قضايانا في الامم المتحدة

اقرأ معي :

قضايانا في الامم المتحدة

تأليف : خيري حماد،  مراجعة وعرض : عبد الوهاب كيالي

نشر المقال في آب / اغسطس 1962 ، العدد الثاني والعشرون ، الرائد العربي

كتاب الاستاذ خيري حماد هو حصيلة رحلة قام بها الى الامم المتحدة بقصد مراقبة الاحداث الجارية والنظرفيها عن كثب ومرافقة والادوار التي تؤدى على مسرح هذه المنظمة العالمية ، وذلك لاطلاع القاريء العربي على حقيقة ما يدور هناك وما يهمس في الممرات وما يحاك من مؤامرات وراء الكواليس . وهو يهتم ، أكثر ما يهتم، بعرض القضايا العربية وملابساتها في الامم المتحدة ، باحثاً مستقصياً ومفصلاً ، مدققاً مستوعباً ، ملاحظاً وشارحاً ، ناقداً ومقيماً ، مبشراً ومحذراً . وهو في سبيله هذا ، رائد الاخلاص للقضية العربية ، محاولاً الاسهام في خدمتها . وهو في عرضه للقضايا ، يبين أهمية عرضها على المجتمع الدولي وحدود فائدتها ، لا يسرف في التشاؤم ولا يغرق في التفاؤل ، يستلهم الواقع في تقديره لما هو كائن ، مسترشداً الواجب والحق في ما يجب ان يكون . ويقع الكتاب في خمسمئة وعشرين صفحة ، أقسامه ستة ، مقسمة الى خمسة وعشرين فصلاً .

اول ما يطالعنا به المؤلف هو عرض لمحة موجزة عن المنظمة الدولية وكيفية تكوين اجهزتها المختلفة : الجمعية العمومية ، مجلس الامن ، المجلس الاقتصادي الاجتماعي ، مجلس الوصاية ، محكمة العدل الدولية ، الامانة العامة  والمجالس المتفرعة عنها ووكالاتها وميثاقها واهدافها وتطوراتها ، مؤدياً بذلك خدمة جليلة للقاريء العربي في تعريفه الى هذه المؤسسة الدولية ، الأمر الذي يساعد القاريء على فهم الاحداث من خلال هذا الاطار . واغراقاً منه في وضع القارئ في جو الامم المتحدة ، يصف الكاتب الحياة اليومية ، في وصف يشهد له بدقة تصويره كل من زار هذه المؤسسة . ثم ينتقل بعد ذلك الى وصف الوفود العربية وفرسان الخطابة وامراء البيان مثبتاً قوة حجتهم وبراعتهم في ايراد الادلة . كما يتعرض لوفد اسرائيل فيصفه بانه شعلة نشاط وحيوية ، بارع في التمويه واظهار الباطل بمظهر الحق والعدل . كما يعدد اسماء المشتركين من الوفود العربية خلال الدورة السادسة عشرة ، وهي محور الحديث ، ويذكر اشتراك وفد عن فلسطين وعمان لاول مرة .

وحرصاً على تكامل الصورة ووضوحها ، يتعرض الكاتب الى الكتل الدولية في الامم المتحدة ، موضحاً أهمية صراعها كعامل اساس في قرارات هذه المنظمة . وغني عن البيان ان مثل هذه التكتلات لها أثرها في الموقف الذي اتخذته وستتخذه في المستقبل من القضايا العربية عامة . ومن شأن هذه الصورة اعطاء فكرة عن الاحتمالات في المستقبل والحكم على نتائجها من خلال عدسة هذه التكتلات وهذا الصراع .ويقسم المؤلف الكتل الى كتلة غربية واخرى شرقية وثالثة حيادية . وهنا يميز بين عدم الانحياز والحياد وان لم يوفق ، في رأي ، الى تجسيد هذا الفرق والفارق واقعياً . ويعود ليفصل أكثر ، فيقسم الكتلة الغربية الى كتلة الاطلسي وكتلة الكومنولث وكتلة البنلوكس وكتلة اميركا اللاتينية والحلف المركزي وكتلة برازافيل . وفي هذا المجال ، يصف الكاتب التطور الذي طرأ من جراء استقلال الشعوب وما كان له من أثر على توازن القوى وسياسة الامم المتحدة .

يستعرض المؤلف في القسم الثاني من الكتاب القضايا العربية التي عرضت على الامم المتحدة منذ نشأتها حتى دورتها السادسة عشرة . ويؤكد الكاتب ان هذه القضايا هي مشاكل سببها وخلقها الاستعمار ، بعضها صريح واضح ، وبعضها خفي ” مبطن ” يتخذ صورة المعاهدات ومناطق النفوذ والقواعد والامتيازات والاستغلال الاقتصادي والحماية وما شابهها من صور لا تخرج في حقيقتها عن مفاهيم الاستعمار . ويقسم القضايا العربية الى ثلاث فئات ، تتعلق الفئة الاولى بقضايا الشرق الاوسط وهي :

1 – قضية سوريا ولبنان 1946 ؛

2 – قضية الجلاء عن مصر 1947 ؛

3 – تأميم قناة السويس ؛

4 – العدوان الثلاثي ؛

5 – قوة الطواريء الدولية ؛

6 – عملية تطهير قناة السويس ؛

7 – شكوى سوريا 1957 ؛

8 – شكويان من لبنان والاردن 1958 .

والفئة الثانية هي قضايا الدول العربية في افريقيا :

1 – قضية ليبيا ؛

2 – قضية المغرب ؛

3 – القضية التونسية ؛

4 – شكويان متبادلتان بين تونس وفرنسا بخصوص ساقية سيدي يوسف ؛

5 – مشكلة الحدود بين مصر والسودان .

اما الفئة الثالثة فهي تتعلق بقضايا محكمة العدل الدولية :

1 – القضية الفرنسية المصرية حول املاك الرعايا الفرنسيين 1946 ؛

2 – قضية الرعايا الاميركيين في المغرب ؛

3 – قضية شركة كهرباء لبنان ؛

4 – التعويض على دم الكونت برنادوت ( دفعت اسرائيل 54 الف دولار ) .

يخصص المؤلف نصف كتابه تقريباً للقضية الفلسطينية ، قضية العرب الكبرى ، وذلك لما تتضمنه هذه القضية من أهمية وتعقيد على الصعيد الدولي . ولعل ابدع ما في هذا العرض ،هو طرح القضية الفلسطينية طرحاً سليماً ونظرته الى الامم المتحدة نظرة صحيحة يناقشها بحجمها الطبيعي ، محذراً من التفاؤل والاسترخاء حيث يقول: ” وكل ما ادريه ، وكل ما أعرفه ، واريد من كل عربي ان يعرفه ، ان لا يجري وراء الاوهام في كل عام ، وان لا يتعلق بحبال الخيال في كل دورة من دورات الامم المتحدة ، عندما يسمع اصوات المندوبين العرب تبح. فقد انطوت هذه القضية منذ امد طويل ، كقضية لها وجود وكيان . اما تلك التي تثار في كل عام ، والتي تتناقل الصحف انباءها ، فليست الا قضية اللاجئين الفلسطينيين ، التي هي فرع من اصل وجزء من كل  ولا تثار الا عرضاً عند مناقشة التقرير السنوي الذي يتقدم به المدير العام لوكالة الاغاثة الدولية”. ومن خلال هذه المأساة في طرح القضية ، يعود الكاتب فيعطينا لمحة عامة عن تاريخ القضية . ولهذه اللمحة فائدة علمية ، وان أغفل الكاتب العديد من الاسباب التي دفعت الاستعمار الى اقامة اسرائيل في المنطقة . ويتعرض في هذا المجال الى دور الشخصيات الغربية في تنفيذ هذه الفكرة ويكشف النقاب عن دور جيمس مالكوم ، الذي أغفل حاييم وايزمن اسمه في كتابه ” التجربة والخطأ ” . ويؤكد المؤلف على طبيعة اسرائيل الاستعمارية بربطها بالاستعمار ربطاً وثيقاً وعضوياً . ويستعرض بعد ذلك سير القضية في مختلف الدورات ومواقف الدول بالنسبة للتقسيم والمؤتمرات التي رافقت هذا القرار وحيثياته . وبعد ان يستعرض قضايا الهدنة ونهر الاردن وبحيرة طبريا والمجازر العديدة ، يقدر ان مجلس الامن لم يقم مرة واحدة باتخاذ اجراء صارم يوقف اسرائيل عند حدها ويمنعها من مواصلة العدوان . وهنا تتجلى واقعية الكاتب وتفهمه للموقف حين يقول ان الطريقة الوحيدة ، ولا شيء غيرها ، لوقف هذه الاعتداءات ، هي ان يكون العرب اقوياء ، يستطيعون ان يكيلوا الصاع صاعين . وفي الفصل الثامن ، يستعرض وقائع الدورة الاخيرة بالنسبة للقضية الفلسطينية . فهي وان لم تخرج عن المألوف في كل عام ، الا ان المناقشات تميزت باتجاهات جديدة ، ألا وهي محاولة تصفية قضية اللاجئين تصفية نهائية تؤدي بدورها الى طمس آخر ما تبقى من معالم القضية واسدال الستار على الفصل الاخير من المسرحية الفلسطينية .

يؤكد الكاتب بوعي على اهمية الارادة الشعبية واثرها على المواقف العربية وعلى انها الضمانة الوحيد لاحياء القضية والمواقف السليمة . ويتعرض الى ناحية اخرى هي تشكيل الوفد الفلسطيني الذي تألف من الهيئة العليا ووفد من قطاع غزة ، بالاضافة الى الدكتور عزت طنوس . ويأخذ الكاتب ، وهو محق في ذلك ، على الوفد طريقة تشكيله وعلى صفته التمثيلية ، ويصنح بازالة الحزازات الشخصية والحزبية التي لا بد وان تزول لو كان الوفد يمثل حركة نضالية صحيحة تنبعث من كفاح وطني واقعي .

يتعرض المؤلف في الفصل التاسع الى تقرير الدكتور ديفيز ، مدير الاغاثة ، والى تقرير المستر جونسون ، مبعوث لجنة التوفيق الدولية للشرق الاوسط . وهنا نصل الى موضوع خطير يتعلق بالجهود المشبوهة التي قام بها الدكتور جونسون . يقول الكاتب : ” اما السبب في حرص اميركا على بقاء اللجنة ، فهو ادراكها بانها قد تكون ذات فائدة لها في تصفية مشكلة اللاجئين ” . كما يثبت الكاتب التحريات التي قامت بها بعض الوفود حول شخصية الدكتور جونسون ، وثبت ان الرجل معروف بميوله المشايعة للصهيونية وان له عدداً من الاصدقاء من كبار الصهيونيين . وقد اعتبر المندوبون العرب ان اقوال جونسون في تقريره في الدورة السادسة عشرة ، خالية من كل انصاف للعرب . ومع ذلك فقد تمتع الدكتور جونسون بضيافة الحكومات العربية ، الأمر الذي لا يحظى به اصدقاء العرب ، ولا يجدر به حتماً من اراد تصفية القضية على اشلاء اصحابها .

يمتدح المؤلف الموقف العربي من قضية فلسطين لولا بعض الهنات الهينات كالتركيز على الفصاحة والبيان عوضاً عن العمل الجدي والمجدي ، بعيداً عن ميدان الخطابة ، والتقاعد عن اقامة علاقات طيبة مع بقية الوفود. وقد اورد مقاطع عديدة من خطب الوفود حول القضية ، الامر الذي يلقي ضوءاً على كيفية طرح قضيتنا امام الاجانب .

إن نظرة الكاتب الكلية للموضوع تتجلى ، كما رأينا ، في طرح القضية الفلسطينية طرحاً كلياً وجدياً ، وتتجلى ايضاً في ربط اسرائيل بعجلة الاستعمار . فهو يقول : ” ان الاستعمار، ومن يؤيده ، لو تخلوا عن تأييد اسرائيل ودعمها مادياً ومعنوياً لحظة واحدة ، حتى وبالرغم من انقضاء اربعة عشر عاماً على قيامها ، لانتى أمرها ” . ومع ذلك ، فالكاتب لا يستهين من قوة العدو ولا يقلل من قيمة نشاطه ، بل يتخذ من ذلك حافزاً لنشاط معاكس من طرفنا . وتبلغ الصراحة والوضوح موضعاً عظيماً من الكتاب عندما يتحدث الكاتب عن موقف الولايات المتحدة على انها العامل الحقيقي وراء وجود اسرائيل وبقائها واستمرار مشكلة فلسطين على ما هي عليه. وهذا هو سبب تمسك الولايات المتحدة بلجنة التوفيق . والاستاذ خيري لا يتوقع ان تتحرر اميركا من النفوذ الصهيوني في وقت قريب . ويثبت المؤلف ، استناداً الى الارقام والتاريخ ، ان مساعدات الولاية المتحدة لاسرائيل هي العامل الرئيس في بقاء اسرائيل .

يتضح من سير المناقشات في الدورة الاخيرة حول قضية فلسطين ، ان الحل الجذري لهذه القضية لا يمكن ان يأتي عن طريق الدبلوماسية الدولية ، وإن كان من المهم جداً ان نطلع العالم على عدالة قضيتنا وكسب الاصدقاء، وذلك تمهيداً لتحرير فلسطين وأثره على الرأي العام العالمي . ويظهر لنا ، من خلال التصويت على جوانب القضية الفلسطينية في الامم المتحد، هوية اصدقاء هذه القضية واعدائها ، ووجوب انصباب اهتمامنا وتركيزنا على الدول الممتنعة والمحايدة . ويتبين بالنتيجة ان العرب نجحوا ننجاحاً سلبياً في احباط المشروع  الاسرائيلي القاضي بفتح مفاوضات بين العرب واسرائيل ، وفشلوا فشلاً ايجابياً في انجاح تعديلهم الذي يقضي بانشاء جهاز للاشراف على املاك اللاجئين العرب . وفي ختام هذا القسم المتعلق بفلسطين ، يضع الاستاذ خيري حماد الدول العربية امام واجبها تجاه الشعب الفلسطيني ، وواجبات هذا الشعب تجاه قضيته العادلة ، ملمحاً الى ضرورة اخذ المبادرة في هذه المرحلة الحاسمة .

خصص الاستاذ خيري القسم الرابع من كتابه للقضية الجزائرية ، واسطورة البطولة وملحمة التضحية والفداء التي سطرها في تاريخ العرب الحديث . ولكي يفي المؤلف الموضوع حقه ، يستعرض تاريخ الجزائر ، لا سيما ثوراتها على الاستعمار الفرنسي منذ سنة 1830 . كما يعرض تطورات القضية في الامم المتحدة ويظهر الدور الاستعماري الذي لعبته الولايات المتحدة ضد الثورة الجزائرية ، كما يظهر بوضوح ان النجاح الذي اصابته القضية الجزائرية في الامم المتحدة مؤخراً ، لم يكن الا انعكاساً للانتصارات العظيمة التي حققتها الثورة على ارض الجزائر . كما يشيد المؤلف بالوفد الجزائري لما قدمه من عرض واضح لقضيته والاتصالات التي اجراها مع الوفود ، داعياً الوفد الفلسطيني للتمثل بهولاء المناضلين الصامتين .

آخر القضايا التي يتعرض لها الكاتب كانت قضية شعب عمان المكافح وضرورة التنبه الى هذه القضية التي تشكل جزءاً من نضال العرب ضد الاستعمار . ويفند الاستاذ خيري الحجة البريطانية القائلة بتبعية عمان لسلطان مسقط ، صنيعة الاستعمار البريطاني ، تفنيداً تستند الى القانون الدولي والمعاهدات الدولية . وفي الفصل الاخير من الكتاب ، يسجل المؤلف آراءه واستنتاجاته والحقائق التي تتحكم بموقف الدول داخل المؤسسة الدولية واهمية الدور الذي تلعبه المصلحة او المنفعة الذاتية لهذه الدول من مواقفها هذه . ويستنتج ان قضايانا في الامم المتحدة تسير من حسن الى أحسن ، ويمكن ان نتوقع النجاح لأنها قضايا عادلة اولاً ، ولأنها تتفق ونصوص الميثاق وشرعة حقوق الانسان ثانياً ، بالاضافة الى كونها جزءاً من النضال التحرري العام الذي يسود العالم باسره ، الطامح بالتحرر من التبعية والاستعمار والاستغلال ثالثاً . الا ان تحقيق هذا النجاح يتطلب السعي الدائم والبراعة الفائقة والعمل الجدي .

نأخذ على كتاب الاستاذ خيري حماد مأخذين : الاول هو عدم التعمق في امكانية الامم المتحدة في تحقيق اهدافها وشرائعها وتقدير فشلها في معالجة معظم القضايا العربية وفي فرض قرارات ملزمة على الاطراف ؛ والثاني ، وهو أقل شأناً ، يتمثل في التردد والتحفظ في انتقاد بعض السياسات العربية التي تلحق بعض الضرر بقضايانا على كل الصعد . الا انه ، رغم هذين المأخذين ، يبقى الكتاب سفراً علمياً مفيداً في اطلاع القارئ العربي على خفايا قضايانا ، ودافعاً لنا للتنبه الى وجوب العمل الجدي والسعي الفعال لاخذ زمام المبادرة للتقليل من مشاكلنا الداخلية والسعي الدائب لمواجهة اعدائتا الكثر في الخارج . كتاب ” قضايانا في الامم المتحدة ” كتاب مهم جداً ، على القاريء العربي المثقف قراءته .