن ان يحدث الا اذا حرصت الدولة على ان تخصص جزءاً كبيراً مما تستورده لغرض الانماء الذاتي ، وذلك بأن تستورد من الخارج ما يساعد على انشاء طاقات انتاجية جديدة تسهم في رفع مستوى انتاجها ، كماً ونوعية ، المرة تلو المرة الاخرى . ولا بد ان يشمل هذا الاستيراد الآلات والمعدات لا سلعاً او خدمات ومواد استهلاكية . ولا بد للدولة ان تحرص على ان يكون نصيب هذه الآلات والمعدات هو النصيب الاكبر .

غير ان زيادة الاصول الثابتة من الآلات والمعدات لا يكفل للدولة ، بالضرورة ، زيادة في الانتاج المحلي ، اذ لا بد من ايجاد راس المال العامل الذي يساند هذه الاصول الثابتة في تسيير عجلة الانتاج ورفعه . فانعدام رأس المال العامل او نقصه قد يؤدي ، ان أجلاً او عاجلاً ، الى اهمال صيانة الالات والمعدات أو إهمالها . ثم ان ضعف الانفاق على الخامات اللازمة للانتاج ، وانصراف المشتغلين عن اعمالهم او اضرابهم عن العمل لسبب ما ، يسبب عجزاً في جهاز الانتاج ينعكس سلباً على العنصر البشري العامل بشكل عجز في دفع الاجور والمستحقات . ثم ان عجز الجهاز المنتج عن مواكبة التحديث والتجديد في وسائل الانتاج ، كأن لا يماشي التطور التقني وقدرته في التعامل مع المعدات المتطورة ، سيجعله ، عاجلاً او آجلاً ن متخلفاً عن الارتقاء بمستوى انتاجه الكمي والكيفي ، وبالتالي سيفقد بعض او أكثر أسواقه الخارجية وحتى الداخلية .

قد تبدو العمالة في مجتمعنا العربي الجديد أقل عوامل الانتاج إشكالاً وصعوبة ، لأن العمالة مصدرها السكان، والسكان في الشرق يأتون تباعاً من نبع غزير . فيحق علينا ، بذلك ، ان لا نخاف ولا نحزن . لكن العبرة في موضوع العمالة ، كما سبق ان قلنا ، ليست بالعدد فحسب ، بل لا بد لنا من ان نعمل على ان تتوافر هذه الاعداد الكافية الوافية باغراض الانماء بمستويات معينة من المهارة والدراية والخبرة والتعليم . من هنا تبرز مشكلة تسعى الدول النامية الى حلها بمحاولة استكشاف الصفات العامة لموارها البشرية والوقوف على معالم الاستخدامات المختلفة لهذه الموارد ، ثم تحديد اهداف الانماء المستقبيلة التي يمكن على ضوئها تحديد احتياجاتها من الايدي العاملة لتحقيق هذه الاهداف وتحديد المستويات المطلوبة للعمال والموظفين والفنيين بمختلف تخصصاتهم . ومثل هؤلاء يلزمهم ، ولا شك ، بعض التعليم والتدريب . من هنا يتحتم على الدولة ان تفتح لهم المدارس والجامعات ومعاهد التدريب وان تستقبل فيها العدد الكافي الذي يسمح بأن يتخرج منهم في النهاية العدد اللازم لاحداث التنمية بالمستويات المطلوبة .

هذه ايضاً مشكلة تخطيطية اخرى ، وهي من كبرى المشاكل التي يواجهها مجتمعنا العربي الحديث .