عصر ملوك الطوائف الجزء الثاني

                                                                                                                        

عصر ملوك الطوائف

الجزء الثاني

بنو عبّاد

أبو القاسم بن عباد 

كان للقاضي جدّه أدبٌ غضّ، ومذهب مبيضٌ، ونظم يرتجله كل حين، وبعثه أعطرَ من الرياحين. فمن ذلك قوله يصف النَيلَوفرَ:

1-

يا ناظرين ندى النيلوفر البهجِ

وطيبَ مخبره في الفوحِ والأرَجِ

 

كأنه جامُ درّ في تألّقه

قد أحكموا وسطهُ فصّاً من السّبج

 

 

 

2-

يا حبّذا الياسمينُ إذ يزهرُ،

فوق غصون رطيبة نُضّر،

 

قد امتطى للجمال ذِروتها

فوق بساط من سُندس أخضر

 

كأنه والعيون ترمقه

زمرّد في خلاله جوهر

 

 

 

3-

وياسمينٍ حسن المنظر

يفوق في المرأى وفي المخبر

 

كأنه من فوق أغصانه

دراهمُ في مِطرف أخضر

 

 

 

4-

ترى ناضر الظيّان فوق غصونه

إذا هو من ماء السحائب وقد حُذي

 

وحفّت به أوراقه في رياضه

وقد قُدّ بعضٌ مثل بعضٍ وقد حُذي

 

كصفرٍ من الياقوت يلمعن بالضحى

منضّدة من فوق قُضب الزمرد

 

 

 

5-

ولا بدّ يوماً أن أسودَ الورى

ولو رُدّ عمروٌ للزمان وعامرُ

 

فما المجد إلا في ضلوعي كامنٌ

ولا الجود إلا في يميني ثائرُ

 

فجيش العلى ما بين جنبيّ جائلٌ

وبحر الندى ما بين كفّيَ زاخر

 

 

 

6-

محبّ ما يساعده الحبيب

رأى وجهَ الإنابة لو يُنيبُ

 

ويبكي للصبا إذ زال عنه

فيضحك في مفارقه المشيب

 

وكم أحيت حُشاشته أمانٍ

يباعد بينها الأجلُ القريب!

 

 

 

7-

كأن لون الظيّان حين بدا

نوّاره أصفراً على ورقه

 

لون محبٍ جفاه ذو ملل

فاصفرّ من سقمه ومن أرقه

 

المعتضد بالله عباد بن محمد بن عباد 

1-

كأنما ياسمينُنا الغضُّ

كواكبٌ في السماء تبيّضُّ

 

والطُرقُ الحُمرُ في جوانبه

كخدّ عذراءَ مسّه غضّ

 

 

 

2-

اشرب على وجه الصباحِ

وانظر إلى نور الأقاح

 

واعلم بأنك جاهل

ما لم تقل بالاصطباح

 

فالدهر شيء بارد

إن لم تسخّنه براح

 

 

 

3-

أتتك أم الحسن

تشدو بصوت حَسَن

 

تمدّ في ألحانها

مدّ الغناء المدني

 

تقود مني سلساً

كأنني في رسَن

 

أوراقها أستارُها

إذا شدت في فَنَن

 

 

 

4-

شربنان وجفنُ الليل يغسلُ كُحله

بماء صباح، والنسيمُ رقيق

 

معتّقة كالتبر، أما نجارُها

فضخم وأما جسمها فدقيق

 

 

 

5-

لقد حُصّلت يا رُندَه

فصرت لمُلكنا عِقدَه

 

أفادتناكِ أرماح

وأسياف لها حِدّه

 

وأجناد أشدّاء

إليهم تنتهي الشدة

 

سأفني مُدة الأعدا

ء ان طالت بيَ المدة

 

وتبلى بي ضلالتهم

ليزدادَ الهدى جِدّه

 

فكم من عدة قتّلتُ

منهم بعدَها عِدّه!

 

نظمتُ رؤوسَهم عِقداً

فحلّت لبّة الشدة

 

 

 

6-

هذي السعادة قد قامت على قدم

وقد جلستُ لها في مجلسِ الكرم

 

فإن أردتّ، إلهي، بالورى حسناً

فملّكني زمام العُرب والعجم

 

فإنني لا عدلتُ الدهرَ عن حسَنٍ

ولا عدلتُ بهم عن أكرم الشيم

 

أقارعُ الدهر عنهم كل ذي طلب

وأطرد الدهر عنهم كلّ ما عدم

 

 

 

7-

حميتُ ذمار المجد بالبيض والسُمر

وقصّرت أعمارَ العِداة على قسر

 

ووسّعتُ سُبل الجود طبعاً وصنعة

لأشياءَ في العلياء ضاق بها صدري

 

فلا مجد للإنسان ما كان ضدّه

يشاركه في الدهر بالنهي والأمر

 

 

 

8-

لقد بسط الله المكارم من كفي

فلستُ، على العلاّت، عنها أخا كفّ

 

تنادي بيوتُ المال من فرط بذلها

يميني: “لقد أسرفتِ ظالمةً، كُفي”

 

فتغري يميني بالسماح فتنهمي

ولا ترتضي خِلاّ يقول لها: يكفي!

 

لعمرُك ما الإسراف فيّ طبيعةً

ولكنّ طبع البخل عندي كالحتف

 

 

 

9-

عن القصد قد جاروا وما جُرت عن قصدي

إذا خَفيت طُرق الفرائس عن أُسدي

 

اذا اعترضوا للبخل أعرضت عنهمُ

وإن منّ أقوام كتمتُ الذي أسدي

 

فلله ما أخفي من العدل والندى

ولله ما أُبدي من الفضل والمجد

 

ولا ألتقي ضيفي بغير بشاشة

إذاً فحمدتُ الله معروفة عندي

 

 

 

10-

أنام وما قلبي عن المجد نائم

وإنّ فؤادي بالمعالي لهائم

 

وإن قعدَت بي علّة عن طِلابها

فإن اجتهادي في الطلاب لدائم

 

يعزّ على نفسي إذا رُمْتُ راحةً

تراخٍ فتثنيني الطباعُ الكرائم

 

وأسهر ليلي مُفكراً غير طاعمٍ

وغيري على العلات شبعانُ نائم

 

ينادي اجتهادي، إن أحسّ بفترة:

“ألا يا عبّادُ تلك العزائم”؟

 

فتهتزّ آمالي وتقوى عزيمتي

وتُذكرني لذاتهنّ الهزائم

 

 

 

11-

زُهرُ الأسنّة في الهيجا غدَت زهري

غرستُ أشجارها مستجزل الثمر

 

ما ان ذكرتُ لها في معرك جللٍ

إلا تجللته بالصارم الذكر

 

حتى غدوتُ وأعدائي تخاطبني:

“يا قاتل الناس بالأجناد والفكرا”!

 

 

 

12-

ما زال ليلُ الوصل من فتكاته

تسري إليّ بعرفةٍ أسحارُهُ

 

ويجود روضَ الحسن من وجناته

دمعي، فيندَى رنده وبَهاره

 

حتى سقاني الدهر كأسَ فراقه

فسكرتُ سُكراً لا يُفيق خُماره

 

ووقفتُ في مثل المحصّب موقفاً

للبين من حبّ القلوب جماره

 

حيرانَ أعمى الطرفَ وهو سماؤه

وأذاب فيه القلبَ وهو قَراره

 

ولئن يُذبه وهو مثواهُ فكم

قد أحرقت عودَ العفارة ناره

 

إن يهنه أني أذعتُ لحبّه

قلبي، وذاعت عنده أسراره

 

فليهن قلبي أن شكاه وشاحه

لِسواره فاقتصّ منه سواره

 

فوحسنه لقد انتدبتُ لوصفه

بالنجل، لولا أن حِمصاً داره

 

بلد متى أذكرهُ هيّجَ لوعتي،

وإذا قدحت الزند طار شِراره

 

[بلدٌ رمتني بالمنى أغصانه

وتفجّرت ليَ بالندى أنهاره]

 

 

 

13-

تنام ومُدنفها يسهرُ

وتصبرُ عنه ولا يصبرُ

 

لئن دام هذا وهذا به

سيهلكُ وجداً ولا يشعرُ

 

 

 

14-

يا قمراً قلبي له مطلعُ

وشادناً في مهجتي يرتعُ

 

والله لا أطمعُ في العيش مُذ

أصبحتُ في وصلكَ لا أطمعُ

 

ليت، كما يرتعُ في مهجتي،

أنيَ في ريقته أكرعُ

 

 

 

15-

يطول عليّ الدهرُ ما لم ألاقها

ويقصرُ إن لاقيتها أطولُ الدهر

 

لها غُرّةٌ كالبدر عند تمامه

وصُدغا عبيرٍ نمّقا صفحة البدر

 

وقدٌّ كمثل الغصن مالت به الصبا

يكاد لفرط اللين ينقدُّ في الخصرِ

 

ومشيٌ كما جاءت تهادى غمامةٌ،

ولفظ كما انحلّ النظام عن الدر

 

 

 

16-

يجور على قلبي هوىً ويُجيرُ

ويأمرني، إنّ الحبيبَ أميرُ

 

أغارُ عليه من لِحاظي صيانةً

وأكرمه، إن المحبّ غيور

 

أخفّ عل لُقيا الحبيب وإنني

لعمرُك في جُلّى الأمور وقور

 

 

 

17-

رعى الله من يُصلي فؤادي بحبه

سعيراً، وعيني منه في جنة الخلد

 

غزاليةُ العينين شمسيّة السنا

كثيبةُ الردفين غُصنية القد

 

شكوتُ إليها حبّها بمدامعي

وعلّمتها ما قد لَقيتُ من الوجد

 

فصدّق قلبي قلبُها وهو عالم

فأعدى، وذو الشوق المبرّح قد يُعدي؛

 

فجادت، وما كادت، عليّ بخدّها

وقد ينبعُ الماءُ النميرُ من الصلد

 

فقلتُ لها: “هاتي ثناياك، إنني

أفضّل نُوار الأقاحي على الورد

 

وميلي على جسمي بجسمك”. فانثنت

تعيد الذي أمّلتُ منها كما تُبدي:

 

عناقاً ولئماً أوريا الشوقَ بيننا

فُرادى ومثنى كالشرار من الزند

 

فيا ساعة ما كان أقصرَ وقتها

لدي تقضّت غير مذمومة العهد

 

 

 

18-

لعمريَ إني بمُدامة قوّالُ

وإني لما يهوى الندامى لفعال

 

قسمتُ زماني بين كدّ وراحة

فللرأي أسحارٌ وللطيب آصال

 

فأمسي على اللذات واللهو عاكفاً

وأضحي بساحات الرياسة أختال

 

ولست على الإدمان أُغفل بُغيتي

من المجد، إني في المعالي لمحتال

 

 

 

18-

عرفتُ عرفَ الصبا هبّ عاطرهُ

من أفق من أنا في قلبي أشاطرهُ

 

أراد تجديد ذكراه على شحَط

وما تيقّن أني الدهر ذاكره

 

قصارُه قيصرٌ إن قام مفتخراً

لله أولهُ مجداً وآخره!

 

خِلي أبا الجيش، هل يُقضى اللقاء لنا

فيشتفي منك طرفٌ أنت ناظره؟

 

شط المزار بنا والدار دانية

يا حبذا الفأل لو صحّت زواجره!

 

 

 

19-

أترى اللقاء كما نُحبّ يوفّق

فنظلّ نصبح بالسرور ونُغبقُ

 

أفدي أبا الجيش الموفّق إنه

للمكرُمات ميسّرٌ وموفّق

 

باهى به الزمنُ البهيّ كأنه

بِشرٌ على وجه الزمان ورونقُ

 

ملكٌ إذا فُهنا بطيب ثنائه

ظلّت له أفواهنا تتمطّق

 

حسبُ الرياسة أن غدت مزدانةً

بسناه، فهو التاج وهي المفرقُ

 

المعتمد على الله أبو القاسم بن عباد 

قال وهو عليل وقد زارته سِحرُ جاريته:

1-

سأسألُ ربي أن يُديم بيَ الشكوى

وقد قرّبت من مضجعي الرشأ الأحوى

 

إذا علّةٌ كانت لقربك علةً

تمنيت أن تبقى بجسمي وأن تقوى

 

شكوتُ وسحرٌ قد أغبّت زيارتي

فجاءت بها النُعمى التي سُميت بلوى

 

فيا علتي دومي فأنت حبيبةٌ،

ويا ربّ سمعاً من بداءيَ والشكوى

 

 

 

2-

فتكت مقلتاهُ بالقلب مني

وبكت مقلتايَ شوقاً إليه

 

فحكى لحظه لنا سيفَ عبّاد

ولحظي له سحابَ يديه

 

 

 

3-

كتبتُ وعندي من فراقك ما عندي

وفي كبدي ما فيه من لوعة الوجد

 

وما خطت الأقلام إلا وأدمعي

تخطّ سطور الشوق في صفحة الخدّ

 

ولولا طِلابُ المجد زرتُك طيّة

عميداً كما زار الندى ورق الورد،

 

فقبّلتُ ما تحت اللئام من اللمى

وعانقت ما فوق الوشاح من العقد

 

 

 

4-

يا معرضاً عني ولم أجن ما

يُوجب إعراضاً ولا هجرا

 

قد طال ليلُ الهجرِ فاجعل لنا

وصلك في آخره فجرا

 

 

 

5-

يا صفوتي من البشر

يا كوكباً بل يا قمر،

 

يا غصنةً إذا مشى

يا رشأً إذا نظر

 

يا نفس الروضة قد

هبّت لها ريحُ سحر

 

يا ربّة اللحظ الذي

شدّ وثاقاً إذا فتر

 

متى أداوي بِندا

يَ السمعَ مني والبصر

 

ما بفؤادي من جوىً

بما بفيك من خَصَر

 

 

 

6-

لم تصفُ لي بعدُ، وإلا فلم

لم أر في عنوانه جوهره؟

 

درت بأني عاشق لاسمها

فلم ترد للغيظ أن تذكرَه

 

قالت: إذا أبصره ثابتاً

قبّله، والله لا أبصره!

 

 

 

7-

سرورنا دونكم ناقصُ

والطيب لا صاف ولا خالصُ

 

والسعدُ إن طالعنا نجمه

وغبتِ فهو الآفل الناكص

 

سمّوك بالجوهر مظلومةً

مثلك لا يدركهُ غائص

 

 

 

8-

اشرب الكأسً في وداد ودادك

وتأنّس بذكرها في انفرادك

 

قمر غاب عن جفونك مرآ

ه، وسُكناه في سواد فؤادك

 

 

 

9-

قلت: “متى ترحمني؟”

قال: “ولا طولَ الأبد”.

 

قلتُ: “فقد أيأستني

من الحياة”. قال: “قد..”

 

 

 

10-

وُلج الفؤاد فما عسى أن أصنعا؟

ولقد نُصحتُ فلم أُرد أن أسمعا

 

أسفي أودّ ولا أودّ وأغتدي

وأروح أحفظ عهدَ من قد ضيّعا

 

ما كان ظني أن أجود بمهجتي

حباً وأقنعُ بالسلام فأُمنعا

 

يا هاجرين قد اشتفيتم فارفُقوا

وهبوا لعثرة عاشق لكم لعا

 

ردوا، بردكم السلامَ حُشاشةً

لم تبقَ لولا أنّ فيكم مطمعا

 

 

 

11-

لاح، وفاحت روائح النَد،

مختصر الخصر أهيفَ القد

 

وكم سقاني والليل معتكر

في جامد الماء ذائبَ الورد

 

 

 

12-

أيا نفسِ لا تجزعي واصبري

وإلا فإن الهوى مُتلفُ

 

حبيبٌ جفاكِ وقلبٌ عصاك

ولاحٍ لحاك ولا مُنصفُ

 

شجونٌ منعنَ الجفون الكرى

وعوّضنها أدمُعاً تنزف

 

 

 

13-

أباح لطيفي طيفُها الخدّ والنّهدا

فعضَ به تفاحةً واجتنى وردا

 

ولو قدرت زارت على حال يقظة

ولكن حجاب البين ما بيننا مُداً

 

أما وجدَت عنا الشجون معرّجاً

ولا وجدت منا خطوب النوى بُداً؟

 

سقى الله صوب القطر أمّ عبيدةٍ

كما قد سقت قلبي على حره بردا!

 

هي الظبيُ جيداً والغزالة مُقلةً

وروض الربى عرفاً وغصنُ النقا قدّا

 

 

 

14-

لك اللهُ كم أودعتِ قلبي من أسىً،

وكم لك ما بين الجوانحِ من كلم

 

لحاظُكِ طولَ الدهر حربٌ لمهجتي،

ألا رحمةٌ تثنيكِ يوماً إلى سِلمي!

 

 

 

15

وشمعةٍ تنفي ظلامَ الدجى

نفيَ يديًّ العدْمَ عن الناسِ

 

ساهرتُها والكأس يسعى بها

من ريقُه أشهى من الكاس

 

ضياؤها لا شكّ من وجهه

وحرّها من حرّ أنفاسي

 

 

 

16-

ريَعت من البرق وفي كفّها

برقٌ من القهوة لمّاعُ

 

عجبتُ منها وهي شمسُ الضحى

كيفَ من الأنوارِ ترتاع

 

 

 

17-

دارى الغرام ورام أن يتكتّما

وأبى لسانُ دموعه فتكلّما

 

رحلوا، وأخفى وجدَه فأذاعَه

ماءُ الشؤون مصرحاً ومُجمجما

 

سايرتُهم والليل غُفلٌ ثوبه

حتى تراءى للنواظر مُعلما

 

فوقفتُ ثم محيّراً وتسلّيت

مني يدُ الإصباح تلك الأنجما

 

 

 

18-

ثلاثةٌ منعتها عن زيارتنا

خوفَ الرقيب وخوفَ الحاسد الحنقِ

 

ضوءُ الجبين ووسواسُ الحِليّ وما

تحوي معاطفها من عنبرٍ عبق

 

هبِ الجبينَ بفضل الكُم تستره

والحليّ تنزعه، ما حيلة العرق؟

 

 

 

19-

يوم يقولُ الرسولُ قد أذنت

فأتِ على غير رِقبةٍ ولُج

 

أقبلتُ أهوي إلى رحالهم

أُهدي إليها بريحها الأرج

 

 

 

20-

غُلاميةٌ جاءت وقد جعل الدجى

لخاتمِ فيها فصّ غاليةٍ خطّا

 

فقلت أحاجيها بما في جفونها

وما في الشفاء اللُعسِ من حسنها المعطى

 

محيّرةُ العينين في غير سكرة:

متى شربت الحاظ عينيك إسفنطا

 

أرى نكهة المسواكِ في حُمرة اللمى

وشاربكِ المخضرّ بالمسك قد خُطا

 

عسى قّزحاُ قبّلته فأخاله

على الشفة اللمياء قد جاء مختطّا

 

 

 

21-

عللّ فؤادك قد أبلّ عليلُ،

واغنم حياتك فالبقاء قليل

 

لو أن عمرك ألفُ عام كاملٍ

ما كان حقاً أن يُقال طويل

 

أكذا يقودُ بك الأسى نحو الردى

والعود عود والشمول شمول

 

لا يستبيك الهمّ نفسك عنوةً

والكأس سيف في يديك صقيل

 

بالعقل تزدحمُ الهموم على الحشا،

فالعقل عندي أن تزول عقول

 

 

 

22-

سمّوهُ سيفاً وفي عينيه سيفان،

هذا لقتليَ مسلولٌ وهذان

 

أما كفت قتلةٌ بالسيف واحدةٌ

حتى أُتيح من الأجفان ثنتان؟

 

أسرتُه وثناني غنجُ مقلتِه

أسيرَه، فكلانا آسرٌ عان

 

يا سيفُ أمسك بمعروف أسيرَ هوىً

لا يبتغي منك تسريحاً باحسان

 

 

 

23-

أنا في عذابٍ من فراقك

نشوان من خمر اشتياقك

 

صبُّ الفؤاد إلى لقـا

ئك وارتشافك واعتناقك

 

هذي جفونيَ أقسمت

لا تلتقي ما لم تُلاقك

 

فصلي جميلَ الظنّ بي

 وثقي فقلبي في وثاقك

 

 

 

24-

أغائبة الشخص عن ناظري

وحاضرةً في صميم الفؤاد

 

عليكِ السلامُ بقدر الشجون

ودمعِ الشؤون وقدر السّهاد

 

تملكتِ مني صعبَ الحِزام

وصادفتِ منيَ سهلَ القياد

 

مراديَ أعياكِ في كل حين

فيا ليت أنيَ أُعطى مُرادي

 

أقيمي على العهد في بيننا

ولا تستحيلي لطول البعاد

 

دسستُ اسمك الحلو في طيّهِ

وألفتُ جُماً حروفَ اعتماد

 

 

 

25-

سكّن فؤادك لا تذهب به الفكَرُ

ماذا يُعيدُ عليك البثّ والحذر؟

 

وازجُر جفونك لا ترضَ البكاءَ لها

واصبر فقد كنتَ عند الخطب تصطبر

 

فإن يكن قدَرٌ قد عاق عن وطر

فلا مردّ لما يأتي به القدرُ

 

وإن تكن خيبةٌ في الدهر واحدةٌ

فكم غزوتَ ومن أشياعكَ الظفر؟

 

إن كنتَ في حيرةٍ عن جُرم مجترمٍ

فإنّ عذرك في ظلمائها قمرُ

 

فوّض إلى الله فيما انت خائفه

وثق بمعتضد بالله ينتفرُ

 

ولا يروعنك خطبٌ أن عدا زمن

فالله يرفع والمنصور ينتصرُ

 

واصبر فإنك من قوم أولي جلدٍ

إذا أصابتهم مكروهة صبروا

 

من مثل قومك؟ من مثل  الهمام أبي

عمرو أبيك له مجد ومفتخر

 

سميدَعٌ يهبُ الآلافَ مُبتدئاً

ويستقلّ عطاياهُ ويعتذر

 

له يد كلّ جبّارٍ يقبّلها،

لولا نداه لقلنا إنها الحجر

 

يا ضيغماً يقتل الفرسان مفترساً

لا توهننّي فإني الناب والظفرُ

 

يا فارساً تحذر الأبطال صولته

صُن حدّ عبدك فهو الصارم الذكر

 

هو الذي لم تشم يُمناك صفحته

إلا تأتّى مرادٌ وانقضى وطر

 

قد أخلفتني صروف أنت تعلمها

وغار موردٍ آمالي بها كدر

 

فالنفس جازعة والعين دامعة

والصوت منخفض والطرف منكسر

 

قد حُلّت لوناً وما بالجسم من سقم

وشبتُ رأساً ولم يبلغّني الكبير

 

ومتّ إلا ذَماءُ فيّ يمسكه،

أني عهدتّك تعفو حين تقتدر

 

لم يأتي عبدُك ذنباً يستحق به

عتباً، وها هو قد ناداك يعتذر

 

ما الذنب إلا على قوم ذي دغل

وفى لهم عدلُك المألوف إذ غدروا

 

قوم نصيحتُهم غشّ وحبّهم

بُغضٌ ونفعهم، إن صرّفوا، ضرر

 

يميّز البغضُ في الألفاظ إن نطقوا

ويُعرفُ الحقدُ في الألحاظ إن نظروا

 

إن يُحرق القلبَ نفث من مقالهم

فإنما ذاك من نار القِلى شرر

 

أجب نداءَ أخي قلب تملّكه

أسىً، وذي مُقلة أودى بها سهر

 

لم أوتَ من زمني شيئاً ألذّ به

فلستُ أعرف ما كأسٌ ولا وتر

 

ولا تملّكني دلّ ولا خفر

ولا سبا خلدي غُنجٌ ولا حور

 

رضاك راحةُ نفسي، لا فُجعتُ به،

فهو العتادُ الذي للدهر أدّخر

 

وهو  المدام التي أسلو بها، فإذا

عدمتها وقدت في قلبيّ الفكرُ

 

أجلْ ولي راحة أخرى كَلفتُ بها

نظم الكُلى في القنا والهامُ تنتثر

 

كم وقعةٍ لك في الأعداء واضحةٍ

تفنى الليالي ولا يفنى بها الخبرُ

 

سارت بها العيسُ في الآفاق فانتشرت

فليس في كل حيّ غيرها سمرُ

 

ما تركيَ الخمرَ عن زُهدٍ ولا ورعٍ

فلم يفارق لعمري سنيّ الصِغَر

 

وانما أنا ساعٍ في رضاك فإن

أخفقتُ فيه فلا يفسحُ ليَ العمُرُ

 

إليك روضةَ فكرٍ جادٍ منبتها

ندى يمينك، لا طلٌّ ولا مطرُ

 

جعلتُ ذكرك في أرجائها زهراً،

وكلّ أوقاتها للمجتنى شجر

 

 

 

26-

مولايَ أشكو إليك داءً

أصبح قلبي به جريحـاً

 

إن لم يُرحهُ رضاك عني

فلستُ أدري له مُريحـاً

 

سخطك قد زادني سقاماً

فابعث إليّ الرضا مسيحاً

 

واغفر ذنوبي ولا تضيّق

عن حملها صدريَ الفسيحا

 

لو صوّر الله للمعالي

جسماً لأصبحتَ فيه روحا

 سعى الوشاة بابن زيدون إلى المعتمد، فقال ابن زيدون يبرئ نفسه ويحض المعتمد على قتلهم:

 

يا أيها الملك العليّ الأعظم

اقطع وريدي كل باغ ينئمُ

 

واحسم بسيفك داءَ كل منافق

يُبدي الجميلَ وضدّ ذلك يكتُم

 

لا تتركنّ للناس موضع شُبهة،

واحزم فمثلك في العظائم يحزُمُ

 

قد قال شاعر كندةٍ فيما مضى

بيتاً على مرّ الليالي يُعلم

 

(لا يسلمُ الشرفُ الرفيع من الأذى

حتى يُراقَ على جوانبه الدم)

 

 

 

فأجاب المعتمد يخاطب الوشاة:

 

 

 

27-

كذبت مُناكم، صرّحوا أو جمجموا؛

الدين أمتنُ والمروءَة أكرمُ

 

خُنتم ورمتم أن أخونَ، وإنما

حاولتم أن يستخفّ يلَملَمُ

 

وأردتم تضييقَ صدرٍ لم يضق

والسُمرُ في ثغَر النحور تحطّم

 

وزحفتم بمُحالكم لمجرّبٍ

ما زال يثبتُ في المِحال فيهزم

 

أنّى رجوتم غدرَ من جرّبتم

منه الوفاءَ، وظُلم من لا يظلمُ

 

أنا ذاكمُ، لا البغيُ يثمرُ غرسُه

عندي، ولا مبنى الضعيف يُهدّمُ

 

كُفوا وإلا فارقبوا لي بطشةً

يُلقّى السفيه بمثلها فيُحلّمُ

 

 

 

28-

ألا حيّ أوطاني بشلبَ، أبا بكر

وسلهنّ: هل عهد الوصال كما أدري؟

 

وسلّم على قصر الشراجيب عن فتىً

له أبداً شوق إلى ذلك القصر

 

منازلُ آسادٍ وبيضٍ نواعمٍ

فناهيك من غيلٍ وناهيك من خِدر

 

وكم ليلةٍ قد بتّ أنعمُ جُنحها

بمخصبة الأرداف مُجدبة الخصر

 

وبيضٍ وسمرٍ فاعلاتٍ بمهجتي

فعالَ الصِفاح البيضِ والأسلِ والسمر

 

وليلٍ بسدِ النهر لهواً قطعتُه

بذات سوارٍ مثل منعطف النهر

 

وباتت تسقّيني المُدامَ بلحظها

ومن كأسها حيناً وحيناً من الثغر

 

وتُطربني أوتارُها، فكأنني

سمعتُ بأوتار الطُلى نغم البُتر

 

نضَت بردَها عن غصن بانٍ منعّمٍ

نضيرٍ كما انشقّ الكمام عن الزهر

 

 

 

29-

من للملوك بشأوِ الأصيدِ البطل

هيهات، جائتكمُ مهديّةُ الدول

 

خطبتُ قرطبةَ الحسناء إذ منعت

من جاء يخطبها بالبيض والأسل

 

وكم غدت عاطلاً حتى عرضتُ لها

فأصبحت في سريّ الحلي والحُلل

 

عرسُ الملوك، لنا في قصرها عُرسٌ

كل الملوك به في مأتم الوجل

 

فراقبوا عن قريب (لا أبالكم)

هجومَ ليثٍ بدرع البأس مشتمل

 

 

 

30-

جائتك ليلاً في ثياب نهار

من نورها، وغلالة البلاّر

 

كالمشتري قد لفّ من مرّيخه

إذ لفّه في الماء جذوةُ نار

 

لطف الجمود لذا وذا فتألّفا

لم يلقَ ضدٌّ ضدًّه بنفار

 

يتحيّر الراءون في نعتيهما،

أصفاء ماءٍ أم صفاءُ دراري؟

وأخبرني ابن إقبال الدولة مجاهدٌ أنه كان عنده في يوم قد نُشر من رداءٍ غيمه ندّ، وأسكب من قطره ماء ورد، وأبديَ من برقه لسان نار، وأظهر من قوس قزحه حنايا آس حُفّت بنرجس وجلّنار. والروض قد نفث ريّاه، وبثّ الشكر لسقياه. فكتب إلى الطبيب أبي محمد المصري:

 

أيها الصاحب الذي فارقَت عيني

 ونفسي منه السنى والسّناء

 

نحن في المجلس الذي يهبُ الرا

حـة والمسمعَ الغنى والغناء

 

نتعاطى التي تنسّي من الرقة

واللذة الهوى والهواء

 

فأته تُلفِ راحةً ومُحياً

قد أعدّا لك الحيا والحياءَ

 

 

 

31-

ولقد شرِبتُ الراح يسطعُ نورُها

والليل قد مدّ الظلام رداءً

 

حين تبدّى البدر في جوزائه

ملكاً تناهى بهجةً وبهاءً

 

لما أراد تنزّهاً في غربة

جعل المظلّة فوقه الجوزاءَ

 

وتناهضت زُهر النجوم يحفّه

لألاؤها فاستكمل اللألاء

 

وترى الكواكبَ كالمراكب حوله

رُفعت ثُرياها عليه لواء

 

وحكيته في الأرض بين مراكب

وكواعب جمعت سنىً وسناءً

 

إن نشّرت تلك الدروع حنادساً

ملأت لنا هذي الكؤوسَ ضياء

 

وإذا تغنت هذه في مزهرِ

لم تألُ تلك على التريك غناء

 

 

 

32-

أزفَ الصيامُ وزاد نور النرجس

فلقيتُ زورتهُ بحثّ الأكؤس

 

في ليلة دارت عليّ نجومها

حتى سكرت بكفّ قوت الأنفس

 

خود تملّكت الفؤاد فريدةٌ

بندى الثنايا والمحيّا المشمس

 

وجعلتُ نقلي ذكرَ موصل زفرتي

فجمعتُ أشتاتَ المنى في مجلسي

 

ولقد ذكرتُ فزاد عيني قرةً

هون السبال وخزيُ رُبّ البرنُس

 

 

 

33-

بكى المبارك في إثر ابن عبّاد

بكى على إثر غزلان وآساد

 

بكت ثريّاه (لا غمّت كواكبها)

بمثل نوء الثريّا الرائح الغادي

 

بكى الوحيدُ بكى الزاهي وقبته

والنهرُ والتاجُ، كلٌ ذلّه بادي

 

ماءُ السماء على أبنائه دررٌ،

يا لجةَ البحر دومي ذات إسعاد

 

 

 

لما حمل المعتمد أسيراً إلى المغرب الحف الشعراء عليه بطلب النوال، فقال متأففا:

 

 

 

34-

شعراءُ طنجةَ كلهم والمغربِ

ذهبوا من الإعرابِ أبعد مذهب

 

سألوا العسير من الأسير، وإنه

بسؤالهم لأحقّ فأعجب وأعجب

 

لولا الحياءُ وعزةٌ لخميةٌ

طيّ الحشا، ناغاهم في المطلب

 

قد كان ان سُئل يجزل، وإن

نادى الصريخُ ببابه “اركب” يركب

وأقام المعتمد أياماً بطنجة فلقيه بها الحصري الأعمى الشاعر ورفع إليه قصائد قديمة وألحف في الطلب، فبعث إليه المعتمد بكل ما يملك من الذهب وهي ستة وثلاثون مثقالاً، فلم يكلف الحصري لنفسه بالرد على المعتمد؛ فقال المعتمد:

35-

قل لمن جمع العلم

وما أحصى صوابه

 

كان في الصرة شعر

فتنظّرنا جوابه

 

قد أثبناك فهلا

حلب الشعر ثوابه

36-

في ما مضى كنتَ بالأعيادِ مسروراً

فجاءك العيد في أغمات مأسورا

 

ترى بناتك في الاطمار جائعة

يغزلن للناس، ما يملكن قطميرا

 

برزنَ نحوك للتسليم خاشعةً

أبصارهن حسيراتٍ مكاسيرا

 

يطأن في الطين والأقدام حافيةٌ

كأنها لم تطأ مسكاً وكافورا

 

لا خدّ إلا تشكّى الجدبَ ظاهره

وليس إلا مع الأنفاس ممطورا

 

أفطرتَ في العيد، لا عادت إساءته

وكان فطرك للأكباد تفطيرا

 

قد كان دهرك إن تأمره ممتثلاً

فردّك الدهر منهياً ومأمورا

 

من بات بعدك في ملك يُسرّ به

فإنما بات بالأحلام مغرورا

 

 

 

ورزق المعتمد من الناس حباً ورحمةً فهم يبكونه إلى اليوم

 

 

 

37-

دعا لي بالبقاء، وكيف يهوى

أسيرٌ أن يطولَ به البقاء

 

أليسِ الموت أروحَ من حياةٍ

يطولُ على الشقيّ بها الشقاء؟

 

فمن يك من هواه لقاء حبّ

فإنّ هوايَ من حتفي اللقاء

 

أأرغبُ أن أعيشَ أرى بناتي

عواريَ قد أضرّ بها الحفاء؟

 

خوادمَ بنت من قد كان أعلى

مراتبه، إذا أبدو، النداء

 

وطرد الناس بين يدي ممرّي

وكفّهم إذا غصّ الفناء

 

وركض عن يمين أو شمال

لنظم الجيش إن رُفع اللواء

 

 

 

38-

قُبّح الدهرُ فماذا صنعا

كلما أعطى نفيساً نزعا

 

قد هوى ظلماً بمن عادته

أن ينادي كلّ من يهوى: “لعا!”

 

من اذا الغيث همى منهمراً

أخجلته كفّه فانقطعا؛

 

من  غمامُ الجود من راحته

عصفت ريحٌ به فانقشعا

 

من اذا قيل الخنا صُمّ، وإن

نطق العافون همساً سمعا

 

قل لمن يطمعُ في نائله:

قد أزال اليأسُ ذاك الطمعا؛

 

راح لا يملك إلا دعوةً

جبر الله العُفاة الضّيّعا!

 

 

 

39-

يقولون: صبراً! لا سبيل إلى الصبر،

سأبكي وأُبكي ما تطاول من عمري

 

نرى زهرها في مأتم كل ليلة

يُخمّشنَ لهفاً وسطه صفحة البدر

 

ينُحنَ على نجمين أثكلن ذا وذا؛

ويا صبرُ يُعذر في البكاء مدى الدهر

 

بعين سحابٍ واكفٍ، قصرَ دمعها

على كلّ قبر حلّ فيه أخو القطر

 

وبرقٌ ذكيُّ النار حتى كأنها

يُسعّر مما في فؤادي من الجمر

 

 

 

40-

هوى الكوكبان: الفتح ثم شقيقه

يزيد؛ فهل بعد الكواكب من صبر؟

 

أفتحُ لقد فتّحتَ لي باب رحمةٍ

كما بيزيدَ الله قد زاد في أجري

 

هوى بكما المقدار عني ولم أمت

وأُدعى وفيّاً؛ قد نكصتُ إلى الغدر

 

توليتُما، والسنّ بعدُ صغيرةٌ

ولم تلبث الأيامُ أن صغّرت قدري

 

فلو عدتما لأخترتما العودَ للثرى

إذا أنتما أبصرتمانيَ في الأسر

 

يُعيد على سمعي الحديدُ نشيده

ثقيلاً، فيُبكي  العين بالحسّ والنقر

 

معي الأخواتُ الهالكاتُ عليكما

وأمكما الثكلى المضرّمة الصدر

 

تبكي بدمع ليس للقطر مثله

وتزجرها التقوى فتُصغي إلى الزجر

 

أبا خالدٍ، أورثتني الهمّ خالداً؛

أبا نصرَ، مذ ودّعتَ فارقني نصري

 

وقتلكما ما أودعَ القلبَ حسرةً

يجددُ طولَ الدهر ثُكلَ أبي عمروٍ

 

 

 

41-

بكيتُ إلى سرب القطا إذ مررن بي

سوارحَ لا سجنٌ يعوق ولا كبل

 

ولم يكُ، والله المعيد، حسادةً

ولكن حنيناً أنّ شكلي لها شكلُ

 

فأسرحُ لا شملي صديعٌ ولا الحشا

وجميعٌ، ولا عينيان يبكيهما ثُكل

 

هنيئاً لها أن لم يفرّق جميعها

ولا ذاق منها البعد عن أهلها أهل

 

وأن لم تبت مثلي تطير قلوبها

إذا اهتزّ باب السجن أو صلصل القفل

 

لنفسي إلى لقيا الحمام تشوّقٌ

سوائي يحب العيش في ساقه حجل

 

ألا عصم الله القطا في فراخها

فإنّ فراخي خانها الماءُ والظلّ

 

 

 

42-

كنتُ حلفَ الندى ورب السماح

وحبيبَ النفوس والأرواح

 

إذ يميني للبذل يومَ العطايا

ولقبض الأرواح يوم الكفاح،

 

وشمالي لقبض كلّ عنان

يُقحم الخيلَ في هجال الرماح

 

وأنا اليوم رهنُ أسر وفقر

مستباح الحمى مهيض الجناح:

 

لا أجيب الصريخ إن حضر النـا

س ولا المعتفين يوم السماح

 

عاد بِشري الذي عهدتّ عبوساً،

شغلتني الأشجانُ عن أفراحي

 

فالتماحي إلى العيون كريه

ولقد كان نُزهةَ اللمّاح

 

 

 

43-

غريبٌ بأرض المُغربين أسيرُ

سيبكي عليه منبرٌ وسرير

 

وتندبُه البيض الصوارم والقنا

وينهلّ دمعٌ بينهنّ غزير

 

مضى زمنٌ والملكُ مستأنسٌ به

وأصبح منه اليوم وهو نفور

 

برأيٍ من الدهر المضلل فاسد؛

متى صلحت للصالحين دهور؟

 

أذلّ بني ماء السماء زمانهم،

وذلّ بني ماء السماء كبير

 

فأمواهها من البكاء عليهم

تُفاض على الآفاق منها بحور

 

فيا ليت شعري هل ابيتنّ ليلةً

أمامي وخلفي روضةٌ وغدير

 

بمنبتة الزيتون مُورثة العلى

تغنّي حمام أو ترنّ طيور،

 

بزاهرها السامي الذّرى جاده الحيا

تشير الثريّا نحونا ونشير

 

ويلحظنا الزاني وسعد سعوده

غيورين والصبّ المحبّ غيور

 

تراه عسيراً لا يسيراً مناله،

ألا كلّ ما شاء الإله يسير

 

 

 

ولما قيدت قدما، وبعدت عنه رقة الكبل ورحماه، قال يخاطبه:

 

 

 

44-

تعطّف في ساقي تعطف أرقم

يُساورها عضاً بأنياب ضيغم

 

إليك، فلو كانت قيودك أسعرت

تضرّم منها كل كفّ ومعصم

 

مخافة من كان الرجال بسيبه

ومن سيفه في جنةٍ أو جنهم

 

 

 

45-

أبا هاشم، هشمتني الشفار

فلله صبري لذاك الأوار

 

ذكرت شُخيصَك ما بينها

فلم ينثني حبّةً للفرار

 

 

 

46-

قيدي، أما تعلمُني مُسلما؟

أبيتَ أن تشفقَ أو ترحما!

 

دمي شراب لك، واللحم قد

أكلته، لا تهشم الأعظما

 

يبصرني فيك أبو هاشم

فيثني القلبُ وقد هُشما

 

إرحم طفيلاً طائشاً لبّه

لم يخش أن يأتيك مسترحما

 

وارحم أخيّاتٍ له مثله

جرّعتهنّ السمّ والعلقما

 

منهنّ من يفهم شيئاً فقد

خفنا عليه للبكاء العمى

 

والغير لا يفهم شيئاً فما

يفتح إلا لرضاعٍ فما

 

 

 

47-

قبرَ الغريب، سقاك الرائح الغادي؛

حقاَ ظفرت بأشلاء ابن عباد

 

بالحلم، بالعلم، بالنعمى إذ اتصلت

بالخصب أن أجدبوا، بالريّ للصادي؛

 

بالطاعن الضارب الرامي إذا اقتتلوا

بالموت أحمر، بالضرغامة العادي؛

 

بالدهر في نقّمٍ، بالبحر في نعم،

بالبدر في ظلمٍ، بالصدر في النادي

 

نعم هو الحق حاباني به قدرٌ

من السماء فوافاني لميعادي

 

ولم أكن قبل ذاك النعش اعلمه

أن الجبال تهادى فوق أعواد

 

كفاك فارفق بما استودعتَ من كرم،

رواكَ كلّ قطوب البرق رعّاد

 

يبكي أخاه الذي غيّبت وابله

تحت الصفيح بدمع رائح غادي

 

حتى يجودك دمع الطلّ منهمراً

من أعين الزهر لم تبخل بإسعاد

 

ولا تزل صلوات ُ الله دائمةً

على دفينك لا تُحصي بتعداد

 

 

 

48-

أبى الدهر أن يُقني الحياءَ ويندما

وأن يمحوَ الذنبَ الذي كان قدَما؛

 

وأن يتلقىّ وجه عتبيَ وجهه

بعذر يغشي صفحتيه التذمما

 

ستعلمُ بعدي من تكون سيوفه

إلى كل صعب من مراقيك سُلّما

 

سترجع إن حاولتَ دونيَ فتحةً

بأخجلَ من خدّ  المبارز أحجما

 

ابن عبد الصمد 

وبعد أيام وافاه أبو بكر بن عبد الصمد شاعره المتصل به، المتوصل إلى  المنى بسببه؛ فلما كان يوم العيد وانتشر الناس ضحى، وظهر كل متوار وضحّى، قام على قبره عند انفصالهم من مُصلاهم، واختيالهم بزينتهم وحُلاهم. وقال بعد أن طاف بقبره والتزمه، وخرّ على تربه ولثمه:

ملكَ الملوك أسامعٌ فأنادي؟

أم قد عدتك عن السماع عوادي؟

لما خلت منك القصور ولم تكن

فيها كما قد كنتَ في الأعياد

أقبلتُ في هذا الثرى لك خاضعاً

وتخذتُ قبرك موضعَ الإنشاد

قد كنتُ أحسبُ أن تبدّدَ أدمُعي

نيرانَ حزنٍ أضرمَت بفؤادي

فإذا بدمعي كلما أجريته

زادت عليّ حرارةُ الأكباد:

فالعين في التسكاب والتهتان

والأحشاءُ في الإحراق والإيقاد

يا أيها القمر المنير أهكذا

يُمحى ضياءُ النير الوقّاد؟

أفقدتَ عيني مُذ فُقدتّ إنارةً

لحجابها في ظلمة وسواد

ما كان ظني قبل موتك أن أرى

قبراً يضمّ شوامخ الأطواد

الهضبةُ الشمّاء تحت ضريحه

والبحر ذو التيار والأزباد

عهدي بملكٍ وهو طلقٌ ضاحكٌ

متهللُ الصفحات للقصّاد

والمال ذو شمل مُذاذٌ والندى

يهمي، وشمل الملك غيرُ مُذاذ

أيام تخفق حولك الرايات فـو

ق كتائب الرؤساء والأجناد،

والأمر أمرك والزمان مبشّر

بمالكٍ قد أذعنت وبلاد

والخيل تمرح والفوارس تُخني

بين الصوارم والقنا الميّاد

 

بثينة بنت المعتمد 

اسمع كلاميَ واستمع لمقالتي

فهي السلوك بدّت من الأجيـاد

لا تنكروا أني سُبيتُ وأنني

بنتٌ لملكٍ من بني عبّاد

ملكٍ عظيم قد تولى عصره،

وكذا الزمان يؤولُ للإفساد

لما أراد الله فُرقة شملنا

وأذاقنا طعمَ الأسى عن زاد

قام النفاق على أبي في ملكه

فدنا الفراق ولم يكن بمراد

فخرجتُ هاربة فحازنيَ امرؤٌ

لم يأت في أعماله بسداد

إذ باعني بيعَ العبيدِ فضمني

من صانني إلا من الإنكاد

وأرادني لنكاحِ نجلٍ طاهر

حسن الخلائق من بني الأنجاد

ومضى إليك يسوم رأيك في الرضى،

ولأنت تنظر في طريق رشادي

فعساك يا أبتي تعرّفني به

إن كان ممن يُرتجى لودادي

وعسى رُمَيكية الملوك بفضلها

تدعو لنا باليُمن والإسعاد

 

مواعظ تشير إلى هلاك بني عباد 

ما يعلم المرءُ والدنيا تمرّ به

بأنّ صرفَ ليالي الدهر محذورُ

بينا الفتى متردٍّ في مسرّته

وافى عليه من الأيام تغيير

وفرّ من حوله تلك الجيوش كما

تفرّ، إن عاينت صقراً، عصافير

وخرّ خسراً فلا الأيام دُمنَ له

ولا بما وُعد الأحرارُ محبور

من بعد سبعٍ كأحلام تمرّ وما

يرقى إلى الله تهليل وتكبير

يحلّ سوءٌ، بقوم، لا مردّ له،

وما تُردّ من الله المقادير

رُبّ رُكبٍ قد أناخوا عيسهم

في ذرى مجدهمُ حين بسق

سكتَ الدهرُ زماناً عنهم

ثم أبكاهم دماً حين نطق

من عزا المجد إلينا قد صدق

لم يُلم من قال، مهما قال حق

مجدنا الشمس سناءً وسنىً

من يَرُم ستر سناها لم يُطق

أيها الناعي إلينا مجدنا

هل يُضَرّ المجدُ إن خطبٌ طرق؟

لا تُرع للدمع في آماقنا

مزجته بدمٍ أيدي الحُرق

حنقَ الدهرُ علينا فسطا،

وكذا الدهر على حرّ حنق

وقديماً كلفَ المُلكُ بنا

ورأى منا شموساً فعشق

قد مضى منا ملوك شُهروا

شُهرة الشمس تجلت في الأفق

نحن أبناءُ بني ماء السما

نحونا تطمحُ ألحاظُ الحدق

وإذا ما اجتمع الدينُ لنا

فحقيرٌ ما من الدنيا افترق

حججاً عشراً وعشراً، بعدها

وثلاثين وعشرين نسق

أشرقت عشرون من أنفسنا

وثلاثٌ نيّراتٌ تأتلق

 

أبو الحسن عبد الغني الحصري 

مات عبّادٌ ولكـن

بقي الفرعُ الكريم

فكأنّ الميتَ حيّ

غير أن الضاد ميم

 

أبو بكر بن عمار 

1-

أدرِ الزجاجةَ فالنسيمُ قد انبرى

والنجم قد صرف العنانَ عن السرى

 

والصبح قد أهدى لنا كافوره

لما استردّ الليلُ منا العنبرا؛

 

والروض كالحسنا كساهُ زهرُه

وشيا، وقلّده نـداه جوهَرا،

 

أو كالغلام زها بورد رياضه

خجلاً، وتاه بآسهنّ معذّرا

 

روض كأنّ النهر فيه معصمٌ

صافٍ أطلّ على رداءٍ أخضرا

 

وتهزه ريحُ الصبا فتخاله

سيف ابن عبادٍ يبدد عسكرا

 

عبّادٌ المخضرّ نائلُ كفّه

والجوّ قد لبس الرداءَ الأغبرا

 

علقُ الزمان الأخضرُ المُهدي لنا

من ماله العلقَ النفيس الأخطرا

 

ملكٌ إذا ازدحم الملوك بموردٍ

ونحاه لا يردون حتى يصدرا

 

أندى على الأكباد من قطر الندى

والذّ في الأجفان من سنة الكرى

 

يختار إذ يهبُ الخريدةَ كاعباً

والطرفَ أجردَ والحسام مجوهرا

 

قدّاح زند المجد لا ينفكّ عن

نار الوغى إلا ألى نار القرى

 

لا خلقَ أقرأُ من شفار حسامه

إن كنتُ شبّهتُ المواكب أسطرا

 

أيقنتُ أني من داره بجنّة

لمّا سقاني من نداه الكوثرا

 

من لا توازنه الجبال اذا احتبى،

من لا تسابقه الرياح إذا جرى

 

ماضٍ وصدرُ الرمح يكهمُ، والظُّبى

تنبو، وأيدي الخيل تعثر في البرا

 

فإذا الكتائب كالكواكب فوقهم

مِن لامهِم مثل السحاب كنَهْورا

 

من كلّ أبيضَ قد تقلّد أبيضاً

عضباَ، وأسمر قد تأبّط أسمرا

 

ملكٌ يروقك خَلقه وخِلقه

كالروض يحسُن منظراً ومخبرا

 

أقسمتُ باسم الفضل حتى شِمته

فرأيته في بُردتيه مصوّرا

 

وجهلتُ معنى الجو حتى زرته

فقرأته في راحتيه مفسّرا

 

فاح التراب معطّراً بثنائه

حتى حسبنا كلّ تُرب عنبرا

 

وتتوّجت بالزهر صُلعُ هضابه

حتى ظننا كلّ هضب قيصرا

 

هصرت يدي غصنُ الندى من كفه

وجنت به روضُ السرور منوّرا

 

حسبي على الصنع الذي أولاه أنّ

أسعى بجدّ، أو أموتَ فأعذرا

 

يا أيها الملكُ  الذي حاز المنى

وحباه منه بمثل حَمدي أنورا

 

السيف أفصح من زيادٍ خُطبة

في الحرب، إن كانت يمينك منبرا

 

ما زلتَ تغني من عنا لك راجيا

نيلا، وتُفني من عتا وتجبرا

 

حتى حللتَ من الرئاسة محجراً،

رحباً، وضمّت منك طرفاً أحورا

 

شقيَت بسيفك أمةٌ لم تعتقد

إلا اليهود، وإن تسمّت بربرا

 

أثمرتَ رمحك رؤوسَ كُماتهم

لما رأيتَ الغصن يُعشق مثمرا

 

وصبغت درعك من دماء ملوكهم

لما علمتَ الحسنَ يلبسُ أحمرا

 

نمّقتها وشياً بذكرك مُذهباً

وفتقتُها مسكاً بمدحك أذرفا

 

من ذا ينافحني وذكرك صندلٌ

أوردتُه من نار فكري مِجمرا

 

فلئن وجدت نسيم حمديَ عاطراً

فلقد وجدتًّ نسيم برك أعطرا

 

وإليكها كالروض زارتهُ الصبا

وحنا عليه الطلّ حتى نورا

 

 

 

2-

جاهُ الهوى، فاستشعروه، عارُه،

ونعيمه، فاستعذبوه، أوارُه

 

لا تطلبوا في الحبّ عزاً، إنما

عُبدانه في حُكمه أحراره

 

قالوا: “أضرّ بك الهوى”. فأجبتهم:

“يا حبذا وحبّذا إضراره”؛

 

قلبي هو اختار السقام لجسمه

زيّاً، فخلّوه وما يختاره

 

عيّرتموني بالنحول، وإنما

شرف المهنّد أن ترقّ شفاره

 

وشمتّم لفراق من آلفته،

ولربما حجب الهلال سراره

 

أحسبتم السلوان هبّ نسيمه

أو أنّ ذاك النوم عاد غراره

 

إن كان أعيا القلبّ عن حرب الجوى

خذلته من دمعي إذاً أنصاره

 

من قدّ قلبي إذ تثنى قدّه

وأقام عُذري إذ أطلّ عذاره؟

 

أم من طوى الصبحَ المنيرَ نِقابه

وأحاط بالليل البهيم خِماره؟

 

غُصنٌ ولكنّ النفوس رياضه،

رشأٌ ولكن القلوب عراره

 

سخرت ببدرِ التِمّش غٌرّته كما

أزرت على آفاقه أزراره

 

 

 

3-

ألا حيّ بالغرب حيّاً حِلالا

أناخوا جِمالاً وحازوا جَمالا

 

وعرّج بيومينَ أم القرى

ونم فعسى أن تراها خيالا

 

لتسأل عن ساكنيها الرمادَ

ولم تر للنار فيها اشتعالا

 

تخيّرتهامن بنات الهجين

رُميكيّةً ما تساوي عِقالا

 

فجاءت بكل قصير العذار

لئيم النجارين عمّاً وخالا،

 

قصارُ القدود ولكنهم

أقاموا عليها قروناً طِوالا

 

أتذكرُ أيامنا بالصِبى

وأنت إذا لُحت كنتَ الهلالا؟

 

أُعانقُ منك القضيب الرطيب

وأرشف من فيك ماءً زلالا

 

وأقنعُ منك بدون حرام

فتقسّمُ جُهدَك ان لا، حلالا

 

سأكشفُ عِرضكَ شيئاً فشيئاً

وأهتك سِترك حالا فحالا

 

فيا عامر الخيل يا زيدَها

منعتَ القِرى وأبَحتَ العيالا

 

 

 

4-

قالوا: “أتى الراضي”. فقلتُ: “لعلها

خُلعت عليه من صفات أبيه،

 

فألٌ جرى فعسى المؤيّد واهباً

لي، من رضاه ومن أمان أخيه”

 

قالوا: “نعم”، فوضعتُ خدّي في الثرى

شكراً له وتيمّناً ببنيه

 

يا أيها الراضي، وإن لم تلقَني

من صفحة الراضي بما أدريه

 

هبكَ احتجبت لوجه عُذرٍ بينٍ،

بذلُ الشفاعة أيّ عذرٍ فيه؟

 

سهّل على يدك الكريمةِ أحرفاً

فيمن أسرت فتثني تفديه

 

 

 

5-

سجاياك، إن عافيتً، أندى وأسجع

وعذرُك، إن عاقبتَ، أجلى وأوضح

 

وإن كان بين الخُطتين مزيّةٌ

فأنت، إلى الأدنى من الله، أجنح

 

حنانيك في أخذي برأيك، لا تُطع

عداتي ولو أثنوا عليك وأفصحوا

 

وماذا عسى الواشون أن يتزيدوا

سوى أن ذنبي واضح متصحح

 

نعم ليَ ذنب، غير أن لِحمه

صفاتٍ يزلّ الذنبُ عنها فيسفح

 

فإنّ رجائي أنّ عندك غير ما

يخوض عدوّي اليوم فيه ويمرحُ

 

ولم لا وقد أسلفتُ وُدّاً وخدمة

يكرّان في ليل الخطايا فيُصبحُ

 

وهبني وقد  أعقبتُ أعمالَ مفسدٍ

أما تفسُد الأعمالُ ثُمّتَ تصلح؟

 

أقلني بما بيني وبينك من رضىً

له نحو روح الله باب مفتّح

 

وعفّ على آثار جُرم جنيته

بهبّة رُحمى منك تمحو وتمصَح

 

ولا تلتفت قولَ الوشاة ورأيهم،

فكلّ إناءٍ بالذي فيه يرشح

 

سيأتيك في أمري حديثٌ وقد أتى

بزورِ بني عبد العزيز موشَح

 

وما ذاك إلا ما علمتَ فإنني

إذا تُبتُ لا أنفكّ آسو وأجرح

 

تخيّلتهم، لا درّ لله درّهم،

أشاروا تجاهي بالشمات وصرّحوا

 

وقالوا: “سيجزيه فلانٌ بفعله”،

فقلتُ: “وقد يعفوا فلانٌ ويصفح”

 

ألا إن بطشاً للمؤيّد يرتمي

ولكنّ حِلماً للمؤيّد أرجحُ

 

وبين ضلوعي من هواه تميمةٌ

ستنفع لو أنّ الحِمام مجلّح

 

سلامٌ عليه كيف دار به الهوى:

إليّ فيدنو، أو عليّ فينزح

 

ويهنيهِ، إن متّ، السلوّ فإنني

أموت ولي شوق إليه مبرّح

 

أبو بكر محمد بن اللبانة 

1-

تبكي السماءُ بمُزن رائح غادي

على البهاليل من أبناء عبّاد

 

على الجبال التي هُدّت قواعدها

وكانت الأرض منهم ذات أوتاد

 

والرابيات عليها اليانعات ذوت

أنوارها، فغدت في خفض أوهاد

 

عِرّيسةٍ دخلتها النائبات على

أساودٍ لهمُ فيها وآساد

 

وكعبةٍ كانت الآمال تخدمها

فاليوم لا عاكفٌ فيها ولا باد

 

يا ضيفُ أقفرَ يبيتُ المكرمات فخذ

في ضمّ رَحلك واجمع فضلَه الزاد

 

ويا مؤملٍ واديهم ليسكنه

خفّ القطين وجفّ الزرعُ بالوادي

 

ضلّت سبيل الندى بابن السبيل فسرْ

لغير قصد فما يهديك من هادي

 

وأنت يا فارسَ الخيل التي جعلت

تختال في عُددٍ منهم وأعداد

 

ألق السلاحَ وخلِّ المشرفيّ فقد

أصبحتَ في لهوات الضيغم العادي

 

تلك الرماح رماح الحظّ ثقّفها

صرْف الزمان ثِقافاً غير معتاد

 

والبيض بيض الظبى فلّت مضاربها

أيدي الرّدى وثنتها دون أغماد

 

لما دنا الوقتُ لم تُخلف به عدّة،

وكلّ شيء لميقاتٍ وميعاد

 

كم من دراريّ سعد قد هوت ووهت

هناك من دررٍ للمجد أفراد

 

إن يُخلَعوا فبنوا العباس قد خُلعوا

وقد خلت قبل حمصٍ بغداد

 

حَموا حريمهم حتى إذا غُلبوا

سِيقوا على نسقٍ في حبل مقتاد

 

وأنزلوا عن متون الشُهب واحتُملوا

فُويقَ دُهمٍ لتلك الخيل أنداد

 

وعِيثَ في كل طوق من دروعهم

فصيغ منهنّ أغلالٌ لأجياد

 

نسيتُ الا غداةَ النهر كونهم

في المنشئاتِ كأموات بألحاد

 

والناس قد ملأوا العبرين واعتبروا

من لؤلؤٍ طافياتٍ فوق أزباد

 

حُطّ القِناعُ فلم تُستر مُخدّرةٌ

ومُزّقت أوجهٌ تمزيقَ أبراد

 

حان الوداع فضجّت كلّ صارخة

وصارخ من مُفدّاةٍ ومن فاد

 

سارت سفائنهم والنوح يصحبها

كأنها إبلٌ يحدو بها الحادي

 

كم سال في الماء من دمع، وكم حملت

تلك القطائع من قطعات أكباد

 

من لي بكم يا بني ماء السماء إذا

ماءُ السماءِ أبى سُقياَ حشى الصادي

 

 

 

2-

لكلّ شيء من الأشياء ميقاتُ

وللُمنى من مناياهنّ غاياتُ

 

والدهر في صبغة الحِرباء مُنغمسٌ

ألوانُ حالاته فيها استحالات

 

ونحن من لُعبِ الشطرنج في يده

وربما قُمرت بالبيذق الشاة

 

فانفض يديك من الدنيا وساكنها

فالأرض قد أقفرت والناس قد ماتوا

 

وقل لعالمها السُفليّ قد كتمت

سريرةَ العالم العُلويّ أغمات

 

طوت مظلّتها لا بل مذلتها

من لم تزل فوقه للعز رايات

 

من كان بين الندى والبأس أنصُله

هنديةٌ، وعطاياه هُنيداتُ

 

رماه من حيث لم تستُره سابغةٌ

دهر مصيباته نُبلٌ مصيبات

 

وكان ملء عيان العين تُبصره

وللأمانيَ في مرعاه مرعاة

 

انكرتُ إلا التواءات القيود به

وكيف تنكر في الروضات حيات

 

غلطتّ بين همايينٍ عقدن له

وبينها، فإذا الأنواع أشتات

 

وقلتُ هن ذؤابات فكم عُكست

من رأسه نحو رجليه الذؤابات

 

حسبتها من قناه أو أعنّته

إذا بها لثقاف المجد آلات

 

دروه ليثاً فخافوا منه عاديةً،

عذرتهم فلعدوى الليث عادات

 

 

 

3-

بنفسي وأهلي جبرة ما استعنتم

على الدهر إلا وانثنيت مُعانا

 

أراشوا جناحي ثمّ بلّوه بالندى

فلم أستطع من أرضهم طيرانا

 

ابن حمديس 

1-

عذّبتِ رِقّةَ قلبي

ظُلماً بِقسوة قلبك

 

وسُمتِ جسميَ سُقماً

وما شفيتِ بطبك

 

أسخط كلّ عدوّ

رضيته لمحبك؟

 

من لي بصبر جميل

على رياضة صعبك؟

 

فيا تشوّق بُعدي

إلى تسنّم قربك

 

أما ومُرسل زحف

يُغري بتقبيل كُعبك

 

ووجنة غمستها

في الورد صنعةُ ربّك

 

لقد جنحتِ لسلمي

كما جنحتُ لحَربك

 

فبالدلال الذي زا

د في ملاحة عُجبك

 

ونعّميني بعُتبي

فقد شقيتُ بعتبك

 

 

 

2-

ويا عجباً من روضة زاد طيفُها

جفوناً من التهويم فيها توهّم

 

ألمّ بساقي عبرةٍ حدّ قفرة

بمنسم حرف كلما بُلّ يُلطّم؟

 

وأهدي أريجاً من شذاها ودونها

لمقتحم الأهوال سهبٌ وخِضرم

 

وللصبح نور في الظلام كما اكتسى

جميماً، بطول الركض في الصدر أدهم

 

أحنّ إلى أرضي التي في ترابها

مفاصل من أهلي بَلينَ وأعظم

 

كما حنّ في قيد الدجى بمضلّة

إلى وطن عودٌ من الشوق يرزُم

 

وقد صفرت كفّايَ من ريق الصبا

ومنيَ ملآنٌ بذكر الصبا فمُ

 

 

 

3-

نفى همّ شيبي سرورَ الشباب

لقد أظلم الشيبُ لما أضاء

 

أتعرف لي عن شبابي سُلوا

ومن يجد الداءَ يبغ الدواءَ

 

وريح خفيفة النسيم

أطّت وهبّت رخاءَ

 

سرت وحياها شقيق الحياة

على ميّت الأرض تُبكي السماءَ

 

فبتّ من الليل في ظلمة

فيا غرُة الصبح هاتي الضياء

 

ويا ريح إما مريتِ الحيا

ورويّت منه الربوع الظماءَ

 

ولا تُعطشي طللا بالحمى

تدانى على مُزنة أو تناءى

 

ولي بينها مُهجة صبّة

تزودتُ في الجسم منها ذماء

 

ديار تمشّت إليها الخطوب

كما تتمشى الذئاب الضراء

 

صحبتُ بها في الغياض الأسودُ

وزرت بها في الكناس الظباء

 

وراءَك، يا بحر، لي جنةٌ

لبستُ النعيم بها لا الشقاء؛

 

إذا أنا حاولتُ منها صباحاً

تعرضتّ من دونها لي مساء

 

فلو أنني كنتُ أُعطى المنى

إذا منع البحر منها اللقاء

 

ركبتُ الهلال به زورقاً

إلى أن أعانق فيها ذُكاء

 

 

 

4-

ولو أنّ أرضي حُرّة لأتيتها

بعزم يعدّ السير ضربة لازب

 

ولكنّ أرضي كيف لي بفكاكها

من الأسر في أيدي العلوج الغواصب؟

 

أحين يعاني أهلها طوع فتنةٍ

يُضرّم فيها ناره كل حاطب؟

 

ولم يرحم الأرحام منه أقارب

تُروّي سيوفاً من نجيع أقارب

 

وكان لهم جذب الأصابع لم يكن

رواجبٍ منها حانياتٍ رواجب؟

 

حُماةٌ إذا أبصرتهم في كريهة

رضيتَ من الآساد عن كل غاصب

 

إذا ضاربوا في مأزق الضرب جرّدوا

صواعقَ من أيديهمُ في سحائب

 

لهم يومَ طعنِ السمر أيدٍ مبيحةٌ

كلى الأسد في كرّاتهم للثعالب

 

تخبّ بهم قبٌّ يُطيل صهيلها

بأرض أعاديهم نياح النوادب

 

مؤللة الآذان تحت إلالهم

كما حُرّقت بالبري أقلام كاتب

 

إذا ما أدارتها على الهام خلتها

تدور لسمع الذكر فوق الكواكب

 

إذا ما غزوا في الروم كان دخولهم

بطون الخلايا في متون السلاهب

 

يموتون موت العزّ في حومة الوغى

إذا مات أهل الجبن بين الكواعب

 

حشوا من عجابات الجهاد وسائداً

تُعدّ لهم في الدفن تحت المناكب

 

أحسّ حنين الثبت للموطن الذي

مغاني غوانيه إليه جواذبي

 

ومن يك أبقى قلبه رسمَ منزل

تمنى له بالجسم أوبة آيب