مراحل النمو الاقتصادي

إقرأ معي

مراحل النمو الاقتصادي

تأليف : و.و. روستو

ترجمة : برهان دجاني

نشر المقال في نيسان / ابريل 1961 ، العدد السادس ، الرائد العربي

تمر البلاد العربية اليوم في فترة انتقالية حاسمة تعبيء فيها كل امكاناتها الفنية والفكرية ، بغية رفع المستوى المعيشي لشعوبها. وأصبحت مشكلة الانماء المحور الاساس في سياساتنا الاقتصادية . وحيث ان نهضتنا الاقتصادية تتطلب منا تحديد مشاكلنا وأهدافنا والتماس الاساليب العلمية الصحيحة لتنفيذ مخططات الانماء ، فإننا بحاجة ماسة للاطلاع على كل جديد في حقل التنمية الاقتصادية . وعليه ، فمن حسن الحظ ان يجد كتاب ” مراحل النمو الاقتصادي ” طريقه الى المكتبة العربية في هذا الوقت .

يتناول المؤلف بالبحث والتحليل عملية الانماء الاقتصادي في إطارها الاجتماعي ، وعلى ضوء التجارب التاريخية للدول المتقدمة اقتصاديا ، والمشاكل المعاصرة في البلدان النامية . وهو يتطرق الى هذا الموضوع من زاوية تختلف عن تلك التي تتبعها نظرية التنمية الاقتصادية المتعارف عليها . فهذه النظرية الاخيرة تعالج قضية التخلف الاقتصادي عن طريق معرفة اسباب هذا التخلف ، وبتلمس عوامل النمو التي تدفع بالمجتمع قدماً في طريق النمو . أما الاستاذ روستو ، فيرى ان النمو الاقتصادي عملية مستمرة ، تمر في مراحل خمس متعاقبة وتدفعها عوامل حركية متوفرة في المجتع نفسه ، او قد تأتيه من الخارج ، وان مدى التفاعل بين مختلف قطاعات الاقتصاد هو العامل الاهم في تقرير مستوى التطور .

أولى مراحل النمو هي مرحلة المجتمع التقليدي . ويستند بنيان هذا المجتمع الى وظائف انتاجية محدودة ، قائمة على مستوى بدائي من العلم والتقنية وتسوده قيم رتيبة جامدة . إلا ان المجتمع التقليدي لا يعني مجتمعاً راكداً على الاطلاق . فقد يشهد فترات من التقدم الفني في الانتاج ، غير انها فترات متباعدة زمنياً ومحدودة الاثر .

المرحلة الثانية هي مرحلة الشروط المؤهلة للانطلاق . وهذه مرحلة انتقال لا بد ان يمر بها المجتمع التقليدي قبل ان يصبح قادراً على الاستفادة من ثمرات العلم الحديث ، وتتميز بارتفاع كبير في الانتاجية الزراعية وبانتقال السلطة من دعاة التقليد الى دعاة التجديد .

ينتقل المجتمع بعد ذلك الى مرحلة الانطلاق . وفي هذه المرحلة ترتفع نسبة التثمير من 5 بالمئة الى 10 بالمئة او أكثر من صافي الانتاج القومي ، وتنشط الصناعات الجديدة التي تدر ارباحاً كبيرة ، كما يكتمل بناء التنظيمات السياسية والاجتماعية والاقتصادية الضرورية لتجنيد عوامل التنمية وامكاناتها .

يتبع الانطلاق فترة طويلة من التقدم المستمر في مرحلة السير نحو النضوج . والنضوج هو المرحلة التي يظهر الاقتصاد فيها قدرته على تجاوز الصناعات الاهلية التي حركت الانطلاق ، وتطبق فيها احدث الاكتشافات التقنية في استثمار جانب كبير من موارد المجتمع .

المرحلة الاخيرة هي مرحلة الاستهلاك الشعبي العالي . وفيها يرتفع المستوى المادي للافراد ارتفاعاً كبيراً ، وتتجه قطاعات الاقتصاد الرئيسة نحو انتاج البضائع والخدمات الاستهلاكية الثابتة التي يتزايد الطلب عليها .

هذه هي المراحل الخمس التي يرى روستو ان التطور الاقتصادي يمر فيها . وهو يرى ايضاً ان هذا التطور ينتج عن تفاعل قوى اقتصادية وقوى اخرى اجتماعية وسياسية . إن تقرير أثر العوامل الاقتصادية في التطور الاقتصادي ليس فكرة جديدة مستحدثة . إلا ان المهم في نظرية روستو هو تحديد علاقة التغير الاجتماعي بالتغير الاقتصادي . لقد تصدى ماركس لهذا الموضوع ، فعزا كل تغيير اجتماعي وسياسي الى تأثير العوامل الاقتصادية ، ونادى بالقدرية الاجتماعية في تطور النظم الاقتصادية ، ونفى أثر الارادة الفردية في تطوير المجتمع . أما روستو ، ففي الوقت الذي يرى فيه مع ماركس ان العوامل الاقتصادية سبب للتغيرات الاجتماعية ، يخضع العوامل الاقتصادية الى تأثير تلك التغيرات نفسها في نظام متفاعل .

أما تقسيم التطور الاقتصادي الى مراحل متعاقبة ، فلا يجب ان يفهم على انه نوع من القدرية كتلك التي في النظام الماركسي . فالمجتمع في نظر روستو قد يقف في تطوره عند مرحلة من المراحل الخمس ولا يتعداها، بينما لا يقف تطور المجتمع في النظرية الماركسية الا في مرحلته النهائية . وللفرد عند روستو أثر فعال في توجيه التطور الاقتصادي . فالفرد وحدة حية معقدة ، له أهدافه ودوافعه ، يوازن بينها ، ولا يسعى ، كما يرى ماركس ، سعياً مبسطاً وراء هدف أقصى .

يرى روستو ان ماركس قد أنشأ نظاماً مليئاً بالاخطاء ومليئاً بالحقائق الجزئية . اما الشيوعية ، التي بنيت على الجهود المبذولة لحل المشاكل التي حاول ماركس حلها ، فما هي إلا مرض من امراض فترة الانتقال التي تمر بها المجتمعات من الوضع التقليدي الى الوضع العصري . أما الدافع الاقوى للنمو فهو القومية وليس الصراع الطبقي .

هذه هي نظرة روستو الى التطور الاقتصادي كما جاءت في كتابه ” مراحل النمو الاقتصادي ” . وقد استعان المؤلف في بحثه بعدد من المفاهيم المستحدثة في نظرية التطور الاقتصادي ، كمفاهيم المجتمع التقليدي ، والتأهب للانطلاق ، والانطلاق ، والنضوج . أما في تحليله الاقتصادي ، فقد أوضح أهمية تفاعل القطاعات المختلفة في النظام الاقتصادي ، أي ان النمو الاقتصادي لا يتوقف على مستوى الاستثمار بصفة عامة ، بل على التركيب الداخلي للاستثمار ومدى تفاعل قطاعاته المختلفة .