كتاب " مبادىء الاقتصاد " لالفرد مارشال

كتاب ” مبادىء الاقتصاد ” لالفرد مارشال

هل أصبح ذا قيمة تاريخية فحسب ؟

رفيق جويجاتي

السكرتير العام للهيئة العامة للبترول في الاقليم السوري

نشر المقال في حزيران / يونيو 1961 ن الرائد العربي ، العدد الثامن

1- لسبعين سنة مضت ، ظهر الى الوجود كتاب ” مباديء الاقتصاد ” ، هذا المؤلف الاقتصادي العظيم الذي انفق في تأليفه الفرد مارشال عقدين من سني ربيع حياته . ومن الطريف الجدير بالتأمل أن يظل هذا الكتاب حتى اليوم المرجع الأول لطلاب الاقتصاد ، يطالعون كثيراً غيره من شتى المؤلفات من دون ان يتمكنوا من الاستعاضة عنه بأي منها . فما هي الصفات النادرة التي كتبت لهذا السفر القيم مثل هذه الحياة المتجددة ، بالرغم من أفول العصر الذي وضع فيه ، وانقلاب الاوضاع الاقتصادية التي كانت سائدة يوم ظهوره ، انقلاباً شاملاً ؟ .
لعل الجواب كامن في حقيقة اولية هي ان مارشال عني جل العناية باستصناع وسائل التحليل الاقتصادي التي تصلح لمعالجة المشاكل الاقتصادية متى وايان وجدت . لهذا رأينا مارشال ينظر الى الحياة الاقتصادية من زاوية التوازن الجزئي ، ولا يؤمن كثيراً بالفرضيات المستندة الى اوضاع اقتصادية جامدة لا تتحرك ولا تتبدل .

وإذ ينظر مارشال الى العالم على انه مليء بالحركة ، مليء بالتقلبات ، فانه يتخير ادوات البحث التي تمكنه من توضيح تفاعلات القوى الاقتصادية في خضم هذا العالم المتموج الزاخر ، فاذا حلل القيمة حللها زمنياُ ، أي رسم تطوراتها وتموجاتها ، واذا بحث في الشركة ، بحث في شركة نموذجية تجمع عناصرها من الواقع الحي ، فكأنه بذلك ” مؤرخ للاقتصاد ” يسجل حركات تطوره من دون الاندفاع وراء التسلسل المنطقي في النظريات خشية ان يبتعد عن الواقع . وهو مدفوع من بعد الى التعلق بالجوهر من دون التفاصيل ، فيخصص الهوامش والحواشي لايراد التفاصيل كشواهد مقيدة بزمنها فحسب . وبهذا يدع القواعد الرئيسة قابلة للتطور ، وهوما تحتاج اليه النظرية الاقتصادية لتكون حقاً مرتبطة بالوقائع ، مرتبطة بالانسان .

فانت تراه على هذا النحو وقد أوجز في صفحة واحدة خير ما تحصل من نظرية الدورة الاقتصادية ، سواء فيما تحمله في طياتها من تموجات تدعو الى التفاؤل طوراً وللتشاؤم طوراً آخر ، أم فيما تتكشف عنه من نقصان في الطلب الفعلي للمنتجات تارة ، وتوسع يتبعه ازدياد في معدلات النمو تارة أخرى .

لهذا كنا نرى تعلق طلاب الاقتصاد بهذا المؤلف حتى بعد تخرجهم من الدراسات الجامعية ليمارسوا الاعمال، لأن القواعد التي يطرحها تساير ما يألفون في الميادين العلمية .

على ان المؤلف ليس على جانب من السهولة . فكثيراً ما تستمتع بعباراته البسيطة ، واذ بك تفاجأ بضرورة الوقوف ملياً عند مغزى الفقرات ككل . فمن عادة الفرد مارشال ان يحمل طلابه على ان يشهدوا عرضاً للاحكام المتتالية ، ثم من بعد يضعهم وجهاً لوجه امام المشاكل ، ليجدوا لها الحل بأنفسهم باستخدام ادوات البحث . ولربما كانت هذه الحقيقة معللة للاخطاء التي كثيراً ما وقع فيها العلماء الاقتصاديون عندما كانوا يحاولون تأويل احكام مارشال ومناقشة آرائه على طريقة “كينز” . فعالم مارشال الاقتصادي غير عالم كينز . فعالم كينز عالم بسيط ينقص فيه الطلب الفعلي فتتفشى البطالة وتتعطل الآلات وتتكدس البضائع ويفضل الناس الاموال السائلة المتداولة ويعرضون عن الاستثمار . اما عالم مارشال فعالم متشابك لا يتوقف عن الحركة ، سكانه في تناقص او في ازدياد ، رؤوس امواله في نمو او في تقلص ، أذواقه في تغير مطرد ، فنونه التصنيعية في تطور ، تتوسع فيه بعض الصناعات ويتقلص بعضها الآخر ، تجتاحه بطالة موسمية حيناً وبطالة ناتجة عن تغير الاذواق وتبدلها حيناً آخر ، فيتغير الطلب من ناحية ، وتتقدم الفنون وتستجد المخترعات من ناحية أخرى .

في عالم مارشال ، يتحول حجم الادخار على يد السوق المالية والمؤسسات المصرفية الى استثمارات . وحين يبلغ استخدام الطاقات المنتجة حداً مرتفعاً يقترب معدل الفائدة في السوق من المعدل الطبيعي . واذا زاد الطلب على المنتجات ، استخدمت الصناعة احتياطياً من الطاقات الانتاجية لتلبية هذه الزيادة . واذا استقرت الاسعار نسبياً ازداد مردود المشاريع الخاصة . واتساع الدخل القومي يتوقف في الحقيقة على توفر عناصر الانتاج وكفاية هذه العناصر . فاين هذا من عالم ” كينز ” الذي يقاس فيه الدخل القومي الفعلي بمدى استخدام مجموعة معينة من عناصر الانتاج . ويقاس فيه حجم الادخار استناداً الى قياس حجم الاستثمارات . ويقاس معدل الفائدة بمقدار تفضيل المال السائل المتداول .

ليس المقصود من هذه المقارنة التأكيد ان عالم مارشال يصل اخيراً الى التوازن . ففرضياته يقوم أكثرها على افتقاد التوازن . انما تجدر الاشارة الى ان مارشال ينحو في تحليله منحى ربط القوى الاقتصادية التي تتضافر فيما بينها للوصول الى نوع من التوازن حيث تتقلص فيه تغيرات الاسعار ويزداد العلم باحوال السوق وتشتد الهمة للتوسع ، فكأن الاتجاه نحو التوازن يعمل عمل قاعدة القانون في الغاب كي توجد نوعاً من النظام وسط الفوضى .

2 – عندما ظهرت مؤلفات روبنسون وتشمبرلن عن المزاحمة غير الكاملة ، ظن الكثيرون ان نجم مارشال آخذ بالأفول ، لأن مارشال اعتمد في تحليله على اساس من المزاحمة الكاملة . غيران بحاثة الاقتصاد كثيراً ما اكتشفوا في الحواشي والملحقات الرقمية الرياضية التي تبعت كتاب ” مباديء الاقتصاد ” الاشارة تلو الاشارة الى ان المزاحمة الكاملة حالة مثالية مقياسية ، شأنها في ذلك شأن الاحتكار الكامل ، وان الواقع الاقتصادي يتأرجح بين هاتين النهايتين المتناقضتين ، من دون ان يصل احداهما بالآخر، حتى ولو وصلا فعلاً ، تصبح الحالة الاقتصادية وقد استقرت في نقطة التوقف والجمود . وهذا ما ينفيه مارشال من الاساس ، بل لاحظ ان روبنسون وتشمبرلن أمعنا في التجريد في بحثهما عن المزاحمة الكاملة فاتخذا الشركة الخاصة اساساً للبحث واسهبا في تفصيل تركيبها ، بينما كان مارشال ينظر الى الجوهر اولاً ، فيعني بدراسة القوى الاقتصادية التي تسهم في نمو صناعة هذه الشركة او تعمل على تقليصها ، وبالتالي استكشاف العلاقة التي تتكون بين قيمة منتجاتها وبين قيمة العناصر الانتاجية المحيطة بها .

فما كان للقيمة في نظر مارشال ان تكون اسماً آخر لتكاليف الانتاج فقط . فالعلاقة بين الكلفة والقيمة ليست علاقة مباشرة . اذن ، نحن امام شيئين لا شيء واحد . فالتكاليف تؤثر على مقدار العرض ، ومن جهة أخرى ، يتعلق العرض بالطلب . عندها تؤثر بالكلفة . وتتفاعل هذه العناصر مكأنها في المدى البعيد وتريد ان تصل الى القيمة الطبيعية عندما يصبح سعر الطلب هو سعر العرض .

من ثم ، يدخل مارشال عناصر جديدة على نظرية القيمة ، فيحلل الزمن ويبحث عن قيمة سائدة في السوق ، وقيمة تتحقق في مدى قصير ، وقيمة تتبلور في مدى طويل . فالسوق مكيف بمخزون معين من البضائع ، هو حصيلة انتاج سابق . والمدى القصير مكيف بسيل من الانتاج هو في الحقيقة ثمرة مخزون معين من الآلات المنتجة ، بينما المدى البعيد يكيفه سيل من الانتاج ناتج عن مجموعة من العناصر الضرورية للانتاج. ففي السوق مخزون محدد . وفي المدى القصير رأس مال ومهارة لا يتسنى لهما التبدل تبديلاً محسوساً . وفي المدى البعيد يبلغ الانتاج مستوى يؤثر على عرض عناصر الانتاج . وهكذا يتبين ان تصنيف هذه المدد هو في الواقع تصنيف للعمليات التي تجري خلالها ، وهي عمليات تختلف من صناعة الى أخرى ، لهذا كانت القيمة متحولة متموجة .

في السوق كمية من الانتاج انفقت تكاليفها فعلاً . فالطلب عليها هو الذي يحدد سعرها ، ولو ان هذا السعر يحوم حول كلفة الانتاج . فما لم تحدث تبدلات مفاجئة في الطلب ، فانه لا يتوقع حدوث تباعد كبير بين السعر والكلفة . وحتى لو أصاب الكساد لنتاج صناعة من الصناعات ، فان الاسعار لن تنخفض انخفاضاً مريعاً لأن الخشية من انهيار السوق تدفع المنتجين الى عدم المخاطرة ارتقاباً لفرصة أكثر ملاءمة .

3 – نورد هذا التصنيف المارشالي لننفذ منه الى الفكرة الموجهة لتحليل مارشال . فهو يعتبر ان السوق وان المدى القصير والمدى البعيد ، كلها يعمل معاً في آن واحد . فهذه صناعة ترى انه من الافضل لها ان تستبدل احد اجهزتها المنتجة بجهاز جديد ، فقرارها هذا يمت الى قوى المدى البعيد . غير ان المشرفين على هذه الصناعة قد يختارون تبديل جزء اساسي من الجهاز من دون تبديل الجهاز كله ، نظراً لضعف السوق . فمثل هذا القرار يمت الى المدى القصير . على ان توظيف المال في استثمار مأمول الربح ، كتوسيع الاجهزة المنتجة ، لن يؤثر فوراً على السوق بسبب الفاصل الزمني الذي يقع بين تأسيس المصنع وبين طرح انتاجه في السوق . اذن ، فعناصر رأس المال والتجهيزات المنتجة لا يعتريها تبدل محسوس فوري . فهي تمت بعلاقتها الى المدى القصير .

وهكذا تتأرجح القيمة مع الزمن وتتفاعل مع الدوافع الانسانية .

وبعد ، فانه يبدو للمتتبع لتطورات البحث العلمي في مادة الاقتصاد ، انه لا شيء فيه ينفي ما جاء به مارشال. لذلك يبقى كتاب ” مباديء الاقتصاد ” زاداً خصباً لطلاب الاقتصاد ، يمدهم بوسائل تنظيم البحث . ولعمري ان وسايل البحث اسلحة يستعان بها في مواجهة معضلات التنظيم والتوسع . وهي بهذا تحتفظ بقيمة ثمينة على مر العصور وتقلب المذاهب والافكار .