مدخل إلى اليهوديّة

الفصل الرابع

مدخل إلى اليهوديّة

أرنولد غولدبرغ (Arnold Goldberg)

من أراد اليوم أن يرسمَ ببضع صفحات ملامحَ اليهوديّة واجهته صعوبة مماثلة لتلك التي تواجه من يريد أن يرسمَ ملامح المسيحيّة. فالعودة إلى التاريخ ترينا كم من التبدّلات عرفتها اليهوديّة وكم من الوجوه اتّخذتها، حتّى في الزمن الذي كان فيه اليهود يسيرون في خطّ واحد في شتّى الأمور، على الأقلّ في ميدان الممارسة الدينيّة، خطّ “الهلاخا”. منذ بداية الإصلاح اليهوديّ في القرن التاسع عشر والانحطاط الدينيّ العامّ في القرن العشرين، لم تعد الممارسة الدينيّة الرباط الموحِّد. ثمَّة يهوديّة يقال لها تقليديّة يتمّ فيها العيش والإيمان بصورة تامّة بموجب التقليد اليهوديّ، وثمّة يهوديّة محافظة ليست على هذا القدر من التشدّد، وثمّة يهوديّة ليبراليّة، وثمّة يهوديّة الإصلاح تشبه في تعابيرها اللاهوتيّة البروتستنتيّة وقد تكوّنت على مثالها، على غرار يهوديّة الأقدمين الرابينيّة.

ففي محاولتي الحديث بنوع عامّ عن اليهوديّة، سأتوجّه إلى يهوديّة الأقدمين الرابينيّة، أعني إلى تلك الحقبة من الزمن التي ارتسمت فيها، على ما يبدو لي، الملامح النهائيّة لوجه اليهوديّة. ومن ثَمَّ فإنّ محاولتي تهدف إلى رسم بعض الملامح لليهوديّة، تلك الملامح التي تنطبق على اليهوديّة بصورة عامّة.

1. ما هي اليهوديّة؟

اليهوديّة، كما نصادفها اليوم، هي حصيلة تاريخ طويل يمتدّ على أكثر من ثلاثة آلاف سنة. لا ندرك تلك الظاهرة إلاّ إذا عدنا إلى تكوين اليهوديّة بعيدًا في التاريخ، وهنالك نصادف مبدأين تكوّنت عليهما اليهوديّة: مبدأ العرق ومبدأ شعب العهد.

العرق هو نسل إبراهيم ويعقوب، النسل المختار. من وُلد في هذا العِرق هو يهوديّ. هذا هو الأساس الطبيعيّ. أمّا العهد فهو الذي يجعل اليهود شعبًا. فهم بقبولهم العهد مع الله في سيناء، صاروا شعبَ الله الذي تكوّن بحسب وصايا الوحي. العهد يقتضي منهم أن يكونوا شعبًا لكي يتمّموا بهذه الصفة مشيئة الله، ويكون الله من ثَمَّ حاضرًا في وسطهم. هذا يعني أنّ العهدَ يكوّن الشعب وذلك بصورة حتميّة. صحيح أنّ ذلك لا يكون بمعزل عن العرق، فالعرق هو الذي يعقد العهد، ولكنّ العرق لا يكوّن بذاته شعبًا. من هذا ينتج أنّه لا رجوع إلى الوراء من شعب العهد إلى شعب آخر. اليهود هم شعب العهد، وإلاّ لا يكونون شعبًا، ليس لهم وجود آخر. انطلاقًا من هذا يمكننا أن نفهمَ المسائل المطروحة باستمرار في اليهوديّة الحديثة والتي لم تجدْ لها حلاًّ في ما يتعلّق بالوجود الوطنيّ والدينيّ.

ولكن اليهوديّة لم تبلغ قطّ منتهى مسيرتها. صحيحٌ أنّها لا تعدّ دينًا شموليًّا على غرار المسيحيّة، وإن جرت محاولات في القديم في هذا الشأن، ولكنّها قد قبلت باستمرار ما أمكنها من الدخلاء. وقد حدث ذلك في القديم، بحيث إنّ عددَ الدخلاء قد فاق بعدّة أضعاف نسل إبراهيم.

يصير الدخيل عضوًا جديدًا في العرق. من البديهي أنّه ليس ابنَ إبراهيم ولا يستطيع أن يصير ابن إبراهيم. ولكنّه يدخل في العهد ويقبل التوراة. وبذلك لا يلتزم بحفظ الوصايا وحسب – فالتوراة لا تقتصر على الوصايا – أو بالإيمان فقط بإله واحد، بل يعتنق أيضًا تاريخ الشعب اليهوديّ، هذا التاريخ الذي يؤمن به الآن. صحيحٌ أنّه لا يستطيع أن يقول: “الله الذي أخرج آبائي من مصر”، إذ إنّ آباءه لم يكونوا هناك. بيد أنّه يؤمن بأنّ هذا الإله قد أخرج الإسرائيليّين من مصر، ويجعل تاريخهم تاريخَه، تاريخًا مهمًّا لحياته، وإلاّ لا يمكنه أن يُعَدّ من اليهود. ومن ثَمّ فإنّه يصير ابنَ إبراهيم بحسب الروح ومن خلال الإيمان.

2. الإيمان بالله

اليهوديّة هي إذن قبل أيّ أمر آخر تاريخٌ يؤمن به المرء. فالله لا يُعلَّم ولا يؤمن به الناس بصورة مجرَّدة في عقائد دينيّة، هذا ما تفعله فلسفات الدين، بل في علاقة تاريخيّة: الله الذي خلق العالم، والذي اختار الآباء، هو الذي خلّص إسرائيل. ولكنّ الوعدَ بأنّ ما لم يفعله الله علنًا لم يصرْ بعد تاريخًا، هو رجاء بتاريخ للمستقبل.

إنّ هذا المفهوم لله وللعالَم في ارتباط تاريخيّ قد يسهل نسبيًّا علينا نحن أبناء القرن العشرين، ولكنّ هذه النظرة إلى العالم في القرن الأوّل قبل المسيح كانت أمرًا جديدًا، تمّ فيه الخروج على الفكر الأسطوريّ وعلى العبادة المرتبطة به وما ينطوي عليه من تصوّر متكرّر للأسطورة. وعوضًا عن ذلك وُضِع خطّ زمنيّ مستقيم كوّنت معالمَه أحداث تاريخيّة لا يمكن أن تتكرّر.

لذلك لم يكن لليهوديّة أيّ قانون إيمان خاصّ بها؛ المحاولة الأولى لصياغة مثل هذا القانون قام بها ابن ميمون في القرن الثالث عشر. صحيحٌ أنّ هذه البنود الثلاثة عشر التي وضعها ابن ميمون قد صارت جزءًا من الليترجيا، ولكن يصعب القول إنّها قد اكتسبت أهميّة فائقة. فبصرف النظر عن بعض الأمور الملزمة التي حدّدها الفرّيسيّون: مثل وحدانيّة الله، ووحي التوراة، وقيامة الموتى، لا وجود في اليهوديّة لأيّ قانون إيمان، ولا لأيّ مضمون عقائديّ محدَّد، يكسب رضى الله ويكون على نحو ما قانون إيمان يقود إلى الحياة الأبديّة. الإيمان بالله الواحد مطلوب، ولكنّه ليس إيمانًا مجرّدًا. إنّ فلاسفةَ الدين المتأخّرين هم الذين تحدّثوا عن كيان الله الواحد. المطلوب إنّما هي “الإيمونا”، التي تُترجَم عمومًا بالإيمان، ولكن من الأفضل ترجمتها بالأمانة والثقة. فموضوع الإيمان ليس ما هو الله بل كيف هو الله، وما الذي صنعه وكيف صنعه. موضوع الإيمان هو برّه وهدايته. وهذا الإيمان ليس على الإطلاق استسلامًا لقدر شاءه الله، إذ إنّ اليهودي مستعدّ دومًا لأن يصارعَ إلهه، كما فعل يعقوب الذي نال اسمَ إسرائيل، أي مصارعَ الله – ولكن دومًا في الثقة (فالصراع الآخر هو الشقاق الذي لا يصدر عن الثقة بل عن الرّيبة). ولكنّ المطلوبَ ليس فقط الثقة بل أيضًا المحبّة والتعلّق. هذه المحبّة تنطوي طبعًا على جهات كثيرة. ولكنّها قبل أيّ أمر آخر استسلام كامل لله، كما جاء في تفسير المشنا (بيراخوت 11: 5) لما ورد في سفر تثنية الاشتراع 6: 5: “أحبب الربّ إلهكَ بكلّ قلبك – أي لا يكن شيء آخر في قلبكَ، حتّى مع أميالك الشريرة (وهذا يعني: لا يقل الإنسان: ما دمتُ خاطئًا لا أستطيع أن أحبّ الله)؛ بكلّ نفسك – أي حتّى لو أخذ حياتكَ؛ بكلّ قدرتكَ – أعني بكلّ ما تملك، أو بكلّ ما وهبكَ إيّاه”.

إنّ التصوّرَ الشائع لإله اليهود المقيم في أعالي السماء بعيدًا عن الإنسان، وفي معظم الأحيان غاضبًا، هذا التصوّر لتسامي الله المطلق، الذي نصادفه أحيانًا عند فلاسفة الدين اليهود، هو تصوّرٌ خاطئ. لا وجود لصورة مُلزمة عن اله – لا عقيدة يمكن أن تقول أكثر من تأكيد وحدانيّة الله -، ومن ثَمَّ يستطيع كلّ يهوديّ أن يتصوّر الله كما يشاء: فالقبّاليّ يراه “غير محدود”، فهو وراء هذا العالم ولا يمكن أن يدركَه الفكر البشريّ، والذي يصل إلى أعماق الكون السفلى – هذا التصوّر هو تصوّر الأفلاطونيّة الحديثة أكثر ممّا هو تصوّر اليهوديّة؛ الروحانيّ المركبيّ يتصوّر إلهه ككائن يجلس على عرش في أعالي السماء محاطًا بكائنات سماويّة لا تُحصى؛ الفيلسوف يحلو له النظر إلى الله كإلى روح محض. ولكن عندما نتحدّث عن اليهوديّة الرابينيّة، التي حافظت على تصوّر الله بحسب التقليد الصحيح لليهوديّة الكتابيّة، في هذه الحالة يجب التخلّي عن السؤال عن تسامي الله عن الكون أو عن حضوره فيه. هذه المصطلحات هي مصطلحات فلسفيّة غريبة عن اليهوديّة الرابينيّة. فهذه لم تهتمّ كثيرًا للتصوّرات التي نصادفها مرارًا في الكتاب المقدّس والتي تصف الله بأوصاف بشريّة. فالله يُصوَّر أو يظهر في وجه مختلف، ليتيح للعين أو للأذن أن تُدرَكه.

ربّما يكون مور (G.F. Moore) على حقّ في قوله إنّ الرابيّين، وكثيرًا من اليهود التقليديّين اليوم، يرون الله فوق العالم ولكن ليس خارج العالم. لا شكّ أنّنا نصادف في تنظيرات الأقدمين الدينيّة فكرةَ الله الكائن قبل الخلق والله الكائن وراء مجال الكون – ولكنّ الرابيّين قد أشاروا في هذه التنظيرات إلى أنّ هذا الميدان لا يمكن أن يدركَه العقل البشريّ، وأنّ الانشغالَ به لا يمكن أن يؤدّي إلاّ إلى تضليل الفكر.

مهما يكن من أمر فإنّ الله لم يكن، بالنسبة إلى الرابيّين، خارج العالَم إلاّ إلى حدّ قليل، بالمقارنة مع ما كان بالنسبة إلى اليهوديّة الكتابيّة. فالله يسعى بالحريّ إلى جماعة البشر، وقد كان حاضرًا حضورًا حقيقيًّا وسط إسرائيل في الهيكل. إنّ حضور الله هذا، الذي يصفه سفر تثنية الاشتراع “بسكنى الاسم”، يصفه الرابيّون بلفظة “شكينا” ومعناها “السكنى”. فالشكينا هي الله من حيث هو حاضر بين البشر في الهيكل. الشكينا تتماهى مع الله، أي إنّها ليست على الإطلاق كائنًا منفصلاً عن الله؛ وهي لم تُعبَد قطّ، ولا أُطلقت عليها صفات الله. وهي لا تعمل بصورة مستقلّة إلاّ من حيث إنّها توحي بذاتِها. والله يبقى في هذا التصوّر دونما تغيير في السماء. إنّ الله الساكنَ في السماء يُنعَت في بعض الحالات كشكينا، إمّا لأنّ الإنسان يتصوّره مقيمًا هناك، وإمّا لأنّه يطبّق تصوّر الهيكل على السماء. فإنّ موضعَ الشكينا هو الهيكل، هناك ميدانها. ولكنّ الشكينا ليست في الهيكل بفضل الموضع بل بفضل الجماعة، ليست من أجل المكان بل من أجل البشر.

انطلاقًا من الشكينا، بحسب رأي الأكثريّة، في الهيكل، تمّ تصوّر الروح القدس، روح النبوّة، ولذلك انقطعت النبوّة مع تدمير الهيكل. ولكنّ الروح القدس، بخلاف الشكينا، لا يتماهى مع الله، وليس له كيان مستقلّ؛ والنصوص المتأخّرة تكاد لا تفرّق بين الأمرين، فالشكينا تمتصّ على نحو ما الروح.

في اليهوديّة الرابينيّة غلب الرأي القائل إنّ الشكينا لم تغادر قطّ الشعب اليهودي. فبعد دمار الهيكل انطلقت معهم إلى السبي، ولم يعد لها أيّ موضع بعد. صحيحٌ أنّه لا يدور الكلام على ألم الشكينا، ولكنّ التصوّرات اقتربت كثيرًا من هذا الموضوع. وبالتالي فإنّ خلاص إسرائيل لا يتمّ من أجل إسرائيل وحسب بل أيضًا من أجل الشكينا، فيجب أن يخلّص الله نفسَه أيضًا على نحو ما. ثمّ إنّ الشكينا تحتلّ في تصوّر الأمور المعادية موضعًا مركزيًّا. ففي الخلاص الأخير ستعتلن الشكينا في وسط الشعب. أو إنّها، على غرار عمود الناس قديمًا في الصحراء، ستتقدّم إسرائيل وتعود بمجد إلى أورشليم. (هنا تأخذ الشكينا مكان المخلّص، ويعود الماسيّا من جديد في صورة المخلّص).

ولكن في هذه الأثناء الشكينا هي في الشعب اليهوديّ. إنّها حاضرة في كلّ جماعة تصلّي، إنّها في وسط القضاة وتنير أحكامهم، بل هي لدى كلّ فرد يتعلّم ويصلّي. ومن ثمّ فالله ليس بعيدًا عن اليهودي، إنّه قريبٌ منه كلّ القرب، بل يمكن القول إنّ ثمّة شركة مصير بين الله وشعبه، فهو لا يتوارى عن شعبه.

تعترف اليهوديّة بالله على أنّه واحد، ولا تستطيع بالتالي أن ترى فيه إلاّ مشيئة واحدة. ولكن كيف يكون الله من جهة الأب الكليّ الصلاح والمحبّ الرحيم، ومن جهة أخرى القاضي الصارمَ والعادل؟ توضح اليهوديّة الرابينيّة هذا الأمر أحيانًا بصورة مجازيّة، وأحيانًا تستخدم الاستعارة للكلام على طرق الله أو صفاته. فثمّة لدى الله طريقة الرحمة وطريقة الحقّ الصارم، وهما مرتبطتان باسمَي الله، أعني إلوهيم ويهوه. فبحسب طريق الحقّ الصارم، لا يستطيع أيّ إنسان أن يثبت، ولذلك لا يسري مفعول هذه الطريقة إلاّ على المجرم. وفي ما سوى ذلك يُقاد العالم ويُدان بحسب طريقة الرحمة.

إنّ التوحيد الإلهيّ يؤكَّد منذ البدء بكلّ شدّة. في هذه الحالة تظهر مشكلة الشرّ والكيان الإلهيّ بحدّة كبيرة، ولا سيّما بعد التلاقي مع الأنظمة الثنائيّة، سواء أكان نظام الفرس أم نظام الغنوصيّين، والتي تُرفَض كلّها. ويورد اللاهوت الرابينيّ القديم قول الله في سفر أشعيا النبي: “أنا مبدع النور وخالق الظلام، وصانع الهناء وخالق الشقاء” (أشعيا 45: 7).

3. الشرّ والشيطان

وبهذا يُقصى وجود مبدإ ثانٍ شرّير. فالشرّ الموجود في العالم والذي لا يأتي من الإنسان، هو من الله، الذي على الأقلّ يسمح به. وبالتالي فإنّ للشيطان في اليهوديّة دورًا ثانويًّا. ومصدره تفسّره شتّى التيّارات في اليهوديّة الأولى بصورة مختلفة. ولا يظهر كملاك ساقط إلاّ في الأسفار الرؤيويّة وعلى هامش اليهوديّة الرابينيّة. ففي اليهوديّة التقليديّة يظهر منذ القديم أنّه المدّعي العام الذي يتّهم الإنسان، فهو لا ينعم بتقدير الله بل دومًا بسماح الله من أجل البرّ. فبصفته مدّعيًا يسائل الإنسان، وهكذا فهو خاضع “لطريقة الحقّ الصارم”. وفي بعض النصوص يصعب التمييز بين “طريقة الحقّ الصارم” والمدّعي. فإذا نظرنا عن قرب إلى الموضوع، تبيّن لنا أنّ الشيطان يمثّل مطلبَ قداسة الله. فسؤاله هو: “ما الإنسان حتّى تذكره؟” (مزمور 8: 5). فالإنسان واقع تحت حكم الخطيئة ومتمرّد وكاذب – هكذا يراه الشيطان. وقد يحدث أنّ الله يعطي الشيطان فرصة ليمتحنَ الإنسان. في هذه الحالة يجري ما نعرفه من سفر أيّوب. الشيطان، في سفر أيّوب بالضبط، يكاد لا يكون سوى انعكاس لشكّ الله بالنسبة إلى الإنسان، كما تبيّن ذلك بدقّة رفقة شيرف ، وهو ليس فقط مجرّبَ الإنسان، بل أكثر من ذلك هو مجرّب الله.

حيث يُفسَح في المجال للشيطان، ليجرّبَ الإنسان، قد يحدث أن يتألّم إنسان بارّ بريء. هذا ما اعترفت به اليهوديّة منذ البداية. بل إنّ شاعرًا يهوديًّا معاصرًا، بير- هوفمان (Beer-Hoffmann)، قد تحدّث عن مسؤوليّة الله في هذا الأمر، من دون أن نتمكّن من القول إنّه تخطّى بذلك إطار اليهوديّة. ولكن متى كان هذا الألم أيضًا بريئًا، فهو بدون خطيئة. فذبيحة إسحاق، تلك التجربة التي يتعرّض لها الإنسان، والتي لا تفسير لها، قد صارت في اليهوديّة مثالاً للألم الذي ينطوي على المصالحة والتكفير. وقد حدثت بالضبط في موضع هيكل المستقبل على جبل صهيون. إنّ ألم الإنسان البارّ يثير عطف الله ويُنشئ هكذا التكفير، يستر خطايا الجماعة. منذ زمن المكابيّين الذي ظهر فيه أوّل شهود للإيمان – والكنيسة الكاثوليكيّة أيضًا تكرّم هؤلاء الإخوة المكّابيّين السبعة الأسطوريّين -، نشأ نوع من لاهوت الألَم، يرى في ألم الإنسان البارّ، وأيضًا في ألم الجماعة الذي يُحتمَل عن رضى، قيمة القِيام مقام الآخرين. وبقي للمسيحيّة أن تذهبَ بلاهوت الألم إلى نتيجته القصوى.

3. صورة الإنسان

هذا النهج الفكريّ “الأحاديّ” كان لا بدّ أن تقابلَه أيضًا صورة الإنسان. فالإنسان خُلق وحيدًا بحسب وحدانيّة الله. وبالتالي فكلّ الناس متساوون في القيمة، بل إنّ البشريّة كلّها متضمّنة في الإنسان الفرد، إذ إنّها أتت من إنسان واحد. صحيحٌ أنّ اليهوديّة الرابينيّة تعلّم أنّ الإنسان مكوَّن من جسد ونفس، ولكنّها تُعنى باجتناب التجزئة والانقسام إلى اثنين. فالإنسان لا يكون كاملاً إلاّ بالجسد والنفس، باعتباره وحدة، ولذلك في القيامة سيعاد الإنسان كاملاً. أمّا التمييز الحادّ بين الجسد والنفس والروح فلم يرد إلاّ في الاعتبارات الفلسفيّة اللاحقة، ولكن من دون المسّ بوحدة الإنسان.

من الطبيعي أن تعارضَ اليهوديّة الرابينيّة تعاليم الثنائيّة التي تفصل الجسد عن الروح. فالإنسان صالحٌ كما خلقه الله، ولم يحدث أيّ سقوط للروح أغلق على النفس في سجن الجسد. ولكن، بما أنّ اليهوديّة بعيدة كلّ البعد عن العقائد الملزمة، فقد أتيح لمثل هذه الآراء أن تنمو على الهامش. فإلى جانب التصوّر السائد بأنّ الله يخلق لكلّ جسد نفسَه، ثمّة أيضًا محاولات تعتبر أنّ كلّ الأنفس قد خُلقت منذ البدء. أمّا في اليهوديّة الرابينيّة فلا نصادف أيّ وجود سابق حقيقيّ للأنفس ككائنات روحيّة، تستمدّه الأنفس في الواقع من الله. وهكذا فالنفس ليست أيضًا روحًا محضًا تحمل مرغمة نيرَ الجسد وتسعى إلى العودة إلى دائرة الروح.

على نحو مماثل يتوافق مع الفكر “الأحاديّ” أنّ إمكانيّة فعل الشرّ ليست قائمة خارج الإنسان – أو حتّى مسندة إلى الجسد – بل في الإنسان نفسه. فالإنسان مخلوق مع ميلين: “الميل الصالح” و”الميل الشرّير”. ويستطيع أن يقرّر بحريّة بين الاثنين، ولكنّهما جزءان من ذاته. “الميل الشرّير” ليس شرّيرًا بحدّ ذاته – وإلاّ كان الإنسان منذ البدء خاضعًا للشرّ – إنّما هو القدرة على الشرّ. بعض الرابيّين يعدّونه تماهيًا مع الأميال الإنسانيّة، فيقولون إنّ هذا الميل ضروريّ للحياة، بيد أنّ فسادَه هو الذي يقود إلى الشرّ. هنا أيضًا نرى تأثير ضآلة العقائد في اليهوديّة؛ وفي هذه الحالة فإنّ الآراء لا تبدأ تتصلّب إلاّ إذا تعرّضت أسس الدين للخطر من خلال تأثيرات غريبة.

تعرف اليهوديّة طبعًا خطيئة الإنسان الأوّل وعواقبها الفعليّة. فبسببها صار الإنسان مائتًا. ولكنّها لم تقبلْ يومًا فكرةَ الخطيئة الأصليّة، وكأنّ الإنسان قد صار منذ ذلك الوقت في حالة من الخطيئة وغير قادر من ذاته على فعل الخير. وكذلك بالنسبة إلى تحديد الإنسان ثَمَّة أقوال مختلفة، بحسب ما تكون صورة العالم مرتكزة على الإنسان الذي يُعَد محور الخليقة أم على الله، بحيث يُعدّ الله محورَ الخليقة. فالذين يرون المحورَ في الإنسان يُبرِزون شركة الإنسان مع الله. وهذا الرأي الأخير هو الذي غلب، بحيث إنّ الإنسان يُنظَر إليه على أنّه مُعَدّ ليحيا إلى الأبد في الفردوس أمام وجه الله، أعني في شركة مع الله. إنّ الله يسعى إلى الشركة مع الناس، التي هي قصد الخلق. وإذا لم يستطعْ أن يخلقَ تلك الشركة، فالخليقة لا تكتمل إلاّ في التاريخ، أعني بقدر ما تتحقّق الشركة مع الله.

غير أنّ ملكوت الله هو أيضًا جزء من هذه الشركة. الله، ما دام هو الله، فهو ملكٌ على الناس. لا شكّ أنّ الملكوت هنا يجب أن يُفهَم كصورة، كتعبير عن السيادة، ولكنّه ملكوت حقيقيّ ومملكة.

4. الملكوت: اليهوديّة والشعوب الأخرى

فإذا كانت البشريّة مُعدّة أصلاً لتقبّل الله في وسطها، كيف يكون وضع الشعب اليهوديّ؟ ما هو موقعه بين الشعوب؟ إسرائيل هو الشعب الذي أخذ على عاتقه نشرَ ملكوت الله بين جميع الشعوب، لهذا اختاره الله، ولهذا أراد الله أن يكونَ حاضرًا في وسطه. والسؤال ماذا يكون من أمر الشعوب الأخرى، قد تمّت الإجابة عنه بصورة مختلفة بحسب الزمن والأوضاع – ولكنْ ثَمّة أمرٌ واحدٌ أكيد وهو أنّها بالنظر إلى إسرائيل لا تُعَدّ شعوبًا، فالله ليس له سوى شعب واحد، وبقدر ما تقبل هذه الشعوب الله ملكًا عليها، تصبح إسرائيل وليس شيئًا آخر. هذا لا يعني أنّ الأمم قائمة خارج أيّة علاقة بالله، بل هي “أبناء نوح”، وهي مرتبطة بالله من خلال العهد مع نوح. فتُطبَّق عليها وصايا نوح التي تحتلّ حيّزًا واسعًا في تفسير الرابيّين: كالنهي عن سفك الدماء وعن عبادة الأصنام وعن الزنى وعن السرقة، ووصيّة القضاء. الحفاظ على وصايا نوح يقود الأمم إلى التبرير.

يجب النظر إلى علاقة اليهوديّة بالعالم غير اليهودي من ناحيتين: ناحية المعاد وناحية الخبرة المباشرة. فالترقّب المعادي يتوقّع تدفّقًا أخيرًا للشعوب نحو أورشليم، حيث تكون نهايتها. من هذه الناحية فالشعوب الوثنيّة هي أعداء الله وهي حتمًا مجموعة هالكة – وليس لها نصيبٌ في الحياة الآخرة. الاختبار المباشر للمحيط الوثنيّ يمكن فقط أن يثيرَ البغض، واللقاء مع العبادات الوثنيّة لا يستدعي إلاّ الازدراء. وهذا الاختبار يقابل في هذه الحالة انتظارَ نهاية الأزمنة. ولكن في الحقيقة فإنّ فكرة الاختيار لا تتضمّن حتمًا نبذَ غير المختارين.

الله هو إذن ملك في إسرائيل. ومن ثَمّ تُعتبر اليهوديّة بأنّها اعتناق “لنير ملكوت السماوات”. وهذا يحدث بالمعنى الحصريّ لدى قراءة قول سفر تثنية الاشتراع: “اسمعْ يا إسرائيل: إنّ الربّ إلهنا هو ربّ واحد” (6: 4)، يُضاف إليه الجملة التالية: “لتكن سيادة ملكوته مباركة إلى الأبد”. من ينطق بهذه الأقوال يعتنق نيرَ ملكوت السماوات، إذ يعترف بالله الواحد، ويقبل الله ملكًا عليه. إنّ مطلب سيادة الله يقوم في كلّ حال بأنّ الله هو ملك، سواء قبله الإنسان أم لم يقبلْه؛ ولكن إذا لم يقبل الإنسان الله، فالله لا يستطيع إلاّ أن يتصرّفَ بحسب “طريقة الحقّ الصارم”، أعني أن يُسلِمَ خليقته إلى الهلاك، ولن يبقى في هذه الحالة أحد يمكن الله أن يملك عليه. وإذا قبلَ الإنسان الله ملكًا، يحقّق ملكوت الله في مجاله، والشعب يحقّق ملكوت الله في مجاله، إلى أن تعتلنَ أخيرًا سيادة الله وتصبحَ منظورة في العالم، فيُمجَّد الله، وهكذا يُفسَح له في المجال، وتصير أيضًا الشركة مع الله ممكنة، ويستطيع الله في النهاية أن يصيرَ حاضرًا حضورًا علنيًّا في وسط البشر – وهكذا يتحقّق قصد الخلق. ومن ثمّ فإنّ مجال مصطلح “ملكوت السماوات” يمتدّ من القبول الشخصيّ لسيادة الله إلى الاعتلان النهائيّ في نهاية الأزمنة للملكوت في القدرة والمجد وسط البشر.

5. الإيمان والعمل

إنّ قبولَ ملكوت الله هو شرطٌ لكلّ عمل دينيّ. وبتعبير آخر يمكن القول: الإيمان هو شرط العمل. ولكن لا يمكن فصل هذا الإيمان عن العمل وجعله قائمًا في ذاته. وبالتالي فإنّ قبول “نير ملكوت السماوات” يتبعه قبول “الوصايا”.

كثيرًا ما أُسيء فهمُ اليهوديّة بأنّها دين شريعة. إنّ تنظيمَ الحياة الدقيق من خلال الأوامر والنواهي والاحترام المتقن لأصغر الأحكام، ولا سيّما في ميدان الطقوس حيث لا يمكن إدراك معنى الوصايا الموضوعيّ، قد يثير في الواقع هذا الشعور. ولذا يمكن القول إنّ اليهوديّة هي دين العمل القويم. لا شكّ أنّ ثمّة خطر التصلّب، والضياع في عمل لا فكر فيه، وهذا خطرٌ بشريّ. ولكنّ تتميمَ الوصايا، أعني العمل بموجب الوصايا، لا معنى له سوى تقديس الإنسان، كما جاء في سفر الأحبار: “كونوا قدّيسين، فإنّي أنا قدّوس” (11: 44). الإنسان القدّيس وحده قادرٌ على الشركة مع الله. بيد أنّ القداسة تشمل كلّ ميادين الحياة، وليس فقط الميدان الطقسيّ. يمكن القول إنّ الإنسانَ لا يستطيع أبدًا في الميدان الطقسيّ الحصولَ على القداسة الموافقة، وإلاّ وجب عليه أن يصيرَ مثل الملائكة. القداسة الموافقة حقًّا للإنسان لا يحصل عليها إلاّ في ميدان العدل، حيث يظهر على حقيقته: في التعامل مع قريبه. ولذلك يقول أيضًا الرابيّون، تعليقًا على قول سفر تثنية الاشتراع: “إيّاه تعبدون وبه تتعلّقون” (13: 5): “يستحيل على الإنسان التعلّق بالله الذي هو نارٌ آكلة. بل على الإنسان بالحريّ أن يجعلَ من طريقة الله طريقتَه الخاصّة: فكما يطعم الله الجياع، هكذا فليطعم هو أيضًا الجياع، وكما يكسو الله العراة، هكذا فليكسُ هو أيضًا العراة…”.

ولكن من الخطإ إقامة تناقض بين حياة العمل والحياة الطقسيّة، كما قد يحدث أحيانًا في جهل تامّ لجوهر الوصايا. فإنّ أصغرَ الوصايا، كغسل اليدين قبل الأكل، تؤدّي هي أيضًا إلى قداسة الإنسان. ولكن ليس مجرّد العمل هو الذي يقدّس بل أيضًا النيّة. وهذه النيّة في تتميم الوصايا يعبّر عنها الإنسان باعتناقه نيرَ السماء وتتميمه الوصايا وخضوعه لسيادة الله. لذلك قبل تتميم أيّة وصيّة، تقال صلاة بركة يتمّ فيها اعتراف بالله ملكًا على العالم. ومن ثَمّ يمكن القول إنّ الحياة التي يحياها اليهوديّ بصورة قويمة هي حياة شعائر العبادة.

6. التوراة


في وسط هذه الحياة اليهوديّة تقوم التوراة، التعليم الموحى. فمن التوراة أوّلاً يعرف المرء ما الذي يجب أن يفعله وكيف يجب أن يعيش. وهي بالمعنى الحصريّ الأسفار الخمسة الأولى، وبالمعنى الواسع الكتاب المقدّس كلّه، وأخيرًا سياق الكتاب المقدّس في التقليد الشفويّ، وبالتالي مجموعة التقليد المكتوب والشفويّ، كلّ العلم الدينيّ الذي تمّ على مرّ القرون تدوينه في الأدب التراثيّ. من الخطإ عدّ التوراة “شريعة”، وذلك ليس فقط لأنّ هذا غير صحيح في الواقع، فالتوراة هي أيضًا ما أُوحي من تاريخ وحكمة وشعائر عبادة. في التوراة يلتقي اليهوديّ بالحريّ الله ويتعرّف على مشيئته وطريقته، إنّها بالنسبة إليه كلام الله وتعليم الحكماء ووحي محبّة الله للشعب وعربون هذه المحبّة. فيها يجد الإجابة عن كلِّ أسئلته. إنّ البحث في التوراة ومعرفتَها وفهمَها قد صارت في إسرائيل القديم مثالاً للتربية، كما ورد في المزمور الأوّل: “بل في شريعة الربّ مسرّته، وفي شريعته يهذّ نهارًا وليلاً”. وبعد تدمير الهيكل صارت التوراة بنوع أشدّ موضع اللقاء مع الله.

إنّ دراسةَ التوراة هي فريضة، فيُطلَب من كلّ يهوديّ أن يتعلّم وسع طاقته، ومن ثمّ فاليهود هم في الواقع أهل كتاب – وقد كانوا كذلك على الأقلّ حتّى زمن غير بعيد. ولكنّ هذا التعلّم ليس مجرّد تعلّم عقليّ وتمكّن من المادّة التي يشكّل تعقيدها عادة تحدّيات كبيرة لعقل الإنسان، بل هو تعلّم ليتُرجيّ، تعلّم هو بمثابة عبادة الله. وبذلك فأضعف الناس فكريًّا له نصيب في التعلّم. ويتلقّى فصلاً من التعلّم في ليتُرجيّا صلاة الصباح اليوميّة، ولكن في الوقت عينه من غير المستحبّ استخدام الدراسة كوسيلة لهدف، للحصول على الإكرام أو على وظيفة. الدراسة هي دومًا هدف دينيّ في ذاته. والتوراة هي أيضًا ما يجمع اليهوديّة على هذا النحو. لم يعد هناك منذ ألف سنة أيّة مؤسّسة مركزيّة لليهوديّة. ما حفظ جماعة اليهود إنّما هي الحياة بحسب التوراة، كما يأمر به التقليد وكما يعلّمه العلماء بالتوافق مع التقليد. إنّ سلطة العلماء مؤسّسة فقط على أنّ قراراتهم يُعترف بها عمومًا بأنّها تعبير صحيح عن التوراة.

7. صلاة الجماعة

في وسط حياة الجماعة تقوم عبادة الله الحقيقيّة، صلاة المجمع الطقسيّة. منذ تدمير الهيكل لم يعد هناك تقديم ذبائح ولا ميدان مقدَّس داخل هذا العالم، يمكن أن يقفَ فيه اليهوديّ ليصلّيَ ويقرّب الذبيحة مباشرة أمام الله. فلم يبقَ إلاّ الصلاة. هذه الصلاة موجَّهة دون شكّ إلى موافقة صلاة الهيكل ولكنّها لا تحلّ محلّها. إنّها صلاة علمانيّين، والكاهن، الذي هو من نسل هارون، لم يعد له في هذه الصلاة أيّة وظيفة سوى أنّه يمنح البركة الكهنوتيّة. الجماعة تقوم حيث يجتمع للصلاة عشرة يهود بالغين من الرجال. المتقدّم في الصلاة، المكلَّف من بين العلمانيّين بهذا الأمر في الجماعات الصغيرة، هو فقط المسؤول عن الجماعة، وهو يتلو الصلاة باسمها. مرّتين في اليوم تلتئم الجماعة للصلوات الثلاثة المفروضة، ومن المستحبّ الصلاة مع الجماعة، بل إنّ ثمّة صلوات محدّدة لا تمكن تلاوتها إلاّ ضمن الجماعة.

في صلاة الجماعة يكون الله، الشكينا، حاضرًا. غير أنّ هذا الحضور ليس حضورًا مقدَّسًا، ليس حضورًا يمكن التعبير عنه من خلال صلاة خاصّة أو تصرّف خاصّ، كما كان يحدث قديمًا في الهيكل. ومهما يكن من أمر فالمصلّي يقف أمام الله وليس أمام إله الجماعة الحاضر فيها والقريب منها، بل أمام إله السماء الذي يصلّي له. بل أكثر من ذلك إنّ التسبيح القدّوس الثلاثيّ الذي تنطق به الجماعة يدخل في تسبيح الكائنات السماويّة، الملائكة والسيرافيم.

صحيحٌ أنّ صلاة الجماعة منظّمة، فثمّة محاولات لأعمال طقسيّة، ولا سيّما في الأعياد، كما يُحتفل بها في إطار الليترجيّا البيتيّة، كالعشاء الفصحيّ مثلاً، إلاّ أنّ الصلاة اليهوديّة لا تتضمّن أيّة أعمال رمزيّة. ففي العبادة الطقسيّة لا يحدث شيء يعبّر عن حقيقة أرفع وأعمق من خلال كلمات أو حركات أو علامات، أو يؤدّي تكراره إلى ما لا تبصره العين. يمكن القول إنّ الرمز غريب عن اليهوديّة. هذا يسهل فهمه إذا فكّرنا أنّ اليهوديّة هي ديانة تاريخ. فالحدث التاريخيّ فريدٌ ولا يمكن تكراره. ومن ثَمّ فالعلاقة في اليهوديّة لها دومًا وظيفة “الذكر” والتذكار. فعيد الفصح البيتيّ هو مثلاً تذكارٌ للخروج من مصر وليس على الإطلاق تكرارًا رمزيًّا. وإن كانت ليلة الفصح بالنسبة إلى الكثيرين هي وقت خاصّ جدًّا محاطٌ بالسرّ، وينتظر الكثيرون فيها الخلاص من السبي، فمع ذلك لا يحدث شيء يمكن أن يكونَ تكرارًا. فالحدث التاريخيّ لا يمكن تكراره.

8. الخطيئة والتوبة

إنّ تتميم الوصايا يكتسب به الإنسان الاستحقاق أو التبرير. وتعني هذه اللفظة ما يؤدّي إلى التطهير في يوم الدينونة. فالخطيئة تحمّل الإنسان ذنبًا. الخطيئة هي أوّلاً تمرّد على الله، ورفضٌ لنير الملكوت وللوصايا. ولكنّ كلّ مخالفة هي في ذاتها خطيئة؛ والذنب الموضوعيّ، أعني التصرّف الخاطئ عن جهل أم عن خطإ، هو أيضًا خطيئة موضوعيّة، ويحتاج إلى تكفير. (نميل اليوم إلى التقليل من أهميّة هذا الخطإ الموضوعيّ. ولكن يجب ألاّ نُغفل أنّ الخطيئة غير المقصودة تنوء بثقلها على الإنسان الذي يعيش حياة طقسيّة. وعلم نفس الأعماق يمكن أن يعلّمنا الكثير في هذا الموضوع). ولكن إذا كان الخطأ ممكنًا، ويجب دومًا اجتنابه، فمع ذلك توصّلت اليهوديّة تحت وطأة الاضطهادات إلى وضع حدود قصوى لا يجوز في أيّة حالة تجاوزها: فعبادة الأصنام وسفك الدّم والزنى، هذه هي الآثام الثلاثة التي هي أثقل من مطلب الإنسان بالحفاظ على حياته الخاصّة. يمكن عدّها الخطايا المميتة الحقيقيّة، ومن الأفضل أن يخسرَ الإنسان حياتَه من أن يقترف تلك الخطايا.

نكاد لا نستطيع القولَ إنّ الخطيئة تغيّر الإنسانَ في كيانه. ولكن ثمّة محاولات لمثل هذه التصوّرات. فالخطيئة تقلّل من قداسة الإنسان وتجعله غيرَ قادر على الاقتراب من الله. فبعد أن دُمِّر الهيكل وصار من المستحيل إجراء طقوس التكفير كما يأمر بها الكتاب المقدَّس، لم يبقَ لليهوديّة سوى الارتداد كأداة تكفير وممارسة التوبة التي تُترَك للتقدير الشخصيّ. الارتداد عن الطريق الخاطئ أو الشرير، والرجوع إلى الله، يكفّران عن كلّ الخطايا. وفي رأي الرابيّين يقوم الخاطئ التائب في مرتبة أرفع من مرتبة الصدّيق الذي لم يسقط أبدًا – وهذا لا وجود له في الواقع، لأنّ كلّ إنسان يخطأ. صحيح أنّ الارتداد لا يُعتِق الإنسان من عقوبة الخطيئة، ولكنّه يقيه من أن ينبذَه الله. حتّى الخاطئ الكبير لا يُغلَق أمامه باب الارتداد، ومع ذلك يستطيع الله أن يحرمَه من التبصّر الذي يمكن أن يقودَه إلى الارتداد. ومن ثَمَّ يبقى طريق الارتداد مفتوحًا، ولكن فقط للذين يُمنَحون نعمة التبصّر.

9. الحياة الأخرى بعد الموت

اليهوديّة، على غرار المسيحيّة، تميّز، في تصوّر الحياة الآخرة، بين الناحية الفرديّة والناحية الجماعيّة. ففي الكتاب المقدَّس نفسه تكاد لا تُطرَح مسألة استمرار الحياة الفرديّة بعد الموت، ففي الجحيم الكتابيّة، الأموات لا يسبّحون الله. ثمّ إنّ تصوّر قيامة الجسد، الذي يربط تلك القيامة بالدينونة العامّة، قد جعل من الجحيم مكان انتظار موقّت. ففي مثل هذا التصوّر لا ينتقل الإنسان إلى حياة أخرى.

ولكن في فترة من الزمن ظهر التصوّر بأنّ أنفس الصدّيقين تنتقل بعد دينونة فرديّة إلى فردوس في عالم آخر أو في السماء، أمّا أنفس الخطأة فيُحكم عليها في عقاب جهنّم، التي هي في اليهوديّة الرابينيّة بالحريّ مطهرٌ موقّت ومحدود جدًّا، نوع من تطهير مؤلم للنفس. ربّما تكون هذه التصوّرات في الأصل غريبة عن اليهوديّة، ولكنّه قد تمّ استيعابها استيعابًا تامًّا. وبقي التعارض الداخليّ مع الترقّب الجماعيّ للخلاص. هذا التعارض لم يتمّ تجاوزه إلاّ بصورة جزئيّة من خلال ترقّب قيامة الجسد والدينونة العامّة.

إنّ الترقّب الجماعيّ لنهاية الأزمنة يبقى من جهة أخرى منسجمًا مع المعاد الكتابيّ: مفاده ترقّب ماسيّا مسيح من بيت داود، سيحرّر إسرائيل ويعيده إلى أرضه ويعيد بناء الهيكل؛ وهجوم الأمم على أورشليم، وحروب جوجٍ وماجوج، وأخيرًا يعود الله نفسه، الشكينا، في مجد علنيّ إلى أورشليم، ويكون ملكًا على الأرض كما هو في السماء، وحينئذٍ ستكون، كما جاء في سفر أشعيا النبيّ 65: 17، سماء جديدة وأرض جديدة، وتضمحلّ الحدود بين السماء والأرض.

ما قيل هنا لا يحيط بالمسألة كلّها. فتصوّرات شؤون الآخرة متناقضة بعضها مع بعض إلى حدّ كبير. إنّها أمور خاصّة بالمستقبل الآتي. ومع ذلك لا شيء يُرتَقَب بشوق قبل مجيء الماسيّا واعتلان ملكوت الله، وكثيرًا ما يكون هذا موضوعَ الصلاة اليوميّة.

10. الماسيّا

ولكن من هو الماسيّا؟ إنّه إنسان، تجيب اليهوديّة بالمقارنة مع ما تؤمن به المسيحيّة. إنّه ملك مثاليّ سيقيم العدلَ ويهيّء هكذا عودةَ الله بمجد؛ إنّه يأتي فقيرًا راكبًا على حمار (زخريّا 9: 9)، أو يأتي بمجد على سحاب السماء (دانيال 7: 13)؛ إنّه هنا، بحسب قول رابّي يهوشوَع بن لاوي في القرن الرابع، يتألّم ويعاني السبيَ مع الشعب اليهوديّ، منتظرًا رجوعَهم، وحاملاً ألمه للتكفير عن ذنوب إسرائيل. في بعض الأحيان تعود صورة الملك المخلّص، إنّه ملك كامل، فالشكينا تتقدّم حينئذٍ وتعود إلى الظهور. وفي بعض الأحيان، كما في أيّام بار كوشبا مثلاً، إنّه فقط محرّر سياسيّ يحرّر إسرائيل من السلطة الأجنبيّة. في هذا يظهر مرارًا وجه الماسيّا بن يوسف الغامض الصورة، الممسوح من بيت يوسف، إنّه ماسيّا يلقى حتفه في الحرب ضدّ الشعوب الوثنيّة.

ولكنّ هذا الماسيّا ليس على الإطلاق الإله المتجسّد، كلمة الله الذي صار إنسانًا. هنا يستحيل تجاوز الحدود بين التصوّرات الماسيويّة في اليهوديّة وفي المسيحيّة. لقد جمعت المسيحيّة في الإنسان يسوع كلّ ما نجده في اليهوديّة من ملامح فرديّة للماسيّا ومن تصوّر للشكينا. فيكون هو، بحسب التعبير اليهودي، تصوّرها على هذا النحو -، والملك من بيت داود، والقاضي العادل، والإنسان الذي يبذل حياتَه عن خطايا إسرائيل، والإله الذي لا يتهرّب من ألمَ مخلوقاته.

إنّ عالم اليهوديّة الآتي هو في هذا الدهر. بيد أنّه سماء جديدة وأرض جديدة، إنّه عالَم قد تبدّل من أساسه وتقدّس بجملته. ولكن ليس الإنسان هو الذي يدخل إلى السماء، ولا نفوس الصدّيقين الراقدين، ولا الرؤيويّ الحيّ هو الذي يعبر المنازل السماويّة إلى أن يصل إلى عرض الله، بل الله هو الذي يأتي إلى الإنسان. هذا الأمر ينطبق تمامًا مع المبدإ “الأحاديّ” لليهوديّة الرابينيّة. فإنّ خلاصَ الإنسان في السماء، إذا رافقه هلاك هذا العالم في الدينونة، هو إنكارٌ لهذا العالم، خليقة الله؛ وفي هذه الحالة نصل حتمًا إلى نظرة ثنائيّة للعالم. الأرض الجديدة والسماء جديدة هما بالحريّ داخل الخليقة، وسيُخلقان من جديد مع هذا العالم.

العالم الآتي هو إتمام لقصد الله في خلقه. بعد ذلك يعيش الإنسان في الخلود في شركة مع الله، أمام وجهه، وفي معرفة كاملة لله. لا شكّ أنّ ثمّة آراء كثيرة تجعل من العالم الآتي فردوسًا، مكانًا لحياة رغد وهناء. ولكن يغلب الرأي في العموم أنّ الموضوعَ يتعلّق هنا بمعاينة الله، بكمال معرفة الله. لقد أشاد إلياد Eliade، في كتابه عن أسطورة العودة الدائمة، إلى أنّ الفكر، في تصوّر الحياة الأخرى، يُفضي من جديد إلى دائرة العودة الدائمة، ولكنّ الدائرة تحلّ محلّها ولادة جديدة وحيدة. هذا إخفاق لنظرة العالم التاريخيّة، إذ إنّ الإنسان لا يحتمل خطّ الزمن الذي يسير مستقيمًا ولا يُفضي إلى أيّ مكان. الفكرة تُغري، ولكنّها ليست على جانب كبير من الصحّة. لا شكّ أنّ التاريخ الذي يسير باستمرار ستوضح له نهاية، غير أنّ النهاية ليست عودة البداية ولا إعادة الفردوس. النهاية تقوم في نهاية خطّ زمنيّ مستقيم، إنّها اكتمال. وما بين البداية والنهاية، أعني التاريخ، لا يُنسى، بل يبقى كواقع وكذكرى – وفي هذا عينه يبقى أيضًا الإنسان المتجلّي إنسانًا ولا يصير ملاكًا لا مَصيرَ له. يناقش الرابيّون السؤال هل ستبقى ذكرى الخروج من مصر في أيّام الماسيّا أو في العالم الآتي. ويخلص الرابيّون إلى أنّ الخلاصَ الأخير يكون الأهمّ، وتبقى معه ذكرى الخروج من مصر. وفي النهاية لن تكونَ فقط نظرة الناس المتجلّين إلى الله، بل المعرفة، الخبرة المشتركة في التاريخ التي تربط بين الله والإنسان، العشق التاريخيّ. وهكذا يجب أن يبقى الإنسان أيضًا أمام الله، ودومًا مختلفًا عن الله، لكي يبقى إنسانًا.

جدول زمني

1280 – 1180 : الخروج من مصر؛ موسى؛ احتلال الأرض على يد يشوع بن نون

1180 – 1004 : زمن القضاة، صموئيل، شاول، بدء الملكيّة

1004 – 965 : داود
965 – 962 : سليمان؛ تقسيم المملكة

722 : انهيار مملكة الشمال؛ الأنبياء: هوشع، أشعيا

586 – 536 : تدمير أورشليم الأوّل، السبي إلى بابل. الأنبياء: إرميا، حزقيال. اعتماد الأسفار الخمسة في قانون الكتاب المقدّس
520– 420 : إعادة بناء الهيكل؛ عزرا، نحميا. آخر الأنبياء: حجاي، ملاخي، زخريا. اعتماد الأسفار النبويّة في قانون الكتاب المقدّس

166 – 37 : ثورة المكّابيّين، حكم الحشمونيّين. بدء العلم الكتابيّ الرابينيّ. انتشار اليهوديّة من خلال الشتات والرسالة في حوض البحر الأبيض المتوسط والشرق

66 – 70 ب.م. : الثورة ضدّ رومة؛ تدمير أورشليم الثاني

70 – 135 : الأكاديميا في جفنة تصير مركز اليهوديّة الروحي؛ دستور الآباء. تطبيق الفرّيسيّة في اليهوديّة الرابينيّة. فتنة بار كوشبا
135 – 390 : جمع التقليد الشفويّ، وتثبيته وتدوينه: كتابة المشنا (حوالى سنة 200)، التلمود الفلسطينيّ (حوالى سنة 390). بابل تصير مركز العلم الكتابيّ الرابينيّ

500 : تدوين التلمود البابليّ

1000 : انحطاط الأكاديميّات في الشرق، انتقال المراكز الروحيّة والماديّة إلى أوروبة

القرن 12 – 13 : ازدهار الحياة الفكريّة اليهوديّة في إسبانيا وفرنسا. اضطهاد اليهود في فرنسا وإنكلترا وألمانيا يؤدّي إلى انهيار جماعات يهوديّة مهمّة

1492 – 1497 : طرد اليهود من شبه الجزيرة الإسبانيّة

1564 : جوزيف كارو ينشر “شُلخان أروخ”، مجموعة قوانين التشريعات الطقسيّة اليهوديّة، التي لا تزال ملزمة في العصر الراهن
نهاية القرن

الثامن عشر : بدء حركة التنوير اليهوديّة

القرن التاسع عشر : تحرّر اليهود وحصولهم على المساواة (النسبيّة) في المواطنة في معظم دول أوروبا الغربيّة والوسطى؛ حركة الإصلاح اليهوديّة

1940 – 1945 : حوالى ستّة ملايين من يهود أوروبا يهلكون في إبادة جماعيّة في البلدان التي احتلّها النازيّون

مراجع

J. Guttmann, Die Philosophie des Judentums, 1933
E. L. Ehrlich, Kultsymbolik im Alten Testament und im nachbiblischen Judentum, 1959.
S. Schechter, Aspects of Rabbinic Theology, 1961.
G. Scholem, Die jüdische Mystik in ihren Hauptstr