كركوك

كركوك

عُرِفَت هذه المدينة أوّلا بإسم “عرفة”، وهو إسمٌ موجودٌ ومعروفٌ حتّى الآن، وهو إسم لإحدى المناطق التي تسكنها الأغلبية الأشورية. ثم تحوّل إسمها إلى كركوك (كرخ د بيت سلوخ) الأشوري أيضًا، وهي اليوم معروفة بهذا الإسم.

ظهرت كركوك في التّاريخ القديم كإحدى المُدُن الأشورية. منذ ذلك التّاريخ وحتّى اليوم لم يذكر التاريخ خلوها من أبنائها الأصليّين، ولكنّها، وكغيرها من المُدُن الأشورية، كانت محطًا للأنظار. وقد قصدها الكثير من الأقوام إبان الإمبراطورية طلبًا للعيش الأكثر رقّيًا، وكذلك تعرّضت إلى الكثير من الغزوات الخارجية وخاصّة بعد انهيار الكيان السّياسي للإمبراطورية الأشوريّة. وقد سجّل تاريخ هذه المدينة أيضًا عظمة العطاء الإنساني الذي قدمه الأشوريون إبان كانت إمبراطوريتهم في أوجها، والذي جعلها محطّ أنظار وإلتقاء الكثير من الإثنيّات التي قَدِمت واستقرّت في ربوعها. واليوم تُعتَبَر هذه المدينة من المُدُن الرّئيسة التي احتضنت وبقوةٍ جميع الأقوام العراقية لتعطي أصدق صورةٍ عن عراق اليوم. وفي التّاريخ الحديث أيضًا، وخاصّة بعد اكتشاف حقول النّفط، نرى أن الأشوريين قد سجّلوا عطاءً متميّزًا بقدرتهم في تسيير أعمال شركة النفط فيها واستمرارية تدفّق النّفط العراقي. وحتّى بعد خروج الإنكليز ظلّ الأشوريون يُسيّرون شركة النفط لأن إكتشاف النّفط في هذه المدينة هو الذي جعل منها مهمة لهذه الدّرجة.

عند اكتشاف منابع النّفط، بدأ الإنكليز يبحثون عن الأيدي العاملة، وقد شجّعوا الأيدي العاملة المحلّية، ولم يقتصر قبولهم على الأشوريين فقط بل حاول الإنكليز الإستفادة من الجميع. ولكن جدّية الأشوريين وإخلاصهم في العمل وامتيازاتهم الخاصّة كسرعة تعلّم اللّغة الإنكليزية والعربية والكردية والتّركية بالإضافة إلى لغتهم، جُعِلَت لهم الأسبقية في هذه الحقول. وقد اعتمدت عليهم أيضًا الدّولة العراقية بعد خروج الإنكليز وبعد تأميم النّفط في استمرار هذا العمل.

تقوم مدينة كركوك القديمة (القلعة) فوق مستوطنٍ أثريٍ قديمٍ وُرِدَ اسمه في الألواح المُستخرجة منه وعددها 51 لوحًا، يعود تاريخها إلى منتصف القرن الثاني عشر قبل الميلاد، وقد تمّ العثورعليها في سفح القلعة صُدفةً عام 1923. وتقول المصادر إنّ البابليين سمّوها “أرابخا” وسمّى الآشوريون المُستوطن القريب منها “أرافا” والتّي حُرِّفَت في التاريخ القريب إلى “عرفه”.

كلمة “كركوك”، عاصمة تركمان آلي أو تركمانستان العراق. لم تكن لها أيّ مضمون في اللّغات التّركمانية، العربية، الفارسية أو الكرديةْ. أقرب الكلمات إلى كلمة كركوك هي كركلوك وكوركلوك في اللّغة التّركمانية. كركلوك تعني ألحجل وكوركلوك تعني الجمال. كوركلوك تعني أيضًا المكان القيّم والجدير بالرّؤيا. وبذلك يُمكن أن تكون كلمة “كركوك” قد نشأت من التّغيّرات التي حصلت في هذه الكلمات.

تُعتبر مدينة كركوك من المُدُن المهمّة والحيوية في العراق تبعًا لعوامل متعددةٍ، لعلّ من أهمّها الثروة الطبيعية التي تكمن في باطنها من البترول والغاز الطبيعي وخصوبة أراضيها الزّراعية، وكذلك لِقِدَم تاريخ المدينة التي تدل عليها شواهد الآثار وما تناقلته الكُتب عن تاريخها من بين المدن العراقية؛ هذا بالإضافة إلى موقعها الجغرافي والتّجاري المتميّز، فضلاً عن مميزات التّسامح والتعايش والوئام بين الأديان والمذاهب المختلفة والأعراق من التــركمـان والعرب والأكراد والآشورييّن والأرمن.