قصور الصحراء من عهد الامويين

قصور الصحراء من عهد الامويين

سامي عبود

نشر المقال في نيسان / ابريل 1962 ، العدد الثامن عشر ، الرائد العربي

            قصور خلت من ساكنيها ما بها        سوى الادم تمشي حول واقفة الدمى

            تجيب بها الهام الصدى ولطالما        أجاب    القيان     الطائر   المترنما

            كأن لم يكن فيها انيس ولا التقى        بها   الوفد جمعاً  والخميس عرمرما

                                                                        الشاعر محمد كرد علي

قصور خالية وخاوية في قلب الصحراء الشاسعة ، يصفر الهواء بين أطلالها وكأنه صدى لرنة شعر حزين لماض حافل عظيم .. آثار عربية فاخرة هجرها أهلها ونسيها الزمان ، بقيت الى يومنا هذا ذكرى لعهد زاهر من تاريخ العرب . انه انتاج هندسي رائع ، تزيد أمكنته النائية من روعة اتقان بنائه وجمال فنونه ودقة تفاصيله. قصور متعددة منتشرة في قلب الصحراء من قرب مجرى نهر الفرات شمالاً ( قصر الحير الشرقي ) حتى حدود شبه جزيرة العرب جنوباً .

لكل من هذه القصور طابعها الهندسي الخاص ، ولكل منها قصة . تختلف بالحجم والزخرة وطريقة البناء ، وتتشابه كلها بطريقة تصميمها الموروث من مضرب الخيام حول فناء واسع ، حيث يجتمع الخليفة بانجاله وحاشيته وشعرائه وندمائه وموسيقييه . فاذا بالقصور نموذج متطور لمضرب الخيام ، أكثرها مربع الشكل ، ترتفع على جوانبها ابراج مستديرة ، لكل منها مدخل واحد مسقوف واسع حيث يجلس الحراس . ويؤدي هذا المدخل الى ساحة مكشوفة تختلف فسحتها من قصر لآخر وتحيط بها الغرف والقاعات من جهاتها الاربع . لها مسجدها الخاص ومحراب ومئذنة ، وفيها حمامات بالغ بانوها بالاعتناء بزخرفتها وجمال اتقانها ، وزادت الصحراء من روعة تلك الحمامات ومن ولع العرب بالنظافة .

تتطلب زيارة القصور مجهوداً شاقاً لبعدها ولصعوبة الوصول اليها . فقصر الحير الشرقي مثلاً ، يبعد عن آثار مدينة تدمر مسافة 115 كيلومتراً . وهو يقع الى الشمال الشرقي من تدمر ، فوق دروب صحراوية وعرة تبعناها فاذا بنا فجأة امام مدينة تدمر . فقد تهنا وضللنا الطريق ، وأضعنا نصف نهار . لذلك تستحسن الاستعانة بادلاء قادرين يقودون الزائر داخل الصحراء ، وكأنها بالنسبة اليهم طريق مرقمة مخططة .

يتألف قصر الحير الشرقي من مبنيين مربعين ، يدعوهما أهل البادية ” بالقلعة ” . تفصل بينهما فسحة صغيرة فيها برج عال ، يقول بعض المؤرخين انه كان يستخدم للمراقبة ، بينما يقول البعض الآخر انه كان مئذنة . أما هيكل البناء فهائل الحجم ، يخاله المسافر عن بعد لأول وهلة  أنه صغير الحجم . يكبر بناء القصر الغربي اربعة اضعاف حجم البناء الشرقي . ويقال ان البناء الغربي بني بعد البناء الشرقي وعلى شاكلته . ولكل من المبنيين ابراج مدورة ومدخل واحد . وقد نقلت دائرة الآثار السورية واجهة احدهما وعرضته في متحف دمشق . ولقصر الحير جامع بناه الخليفة هشام سنة 728 – 729 . ويقدر المؤرخون ان تاريخ بناء القلعة الصغيرة يعود الى القرن السادس .

ومع ان الخلفاء الأولين شجعوا البدو على السكن في المدن ، إلا انهم أنفسهم كان يفضلون حياة البادية على حياة المدينة ، ولطالما ظهر حنينهم لموطنهم بأبيات شعرية رقيقة عذبة . وكانت الصحراء ، بقساوة طبيعتها ومناخها وصعوبة العيش فيها ، تساعد في تقوية شخصية ساكنيها . لذلك نرى معاوية ، اول خلفاء الامويين ، يرسل ابنه البكر للعيش في هذا الجو الصحراوي ليقتبس قوة الصحراء وروحها .. فاذا بها بادرة تبعها جميع الخلفاء الامويين من بعده . وكان معاوية قد تزوج من ميسون ، ابنة حسان الكلبي ، وسمعها مرة تنشد :

                        لبيت تخفق الارواح فيه                  احب الي من قصر  منيف

                        ولبس عباءة وتقر عيني                 احب الي من لبس الشفوف

فأعادها الى صحرائها المحببة لعند ابنها يزيد . وأحب يزيد البادية ، فكان يقضي معظم ايامه في حوارين ، وهي اليوم قرية صغيرة تبعد حوالى 12 ميلاً عن قرية القريتين .

وكان عبد الله بن الزبير يخرج الى الصحراء في شهر آذار / مارس ويصل حتى حدود الاردن والمملكة العربية السعودية . لكنه تراخى في تربية ابنه وليد ، إذ قال : ” أضر بالوليد حبنا له ، فاننا لم نوجهه الى البادية، فأفسدة رطانة المدن لسانه ” . ولما خلف الوليد اباه ، أرسل ابنه الى البادية . وهكذا أصبحت الصحراء مدرسة طبيعية لتخريج الامراء والخلفاء . إلا ان هذه الدروس لم تمر كلها بسلام . فقد دون احد المؤرخين ان ابن الخلية هشام قتل هناك في حادث صيد .

كان الخلفاء أنفسهم يتركون المدن ويرحلون سنوياً الى الصحراء مع حاشيتهم ، فيضربون الخيام قرب المراعي او قرب طريق القوافل ، حيث كانت تتواجد صهاريج الماء ، وحيث كان الصيد وافراً . وقد اشتهر الخلفاء الامويون بفروسيتهم وصيدهم ، وكانوا على مر السنين يعودون دوماً الى اماكنهم المفضلة في البادية . وتدريجاً بنوا لأنفسهم قصوراً في مضارب خيامهم ، وكانت قصوراً فخمة جداً ، فيها اماكن للضيافة ومقاصير للحريم وحمامات جميلة ودور للحرس وابراج للمراقبة واصطبلات واسعة لخيولهم . وهكذا ظهرت قصور الصحراء ، مختلفة الهندسة المعمارية ، جميلة المنظر ، فيها كل وسائل الراحة والرفاهية المعروفة آنذاك . وأبرز ما يراه زائر متحف برلين هو واجهة قصر المشتى الذي أمر ببنائه الخليفة وليد الثاني .

المشتى قصر جميل ، واسع الجنبات ، يعود تاريخ بنائه الى القرن الثامن ، مربع الشكل ، يبلغ عرض كل جانب منه 144 متراً . وكان له سور عظيم فيه 23 برجاً . وكانت واجهة القصر ، على جانبي الباب العريض، منحوتة نحتاً فنياً جميلاً من ازهار وأوراق وعناقيد عنب ، حولها خطوط هندسية ، وقربها منحوتات لاسود وحيوانات برية اخرى . الا ان البناء الداخلي لم ينته ، اذ توقفت عملية البناء لاسباب مادية ، بينما أوقف بناء قصر هشام بسبب زلزال قوي .

يبعد قصر خُرانا نحو 40 ميلاً عن قصر المشتى وتختلف هندسة بنائه عنه ، فاذا به كالقلعة : طوله 36 متراً وعرضه 35 متراً ويرتفع الى علو الطبقتين . له شبابيك ضيقة مستطيلة الشكل ، فتحت خصيصاً لرمي السهام. وله ابراج على جوانبه الاربعة بشكل نصف دائرة ، وبرجان قرب الباب بشكل ربع دائرة . وفي داخله فسحة مكشوفة ، حولها على الجهات الاربع غرف ومقاصير وعنابر .

أما قصر العمرة فيبعد عن قصر خُرانا حوالى 50 ميلاً داخل الصحراء ، وهوغريب الهندسة بالنسبة للقصور الباقية . فزخرفته تختلف عن باقي الزخارف . فناؤه صغير يشبه الحمامات العامة أكثر من سواه من  القصور الفخمة . إلا ان هذه الهندسة المعمارية جميلة جداً ، لطيفة ، تضعه في مستوى أرقى من القصور الاخرى . له مدخل واحد مسقوف ، وليس فيه فسحة مكشوفة ، بل تتابع الغرف والدهاليز تحت سقف واحد عام . وفي صدر البناء غرفتان صغيرتان مظلمتان ، كانت تستعمل لاوقات القيلولة . وزينت أرض الغرفتين من الفسيفساء الدقيقة الصنع ، المتناسقة التقاطيع والنادرة الوجود ، مما دعا المؤرخين الى الاستنتاج ان قصر العمرة بني فقط للراحة والرفاهية … فاذا بكل شيء فيه يساعد في تأمين حياة مريحة في قلب الصحراء . على جدرانه وقببه رسوم ملونة نادرة تظهر احداها علامات الفلك وابراج السماء ، وتظهر اخرى فتيات يخرجن من الحمام . وعلى حائط أخر نرى كسرى انو شروان وقيصر وملك الحبشة والملك رودريك ( وقد كتب الفنان اسم كل منهم باللغتين العربية والفرنسية ! ) . وعلى حائط آخر صورة للخليفة جالساً على عرشه وحوله حاشيته . وفي منظر آخر تبدو فتيات يرقصن وحولهن الازهار والعازفين على الآت الطرب والموسيقى والحيوانات الاليفة .

حفر احدهم بخنجره على رسم قديم نادر ما يلي : تشرفت بزيارة هذا القصر في تاريخ …. من سنة …. انا الموقع اسمي ادناه …. ويتلو ذلك اسمه واسم والده وعائلته والقبيلة التي ينتمي اليها . وبذلك دون هذا الزائر زيارته فوق كنز نادر ثمين أعطبه وجعله بدون قيمة .

قصر هشام هو اشهر القصور الاموية وابعدها صيتاً بسبب قربه من مدينة اريحا . بناه الخليفة هشام بن عبد الملك في الجزء الاول من القرن الثامن . فيه اجمل الفسيساء واتقنها صنعاً . وبما ان عمليات التنقيب هنا تساعدنا في معرفة تاريخه اكثر من سائر القصور ، لذلك فان قصر هشام حري ببحث مستقل . ومن المعروف ان القصر لم ينته بناؤه بسبب حدوث زلزال هائل ، أكره أهله على هجره . وعرف مذاك مكانه باسم ” خربة المفجر ” .

ساعدت الثروات التي جمعها الامويون في بناء تلك القصور. واستعانوا بخيرة فناني عصرهم واقدر المهندسين، فعمروا الصحراء وتغلبوا على فقرها وجعلوها آهلة بقصور لهو ومتعة وفرح ومرح . ثم فجأة هجروها فأضحت أطلالاً جميلة في قلب صحراء شاسعة . إنها بقايا أطلال عربية جميلة ، بعيدة ، نائية ، قل ان وصل اليها من قبل الامويين آخرون ، وقل  من سمع بها بعد هجرها ، فزادت وحشة وألماً من مرارة النسيان !