مؤتمر البترول العربي الثاني

مؤتمر البترول العربي الثاني

نشرت وقائع المؤتمر في الرائد العربي ، العدد الثاني ، كانون الاول / ديسمبر 1960

سجل مؤتمر البترول العربي الثاني الذي إفتتح في قصر اليونسكو في بيروت بتاريخ 15 تشرين الاول / اكتوبر 1960 ، خطوة كبيرة في حقل تنظيم الاقتصاد العربي . وقد افتتحه ، نيابة عن رئيس الجمهورية ، الاستاذ نسيم مجدلاني ، رئيس الوزراء اللبناني بالوكالة .

افتتح المؤتمر وزير الاقتصاد والسياحة اللبناني الاسناذ سليمان العلي ، مرحباً بالحضور ، وتلاه الاستاذ الدرديري احمد اسماعيل ، الامين العام بالانابة لجامعة الدول العربية ، فبيَن عناية الجامعة بموضوع البترول العربي ، نتيجة لازدياد الوعي العربي الجماعي لقضياه البترولية . ثم تلاه المهندس محمد سلمان ، سكرتير عام المؤتمر ، فرحب بالحاضرين وقدم عرضاً وافياً للموضوع من شتى نواحيه ، مدعماً بحثه بالارقام والاحصاءات والحجج والاسانيد القانونية والمنطق الاقتصادي السليم ، غير غامط الشركات العاملة حقها إذ أنصفها هي ايضاً بتبيان وجهة نظرها حول الموضوع . ثم كشف عن طريقة العمل التي سيتبعها المؤتمر في اجتماعاته .

إنفض بعد ذلك عقد الحفلة الافتتاحية ، وعاد المؤتمر الى عقد جلساته اعتباراً من يوم الاثنين في 17 تشرين الاول / اكتوبر 1960.

بدأت الجلسات العامة في الموعد المحدد وأخذ الاعضاء يلقون كلماتهم بحسب البرنامج المقرر . ونذكر منها على سبيل المثال ” ظروف العمل في صناعة البترول بفنزويلا ” للسنيور اجوبيليرا ، عضو الوفد الفنزويلي ، و ” مستقبل البترول الروسي في الاسواق العالمية ” للسيد جوالندر ، ثم محاضرة بعنوان ” محاولة لدراسة تقنين البترول على نطاق عالمي ” للسيد م . سلاديك ، مدير شركة الخدمات البترولية للشرق الاوسط . وقد أثارت هذه المحاضرة عدداً من التعليقات كان اولها للسيد اميل البستاني ، عضو الوفد اللبناني ، الذي طالب بمفاوضة الدول المستوردة للبترول ، بخاصة ايطاليا ، للتفاهم معها على عدم استيراد النفط السوفياتي ، المنافس للنفط العربي . ثم قدَم البستاني لقتراحاً بالاتفاق مع فنزويلا على توزيع الاسواق العالمية .

إنعقدت الجلسة الثانية في 18/10 وتميزت بحرارة المناقشة على أثر محاضرة القاها السيد هندركس ، عضو وفد حكومة المملكة العربية السعودية ، بعنوان ” هذا العالم نفسه ” واوضح فيها ان للحكومات المصدرة للنفط حق الغاء وتعديل الاتفاقيات اذا رأت في ذلك مصلحة لشعوبها . وكان اول المعلقين عليها السيد فريزر الذي قال ان محاضرة السيد هندركس ، شأن محاضرته في المؤتمر الاول في السنة الماضية ، تنطوي على معان تحمل شيئاً من سوء الفهم للناس بالنسبة للعلاقات بين الحكومات والشركات . وأكد بهذه المناسبة ان العلاقات السائدة بين حكومة الكويت وشركته لم تستوجب إثارة أي مشكلة تتعلق بالامتياز نفسه حتى الان ، مؤكداً انه ليس في شركته ، ولن يكون ، ما دام هو رئيساً لمجلس ادارتها ، أي دائرة قانونية . وقال ان اي مشكل يدعو الى تعديل في سياسة النفط المتبعة الان يجب ان تحل حبياً وبروح التعاون ونشدان الحل الصحيح في الوقت الصحيح .

وقد رد عليه السيد هندركس موضحاً ان الهدف من المحاضرة التي القاها لم يكن قط إثارة التنكر للوعود بين الناس ، بل للتشديد على امر مهم هو ان وعد شعب ما في ظرف ا ذا انطوى على اجراء عقد لامتياز ما ، لا بد وان ينقض او يعاد النظر فيه اذا تعارض مع المصالح الاساسية لهذا الشعب .

تعاقب على المناقشة خطباء آخرون بينهم السيد وليم أوين من شركة ارامكو ، مؤيداً كلام السيد هندركس الى حد ما ، غير انه رفض فكرة صلاحية تعديل الاتفاقيات من طرف واحد لأن ذلك يتناقض مع النظريات القانونية كلها ، معرباً عن وجهة نظر شركته غير المقتنعة بأي اقتراح غير ضامن لاي من مصالح الطرفين، سواء الشركات او الحكومات ، مصراًعلى وجوب الاحتفاظ بروح الثقة المتبادلة بينهما .

تعاقب بعدها عدد من الخطباء بينهم السيد كينيث هول ، من اصحاب بنوك الاستثمار ورجال النفط في نيويورك ، منتقداً وجهة نظر السيد هندركس ، قائلاً إن البلاد المتخلفة تحتاج الى رؤوس اموال جاهزة تبحث عن مكان لاستثمارها .وضرب مثلاً على ذلك كلا من المكسيك وبورتوريكو اللتين حافظتا على التزاماتهما ، فارتفعت مستويات المعيشة فيهما ارتفاعاً كبيراً . وقد اجابه السيد هندركس قائلاً : ” سيد ، اذا كان على امة ما ان تتخلى عن سيادتها من اجل الحصول على هذا النوع من رأس المال فاني اقترح عليها ان ترفض هذا الرأسمال ” . وقوبل جواب هندركس بعاصفة من التصفيق الشديد .

هنا تدخل الدكتور مصطفى الحفناوي ، وهو دكتور في القانون من باريس وعضو مجلس ادارة قناة السويس، مبدياً وجهة نظر قانونية دافع من خلالها احسن دفاع عن حق الدولة في تعديل الاتفاقية اذا كان الامر يتعلق بالمصلحة العامة لان امتيازات النفط عبارة عن عقود ادارية تدخل في نطاق القانون العام وليس القانون الخاص . ثم ألقيت بضع محاضرات اخرى واختتمت الجلسة لتعود في اليوم التالي لتستأنف بمحاضرة للدكتور عبد القادر ابراهيم ، ممثل مكتب العمل الدولي وقدم لها رئيس الجلسة بقوله انها تلقى ” تنفيذاً للتعاون بين الجامعة العربية وهيئة العمل الدولية التابعة للامم المتحدة ، إذ ان هناك اتفاق بان يحضر مندوبون من كلا الطرفين في اجتماعات الطرف الآخر كمراقبين ” .

تبع ذلك محاضرات اخرى بينها محاضرة للسيد سيمون سكسك عنوانها ” المبادىء القانونية وأثرها في علاقاتنا بشركات النفط ” فدعا الى إنشاء محكمة دولية يمكن ان تلجأ اليها الحكومات واصحاب الامتيازات الاجانب . وقد علق عليها المهندس عبد السلام عثمان ، رافضاً فكرة المحكمة الدولية لأنها تنطوي على نقض لمبدأ سيادة الدولة ، وتبعه السيد محمد الظاهر ، رئيس وفد الجمهورية العراقية ، فرفض الاقتراح ايضاً بكل قوة ووضوح . ثم تكلم السيد هندركس فبين ان إحالة الامر الى محكمة دولية يناقض سيادة الدولة ، وسأل الاستاذ سكسك ما اذا كان اقتراحه ينطوي على ان الشركات لا تتوقع العدالة من محاكم الدولة وقوانينها . فأجاب الاستاذ سكسك على ذلك بأن إقتراحه انما يرمي الى إيجاد ضمانة قانونية تتيح للعلاقات بين الحكومات المصدرة والشركات ان تحقق النتائج المرجوة ، وافترض ، مثلاً على ذلك أنه ، اذا وقع خلاف ما ، ونص العقد على اللجوء الى التحكيم لحله ، فانه ليست هناك قوة ترغم الحكومة المعنية على القبول بالتحكيم او بالقرار الصادر عن التحكيم . فهناك اذن فجوة ، لا بد لمصلحة الفريقين من سدها ، وهو يقترح لذلك محكمة العدل الدولية . وأجاب السيد هندركس بانه يوافق على ضرورة إيجاد ضمانة ما ، ولكن بأي ثمن ؟ . ذلك ان اي هيئة تعمل ضمن بلد ما لا يمكن ان تكون خارجة عن صلاحية قوانين ذلك البلد ومحاكمه . وأكد السيد هندركس ان هذا المثل ينطبق تماماً على ما كان يعنيه في محاضرته في اليوم السابق ، وهو خطأ شديد ، وهو ما لا يقع في الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وسواها من البلدان .

إشترك في المناقشة ايضاً الكتور الحفناوي فبين خطأ إحالة الامر الى محكمة دولية ، لا من الناحية السيادية فقط ، وهي مسألة أساسية ، بل ايضاً من ناحية قانونية فنية ، حيث ان العقد يتعلق يالمصلحة العامة لانه عقد عام وليس عقداً خاصاً .

بعد ذلك ألقى الشيخ عبد الله الطريقي ، رئيس وفد المملكة العربية السعودية محاضرته التي كانت مدار تعليق ومناقشة حامية في الجلسة التالية . وكانت أهم نقطة في المحاضرة ان شركات النفط قد أخفت في حساباتها المتعلقة بشحن البترول ونقل نقطة التعادل في اجور الشحن من ايطاليا الى لندن ثم الى نيويورك عن السنوات السبع والنصف الماضية ( منذ كانون الثاني / يناير 1953 ) ، قد أخفت مبلغ 5 بلايين ونصف بليون دولار اميركي ، مما يرفع خسارة البلدان العربية المصدرة بما يعادل نصف هذا المبلغ الذي كان يجب ان يدخل في حصتها . وقد اشترك في مناقشة هذا الموضوع السيد بروم من شركة ارامكو ، فنفى وجود هذه الارباح اصلاً . ثم اجلت المناقشة الى اليوم التالي . وفي اليوم التالي تكلم المهندس المدني السيد صلاح حلواني الذي إقترح أخذ ميزان التبادل بين اوروبا وبين منطقة الشرق الاوسط كوحدة عندما يدرس موضوع تسويق البترول وتسعيره . بمعنى آخر ، طالب السيد حلواني بعدم الفصل بين موضوع البترول وبين موضوع التبادل العام الاقتصادي القائم بين مناطق الشرق الاوسط واوروبا ، لأن البلاد العربية تدفع في الواقع الى اوروبا من الاموال اكثر مما تستورده اوروبا من بترولنا . وقد أبدى الاستاذ الطريقي استعداداً لتفهم هذا السؤال ، على ان يدرس الموضوع دراسة وافية ، حتى اذا وجد انه يصب في مصلحة منطقتنا فيعمل فيه .

توالت المناقشات حول دراسة الشيخ الطريقي . فكان من البديهي ان يحاول ممثلو الشركات نفي وجود المبلغ الذي ذكره ، وهوخسارة العرب لمبلغ بليونين وسبعمئة مليون دولار خلال سبع سنوات ونصف سنة . فكان يجيب عليها الطريقي بحزم وتروي ، مستنداً الى الارقام والوقائع والحقائق الموثقة . كما أوضح ان الشركات لم توفر من حسن النية ما يدعو الى الثقة بها ، مبدياً الامثال الواقعية على ذلك . ولفت الطريقي الشركات الى ان الوقت قد حان كي تعمل على كسب ثقة شعوب الشرق الاوسط وحكوماتها . وكان ان أشار بعض ممثلي الشركات الى عدم وجود معادلة حسابية يمكن اللجوء اليها في هذا الموضوع للتأكد من الرقم الذي ذكره الشيخ الطريقي . فأجاب الطريقي بان المعادلة موجودة ولا بد منها كي تحمي البلدان المصدر نفسها من تلاعب الشركات بالاسعار . وأعاد الى الاذهان ان الشركات تستعمل المعادلة ، او تغفلها ، وفقاً لمصلحتها . وعندما دعاه ممثل شركة شل لزيارة مكاتب الشركة في لندن والاطلاع على الحسابات للتأكد من عدم وجود ارباح غير مصرح بها ، أجاب الطريقي شاكراً ، وطالباً منه اقناع الشركات الام عدم تعديل الاسعار قبل مراجعة البلدان المعنية . وأكد الطريقي ان البلدان العربية مهتمة ببيع نفطها أكثر من الشركات نفسها ، ولا سؤ نية لديها البتة ، غيران من حق هذه البلدان ان تقتنع ما اذا كانت الشركات المنتجة تعمل لمصلحة هذه البلدان ايضاً ، ام انها تضع مصلحتها ومصالح الشركات الام فوق كل اعتبار .

إنفض عقد هذا المؤتمر المهم ،وعقدت الوفود العربية جلسة خاصة إتخذت فيها المقررات التي عرضت على المؤتمر في جلسته الاخيرة المنعقدة يوم السبت في 22 / 11 / 1960 ( المقررات منشورة ادناه ) .

مقررات مؤتمر البترول العربي الثاني

بيروت في 17 – 22 تشرين الاول / اكتوبر 1960

إن روساء وفود حكومات الدول والامارات العربية لدى مؤتمر البترول العربي الثاني ، يعلنون تصميم حكوماتهم على تنمية صناعة البترول العربية ، لتساهم بنصيب أوفر في زيادة الدخل القومي في البلاد العربية ورفع مستوى المعيشة فيها ، والعمل على تحقيق هذه الاهداف في اطار سياسة بترولية موحدة ، لذلك أجمعت كلمتهم على اصدار القرارات التالية :

القرار الاول : يؤيد المؤتمر مطالب الحكومات العربية وجهودها التي تهدف الى تحسين شروط الامتيازات البترولية . ويعرب المؤتمرون عن أملهم بأن تتجاوب الشركات مع هذه المطالب العادلة لضمان استمرار التعاون المثمر بينها وبين الحكومات لخدمة المصالح المشتركة لهذه الحكومات والشركات والمستهلكين معاً .

القرار الثاني : يستنكر المؤتمر إلتجاء شركات البترول الى تخفيض اسعار البترول الخام ومنتجاته من دون الحصول على موافقة حكومات البلاد العربية المنتجة . ويؤيد المؤتمر هذه الحكومات في موقفها الخاص بعدم الاعتراف بالخفض المشار اليه .

القرار الثالث : يوصي المؤتمر ان تضاعف حكومات الدول العربية جهودها الخاصة بتشجيع البحوث الفنية والاقتصادية والقانونية المتعلقة بشؤون البترول ، بمختلف الوسائل وبتسهيل اشتراك ابناء البلاد العربية بأعمال المؤتمرات البترولية .

القرار الرابع : يوصي المؤتمر بأن توجه الدعوة لانعقاده سنوياً في يوم الاثنين من الاسبوع الثالث من تشرين الاول من كل عام ، وبأن يعقد المؤتمر الثالث في مدينة القاهرة .

وكان قد صدر في نيسان / ابريل 1959 توصيات عن المؤتمر الاول تضمنت ما يلي :

أهم توصيات مؤتمر البترول العربي الاول
الذي انعقد في القاهرة في 16 نيسان / ابريل 1959

1 – ضرورة تحسين المشاركة في الارباح لصالح الدول المنتجة للبترول واقامتها على اسس عادلة ومعقولة.

2 – العمل على تكوين شركات وطنية متكاملة تباشر نشاطها في جميع عمليات البحث عن البترول وانتاجه وتكريره ونقله وتسويقه ، وذلك جنباً الى جنب مع الشركات الخاصة القائمة في هذه الدول .

3 – ضرورة العمل على إيجاد أجهزة في الدول المنتجة تختص برسم سياسة المحافظة على مصادر الثروة البترولية وسلامة استغلالها ، آخذة في الاعتبار مصالحها الوطنية والاوضاع السائدة في كل منها .

4 – ان تقوم الحكومات في الدول ذات الموارد البترولية من آن الى آخر بتبادل النظر فيما بينها فيما يتعلق بتدابير المحافظة على مصادر الثروة البترولية وسلامة استغلالها وغير ذلك من المسائل لايجاد نوع من التنظيم والتنسيق بين التدابير والاجراءات التي تتخذها كل منها في هذه الشؤون ولضمان وصول البترول الى الاسواق العالمية بانتظام .

5 – ان التعديل في الطريقة المتبعة لتسعير البترول ومنتجاته في الوقت الحاضر ، وأي تغيير في الاسعار نفسها ، ينبغي ان لا يتم الا بعد بحثه مع حكومات الدول المصدرة للبترول ، على ان تقوم الشركات المنتجة نفسها باعلان هذه الاسعار .

6 – ان تفكر حكومات الدول ذات الموارد البترولية في تشكيل جهاز استشاري في ما بينها كأداة لتبادل وجهات النظر حول المسائل المشار اليها آنفاً .

7 – زيادة طاقة التكرير في البلاد المنتجة للبترول والمبادرة لاقامة صناعات بتروكيمائية .

ملحق

مقتطفات من كلمة المهندس محمد سلمان ، سكرتير عام مؤتمر البترول العربي الثاني :

العرب ينشدون العدالة الاقتصادية .

تدعو الصورة العامة لصناعة البترول الى التفاؤل ، رغم ما يقال في هذه الايام عن وجود فائض في الانتاج وعن التنافس القائم بين مؤسسات التسويق . وعلى هذا الجيل من ابناء البلاد العربية والاجيال القادمة ، أن تكافح لكي يصبح البترول العربي اداة لدعم السلام العالمي ووسيلة لتحقيق الرفاهية والحياة الكريمة لافراد الشعب العربي ولشعوب العالم أجمع ، وان يأخذوا مكانهم في ركب التصنيع الزاحف ، وان يشعروا بحق امتهم عليهم ، فيعاونوا الحكومات بالبحث والدراسة والتجديد في أساليب الصناعة والتخصص في فروعها العديدة .

اما الشركات العاملة في البحث عن البترول العربي واستغلاله بالتصنيع والنقل والتسويق ، فمن حقها علينا ان نذكر لها في هذا المقام ما انفقته على المشروعات البترولية من مال .

ولكننا ، من جهة اخرى ، لا يسعنا إلا أن نطالبها بمزيد من التفهم والادراك لوجهة نظر الشعوب العربية المالكة للثروة البترولية ، والتي تتطلع الى مستوى أعلى للمعيشة وحياة كريمة للملايين من الانفس المفتقرة الى ألح ضروريات الحياة . إننا نطالب ان تقوم العلاقة بين هذه الشعوب والشركات على أسس من العدالة الاقتصادية ، فتأخذ الشعوب نصيبها العادل من ثروتها البترولية وتحتفظ الشركات لنفسها بربح معقول لاستثماراتها ، وان تشمل المشاركة جميع اوجه النشاط البترولي وليس وجهاً واحداً منها .

لذلك كان من الطبيعي ان يقابل الرأي العام العربي والحكومات المصدرة بالاستنكار موقف التحدي الذي اتخذته الشركات ازاء ما أوصى به المؤتمر الاول الذي انعقد في القاهرة في ابريل / نيسان 1959 من عدم ادخال اي تعديل على اسعار الزيت العربي من دون الرجوع الى حكومات الدول المنتجة لهذه المادة والتشاور معها . فقد عمدت الشركات الى خفض الاسعار في اوائل شهر اغسطس / آب الماضي بنسبة تتراوح بين 6 و 25 بالمئة من دون الرجوع الى الحكومات التي يتأثر دخلها جراء هذا التخفيض ، وتفوت عليها المزايا التي كان من اللازم ان تحصل عليها شعوب منطقة الشرق الاوسط من وراء الزيادات المضطردة في انتاج خامها .

ومن العجيب ، انه في الوقت الذي تتجه فيه ارقام مبيعات شركات التوزيع الى الصعود عاماً بعد آخر ، وتقفز ارباحها من نفط الشرق الاوسط خطوات لا يعرفها اي استثمار صناعي آخر في العالم بحيث تبلغ ضعف او ثلاثة أمثال الارباح التي تجنيها من عملياتها في اميركا الشمالية او الجنوبية ، بالرغم ما يقال عن فائض في الانتاج او التنافس المحدود الاثر ، تلجأ هذه الشركات بين الحين والاخر الى خفض اسعار الزيت العربي المعلنة لاعتبارات غير معروفة من الحكومات المعنية ، فضلاً عن انها لا تمت الى الاقتصاد بصلة . ولا تفكر هذه الشركات في التضحية بجزء من ارباحها ، ولا تفكر في ما يصيب شعوب المنطقة من غبن وخسارة او ما يفوت عليها تحقيقه من نفع بسبب هذا الخفض .

لم أنشد هنا ان أثير الخواطر حول موضوع خفض الاسعار وغيره من الموضوعات بقدر ما اردت ان الفت الى ان جامعة الدول العربية تحرص شديد الحرص على ان يسود التفاهم والتعاون والعلاقات الحسنة بين الطرفين لخيرهما المشترك . واردت الا أدع المناسبة هذه ان تمر من دون ان انوه بمدى ما يحس به الرأي العام العربي من مرارة ازاء موقف الشركات الذي اتسم حتى الان بطابع الغموض ، فضلاً عن طابع التحدي. لكنني ما زلت اقول ان باب التعاون مفتوح وينبغي ان يظل مفتوحاً . لكن التعاون لكي يكون مثمراً يجب ان يتمشى مع التطور الذي يطرأ على الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية في المنطقة ، ومع ازدياد شعور حكومات البلاد العربية بمسؤولياتها عن ضمان استخدام الثروة البترولية في رفع مستوى المعيشة وتحقيق الرخاء للاجيال القادمة من ابناء الامة العربية .