عبيد بن الأبرص

عَبيد بن الابرص
توفي نحو 600م – 25 ق هـ

هو عَبيد بن الابرص بن حنتم بن عامر ، وقيل ابن جشم بن عامر بن مالك من بني أسد . يتصل نسبه بمضر . عاش على ما ذُكر اكثر من مئة سنة .

كان عبيد من سادات قومه وفرسانهم المشهورين . عُرف عنه انه من دهاة العرب المحتكمين، يرجع اليه للفصل في المنازعات . نسجت حول موته الاساطير ، فروى صاحب الاغاني اسطورة موته في صورتين . على ان الروايتين اتفقتا في ان مقتله جاء على يد المنذر بن ماء السماء .

يعتبر شِعر عَبيد من شعر الجاهلية الاولى بما يمتاز به من مادة فطرية وصدق وتعدد الموضوعات في القصيدة الواحدة . لغته خشنة جافة عويصة القوافي . أكثر شعره في وصف الديار الخالية ووصف الناقة والحرب . أوزانه مضطربة يشوبها الضعف والقلقلة . يظهر من بعض شعره اهتمامه بامور الحياة : في الحكمة والاخلاق والسلوك الاجتماعي . وتبدو من خلال هذا الشعر ملامح فكرية لمذاهب فلسفية وعقائدية مثل التقمص والمادية وبعض آراء في الحياة والموت . وقد أكد بعض هذه الاراء في واحدة من اهم قصائده ” المُجهرة ” اذ جاهر بتأييده للعقيدة الجبرية ولنظرته القائلة بقبول الحياة والموت كما هي .

جاء في كتاب الأغاني: ((اسمه ونسبه قال أبو عمرو الشيباني: هو عبيد بن الأبرص بن حنتم بن عامر بن مالك بن زهير بن مالك بن الحارث بن سعد بن ثعلبة بن دودان بن أسد بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر. شاعر فحل فصيح من شعراء الجاهلية، وجعله ابن سلام في الطبقة الرابعة من فحول الجاهلية، وقرن به طرفة وعلقمة بن عبدة وعدي بن زيد.

شاعر ضائع الشعر أخبرنا أبو خليفة، عن محمد بن سلام، قال: عبيد بن الأبرص قديم الذكر، عظيم الشهرة، وشعره مضطرب ذاهب لا أعرف له إلا قوله في كلمته:

أقفر من أهله ملحوب

ولا أدري ما بعد ذلك.

أخبرنا عبد الله بن مالك النحوي الضرير، قال: حدثنا محمد بن حبيب، عن ابن الأعرابي وأبي عمرو الشيباني، قالا: كان من حديث عبيد بن الأبرص أنه كان رجلا محتاجا، ولم يكن له مال، فأقبل ذات يوم ومعه غنيمة له، ومعه أخته ماوية، ليوردا غنمهما الماء، فمنعه رجل من بني مالك بن ثعلبة وجبهة، فانطلق حزينا مهموما للذي صنع به المالكي، حتى أتى شجرات فاستظل تحتهن، فنام هو وأخته، فزعموا أن المالكي نظرا إليه وأخته إلى جنبه، فقال:

ذاك عبيد قد أصاب مـيا

يا ليته ألقحهـا صـبـيا

فحملت فوضعت ضاوياً

فسمعه عبيد، فرفع يديه، ثم ابتهل، فقال: اللهم إن كلان فلان ظلمني، ورماني بالبهتان فأدلني منه – أي اجعل لي منه دولة، وانصرني عليه – ووضع رأسه فنام، ولم يكن قبل ذلك يقول الشعر.

يهبط عليه الشعر من السماء في النوم فذكر أنه أتاه آت في المنام بكبة من شعر، حتى ألقاها في فيه، ثم قال: قم، فقام وهو يرتجز: يعني بني مالك؛ وكان يقال لهم بنو الزنية يقول:

أيا بني الزنية ما غرّكـم

فلكم الويل بسربال حجر

ثم استمر بعد ذلك في الشعر، وكان شاعر بني أسد غير مدافع.

القيس أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي، قال: حدثنا أبو غسان دماذ، عن أبي عبيدة، قال: اجتمعت بنو أسد بعد قتلهم حجر بن عمرو والد امرئ القيس إلى امرىء القيس ابنه على أن يعطوه ألف بعير دية أبيه؛ أو يقيدوه من أي رجل شاء من بني أسد، أو يمهلهم حولا؛ فقال: أما الدية فميا ظننت أنكم تعرضونها على مثلي، وأما القود فلو قيد إلي ألف من بني أسد ما رضيتهم؛ ولا رأيتهم كفؤا لحجر، وأما النظرة فلكم، ثم ستعرفونني في فرسان قحطان، أحكم فيكم ظبا السيوف وشبا الأسنة، حتى أشفي نفسي، وأنال ثأري، فقال عبيد ابن الأبرص في ذلك: صوت

يا ذا المخوفنا بقـتـل

أبـيه إذلالا وحـينـا

أزعمت أنك قد قتلـت

سراتنا كذباً ومـينـا؟

هلا على حجر ابن أم

م قطام تبكي لا علينـا

إنا إذا عض الـثـقـا

ف برأس صعدتنا لوينا

نحمي حقيقتنا وبعـض

الناس يسقط بين بينـا

هلا سألت جموع كندة

يوم ولـوا أين أينـا؟

الغناء لحنين رمل في مجرى الوسطى مطلق عن الهشامي، وفيه ليحيى المكي خفيف ثقيل: قال: وتمام هذا الأبيات:

أيام نضرب هامهـم

ببواتر حتى انحنينـا

وجموع غسان الملو

ك أتينهم وقد انطوينا

لحقاً أيا طلهـن قـد

عالجن أسفارا وأينا

والأياطل: الخواصر أي هن ضوامرها؟:

نحن الألى فاجمع جمـو

عك ثم وجههـم إلـينـا

واعـلـم بـأن جـيادنـا

آلين لا يقـضـين دينـا

ولقد أبحنا مـا حـمـي

ت ولا مبيح لما حمينـا

هذا ولو قدرت عـلـي

ك رماح قومي ما انتهينا

حتى تـنـوشـك نـوشة

عاداتهن إذا انـتـوينـا

نغلي السباء بـكـل عـا

تقة شمول ما صحونـا

بن زياد الكلبي، عن الشرقي بن القطامي: قال: كان المنذر بن ماء السماء قد نادمه رجلان من بني أسد، أحدهما خالد بن المضلل، والآخر عمرو بن مسعود ابن كلدة، فأغضباه في بعض المنطق، فأمر بأن يحفر لكل واحد حفيرة بظهر الحيرة، ثم يجعلا في تابوتين، ويدفنا في الحفرتين، ففعل ذلك بهما، حتى إذا أصبح سأل عنهما، فأخبر بهلاكهما، فندم على ذلك، وغمه، وفي عمرو ابن مسعود وخالد بن المضلل الأسديين يقول شاعر بني أسد:

يا قبر بين بيوت آل محرق

جادت عليك رواعد وبروق

أما البكاء فقل عنك كثـيره

ولئن بكيت فللبكاء خلـيق

ثم ركب المنذر، حتى نظر إليهما، فأمر ببناء الغريين عليهما، فبنيا عليهما، وجعل لنفسه يومين في السنة يجلس فيهما عند الغريين، يسمي أحدهما يوم نعيم، والآخر يوم بؤس، فأول من يطلع عليه يوم نعيمه يعطيه مائة من الأبل شوما أي: سودا، وأول من يطلع عليه يوم بؤسه يعطيه رأس ظربان أسود، ثم يأمر به، فيذبح ويغرى بدمه الغريان، فلبث بذلك برهة من دهره.

يقتل في يوم بؤس المنذر ثم إن عبيد بن الأبرص كان أول من أشرف عليه في يوم بؤسه، فقال: هلا كان الذبح لغيرك يا عبيد؟ فقال: أتتك بحائن رجلاه، فأرسلها مثلا، فقال له المنذر: أو أجل بلغ إناه، فقال له المنذر: أنشدني، فقد كان شعرك يعجبني، فقال عبيد: حال الجريض دون القريض، وبلغ الحزام الطبيين. فأرسلها مثلا، فقال له النعمان: أسمعني، فقال: المنايا على الحوايا، فأرسلها مثلا، فقال له آخر: ما أشد جزعك من الموت، فقال: لا يرحل رحلك من ليس معك فأرسلها مثلاً، فقال له المنذر: قد أمللتني، فأرحني قبل أن آمر بك، فقال عبيد: من عز بز فأرسلها مثلاً، فقال المنذر: أنشدني قولك:

أقفر من أهله ملحوب

فقال عبيد: صوت

أقفر من أهله عبـيد

فليس يبدي ولا يعيد

عنت له عنة نكـود

وحان منها له ورود

فقال له المنذر: يا عبيد، ويحك، أنشدني قبل أن أذبحك، فقال عبيد:

والله إن مت لمـا ضـرنـي

وإن أعش ما عشت في واحده

فقال المنذر: إنه لابد من الموت، ولو أن النعمان عرض لي في يوم بؤس لذبحته، فاختر إن شئت الأكحل، وإن شئت الأبجل، وإن شئت الوريد، فقال عبيد: ثلاث خصال كسحابات عاد واردها شر وراد، وحاديها شر حاد، ومعادها شر معاد، ولا خير فيه لمرتاد، وإن كنت لا محالة قاتلي فاسقني الخمر، حتى إذا ماتت مفاصلي، وذهلت لها ذواهلي فشأنك وما تريد، فأمر المنذر بحاجته من الخمر، حتى إذا أخذت منه، وطابت نفسه، دعا به المنذر، ليقتله، فلما مثل بين يديه أنشأ يقول:

وخيرني ذو البؤس في يوم بـؤسـه

خصالاً أرى في كلها الموت قد برق

كما خيرت عاد من الـدهـر مـرة

سحائب ما فيها لـذي خـيرة أنـق

سحائب ريح لـم تـوكـل بـبـلـدة

فتتركها إلا كمـا لـيلة الـطـلـق

فأمر به المنذر، فقصد، فلما مات غري بدمه الغريان.

طائي يفد على المنذر في يوم بؤسه فلم يزل كذلك حتى مر به رجل من طيء ، يقال له: حنظلة بن أبي عفراء، أو ابن أبي عفر، فقال له: أبيت اللعن، والله ما أتيتك زائرا، ولأهلي من خيرك مائرا فلا تكن ميرتهم قتلي، فقال: لابد من ذلك فاسأل حاجة أقضينها لك، فقال: تؤجلني سنة أرجع فيها إلى أهلي، وأحكم من أمرهم ما أريد، ثم أصير إليك، فأنفذ في حكمك، فقال: ومن ييكفل بك حتى تعود؟ فنظر في وجوه جلسائه، فعرف منهم شريك بن عمرو: أبا الحوفزان بن شريك، فأنشد يقول:

يا شريك يابن عمرو

ما من الموت محاله

يا شريك يا بن عمرو

يا أخا من لا أخا له

يا أخا شيبان فك الي

وم رهنا قد أنـالـه

يا أخا كل مضـاف

وحيا من لا حيا لـه

إن شيبـان قـبـيل

أكرم الله رجـالـه

وأبوك الخير عمرو

وشراحيل الحمالـه

رقياك اليوم في المج

د وفي حسن المقالة

شريك بن عمرو يضمن الطائي فوثب شريك، وقال: أبيت اللعن، يدي بيده، ودمي بدمه إن لم يعد إلى أجله، فأطلقه المنذر، فلما كان من القابل جلس في مجسله، ينتظر حنظلة أن يأتيه، فأبطأ عليه، فأمر بشريك، فقرب، ليقتله.

الطائي يفي بعهده فلم يشعر إلا براكب قد طلع عليهم، فتأملوه، فإذا هو حنظلة قد أقبل متكفنا متحنطا معه نادبته تندبه، وقد قامت نادبة شريك تندبه، فلما رآه المنذر عجب من وفائهما وكرمهما، فأطلقهما، وأبطل تلك السنة.

رواية أخرى لقصة مصرع عبيد أخبرني الحسن بن علي قال: حدثني عبد الله بن أبي سعد قال: حدثنا علي بن الصباح، عن هشام بن الكلبي، قال: كان من حديث عبيد بن الأبرص وقتله أن المنذر بن ماء السماء بنى الغريين، فقيل له: ما تريد إليهما؟ وكان بناهما على قبري رجلين من بني أسد كانا نديميه، أحدهما خالد بن المضلل الفقعسي، والآخر عمرو بن مسعود، فقال: ما أنا بملك إن خالف الناس أمري، لا يمرن أحد من وفود العرب إلا بينهما، وكان له يومان في السنة يوم يسميه يوم النعيم، ويوم يسميه يوم البؤس، فإذا كان في يوم نعيمه أتي بأول من يطلع عليه، فحياه، وكساه، ونادمه يومه، وحمله، فإذا كان يوم بؤسه أتي بأول من يطلع عليه، فأعطاه رأس ظربان أسود، ثم أمر به فذبح وغري بدمه الغريان، فبينا هو جالس في يوم بؤسه إذ أشرف عليه عبيد، فقال لرجل كان معه: من هذا الشقي؟ فقال له: هذا عبيد بن الأبرص الأسدي الشاعر، فأتي به فقال له الرجل الذي كان معه: اتركه – أبيت اللعن – فإني أظن أن عنده من حسن القريض أفضل مما تدرك في قتله فاسمع منه، فإن سمعت حسنا استزدته، وإن لم يعجبك فما أقدرك على قتله. فإذا نزلت فادع به، قال: فنزل، وطعم وشرب، وبينه وبين الناس حجاب ستر يراهم منه ولا يرونه، فدعا بعبيد من وراء الستر، فقال له رديفه: هلا كان الذبح لغيرك يا عبيد! فقال: أتتك بحائن رجلاه، فأرسلها مثلا، فقال: ما ترى يا عبيد؟ قال: أرى الحوايا عليها المنايا. فقال: فهل قلت شيئاً؟ فقال: حال الجريض دون القريض، فقال: أنشدني.

أقفر من أهله ملحوب

فقال:

أقفر من أهله عبـيد

فليس يبدي ولا يعيد

عنت له خطة نكود

وحان منها له ورود

فقال أنشدنا:

هي الخمر تكنى بأم الطلى

كما الذئب يكنى أبا جعده

وأبى أن ينشدهم شيئاً مما أرادوا، فأمر به، فقتل.

المرجع: كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني