الحفريات الأثرية في مدينة أريحا صححت تاريخ نشوء الحضارة الانسانية

 مدير الآثار العامة في الاردن يقول :

الحفريات الأثرية في مدينة أريحا صححت تاريخ نشوء الحضارة الانسانية

نشر اللقاء في آب / أغسطس 1961 ، العدد العاشر ، الرائد العربي

أخذت آثار الاردن تحظى ، في الآونة الأخيرة ، باهتمام الدوائر العلمية والتاريخية العالمية ، خاصة بعد أن أكدت الاكتشافات الاخيرة في منطقة اريحا ان المدنية قد ولدت في ربوعها . وبمناسبة صدور هذا العدد الخاص من مجلة الرائد العربي عن السياحة في البلاد العربية ، قام حمدي الساكت ، مندوب المجلة وممثلها في الاردن باجراء مقابلة مع الدكتور عوني الدجاني ، مدير دائرة الآثار الاردنية ، ووجه اليه طائفة من الاسئلة حول الاماكن الاثرية في البلاد واهميتها السياحية والمشاريع المنوى القيام بها للمحافظة على هذه الثروة التاريخية التي تزخر بها ربوع الاردن . وفيما يلي اسئلة مندوبنا واجابات الدكتور الدجاني .

الى كم قسم تصنفون السياح الذين يزورون الاردن ؟ .

نقسمهم الى قسمين : سائح متدين يهتم بزيارة الاماكن المقدسة كـ القدس وبيت لحم ، وسائح يهتم بمشاهدة معالم البلد الاثرية . وهذا النوع الثاني هو الذي يستفيد منه البلد اكثر من سواه من الوجهة المالية لأنه يكون عادة على شيء من الثراء . ولا بد لمثل هذا السائح ان يزور مختلف الاماكن الاثرية المنتشرة في اطراف  هذا المتحف الكبيرالذي نسميه الاردن . وتقع معظم المواقع الاثرية التي يؤمها هذا السائح في الضفة الشرقية من الاردن وفي لوائي نابلس والخليل من الضفة الغربية .

ما هي أهم المواقع الاثرية التي يتررد اليها السائح ؟ .

يزور السائح عادة ، في الضفة الغربية ، مدينة سبسطية في لواء نابلس حيث يشاهد مدينة عمري ومعابد الرومان ومدرجهم وشارع الاعمدة الذي يمتد حوالى كيلو متر واحد . وهو معبد بالبلاط الحجري وعلى جانبيه أعمدة شاهقة مطلية بدهان بديع الالوان ما زالت ظاهرة حتى الآن ، رغم قدمها . وكذلك يشاهد البناء الصليبي والاسلامي .

كانت سبسطية عاصمة مهمة حوالى سنة 900 قبل الميلاد . وقد أخرجنا من بين انقاضها بقايا القطع العاجية التي وجدت في قصر آخاب . وهي قطع تعود الى العصور الحديدية . كما اننا أنقذنا اله الرومان ” ابولو ” المصنوع من الرخام المرمري ، وهو يعرض الآن في المتحف الأثري بعمان . وقامت دائرة الآثار بصنع نسخ عن هذا الاله الروماني المصنوع على صورة الشاب الفتى الصاري . وتعرض هذه النسخ حالياً في المطارات الاردنية والمعارض المحلية والدولية .

يشاهد الزائر في مدينة الخليل ضخامة وصلابة بناء الحرم الابراهيمي الشريف . ويتردد السياح كثيراً على مدينة اريحا لزيارة معالمها وآثارها ، حيث يشاهد بقايا أقدم مدينة في العالم اكتشفت حتى الآن . وقد ثبت لنا علمياً ان الحضارة المتمثلة بنشوء الزراعة وتدجين الحيوان واستقرار الانسان قد نشأت في اريحا قبل ان تنشأ في ما بين النهرين بحوالى الف عام .

تعلمنا في كتب التاريخ ان الحضارة نشأت اول ما نشأت في ما بين النهرين بالعراق وعلى ضفاف النيل في مصر . أين الحقيقة ؟ .

كانت هذه المقولة حقيقة حتى سنة 1954 . فقد كنا نسلم بأن الحضارة نشأت اولاً في ما بين النوليس في مصر . لكننا ، بعد الحفريات الاثرية التي جرت في تل عين السلطان بأريحا اصبحنا نعرف ، بشواهد علمية أثرية ، ان الحضارة نشأت في اريحا قبل ان تنشأ في قرية ” جارمو ” العراقية ، اذ أثبتت بقايا المواد الكربونية التي جرى فحصها في المختبرات البريطانية والاميركية بواسطة الاشعاعات النووية وبالطريقة المعروفة باسم كربون 14 ان مدينة اريحا أقدم من مدينة جارمو بحوالي الف سنة . وبالطبع سيصحح مؤلفو كتب التاريخ كتبهم في طبعاتها الجديدة تبعاً لذلك .

هل هناك آثار أخرى في اريحا تستدعي المشاهدة ؟ .

بالطبع . يمكن مشاهدة القصر الاموي للخليفة هشام بن عبد الملك . وهو يضم أبدع ارض من الفسيفساء في العالم . لكن السائح العادي لا يعرف عنها ، لسؤ الحظ ، إلا القليل ، حتى اذا عرَج هذا السائح من اريحا شرقاً نحو الضفة الشرقية من الاردن يلذ له ان يغمس اصبعه في مياه نهر الاردن تعمداً لما لذلك النهر من قيمة دينية . ثم هناك مدينة جرش الشهيرة والتي لا يأتي سائح الى الاردن الا وسعى الى زيارة آثارها . وجرش مدينة رومانية ، تعتبر بحق أكبر المدن الرومانية القديمة التي لا تزال آثارها باقية حتى اليوم . ففي هذه المدينة الاثرية يرى السائح بوابة النصر التي أقيمت سنة 135 م . وهي تحتاج الآن الى اصلاح . كما يشاهد السائح قاعة البرلمان التي ندعوها بالفورم forum ، ويمر بالشوارع التي تنتصب على جانبيها الاعمدة التي تبهر الناظر . ويشاهد هذا السائح ايضاً آثار عجلات العربات الرومانية على بلاط الشارع . واذا ما تابع سيره داخل الشارع فسيتجه ، بخشوع ووقار ، نحو معبد ارثميس الذي لا يضاهيه معبد روماني آخر . وكان الرومان قد أقاموا في جرش ثلاث مدرجات ، أصلح منها المدرج الجنوبي ، وهو يتسع لحوالى الف متفرج . وقد أصبح الآن صالحاً للاستعمال وأقيمت عليه في العام الفائت حفلتان ، احداهما موسيقية والاخرى تمثيلية . ولا نزال جميعاً نذكر النجاح الكبير الذي أصابه المهرجان القومي الذي أقيم عام 1956 بين أطلال هذه المدينة الرائعة . وكلي أمل ان تتعاون الدوائر المسؤولة الاخرى مع الجيش ودائرة الآثار لإقامة مهرجان شتوي في مدينة جرش . وأقول صادقاً ان المهرجانات في مدينة جرش ستكون ناجحة كل النجاح اذا تضافرت جهود الدوائر المختلفة لانجاح مثل هكذا مهرجانات . فآثار جرش من الروعة والضخامة بحيث تضاهي ، بل تفوق ، معظم الآثار في البلاد العربية الاخرى . وقد اهتمت دائرة السياحة بتسهيل مهمة السياح بمدينة جرش وقررت اقامة استراحة فيها ، وسيباشر في تنفيذ بنائها في الاسابيع القليلة القادمة . وآمل ان تتبنى الحكومة مشروع السنوات الخمس الذي قدمته دائرة الآثار في جرش لنستطيع من اعادة نصب الاعمدة وتيجانها وترميم معبد زيوس واتمام ما بديء به هذا العام . كما اننا تبنينا مع دائرة السياحة إقامة بركة للسباحة وحديقة عامة في آثار جرش لنستطيع جميعاً ، سواحاً ومواطنين ، من التنزه بين أطلال هذه المدينة الخالدة .

هل تجدون صعوبة في إصلاح آثار جرش ؟.

لا صعوبة مطلقاً سوى التمويل . فكل الاعمدة والتيجان ملقاة على الارض والحجارة لا تزال في أمكنتها ملقاة على الارض . ومن حسن الحظ ان العمران في مدينة جرش الحالية لم يتسع بعد ولم يستعمل المواطنون المحليون حجارة جرش القديمة لبناء منازلهم . ومن جهة اخرى يمكننا اعادة المياه الجارية في مدينة جرش الحالية الى أقنيتها التاريخية الاصلية والى نوافيرها وبركها الجميلة القديمة . ومن جهة اخرى ، يمكنني القول ان مدينة جرش ، بعد تنفيذ المشاريع التي تحدثت عنها ، ستتمكن من ان تجني ما لا يقل عن مليون دينار سنوياً من الزائرين .

مكان آخر يضاهي مدينة جرش أهمية بالنسبة للسياح هو المكان الذي لا يحتاج الى تعريف ، وأقصد به البتراء ، تلك المدينة التي لا مثيل لها في العالم . والبتراء هي المدينة العربية التي قطنها الانباط منذ القرن الخامس قبل الميلاد ، والتي أقام فيها الرومان حوالى ثلاثمئة عام . هذه المدينة المنحوتة من الصخر الوردي الجميل كانت عاصمة الانباط وكانت ذات شهرة عالمية واسعة لوقوعها في طريق التجارة الرئيسة ، مما ساعدها في بسط نفوذها حتى مدينة دمشق . وبالامس ، وفي غير موعد الموسم السياحي وكان الحر شديداً ، شاهدت عدداً من السياح يزيد على السبعين شخصاً يزورون البتراء . ولا أكتمك سراً اذا قلت إن الموسم السياحي للبتراء في هذا العام قد سجل قدوم حوالى ستة الاف سائح من جنسيات مختلفة . ولا يخفى على أحد ان البتراء هي احدى عجائب العالم بجمال آثارها التي نحتت في الصخر ذي الالوان القزحية . فاذا نظرت الى هذا الصرح المنحوت في الصخر صباحاً قبل شروق الشمس ظهر لك بلونه الوردي ، حتى اذا أشرقت الشمس وطالت أشعتها صخر الصرح وتفاعلت عليه خيوطها ، عكس لك كل ما عنده من الوان قزحية . ولا نلبث عند الغروب حتى نشاهده بمظهر ثالث يوميء اليك بالوداعة والترحاب .

ما دامت البتراء على هذه الروعة ، فلماذا لا تحظى باهتمام أكبر ؟ . وما هي مشاريعكم المستقبلية لتشجيع السياح بالقدوم لزيارتها  ؟.

إعتبرت البتراء في ما مضى مدينة سياحية يصعب الوصول اليها . وربما كان هذا هو السبب في ان دائرة الاثار لم تهتم بها في السابق . لكن ، بعد ان أقامت دائرة الاشغال طريقاً معبدة تصل عمان بالعقبة ، وبعد اصلاح الطريق من عمان الى وادي موسى ، بدأ اهتمام دائرة الاثار والمسؤولين بهذه المدينة الخالدة ، فقمنا نحن ، من جهتنا ، خلال السنتين الماضيتين ، وبعد توفر المخصصات ، باصلاحات كبيرة في البتراء . فأصلحنا احد اعمدة الخزنة ، وكان ملقى على الارض منذ مئات السنين ، واكتشفنا شارعاً رومانياً مبلطاً ، وأقمنا بعض الاعمدة على جانبيه ، وأصلحنا بعض أقسام قوس النصر وسهلنا الطريق المؤدية الى المكان المعروف بالدير ، وهو البناء الذي نطل منه على سهل وادي عربة الجميل ، ونشاهد من هناك البحر الميت . كذلك أصلحنا الطريق الى المعبد والى قصر الملوك والى المحكمة ذات القاعات الكبيرة والواجهات الجميلة والاعمدة الضخمة المنحوتة كلها في الصخر .

هذه المشاريع كلها مشاريع أثرية مشكورة . لكن ما هي المشاريع السياحية التي ستنفذ في البتراء ؟ .

نحن نخطط الآن لاقامة استراحة على مدخل المدينة الرئيس المعروف بالجمرك . وستقام في الجمرك نفسه ، وهو مكان منحوت في الصخر ، مكاتب لدائرة الآثار ودائرة السياحة ، وذلك لتسهيل معاملة السياح هناك ولتقديم بعض المرطبات اليهم بعد رحلتهم الممتعة على ظهور الجياد.  وربما ضمت هذه الاستراحة بعض الغرف للنوم . وستصلح دائرة الاشغال المدخل المعروف بالسيق والذي يبلغ طوله حوالى الميل الواحد ، وهو طريق صنعته الطبيعة ، إذ شق بين الصخور التي يبلغ ارتفاعها مئة وخمسين متراً . والطرق هذه هي المدخل الرئيس للمدينة .

هذا المدخل الضيق الذي لا يزيد عرضه عن اربعة امتار كانت تسير من خلاله الجمال المحملة بمختلف البضائع في عصر الانباط ، وقد بلط الرومان أرضه بحجارة صلبة ناصعة البياض يمكن مشاهدة بعض اقسامها اثناء مرورك داخل السيق ، وسنعمل على اظهارها للسياح بشكل أوضح وأتم وأقوى . وقد كانت ، في ما مضى ، تسير على السيق العربات تجرها الخيول المطهمة في العصور الرومانية ( عام 106 م .) بعد ان احتل الرومان البتراء من الانباط . ويشاهد السائح اثناء عبوره السيق بقايا الأقنية منحوتاً بعضها في الصخر ممتدة على جانبي المدخل حيث كانت المياه تنساب من منبع وادي موسى الى البتراء . ويشاهد السائح ايضاً بعض الاصلاحات الرومانية التي أجريت على مجاري المياه باستعمال المواسير الفخارية في الاماكن التي اهترأ صخرها . ويمكن مشاهدة بعض الرسوم والزخارف التي نحتت على جانب المدخل . وكانت فوانيس الانارة توضع في المدخل لتسهيل مرور سكان البتراء في العصور القديمة . ولهذا المدخل روعة خاصة ، منها النسيم العليل والهدوء التام . فانت لا تسمع سوى وقع حوافر الخيل وصهيلها . تصور نفسك وانت تسير على هذه الطريق الممتدة من الصخر الذي يعلوك ، وتصور قوة خصب الطبيعة التي انبتت لك شجر التين والعنب بين الصخور . وثق انني ، مهما أوتيت من بلاغة ، فلن اسطيع ان أفي البتراء حقها من الوصف ، وهي التي لا يضاهيها مكان في العالم ، بروعة مناظرها الطبيعية وفن هندسة النحت فيها وصلابة اعمدتها الشاهقة التي نحتت كلها في الصخر .

ذلك عن البتراء …

وناهيك عن عمان مدينة العمونيين التي اشتهرت باسم فيلادلفيا ، حيث تشاهد قلعتها العمونية الرومانية العربية  والمعبد الروماني القديم والمتحف الاردني الصغير والجميل ، المنسق أبدع تنسيق . وتعرج من القلعة الى قلب المدينة التجارية وتشاهد المدرج الروماني الذي بني في الصخر بحجارة طبيعية جمعت من المقالع القريبة . وهو يعتبر من اكبر مدارج الشرق ، إذ يتسع لحوالى عشرة الآف شخص . وقد أصبح حالياً قابلاً للاستعمال ، واقيمت عليه مؤخراً ، كما يعرف الجميع ، حفلات عديدة . وما نأمله ان نتمكن قريباً من ان نعده بشكل أصح وابدع وان نجهزه بأحدث المعدات . ونحن نفكر الآن بانشاء حديقة عامة أمامه بعد الغاء الشارع الذي يمر امامه واقامة مطعم فوق السيل بالقرب منه . هذا المشروع حيوي وضروري ، خاصة وان عمان تفتقر الى حديقة يأوي اليها السياح . ولست أرى مكاناً آخر أكثر صلاحية لإقامة مثل هذه الحديقة العامة . ورجائي ان تتعاون وزارة الاشغال العامة مع دائرة الآثار لتحقيق هذا المشروع . وبعد اقامة الحديقة، سنعمل بالتعاون مع الجيش على اقامة حفلات موسيقية بعد ظهر يومي الجمعة والاحد من كل اسبوع. واننا نرجو من الله تعالى ان يسدد خطانا لتحقيق هكذا مشاريع مفيدة للبلاد والعباد .