لبدة

مدينة لبدة

كانت منطقة لبدة الليبية موطنًا لجماعاتٍ بشريّةٍ في عصور ما قبل التّاريخ كما تدلّ على ذلك بعض حجارةٍ وُجِدَت على ضفاف وادي الرّملة، حيث أسّس الفينيقيون المراكز الأولى للبدة وصبراتة.

ولبدة مدينة عظيمة من مُدُن الشّمال الإفريقي الكُبرى، أسّسها الفينيقيّون في أوائل القرن العاشر ق.م، عند بداية استعمارهم إفريقية. وهذا التّاريخ يقرب من تاريخ إنشاء قرطاجنة. وكانت لبدة معروفة عند القرطاجنيين بإسم “لبكي”، ثم حرّفها اليونانيون إلى “لبشس”. وبقيت هذه الكلمة مُستعملة إلى القرن الثّالث ق. م، ثمّ حُرِّفَت في اللّغة اليونانية من “لبشس” إلى “لبتس” لسهولة النّطق في اللّغة اليونانية بكلمة “لبتس” عن “لبشس”.. وبما أنّ “لبتس” إسم لمدينةٍ في “بيزاشينا” الإغريقية. خافوا أن يحصل التباس بين المدينتين، فأضافوا إلى لبتس الإفريقيّة كلمة “مانيا”، فصارت “لبتس مانيا”، ومعناها لبدة العظيمة، أو لبدة الكبيرة.

استطاع الفينيقيّون أن يعمّروا البلاد بسرعةٍ نظرًا لخصوبة أرضها واعتدال مناخها وصلاحيّته للسّكن، ولأن لها ميناء مأمونًا وصالحًا للملاحة ولوقوعها على نهر عين كَعَام الذي يقع شرقيّها بقليلٍ. وممّا زاد في سرعة عمرانها العلاقات الطّيبة التّي نشأت بين السّكان والفينيقييّن نتيجةً لحُسن معاملتهم لهم. وذكر هيرودوت معركة كبيرةً عند مصبّ “شنبس”، وادي عين كعام. ويستنبط بعض المؤرّخين أنّ هذه الواقعة كان لها أثر سيّئ في تأخّر لبدة وتدهور حضارتها. وقد اعتراها الإنحطاط في أواخر القرن السّادس ق. م. وفي هذا الوقت، حاولت عصابة من اليونان، برئاسة الأسبرطي ديور، أن تنشىء مستعمرةً عند مصبّ نهر “شنبس” أيّ نهر عين كعام، منتهزةً ما أصاب “لبدة” من التأخر والإنحطاط. وقد تمّ للعصابة ما أرادت.

حاول اليونانيون أن يحلّوا محلّ الفينيقيين في هذه المنطقة، لكن القرطاجنيين خافوا تسرّب نفوذ اليونان غربي سرت، فلم يلبثوا أن هاجموها وخربوا مستعمراتها وطردوا اليونانيين ومَن معهم. واستولوا على لبدة وما حولها، وأعادوا إليها ما فقدت من عمرانها وحضاراتها. وتوطّد ملك القرطاجنيين فيما بين السرت الكبير والسرت الصغير، وأطلق على هذه المنطقة إسم “أمبوريا”. وصارت جزءًا من أملاك الإمبراطورية القرطاجنية، مُتمعتّةً باستقلالٍ داخليٍ. بقيت لبدة تحت حكم القرطاجنيين إلى أوائل القرن الثاني قبل الميلاد.

وفي أوائل هذا القرن، أصبحت تابعةً للنوميديين في الفترة ما بين الحربين القرطاجنتين الثانية سنة 218 والثّالثة سنة 149ق. م. وكانت تبعيتها للنّوميديين شكليّةً لأنها كانت مقصورة على دفع الجزية. وفي سنة 111ق.م، أرسلت لبدة وفدًا إلى روما طالبةً صداقتها والتّحالف معها للتّخلص من حكم النوميديين. وفي سنة 107ق.م أمدّتها روما بأربع كتائب من الجنود لمحاربة النوميديين. ويظهر أن هذه القوات لم تتمكّن من التّغلب عليهم، وبقيت تحت سيادتهم الإسمية، متمتّعة باستقلالها الدّاخلي، إلى أن احتلها الرّوم سنة 42 ق.م، وانتهى حكم النوميديين.

وبدخولها تحت الرّوم صارت جزءًا من إفريقيا. هذا بالنّسبة للسّواحل. أمّا الدّواخل، فبقيت تحت سلطة حاكم من نوميديا حتّى أوائل القرن الثالث ميلاديًّا، حيث أقيم خطّ دفاعٍ ضدّ سكّان الجنوب، وسمّوه “ليمس تريبوليتانوس”.

تعرّضت لبدة لغارات الجرمنتيين بين سنتي 24 و17ق. م، واستعانوا بقبائل أخرى من الجنوب، وذلك بسبب نزاع قام بينها وبين “أويا” (طرابلس الحالية) بسبب اختطاف الماشية، والتّعدي على بعض الأشخاص. فاستنجدت “أويا” طرابلس بالجرمنتيين وبعض قبائل الجنوب، فخفوا لنجدتها، وهاجموا لبدة فتغلبوا عليها وخرّبوا ضواحيها. واضّطر السكان إلى الإحتماء بأسوار المدينة حتّى أدركهم  “فاليريوفيستو” بجيشه، وطرد الجرمنتيين، وأعاد إلى المدينة طمأنينتها وما فقدته من الأهميّة التي كانت تتمتّع بها كمحطةٍ للقوافل القادمة من ساحل البحر الأبيض بالجنوب والسّودان.

وفي سنة 146م، ظهر في لبدة ستيميو سيفير، وهو من إحدى الأُسَر الكريمة فيها، فتولّى عرشها، وعَنِي بشؤونها، ونشر فيها العلم والأمن. وقد أمعن في مطاردة المُعتدين عليها من قبائل الجنوب حتّى أقصاهم عنها. وعني برقيّها الدّاخلي، فوفّر لها سبل الحياة  الصّالحة بما أنشأ فيها من وسائل العمران والتّقدم.. وتقديرًا لأعمال هذا الرجل المُصلح واعترافًا بإخلاصه، أطلق السّكان على أنفسهم إسم السّتيمييّن تيمّنًا بإسم ستيميو، واشتهروا بذلك.

وفي القرن الثّالث الميلادي، زمن الإمبراطور سيفيروس سيبتيموس، من سنة 193 إلى 211م، وزمن ألكسندر سيفيروس، من سنة  222 إلى سنة 235م، بلغت لبدة مبلغًا عظيمًا في الحضارة والتّقدم العمراني. وفي هذا العصر، كان سكّانها خليطًا من القرطاجنيين والرّوم واليونان والليبيين، وبلغ عددهم ثمانين ألفًا. وكانت أويا (طرابلس) في هذا العهد لم تبلغ شأوا يُمكّنها من مزاحمة لبدة في النّفوذ والسّلطان. وفي القرن الرّابع، أصدر دقيانوس أمره بإعطاء أويا لقب ولايةٍ، وكانت لبدة لها الصّدارة، فأخذت أويا تزاحمها في صدراتها ومكانتها. وفيما بين سنتي 363 و366 من القرن الرّابع ميلاديًا، اعتدى الإستريانون على ولاية لبدة، فألحقوا بها أضرارًا بالغةً، وخصوصًا بالمدينة، حتّى ساءت أحوالها وأخذت في الإنحطاط حتّى طمع فيها الوندال. وفي سنة455م، احتلّها الوندال، ولكنّهم لم يعنوا بها وتركوها للفوضى. وامتدت إليها يد النّهب والسّلب من القبائل البربرية المُقيمة في المدينة وحولها، وأكبرها قبيلة لواتة. وفي هذه الفترة، أُصيبت بفيضانٍ كبيرٍ من وادي عين كعام، فحطَّم الجسور والأسوار، وكان له أسوأ الأثر في شلّ الأيدي العاملة، وتسرّب اليأس إلى النفوس من القُدرة على الإصلاح. فأُهمِلَ شأنها، وزحفت الرّمال عليها، ودبّت روح التّمرد في القبائل القاطنة حولها. ولم تأت سنة 533م حتّى حوّلت هذه القبائل الفوضوية المدينة إلى خرابٍ، وطمع البيزنطيون في احتلالها.

احتلّ البيزنطيون لبدة سنة 533م. وكان احتلالهم لها بداية عهدٍ جديدٍ لعمرانها واسترداد بعض ما فقدت من حضارتها. وأصلح حاكمها  الجديد جوستنيان كثيرًا ممّا امتدّت إليه أيدي الفساد في العهد الذي قبله. وأدخل عليها الرّوم من فنون العمارة والزّخرفة ما زاد في ضخامتها وجمالها. يشهد بذلك ما اكتُشِفَ من آثارها الجميلة زمن الإحتلال الإيطالي، من سنة 1911 إلى أواخر سنة1942.

لكنّ اللواتيين دأبوا على الثورة والتخريب، ولم يخضعوا لما أقيم في لبدة من حكمٍ وانتهى الأمر بانسحاب حاكم البلد “سيرجيو” منها.  وبعد جوستنيان، أخذت البلاد في الإنحطاط والسّير إلى الخراب بخطى واسعةٍ. وفي سنة 643م، وصلت إليها طلائع العرب الأولى للفتح الإسلامي، فلم تجد في لبدة من العمران إلاّ بقايا من قصورها العظيمة ودُورها الفخمة، وبقايا من السّكان، خليطًا من أجناسٍ متعدّدةٍ، يعيشون فيما بقي من خرائب دورها وقصورها. وقد مرّ بهم العرب الفاتحون في ذهابهم وإيّابهم، فلم يكن لهم معهم شأن، نتيجةً لما هُم فيه من ضعفٍ واستكانةٍ وفقرٍ مُدقَع.

تقع لبدة شرقي مدينة طرابلس بنحو تسعين كيلومترًا، وقد أكل البحر جزءًا كبيرًا منها. وبُنِيَت مدينة الخمس في أوائل القرن التّاسع عشر على جزءٍ منها وبأنقاضها. ولمّا بنى مراد آغا جامعه الذّي بـ”تاجورة” نقل إليه منها أعمدة الرّخام التي أقامها عليها، وكثيرًا ما نُقِلَت منها أعمدة الرّخام للجوامع.

 

لبدةصنفت منظمة اليونيسكو لبدة مدينة تراثية عالمية عام 1982