2-عودة الى قضية نهر الاردن والتطورات الجديدة

 2-عودة الى قضية نهر الاردن والتطورات الجديدة

فكتور خوري

نشر المقال في نيسان / ابريل 1962 ، العدد الثامن عشر ، الرائد العربي

 

تقول الانباء الواردة من اسرائيل مؤخراً انها قد رصدت في موازنتها لعام 1962 – 1963 مبلغ واحد وستين مليون شيكل اسرائيلي ، أي ما يعادل حوالى سبعة ملايين وربع مليون جينه استرليني ، لتنفيذ المرحلة الاولى من مشروعها الرامي الى استغلال خمسمئة مليون متر مكعب من مياه نهر الاردن . ومن المنتظر ان يتم تنفيذ هذه المرحلة الجديدة في نهاية عام 1964 . وتقوم شركة فرنسية – اسرائيلية مشتركة للتعهدات ببناء محطة رئيسة للضخ على بحيرة طبريا يمكنها ان تضخ المياه الى ارتفاع 300 متر فوق سطح البحيرة الى خزان البطون في الجليل . وفي هذا الخزان الذي سيتكون خلف سد بني ، على الجهة الغربية من السهل ، تتجمع المياه ليرتفع مستواها حتى يصل الى مستواه المطلوب قريباً من قرية طرعان العربية . وستندفع المياه من هذا الخزان في سلسلة انفاق وقنوات وانابيب حتى النقب . وتهدف هذه المرحلة الى ضخ مئتي مليون متر مكعب من المياه سنوياً .

يقضي مشروع اسرائيل الاصلي بتحويل اولي قدره 200 مليون متر مكعب من المياه من نقطة تقع حوالى كيلومتر جنوبي جسر بنات يعقوب المعروفة بقصر العطرة على ارتفاع خمسة وسبعين متراً تقريباً عن سطح البحر الابيض المتوسط في قناة مكشوفة ذات شعبتين : شعبة طولها 16 كيلومتراً تصل قصر العطرة بالتل المشرف على قرية الطابفة، وشعبة ثانية تمر شمال غربي عرب السماقية الى نقطة تقع حوالى كيلومتر واحد شرقي الشونة ، فغرباً من الشيخ حسن وياقوق مجتازة وادي الرياضة حتى قرية عيلبون ، حيث تمر في نفق طوله 850 متراً الى خزان البطوف ، مارة بنفق القندلة وطوله 1200 متر . و من ثم تتجه المياه من خزان البطوف في نفق عبر جبال مناشية وطوله 6600 متر باتجاه النقب .

تبلغ طاقة القناة المفتوحة ونفق عيلبون 435 مليون متر مكعب من المياه سنوياً ، يستعمل قسم منها في توليد الطاقة الكهربائية المائية في محطة الطابفة التي تبلغ قدرتها حسب المخطط اربعين الف كيلواط / ساعة . وتغذي هذه الطاقة الشبكة العامة ، كما تضخ المياه من بحيرة طبريا للقناة الرئيسة عند الحاجة . وفيما يلي بعض المعلومات المتوفرة عن تطور الاعمال في المنطقة الشمالية من هذا المشروع:
 
وضعت الدراسات التنفيذية للمشروع سنة 1951 ، بناء على دراسات لوذ رميلك 1942 وهيز 1945 و 1947 التي قدمت الى لجنة التوفيق .
بدأ التخطيط الميداني والحفر في القناة العريضة عند قصر عطرة ، الواقع الى الجنوب من جسر بنات يعقوب ، في المنطقة المجردة عام 1953 .

بدأت ، كذلك ، اسرائيل في عام 1953 في بناء محطة لتوليد الكهرباء وأتمت حفر نفق عيلبون المؤدي الى سهل البطوف شمالي مدينة الناصرة العربية ، كما انتهى في هذا الوقت العمل في بناء السدود اللازمة على مخارج السهل ، وتم تبطين ارض السهل بالتراب المدكوك ( الحوارة ) .

في سنة 1953 بدأ تخطيط المناطق الممتدة على طريق القناة في مرج ابن عامر ووادي عارة .

في تشرين الاول / اكتوبر 1953 أصدر مجلس الامن الدولي قراره الشهير بوقف اتمام الاعمال في المنطقة المجردة ، الا ان اسرائيل لم تلتزم بالقرار وأتمت الاعمال خارج المنطقة المجردة من السلاح .

انتهى في عام 1956 حفر نفق عيلبون واتخذت الترتيبات الميدانية اللازمة لحفر نفق يخترق تلال المناشية ، جنوبي سهل البطوف ، وطوله 6600 متر .

في عام 1956 انتهى تقريباً حفر قناة جسر بنات يعقوب – الطابفة وطوله 16 كيلومتراً وسكبت القناة المحفورة وانجز بناؤها وصولاً الى بحيرة طبريا في نهاية العام نفسه .

في نهاية شهر آب / اغسطس 1956 قام الاسرائيليون بتحويل مياه بحيرة الحولة ونهر الاردن داخل قناة محفورة في الارض .
في ايلول / سبتمبر 1956 قامت شركة مكوروث ، المتعهد الرئيس لكل هذه العمليات ، بالبدء بتشييد محطة الطابفة الكهربائية باشراف مستشار هندسي سويدي . وكذلك باشرت اسرائيل في السنة نفسها بحفر قناة تحت الضغط عرضها متران وعمقها متران وطولها تسعون متراً ، منحنية بمعدل 15 درجة باتجاه الطابفة ، وذلك لتوليد الكهرباء ، بقدرة 36 – 45 الف كيلواط / ساعة ، بواسطة الشلال الذي تنتهي عنده القناة . وستستعمل هذه الطاقة الكهربائية لضخ المياه من بحيرة طبريا عن طربق وادي تفاح حيت تقام محطة ضخ .
في شهر آب / اغسطس 1956 بدأت شركة مكوروث بنسف صخور ياقوف ( حوالى ستة كيلومترات الى الشمال الغربي من الطابفة وعلى ارتفاع خمسمئة متر عن سطح البحر ) . وقد علمنا ان الاسرائيليين بدأوا بشق القناة في تلال الشونة – الشيخ حسن – ياقوق ، بعد ان عدلوا من مجراها ، بحيث تمر الى الشرق من خطها المقرر في هذا القطاع . وقد اقام العمال تبطيناً من الاسمنت المسلح على دائرة مقطع لنفق عيلبون . كما قام فريق آخر من العمال بوضع الانابيب الكبيرة ، وقطرها 270 سم ، لايصال المياه الى النفق .
أجريت في عام 1957 تجربة لسحب مياه نهر الاردن بواسطة مضخات وانابيب تحت الارض ، وكانت التجربة ناجحة . وعلى اساس هذه التجربة يجري الآن الاستمرار في بناء محطة للضخ في الطابفة .

استمر الاسرائيليون طوال هذه الفترة بتنفيذ اجزاء المشروع الواقعة جنوبي البحيرة الاصطناعية في سهل البطوف . وكانت المصانع التي تنتج انابيب الاسمنت المسلح بقطر مترين وسبعين سنتمتراً تعمل بكامل طاقاتها ، وكذلك استمر العمل بنشاط في حفر القنوات وطمر الانابيب .

طلبت اسرائيل في عام 1959 من الولايات المتحدة قرضاً قيمته 29 مليون دولار لتنفيذ المراحل المتبقية آنذاك من المشروع .
في 20 ايار / مايو 1959 بدأ فعلاً في تمديد انابيب الري العام ذات القطر 270 سم  لتحويل مياه نهر الاردن من نقطة تقع شرقي مستعمرة كفار سابا في جوار كيبوتس ” باد الياهو ” . وهذه الانابيب من انتاج مصانع يوال جاد في عسقلان وتزن احداها حوالى الثلاثين طناً .
 
لا تترك هذه الوقائع مجالاً للمعلق الا الاقرار بان العملية التي تشير اليها الموازنة الاسرائيلية الجديدة ليست عملياً سوى استمرار لتنفيذ مشاريع الري وفقاً للتجارب التي اجريت في الطابفة وتكللت بالنجاح . كما ان المعلومات القليلة المتوفرة والخرائط لا تدع مجالاً لأي شك مقبول ومعقول بان ضخ المياه من بحيرة طبريا لن يشكل الا تكيفاً بسيطاً للمشروع ومخططاته ، بحيث ان الجزء الرئيس من المنشآت التي انجز بناؤها سوف يمكن استعمالها في هذه المرحلة على الأقل . اما في ما يتعلق بالموقف العربي الذي يمكنه ان يمنع اسرائيل من الاستفادة من مياه النهر،  فلا أجد أفضل من الارقام المائية ما يدل على خطوط العمل الممكن والمتاح . وتشير اللائحة ادناه الى موارد المياه المتوفرة من منابع النهر حتى جسر بنات يعقوب كما كانت حتى سنة 1954 :

                          لائحة بموارد المياه في حوض نهر الاردن وصولاً الى جسر بنات يعقوب حتى 1954

 

                                                                            مليون متر مكعب

            مياه نهر الحاصباني                                                  130

            مصادر الصرف في حوض الحاصباني                                 27

            نهر الدان ( ينابيع تل القاضي )                                       258

            نهر بانياس                                                          157

            غيرها ( بين بانياس وجنوب الحولة )                                   130

                                                                              ——–

            المجموع                                                            702

            ناقص التبخر في بحيرة الحولة والمستنقع                                62 –

                                                                               ——–

            الرصيد                                                            640 مليون متر مكعب

 

 

                                                                       نسبة المنسوب الثابت الى المنسوب  المعدل

            نهر الدان                                                                 95 %

            نهر الحاصباني                                                            75 %

            نهر بانياس                                                               75 %

 يتوفر لاسرائيل من هذه المياه حوالى ثلاثمئة وسبعين مليوناً من الامتار المكعبة سنوياً وهي مياه الدان والمياه التي كانت تنجز في مستنقعات الحولة والتي اصبحت متوفرة بسبب تجفيفها سنة 1956 ، ومصادر صرف اخرى مجموعها 40 او 50 مليوناً من الامتار المكعبة . وتنبع كل هذه المصادر المائية داخل حدود الهدنة في المنطقة المحتلة . لذلك ، لا يمكن للدول العربية ان تمنع اسرائيل من الاستفادة منها بواسطة تحويل الروافد العربية . وحتى لو تحولت هذه الروافد ، لبقي في مجرى النهر ما يعادل خمسة وسبعين الى ثمانين بالمئة من مجموع المياه التي بنت اسرائيل خططها على اساس استعمالها ، وهي نسبة أعلى من النسبة الناشئة من تقلبات منسوب هذه الروافد العربية . وتجدر الاشارة الى ان جغرافية المنطقة غير ملائمة للدول العربية في هذا القطاع المائي ، إذ ان النسب المائية للمياه التي تعتبر منسوباً ثابتاً ، هي أعلى بكثير لنهر الدان منها للروافد العربية ، كما يظهر من الارقام أعلاه ، الأمر الذي يزيد من حدة الميزة التي تتمتع بها اسرائيل على العرب .

اذاً ، ماذا يمكننا ان نعمل ؟ .

يفترض المشروع العربي تحويل هذه الروافد العربية ، أي الحصباني وبانياس ، بقناة مكشوفة تمتد من لبنان شرقاً الى سوريا  ثم جنوباً الى الاردن حيث ترتبط بقناة الغور الشرقية التي يقوم الجهاز السوري الاردني المشترك بالاشراف على بنائها حسب نصوص معاهدة 1954 التي أنشأت هذه اللجنة المشتركة . ولما كانت أية عملية استفادة من الموارد المائية العربية هي من الامور التي يجب تشجيعها ، فاننا نقر بطبيعة الحال فكرة تحويل هذه الرافد الى الاردن وري قسم من اراضي لبنان وسوريا . غير ان بين الاستفادة من الموارد العربية وبين منع اسرائيل من ذلك فرقاً لا يخفى على العارفين . واننا نفترض ان تنفيذ المشروع الاسرائيلي الحالي سوف يفرض عليها رفع السد الواقع في مخرج بحيرة طبريا من ثلاثة امتار الى خمسة ، بحيث يخفف الضغط اللازم لرفع المياه من الطابفة الى البطون ، ويخفف كذلك من تقلبات المنسوب في البحيرة من سنة الى اخرى . وكذلك ، فانه يسمح لاسرائيل ان تستفيد من مياه الفياضانات الموسمية التي ترفع من منسوب الانهار في هذه المنطقة بنسبة ثلاثة ارباع منسوبها العادي .

وكما أشرنا في المقالات السابقة حول هذا الموضوع ، فان الحل ليس في يد المهندسين العرب الذين يعملون على درس كل خطوة من خطوات العمل الاسرائيلي بشكل منعزل عن القضايا والامور السياسية والعسكرية ، وذلك بحكم كتاب التكليف الذي يشكل الاطار الذي تعمل لجانهم الدراسية من خلاله وضمن اطره .

أما بالنسبة لاسرائيل ، فكانت المعطيات الجغرافية العسكرية والسياسية لمشروع ري سهل النقب بالماء موضع الدراسة والتخطيط الدائمين لسنين طويلة جداً ، تعود بأكثرها الى ما قبل انتهاء الانتداب البريطاني ، حتى انهم وضعوا الموظفين المناسبين في الدوائر المعينة في هيئة الامم التي وضعت مشروع التقسيم ، آخذة بالاعتبار مشروع هيز . وعندما فشل مشروع التقسيم المقترح آنذاك ، تحول الاسرائليون الى الخيار العسكري . وكانت الاستراتيجية الاسرائيلية تهدف اولاً وقبل كل شيء الى احتلال المناطق الحيوية لتنفيذ مشاريعها . فبعد ان أكد الاسرائيليون سيطرتهم على الساحل ، من حيفا الى عسقلان ، قامت قواتهم بالاتجاه شمالاً فاحتلت الجليل بين الشرقي والغربي ، رابطة بهذه الطريقة بين منطقة الحولة – طبريا والمنطقة الوسطى . ثم اتجهت القوات بعد الهدنة الى النقب وانتزعته . وبذلك مهدت لنفسها الاستيلاء على كل المناطق الازمة لاسكان المهاجرين . وهذه المناطق تشمل : منابع المياه ، ممر المياه ، مصب المياه ، الارض القابلة للري .

اما على الصعيد التنظيمي ، فكانت اسرائيل قد أنشأت الشركات والمؤسسات التنفيذية ، مثل سوليل بونيه وشركة مكوروث ومؤسسة تاهاد ومركز الابحاث الزراعية في روحوبوت ، حيث اجريت الابحاث الزراعية ، واستجلبت الخبراء في مشاريع الري من اميركا وايطاليا وغيرها من البلدان . وما ان حانت ساعت العمل حتى بدأت الشركات والمؤسسات وخبراؤها العمل التنفيذي .

وفي مجال النخطيط كذلك ، فان المشاريع الاسرائيلية يمكنها ان تتكيف مع الظروف . فاذا تغيرت الظروف الدولية لسبب ما ، قامت اسرائيل بتعديل مشروعها بشكل يسمح باستعمال كل اجزائه الرئيسة . وقد تجسد ذلك في عدد من المناسبات ، نذكر منها مناسبتين اثنتين :

1 – تعديل مشروع هيز ( 1947 ) بحيث استعملت اسرائيل مياه الانهار الساحلية لري السهل الساحلي ، بدلاً من استخدام هذه المياه لري النقب الشمالي ، وتحويل نهر الاردن لري مرج ابن عامر والسهل الساحلي من نهاريا ( شمالي عكا ) حتى نقطة تقع حوالى عشرة كيلومترات جنوبي قاعدة عتليت البحرية الاسرائيلية . وقد ربطت هذه الشبكة بشكل يسمح لاسرائيل باعادة توزيع المياه فيما اذا تمكنت من تحويل مياه نهر الاردن . ويبدو ان هذه الامكانية واردة الآن بشكل واقعي .

2 – تعديل خطط محطة الطابفة ، بحيث تشمل ، بالاضافة الى محطة توليد الطاقة الكهربائية ، محطة ضخ كبرى لتحويل مياه بحيرة طبريا الى القناة المؤدية الى خزان البطوف ، في نقطة تقع في المنطقة الصخرية شرقي قرية ياقوق .

أخشى ما أخشاه ان ما يترتب علينا عمله الآن هو مجابهة احتمالات المراحل اللاحقة لعملية التحويل أكثر من المرحلة الحالية التي يبدو اننا تأخرنا في اعداد العددة لها تأخراً رهيباً ومخيباً للآمال ، شريطة ان يكون استعدادنا للمستقبل اكثر جدية وتحسساً لخطورة المشكلة ومسؤولياتها . فالمشروع العربي الموحد لسنة 1960، والمواقف العربية كلها في كل مجالات العلاقات الدولية يما يختص باسرائيل ، كانت تنظر الى الامور نظرة جزئية تنتج عنها سياسات جزئية في شمولها ودفاعية في طبيعتها . ولن نتمكن من مجابهة تنفيذ اسرائيل لمخططاتها الا حين تصبح لنا مخططات طويلة الامد نقوم بتنفيذها بروح واقعية ، ونحاول ان نخلق لها الظروف الملائمة الجغرافية والسياسية والعسكرية والدولية والتنظيمية ، تماماً كما فعلت المؤتمرات الصهيونية من مؤتمر بال في القرن التاسع عشر حتى سنة 1962 ، موزعة قواها الدولية والفردية والتنظيمية والعسكرية والسياسية وغيرها بشكل يضمن لها التوازن في توزيع هذه القوى ، وبالتالي عدم التأثر بالخطوات الدفاعية او الهجومية الجزئية التي يمكن ان يقوم بها الفرقاء الآخرون .

اذاً ، ما هي اهدافنا الكبرى في هذا الموضوع  ؟ وما هي السياسة او السياسات المتعددة الجوانب التي تؤدي الى هذه الاهداف ؟ وما هي أدوات هذه السياسة ؟ . ثم التساؤل الأهم : أين نحن من حيازة هذه الادوات ؟ وكيف يمكن الاستزادة منها وتحسين مقدرتنا على استعمالها ؟ وما هي الخطط الاقتصادية والسياسية وغيرها التي تؤمن لنا حيازة الادوات اللازمة لتحقيق أهدافنا ؟ .

هذه النظرة البعيدة المدى هي الحل الأمثل لكل مشاكلنا مع اسرائيل وغيرها ..