طريق الحرير عبر التاريخ :من الصين الى سواحل المشرق

طريق الحرير عبر التاريخ :

من الصين الى سواحل المشرق

نجاتي صدقي

نشر المقال في آب / اغسطس 1962 ، العدد الثاني والعشرون ، الرائد العربي

الحرير في التاريخ

كان الصينيون او من عرف خيط الحرير وصنعوا منه المنسوجات الحريرية وابدوا عناية خاصة بتربية دود الحرير .  ويعتقد ان ذلك يعود الى سنة 2650 قيل الميلاد ، وأصبح الحرير متذ ذلك الوقت موضع اهتمام ملوك الصين القدامى ورعايتهم له . وفي تلك الحقبة من الزمن الغابر افتتح الصينيون ما اصبح يعرف تاريخياً باسم ” طريق الحرير ” . وقد أطلق عليه هذا الاسم الجميل العالم الجغرافي الالماني فرديناند فون ريختهوفن .

في البدء اتجه هذا الطريق غرباً من مدينة ” هسي – آن ” في شرق الصين نحو مدينة فونهوان ، حيث كان يتفرع الى ثلاث شعاب : جنوبية تمر بمدينة شوتان وشمالية تمر بمدينة توران ووسطى تمر بمدينة لولان ، ثم تلتقي هذه الشعاب الثلاث في مدينة قاشغار في شرقي التركستان ومنها تمر مجتمعة في غرب التركستان فايران الى ان تصل الى الساحل الشمالي الشرقي للبحر الابيض المتوسط . إنه أقدم وأطول طريق في العالم ، يمتد حوالى ستة الآف ميل . وقد أقفل هذا الطريق في القرن التاسع للميلاد ، ثم أعيد فتحه في القرن الثالث عشر للميلاد على يد الرحالة الشهير ماركو بولو. ومما لا ريب فيه ان طريق الحرير هذا ، عبر آسيا ، قد مثل دوراً مهماً في تنمية العلاقات التجارية والثقافية بين الشرق والغرب ، ومع ذلك ظل خيط الحرير ذاته سراً غامضاً بالنسبة لاوروبا حتى القرن السادس للميلاد . وقد جاء في قصيدة لاحد شعراء الرومان في القرن الاول للميلاد ” ان الحرير يستخرج من لحاء الشجر ” !.. كما ان اليابايين الذين بلغتهم صناعة الحرير في القرن الثاني للميلاد عن طريق بعض الكوريين الذين استوطنوا اليابان ، لم يكونوا ليعرفوا قبل ذلك التاريخ كيف يصنع خيط الحرير العجيب . وجاء في أدبهم ” ان رجلاً مشعوذاً يضع في فمه شرنقة عجيبة ويسحب منها خيطاً طوله فرسخ ” ! ..

إزدهرت صناعة الحرير في اليابان بسبب وجود التوت البري بكثرة في اراضيها ، وهو غذاء دودة الحرير الاوحد . ومن ثم عمد البلاط الامبراطوري ونبلاء اليابان الى تعليم الشعب تربية دود الحرير فأخذ بها وأتقنها . ومن ان حل القرن الثامن للميلاد حتى صدر قانون امبراطوري يأمر جميع المزارعين بزرع شجيرات التوت البرية . ودخل الحرير الصيني الى بلاد الاغريق عن طريق التيبت قبل 2500 سنة ، أي حوالى 500 سنة قبل الميلاد . وعرفته الامبراطورية الرومانية بعد ذلك بوقت غير طويل . وكان الحرير في تلك الازمنة نادر الوجود ، باهظ الثمن ، لا يستعمله سوى الاباطرة والنبلاء .

بلغت صناعة الحرير القسطنطينية عن طريق ايران في اواسط القرن السادس للميلاد . وعندما جاءت الحروب الصليبية في القرن الثاني عشر ، حملت معها صناعة الحرير الى ايطاليا ، ثم انتقلت تلك الصناعة الى فرنسا في القرن الرابع عشر ، فانكلنرا في القرن السابع عشر ، وأنشيء اول منبت للحرير في الولايات المتحدة عند نهاية القرن الثامن عشر .

ولما كان خيط الحرير الصيني نادراً ، وصناعته لا تتعدى بيوت حكام اوروبا ونبلائها ، فقد عمد الصناع في الامبراطورية الرومانية ، وفي بيزنطيا فيما بعد ، الى خلط خيط الحرير بخيوط اخرى . وكان معظم هذه الانسجة الحريرية يستعمل للتظاهر بالوجاهة والثراء ، او بمثابة أردية للاموات من النبلاء ، كما ان الكنيسة أخذت تلف ، فيما بعد ، القديسين بالحرائر النفيسة الخالصة منها والممتزجة . وهكذا نشطت صناعة الحرير في سورية وايران وتركيا ومصر ، فاوروبا . ونجد مجموعة رائعة من هذه الحرائر في صندوق ذخائر القديس لاندارد في مونستر من اعمال بروسيا ، وقد صنعت في مدينة حلب السورية في القرن السابع للميلاد .

صار خيط الحرير وسيلة لتخليد الاعمال الفنية الرائعة ، وقد بقي منها الستارة الحريرية الفارسية التي تمثل عربة تقودها اربعة رؤوس خيل ويسوسها اله الشمس ميرزا ، وهي من صنع ايراني ، وكذلك الستارة التي تمثل اسدين موحدين مستندين الى جذع شجرة ، أي انهما يحرسان ” هوم ” الشجرة المقدسة عند الاشوريين ، وكلتاهما محفوظتان في المتحف الملكي للفنون والتاريخ في بروكسيل .

عندما جاء الفتح العربي في القرنين السابع والثامن للميلاد وأخضع مناطق واسعة الاطراف تمتد من الهند الى اسبانيا ، حمل معه صناعة الحرير ، وقامت في كل مكان من الامبراطورية معامل لتربية دودة الحرير واستخراج خيطه ونسجه في اشكال مختلفة لسد حاجات بلاطات الخلفاء الذين يتقاصمون السلطات الدينية والدنيوية . وهكذا  بدأنا نرى صناع الحرير، ابان خلافة بغداد العباسية ، في شمال افريقيا وصقلية واسبانيا ، يصورون اماني شعوبهم على الحرير او بخيط الحرير. كما ان المدنية الاسلامية تبنت بعض التقاليد اليونانية والايرانية في الرسم والتطريز على الحرير وادرجتها في منسوجاتها . واخذ النبوغ العربي في صناعة الحرير يتألق بدأ من القرن الحادي عشر ، فبرزت الرسوم العربية الهندسية التي عرفت فيما بعد باسم  ارابسك والخطوط الكوفية لتجابه رسوم الحيونات والعقبان والنسور والمخالب التي كانت سائدة قبل الفتح الاسلامي .

كان لايطاليا اليد الطولى في صناعة الحرير ، خاصة في مدينتي لوكس وتوسكانيا ، ونشطت فيها في القرن الرابع عشر ، بسبب انحطاط هذه الصناعة عند منافسيها ، فتوسعت تجارتها مع بلدان المشرق البحرية عن طريق مدن فينيسيا وجنوى وبيزا ، وأخذت الرسوم الحريرية تتناول المعالم الحية من طيور وحيوانات ونباتات وقصور ونوافير الماء والمراكب . وفي القرن الخامس عشربدأ طابع الهدوء يغلب على المصنوعات الحريرية الايطالية ، فازدهرت صناعة الالبسة الحريرية والاقمشة الحريرية الملونة التي كانت تستعمل في المهرجانات والاعياد العامة . واستمرت نهضة صناعة الحرير في ايطاليا في القرن السادس عشر ،متأثرة بعصر النهضة . فكانت الرسوم الحريرية المتناسقة ، تتوسطها باقات من الزهور ، او مزهريات فيها ورود .

اما في فرنسا ، فقد ازدهرت صناعة الحرير في القرن السابع عشر، أي في اواخر حكم لويس الرابع عشر ، فاشتهرت مدينة ليون بهذه الصناعة . وكان لوزير فرنسا الكبير جان بابتيست كولبير ( 1619 – 1683 ) أثره البارز في تنشيط انتاج خيط الحرير وتصنيعه . وما ان حل القرن الثامن عشر حتى أصبح لصناعة الحرير في فرنسا طابع خاص بها ، وشاعت الالبسة الحريرية بين النساء والرجال على السواء مثل القمصان والسراويل والثياب الداخلية والتخاريم والفساطين والمناديل والاشرطة المطرزة على انواعها . وانصرف الفنانون في ايام حكم لويس الخامس عشر الى استخدام الحرير في نقش لوحات ترمز الى الطبيعة وازدانت بها القصور الملكية وصالونات النبلاء . ونخص ، هنا ، بالذكر صالون محظية الملك وراعية الادب والفن ، المركيزة انطوانيت دي بومبادور ، وصالون محظية الملك الثانية مدام جان دي باري التي انهت حياتها على المقصلة ابان الثورة الفرنسية . وكان ابرز صانع للحرير في ليون وقتئذ شخص يدعى فيليب ده لاسال . وأذكر بهذه المناسبة انني حين كنت في باريس منذ سنتين زرت المسرح الملكي القديم في فرساي ، فأفادني الدليل ان مقاعد المسرح وستائره مصنوعة من حرير ليون الخالص ، وانهم جددوا فرش هذه المقاعد والستائر مؤخراً بالقماش الحريري ذاته ، بعد ان وجدوا كميات منه محفوظة حتى ايامنا هذه في مخازن الحرير القديمة التي كانت تخص فيليب ده لاسال المذكور .

بلغت صناعة الحرير الذروة في اسبانيا منذ نهاية القرن الثالث عشر ، واشتهرت غرناطة في القرنين الرابع عشر والخامس عشر بمصنوعاتها الحريرية . وقد عرف طرازها ب ” طراز الحمراء” لأنه مستمد من مربعات القصر الاموي الفخارية وأشكاله الرخامية وتقاطع سقوفه وجدرانه الخشبية .

يعتبر القرن السابع عشر في تركيا عصر ازدهار صناعة الحرير فيها . وكانت منسوجاتها الحريرية زاهية الألون ، تتضمن الزهور والورود والأهلة والنجوم وخطوط جلد النمر والدوائر الثلاث ، شعار تيمرلنك مؤسس الامبراطورية المغولية الثانية ، بالاضافة الى الكتابات الدينية . وكذلك صنعت ستائر أضرحة الخلفاء والسلاطين في داخل المساجد من الاقمشة الحريرية .

كان الحرير عبر التاريخ مادة لا يستفيد منها ، او يقتنيها ، سوى أهل الحكم والثراء ، لكنه أضحى في القرن العشرين مادة يستطيع كل انسان ان يقتنيها او يرتديها مهما كان دخله ضئيلاً . وظلت الصين ، حتى يوم غير بعيد ، الموئل الاول لصناعة الحرير والمصدر له بين الدول الى ان برزت اليابان واحتلت المكان الاول بين مصدري بذور الحرير وخيوطه ومنسوجاته في العالم قاطبة . وتدل احصاءات اليابان لسنة 1875 انها كانت تنتج وقتئذ حوالى 30 الف طن من الشرانق ، وارتفع هذا الرقم سنة 1930 الى 399 الف طن من الشرانق . ويقدر انتاج الحرير الطبيعي الياباني الخام اليوم بستين الف طن . وتعتمد اليابان بشكل بارز على صناعة الحرير ، وتعتبر هذه المادة مصدراً اساسياً لدخلها القومي ، بالاضافة الى ان سكان اليابان يستهلكون كميات هائلة من الحرير في كل شيء . فمعظم البستهم الوطنية وفرشهم وستائرهم مصنوعة من الحرير الخالص . غير ان هذه الصناعة أصيبت ببعض الشلل ابان سنوات الحرب العالمية الثانية عندما ظهر ” النايلون ” كمنافس قوي موقت . لكن ، ما ان انتهت الحرب وساد السلام ، حتى أخذ الناس يقدرون ، من جديد ، قيمة الحرير الطبيعي الحقيقية . فقد ثبت لهم ان لا شيء يضاهي الحرير الطبيعي في خواصه الاساسية ، حتى ان مصانع النسيج في العالم كله ، باتت تخلط خيط الحرير في الخيوط المصنوعة من مواد صناعية مثل الرايون والنايلون والاكرون غيرها .. بقصد تحسين انواع هذه المنسوجات الصناعية.

الدودة التي يألفها الانسان

تنتمي دودة الحرير الى اسرة الفراشات والحشرات المجنحة المعروفة علمياً باسم ” ليبيدبتيرا”، وهي تجتاز خلال حياتها القصيرة ، حوالى الشهر الواحد ، اربعة مراحل من التحول ، هي اولاً  البيض وثانياً اليرقة وثالثاً زيز الشرنقة ورابعاً الحشرة المجنحة . والدودة هذه لا عظام لها ، عضلاتها مستندة الى جلدها ، ورأسها يشغل قسماً صغيراً من جسمها ، ومعدتها في طول جسمها تقريباً .

تقذف دودة الحرير الخيط النفيس عندما تكون في طور اليرقة ، أي وهي في طور بين النقف والتفريش . وتعرف هذه الدودة بالذات باسم علمي هو تيوفيليا ماندارينا . وقد اصبحت هذه الدودة أليفة للانسان مثل الطيور الدواجن ، بغذيها بورق التوت المختار ، وتمده بدورها ، في كل شرنقة  بخيط حريري طوله 3500 قدم . وهو خيط دقيق ، متين ، مطاط ، براق ، شديد الاحتمال ، مضطرد التناسق .

تلتهم اليرقة ، وهي بعد في حجم البوصة ، ورق التوت ، فيختمر في جوفها ويتحول الى خيط بديع تغزله على نفسها في شكل فيلجة او شرنقة . واذا ما كانت اليرقة سعيدة الحظ واستيقظت من نومها في الشرنقة ، تخرج منها حشرة مجنحة جميلة ، يضرب لونها الى الصفار الذهبي ولا يزيد حجمها عن بوصة ونصف البوصة ، فتتزاوج او تفقس البيض بمعدل 600 الى 800 بيضة من كل فراشة ، وتموت بعد اربعة ايام ، فتخرج منها يرقات جديدة وهلم .. وتتم هذه العملية عادة في شهر حزيران / يونيو من كل سنة .

كيف تعمل غدة الحرير ؟ .

تقطع دودة القز او دودة الحرير ورق التوت باسنانها الحادة وتهضمها ، فتسير المادة المغذية في دمها عبر جدران المعدة . اما غدة الحرير التي تنتج المادة الخام لخيط الحرير ، فتختفي تحت الطريق الهضمي الطويل مباشرة . وعندما يفيض الدم حول غدة الحرير تأخذ خلايا الغدة بامتصاص المادة الضرورية منها . وتنتفخ هذه الغدة مع نمو الدودة حتى تشغل القسم الاكبر من الجسم . ولا تستطيع العين المجردة من رؤية مصنع الغدة المليء بالسائل اللزج . وهناك خلايا تقع خلف غدة الحرير ، تتلوى وتتثنى مثل الامعاء الصغرى عند الانسان، وتخفي في طياتها مادة الحيوان البروتينية المسماة ” فيبروين ” التي تتصل بمادة بروتينية اخرى تشبه المعجون تسمى ” سريسين ” موجودة في الغدة الحريرية الوسطى ، وتستحيلان معاً مادة هلامية تقذفها الدودة من فتحة تقع تحت فمها مباشرة لتستحيل خيطاً حريرياً .

مزايا الحرير

ما الذي يجعل خيط الحريرسيد الخيوط وملكها ؟ . إن أبرز ميزات الحرير الطبيعي انه مستخرج من مادة بروتينية جيوانية ، وخيطه طويل جداً . يضاف الى ذلك :

اولاً ، انه خيف ، إذ تبلغ كثافته 1.31 بينما تبلغ كثافة خيط الصوف 1.32 . اما خيط القطن فكثافته تبلغ 1.53. وعليه ، فالحرير خفيف الحمل ، يسهل نقله من دون ان يحتاج الى مكان كبير .

ثانياً ، لا يثني . فهو لين مطاط . زد على ذلك انه أنيق . ولهذين السببين تفضله السيدات على غيره من الاقمشة.

ثالثاً ، انه براق . فالحرير ، مثل اللؤلؤ ، يقدره الناس لجمال لمعانه . فهو ناعم جداً ولطيف الملمس .

رابعاً ، إنه يعزل الحرارة ويمتص الرطوبة . ففي فصل الشتاء يحمل الدفء لمن يرتديه  وفي فصل الصيف يجلب له الطراوة . قوة امتصاصه للرطوبة تبلغ 11 – 12 بالمئة ، بينما قوة امتصاص النايلون للرطوبة 4 بالمئة فقط .

خامساً ، انه مطواع لأي نوع من الصباغ ، بالاضافة الى لونه الطبيعي الجميل .

سدساً ، انه غير قابل للاحتراق . فهو مثل الصوف لا يلتهب على الفور . وان مسته النيران فيلفح ويتقلص ، تاركاً كمية صغيرة من الرماد الاسود ، في حين ان الحرير الاصطناعي سريع الاحتراق ، ولا يترك رماداً .

صناعة الحرير في لبنان

وصل الحرير الصيني الى لبنان على وجه التقريب سنة 115 قبل الميلاد ، عندما كانت القوافل تجتاز ” طريق الحرير ” وتحل في تدمر والبتراء ، ثم تنقل الى الموانئ اللبنانية والسورية ، حيث تحاك إن كانت خيطاً او تصبغ بالارجوان إن كانت قماشاً ، وترسل الى اباطرة روما ووجهائها فيتلقونها بكثير من التقدير والاعتزاز .

عرف اللبنانيون سر صاعة الحرير وأظهروا عناية فائقة بتربية دود الحريروصنع خيطه ، فامتاز حرير طرابلس ببياضه الناصع واستعمل في اعمال التطريز المذهب والمفضض . اما حرير الشوف ، وهو أخشن قليلاً من حرير طرابلس ، فاستعمل في صناعة النسيج المخملي . اما حرير بيروت فاستعمل ، اكثر ما استعمل، في صنع قماش التفتا والستائر وأغطية الفرش . وكان التجار الفرنسيون في القرن التاسع عشر يبتاعون سنوياً من حرير لبنان ما قيمته مليونا فرنك فرنسي ذهب .

في سنة 1841 أسس رجل فرنسي يدعى ” فورتينه بورتالس ” معملاً لحل شرانق الحرير في بلدة بتاتر ، ثم تبعه رجل اسكتلندي اسمه ” سكوت ” وأسس معملاً في بلدة شملان . وكان هذان المعملان من اقدم معامل الحرير في البلاد . وصارت تربية دود الحرير وزراعة اشجار التوت مصدراً رئيساً من مصادر الريع للفلاحين في لبنان ، وظل موسم الحرير حتى الحرب العالمية الاولى من المواسم الرئيسة التي يعتمد عليها المزارع .

أخذت صناعة الحرير في لبنان تضعف شيئاً فشيئاً بسبب الحربين العالميتين الاولى والثانية  وبانهماك الايدي العاملة في انتاج ما هو أهم . ثم قل الطلب على الحريرالطبيعي في العالم لارتفاع اسعاره . عندها انصرف اصحاب الاراضي الى انتاج حاصلات تعطي دخلاً أكبر وكانت النتيجة ان استحالت مزارع التوت في لبنان الى جنائن تفاح ، تقدر اليوم يثلاثة ملايين شجرة . غير ان بعض الحالمين بماضي الحرير حاولوا مؤخراً ، وما زالوا يحاولون ، ان يعيدوا لصناعة الحرير امجادها ، على اعتبار انها صناعة قديمة واصيلة في تاريخ هذا البلد ، وان للحرير اللبناني سمعة طيبة في بلاد العرب ولدى شعوب حوض البحر الابيض المتوسط . كما ان الطلب على الخيط اللبناني ازداد مؤخراً بفعل نمو طبقة جديدة وناشطة من الحرفيين ، وبفعل طلبات تحتاج اليها بعض المصانع الاوروبية المتخصصة التي لا تجد الكمية التي تحتاج اليها في بلدانها . فكان من الضروري ، والحالة هذه ، السعي جدياً لتنظيم صناعة الحرير ووضع رقابة حكومية لحمايتها وتنشيطها ، فتأسس لهذه الغاية “مكتب الحرير اللبناني ” .

مكتب الحرير

حدثنا السيد روبير كرم ، المهندس الزراعي ومدير مكتب الحرير عن اوضاع الحرير اللبناني في ايامنا هذه . قال : تأسس مكتب الحرير سنة 1956 بموجب قانون صدر بتاريخ 11 شباط / فبراير من السنة ذاتها . وهو مؤسسة حكومية عامة ، يتمتع باستقلال اداري ومالي ، غايته انماء زراعة التوت وتربية دودة الحرير وتوليد بذورها وتخنيق الفيالج ( الشرانق ) وحلها والاتجار بها وتشجيع برم خيوطها وحياكتها وصباغها .

يشرف على اعمال المكتب مجلس ادارة مهمته : اقتراح القوانين والانظمة التي يراها مناسبة لتنشيط صناعة الحرير ودرس الطرق والوسائل العلمية والفنية والاقتصادية التي تساعد في انماء هذه الصناعة ، واتخاذ الاجراءات اللازمة لتحسين انتاج الحرير كمية ونوعاً ، ودرس سياسة جمركية لحمايته ، وتشجيع الدراسات المتعلقة بالحرير وتوسيع ابواب تصريفه ، والوقوف على مدى التقدم الذي بلغته صناعة الحرير في الخارج والاستفادة منه . ويتولى مجلس الادارة كل سنة تحديد السعر الادنى للكيلوغرام الواحد من الفيالج ( الشرانق ) الخضراء ، علماً ان كل عشرة كيلوغرامات شرانق تعطي كيلوغرام حرير . ولا يجيز المجلس شراء الفيالج من المزارعين بسعر ينقص عن السعر الادنى . ويتعهد مكتب الحرير ان يشتري من مربي دودة الحرير في كل موسم كامل محصول الفيالج الخضراء بسعر لا ينقص عن الحد الادنى المقرر  كما يتعهد تخنيق الفيالج وتنظيم بيعها او حلها حريراً ، ومن ثم بيع الحرير ومشتقاته . ويعطي المكتب الأفضلية في حال توزيع الفيالج لحلها حريراً الى المعامل التي تنتج أفضل الخيوط الحريرية . ولا تخضع أعمال المكتب لمراقبة ديوان المحاسبة الا في حالتي : العقود والصفقات على انواعها اذا تجاوزت مبلغ ثلاثين الف ليرة ، وفي حال عقد القروض .

انتاج الحرير اللبناني

مما يؤسف له ان صناعة الحريرفي لبنان غير مدروسة علمياً واحصائياً بعد ، ولا يوجد أي دليل مطبوع يوضح قصة هذا الخيط النفيس . كما انه لا توجد اي احصاءات دقيقة تبين لنا المساحات المزروعة توتاً وعدد اشجارها واماكن تربية دودة الحرير وعدد البيوت القروية التي تتعاطى هذه المهنة وكم هي مخانق الفيالج في لبنان واين تقع وكم معمل للمنتجات الحريرية في البلاد واين هي قائمة وما حاصل الفيالج خلال السنوات العشر الاخيرة وما هو حاصل خيط الحرير الصافي خلال هذه المدة واين يباع الحرير اللبناني ، إن في شكل شرانق او خيط خام او مصنوعات حريرية . فعلى الراغب بالحصول على كل هذه المعلومات او بعضها ان يجمعها بنفسه من هنا وهناك ، مع ان بوسع مكتب الحرير ان يضع كتيباً او كتبيات يجمع فيها كل هذه المعلومات ، وان يصدر نشرات سنوية تتحدث عن مشاكل الحرير صناعياً وتجارياً مدعومة بالارقام الصحيحة .  فمكتبنا مجهز للقيام بهكذا عمل اعلامي ، وقد أصدرت دائرة المنشورات مؤخراً كراساً عن تربية دودة الجرير اليابانية يحتوي على معلومات تقنية مفيدة .

إن المعلومات التي بين أيدينا الآن حول الحرير وصناعته في  لبنان ممكن ان نوجزها بما يلي : تقوم منابت الحرير ، أي المناطق المزروعة توتاً وتربي دودة الحرير ، في جزين وبيت الدين وبحنس وبكفيا ويحشوش وميفوق وزغرتا والقبيات والهرمل وبعلبك وزحلة وراشيا . وقد انتجنا سنة 1930 حوالى 78 طناً من الفيالج (الشرانق ) وارتفع هذا الرقم سنة 1961 الى تسعين طناً ، وهي كميات ضئيلة جداً اذا ما قورنت بما تنتجه اليابان من الفيالج والمقدرة باربعمئة الف طن سنوياً ، لكنه انتاج جيد اذا ما قورن بما تنتجه فرنسا الذي بلغ في العام الماضي حوالى 50 طناً فقط .

إن ستين طناً من الشرانق اللبنانية تحول الى خيوط حريرية ويباع حوالى 30 طناً شرانق مخنوقة في الاسواق الخارجية . وقد حدد مكتب الحرير سعر كيلو الفيالج الخضراء باربع ليرات لبنانية ، وهو يشتريها من المربين والمزارعين بصورة دائمة ومضمونة . وفي لبنان اليوم ستة معامل لصناعة الحرير . ففي بلدة ذوق المكايل معامل متخصصة منذ القرن الماضي بصنع الحرائر الثقيلة على جميع انواعها ، مثل الطنافس والستائر وأغطية المقاعد واجهزة العرائس والاعلام اللبنانية . وهاك دير لليتامى من الفتيات ينفرد في اعمال التطريز على الحرير وهو الذي يزود معرض الحرفيين ( الارتيزانا ) في بيروت بالكثير من انتاجه .

تحاول الدولة حماية الحرير البلدي من المضاربات الخارجية عن طريق فرض تعرفة جمركية تصل الى حدود 25 بالمئة على المصنوعات الحريرية المستوردة . كما يقدم مكتب الحرير نصوب التوت مجاناً للمزارعين ويبيعهم علبة بذور الحرير الياباني بليرتين فقط في حين انها تكلف سبع ليرات لبنانية ونصف الليرة . ويتولى المكتب ارشاد المزارعين بالطرق العصرية لتربية دود الحرير والحفاظ عليه ، عن طريق الزيارات المباشرة او عن طريق تزويد هؤلاء المزارعين بالنشرات والافلام المفيدة .

مصنع الحرير في ضبية

إخترنا زيارة احد معامل الحرير اللبناني القائم في بلدة ضبية الساحلية حيث تولى مديره شرح طريقة سير العمل يه ، وزودنا ببعض المعلوات التي نجملها في ما يلي . قال : تواجه البلاد مشكلة في نقص المعامل التي تحل الشرانق وتستخرج منها الخيط . وما زال العمل ، بأكثره ، يجري حسب الطرق التقليدية القديمة ، بحيث يستخرج العامل في خلال 8 ساعات من العمل حوالى 500 غرام من خيط الحرير ، في حين ان العامل في المعامل الحديثة يستخرج في خلال الساعات الثمانية اربع كيلوغرامات حرير يومياً . ويشتري معملنا من مكتب الحرير خمسة الآف كيلو خيط من اصل 12 ال كيلو ينتجها لبنان سنوياً ، اي حوالى نصف المحصول ، بسعر 37.5 ليرة لبنانية للكيلو الواحد .

اما انتاج لبنان من الشرانق فيبلغ حوالى 90 الف كيلو شرانق ، او حوالى 90 طناً كما جاء في بيان مكتب الحرير، وهي تنتج 13 الف كيلو خيط حرير . ويتقاضى العامل او العاملة في حل الشرانق ثلاث ليرات ونصف الليرة اجراً يومياً . اما عدد شجيرات التوت في لبنان فيبلغ حالياً مئة الف نصبة .

خلاصة البحث

اولاً ، يقدر دخل لبنان من الشرانق او من الخيط الحريري المستخرج محلياً بنحو 400 الف ليرة لبنانية سنوياً، وهي حصة ضئيلة بالنسبة للدخل العالمي من الحرير الطبيعي الذي يقدر ب 800 مليون دولار سنوياً ، يذهب القسم الاكبر منه الى اليابان والصين .

ثانياً ، ان صناعة الحرير في لبنان لا تزال بدائية بالرغم من الاستعانة بخبراء من اليابان ، لكنها آخذة في التوسع . ويتوقع لها مستقبل جيد ، خاصة ان فرنسا وايطاليا قد انصرفتا عن انتاج خيط الحرير بسبب تكاليفه الباهظة ، وتؤثران شراءه منا ومن مصادر اخرى لأن كلفته أقل .

ثالثاُ ، ان اقامة معامل يابانية عصرية لحل الشرانق اللبنانية يفيد صناعة الحرير كثيراً في لبنان ويطورها سريعاً ، وقد تصبح مع مرور الزمن مصدراً قوياً من مصادر الدخل الوطني .

رابعاً ، تستطيع شجرة التوت ان تعيش الى جانب شجرة التفاح ، او ان تنبت مستقلة في المناطق النائية من لبنان ، وتكون مصدر دخل اضافي للاسر القروية ، خاصة الفقيرة منها .