مرحلة جديدة في حياة المسرح الكويتي الحديث

مرحلة جديدة في حياة المسرح الكويتي الحديث

 نشر المقال في ايار / مايو 1962 ، العدد التاسع عشر ، الرائد العربي

ليس قيام المسرح العربي ترفاً وترفيهاً  بقدر ما هو ضرورة فرضها التطور العام الذي هز كل مرافق الحياة الاجتماعية في الكويت ، واوجد الحاجة الى تنسيق هذه المرافق لتكمل نموها وازدهارها . ومع قيام فرقة المسرح العربي ، التي تعتزم تقديم نفائس المسرحيات مما أخرجته الافلام العربية والاوروبية ، مصاغاً باسلوب عربي فصيح ، تبرز دلالات عديدة لكل منها مغزاها . فهي تحكي قصة التطور العام بدءاً بما كان قائماً من مظاهر العرض التمثيلي لينقله من المحلية الكويتية الضيقة النطاق الى رحاب العربية وما وراءها ، باعتبار ان ما تقدمه هذه الفرقة من مسرحيات تاريخية واخرى معاصرة سيتجاوز ملابسات الحياة الكويتية الخاصة ، الى تناول القيم الانسانية العامة في قطاعاتها الواسعة والكبيرة .

إن الكويت في صدد تدعيم جديد ومتطور للسان العربي الفصيح الذي هو الرباط الاول الجامع بين مختلف الاقطار العربية ، وذلك بحكم ان اللسان العربي الفصيح هو الاسلوب السائد في كل ما تقدمه هذه الفرقة . وبتقديمها للمسرحيات التي تنشر صفحات زاهرة من التاريخ العربي وفق خطة مرسومة ، تسهم الكويت في ابراز مفاهيم العروبة الأصيلة ، وفي احياء امجادها ومفاخرها ابتغاء ربط الماضي المجيد بالحاضر المتطلع الى آفاق جديدة من المفاخر والامجاد .

إن حقلاً جديداً سينفتج للاقلام الكويتية . فنشاط فرقة المسرح العربي يشمل كتابة المسرحيات . وبهذا لن يتخلف الادب الكويتي من ان يكون في المستوى الذي بلغه الادب العربي الحديث ، وقد أصبحت المسرحية مظهراً من مظاهر هذا الادب المتطور . وان قيام الفرقة برعاية واعانة من جانب وزارة الشؤون الاجتماعية الكويتية سيؤدي حتماً الى قيام احتراف بين المسرحيين ، لا ان يظل نشاطهم مقتصراً على الهواية . وفي الاحتراف ، كما هو معروف ، تخصص وتوفر يكفلان التجديد والاتقان في فنون المسرح . وفي الاحتراف ايضاً تتابع منظم للنشاط المسرحي ، كتابة وتمثيلاً . وبهذا لن يكون بعيداً اليوم الذي تخرج فيه من الكويت قوافل من محترفي المسرح لتطوف في كل قطر ، حيث للعربية فيه شأن وللفن وعي وتقدير .

مع قيام هذه الفرقة المسرحية تستقيم اوضاع فنية كانت تشكو الانحراف وفي مقدمتها قيام الرجال بادوار النساء فوق خشبة المسرح ، او تقديم مشاهد تمثيلية خالية من العنصر النسائي . وباشتراك فتاتين كويتيتين في هذه الفرقة ما يؤذن بقيام انطلاقة جديدة في نشاط المرأة الكويتية .

وفق ما تقدم من دلالات مشجعة ، فهناك دلالة لها أهميتها . ذلك ان قيام مسرح على مستوى احترافي جدي في قطر عربي ناهض ، ينبيء بأن أهله يمثلون يقظة ويفيضون حيوية وينبضون انفعالاً بحياتهم . فهم لا يملكون الا ان يناقشوا اوضاع حياتهم جهرة وعلانية ، وان يسبروا أغوارها ، ابتغاء حياة أفضل ، باعتبار ان المسرح في جوهره حومة مناقشة صريحة ومعترك نضال بين ما هو كائن وبين ما يجب ان يكون .

يؤكد تاريخ النهضات الحديثة في الاقطار العربية ما نذهب اليه ، إذ ما من مسرح قام باللسان العربي في قطر عربي ، الا وكان نتيجة مباشرة لما سبقه من يقظات فكرية وانتفاضات قومية ومحاولات تستهدف الانطلاق من أسر الجمود والرجعية . ولم يكن عجباً ان تصبح حياة المسرح في مختلف الاقطار سجلاً مهماً من تاريخ الشعب، وان يصبح المسرح ، وفق ذلك ، سجل أمين لما يختلج في القلب الانساني من تفاعلات وطموحات في كل مكان وزمان . وقد يتساءل متسائل  عن ماهية المسرح : من أين اتي ومن اين يأتي بسحره ؟ .. كيف يؤثر في حياتنا ؟ .. سأترك الجواب للمتسائل نفسه . فهو لن يتأخر من ان يرسم في خاطره وذهنه ، وبالتالي سيجد لنفسه الجواب بعد ان يشاهد مسرحيتنا ” صقر قريش ” ويتمعن في مغاذيها .

المسرح يضاحكنا ليجعلنا نضحك مما في نفوسنا من مواطن الضعف والسفه . وقد يحزننا ليسكب العزاء والصفاء بعد ذلك . والمسرح في كلا الحالتين لا يعد ولا يوعد ولا يقول إياك او عليك او احذر ، وانما هو ، بعكس ما يأخذه من حياتنا في مختلف صورها ، يأخذ منا شيئاً ليعطينا اشياء كثيرة ، بصدق وصراحة وجرأة ، مقدماً لنا بما في مسرحياته ، من تجارب نحياها ، تطبع تفكيرنا ونمط حياتنا ، من دون ان نتصدى لها او نحللها ونتعظ منها ، سلباً او ايجاباً . وبهذا يسير بنا المسرح ، من حيث لا نشعر في اعماق نفوسنا ، لنتعرف الى خفايا حياتنا ومتاهاتها . وحسبنا ان نتعرف الى نفوسنا لنعرف كل شيء مما يحيط بنا .

ملحق

الاستاذ زكي طليمات يقول :

نشاط فرقة المسرح الكويتي سيمتد الى كل أقطار الخليج العربي

يعتبر الاستاذ زكي طليمات عميد المسرح العربي الحديث في الجمهورية العربية المتحدة . هو مؤسس المعهد العالي للفنون المسرحية ، ويرجع اليه الفضل في انشاء مؤسسات المسرح القومي والمسرح الشعبي والمسرح المدرسي ، التي كان لكل منها مديراً عاماً وموجهاً. وقد حضر الاستاذ طليمات الى الكويت في شهر تشرين الاول / اكتوير الماضي بدعوة من وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل لتدعيم اسس سليمة للمسرح الكويتي والعمل على تنمية الوعي الثقافي العام عن طريق المسرح . كانت خطوته الاولى ان افتتح المسرح الكويتي في الخامس عشر من آذار / مارس الماضي برعاية وزير الشؤون الاجتماعية والعمل على مسرح ثانوية الشويخ . وقد قدم المسرح تمثيلية ” صقر قريش ” من تأليف محمود تيمور ، وقام بالتمثيل ثلاثون ممثلاً وممثلة . والتمثيلية مؤلفة من خمسة فصول وتدور حول صفحات زاهرة من امجاد العرب في الاندلس . وقد اغتنم مندوب ” الرائد العربي ” فرصة وجود الاستاذ الكبير في الكويت وأجرى معه الحديث التالي :

هل لكم ان تحدثونا عن مدى تجاوب الجمهور الكويتي العربي مع المسرح الحديث ؟ .

أعتقد ان التجاوب قائم على أحسن حال . والدليل الواضح على قيام هذا التجاوب هو اقبال الشباب الكويتي على الاشتراك في فرقة المسرح ، حيث تقدم الى لجنة الاختبار 250 كويتياً ، اختير من بينهم 40 ، وما زالت الطلبات تتوارد على ادارة المسرح . والأهم من ذلك استجابة الفتاة الكويتية للفكرة . فقد تقدمت فتيات عديدات واختيرت منهن اثنتان . إن قيام المسرح ليس لمجرد التسلية العابرة ، بل وراءه هدف أسمى وأعم ، إذ القصد من انشائه ان يكون مركز اشعاع ادبي وفني هدفه التثقيف والتوجيه العميق . ثم ان قيام المسرح العربي وغيره من المؤسسات الثقافية والتثقيفية دليل حي على مدى جدية المرحلة الجديدة التي تخطوها الكويت ، متجاوزة السطحيات لتصل الى الاعماق ، لتقف في مصاف الدول المتقدمة حيث تشمل الحكومات المسارح برعايتها لاعلاء قيم الحياة الانسانية في المجتمع . وما المسرح العربي الا تطور طبيعي للمسرح الشعبي الذي يعالج واقع الحياة القائمة في الكويت .

هل تعتقد ان لدى الشباب الكويتي استعداداً فطرياً يؤهله للعمل المسرحي ؟ .

نعم . الكويتي بفطرته مرهف الحس ، لامع الذكاء ، ذو عقلية متحركة تقبل التطور . لقد استخرج اجداده اللؤلؤ منذ القدم من اعماق البحار وحملوه الى الهند والى شرقي افريقيا . وهذا دليل على اتساع تفكيرهم وبراعتهم ، وتلك صفات جوهرية للممثل . ولا يختلف الحال مع الفتاة الكويتية . هي تقفز بخطوات سريعة في سبيل التطور، واعتقد انه لن يمر زمن طويل الا وتستغني وزارة الشؤون الاجتماعية عن الاستعانة بممثلات مصريات .

هل قابلتكم صعوبات في العمل الذي تتولونه ؟ .

ليس من صعوبات تذكر . رغم تقديري ، منذ ان استدعتني وزارة الشؤون الاجتماعية ، انني سأعمل في قطر عربي حديث العهد بمفهوم المسرح على مستوى عال ، الا انني كنت على يقين ان هذا القطر الناهض لن يألو جهداً في تقديم كل ما يمكنه من دعم وعون ومساعدة ومؤازرة . ومهما كانت هنالك من صعوبات ، كلها تذلل وتزول بفضل الجهود القائمة .

هل سيعتمد عمل الفرقة على اقامة حفلات في الكويت فقط ؟ .

كلا ، بل سيمتد نشاط الفرقة الى اقامة حفلات في كل اقطار الخليج العربي ، وذلك بعد اعداد عدد من مسرحيات مختلفة الالوان ، وبعد اعداد مسرح متنقل ، نظراً لافتقار الامارات الاخرى لدور التمثيل . عندها ستخرج قوافل المسرح العربي من الكويت الى امارات الخليج . وأرجو الا يكون بعيداً اليوم الذي تسهم فيه الكويت في اقامة مواسم تمثيلية في القاهرة او في دمشق او في لبنان . وقد ذكرت ذلك عندما تحدثت الى وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل عن مدى نشاط هذه الفرقة في المستقبل .