صنعة أولاد الخلفاء الذكور منهم والإناث

صنعة أولاد الخلفاء الذكور منهم والإناث

فأولهم وأتقنهم صنعةً وأشهرهم ذكراً في الغناء إبراهيم بن المهدي؛ فإنه كان يتحقق به تحققاً شديداً ويبتذل نفسه ولا يستتر منه ولا يحاشي أحداً. وكان في أول أمره لا يفعل ذلك إلا من وراء ستر وعلى حال تصونٍ عنه وترفع، إلا أن يدعوه إليه الرشيد في خلوة والأمين بعده. فلما أمنه المأمون تهتك بالغناء وشرب النبيذ بحضرته والخروج من عنده ثملاً ومع المغنين، خوفاً منه وإظهاراً له أنه قد خلع ربقة الخلافة من عنقه وهتك ستره فيها حتى صار لا يصلح لها. وكان من اعلم الناس بالنغم والوتر والإيقاعات وأطبعهم في الغناء وأحسنهم صوتاً. وهو من المعدودين في طيب الصوت خاصةً؛ فإن المعدودين منهم في الدولة العباسية: ابن جامع وعمرو بن أبي الكنات وإبراهيم ابن المهدي ومخارق. وهؤلاء من الطبقة الأولى، وإن كان بعضهم يتقدم. وكان إبراهيم مع علمه وطبعه مقصراً عن أداء الغناء القديم وعن أن ينحوه في صنعته، فكان يحذف نغم الأغاني الكثيرة العمل حذفاً شديداً ويخففها على قدر ما يصلح له ويفي بأدائه. فإذا عيب ذلك عليه قال: أنا ملكٌ وابن ملك، أغني كما أشتهي وعلى ما ألتذ. فهو أول من أفسد الغناء القديم، وجعل للناس طريقاً إلى الجسارة على تغييره. فالناس إلى الآن صنفان: من كان منهم على مذهب إسحاق وأصحابه ممن ينكر تغيير الغناء القديم ويعظم الإقدام عليه ويعيب من فعله، فهو يغني الغناء القديم على جهته أو قريباً منها. ومن أخذ بمذهب إبراهيم بن المهدي أو اقتدى به مثل مخارق وشارية وريق ومن أخذ عن هؤلاء إنما يغني الغناء القديم كما يشتهي هؤلاء لا كما غناه من ينسب إليه، ويجد على ذلك مساعدين ممن يشتهي أن يقرب عليه مأخذ الغناء ويكره ما ثقل وثقلت أدواره، ويستطيل الزمان في أخذ الغناء الجيد على جهته بقصر معرفته. وهذا إذا اطرد فإنما الصنعة لمن غنى في هذا الوقت لا للمتقدمين؛ لأنهم إذا غيروا ما أخذوه كما يرون وقد غيره من أخذوه عنه وأخذ ذلك أيضاً عمن غيره، حتى يمضي على هذا خمس طبقات أو نحوها. لم يتأد إلى الناس في عصرنا هذا من جهة الطبقة غناء قديم على الحقيقة البتة. وممن أفسد هذا الجنس خاصةً بنو حمدون بن إسماعيل فإن أصلهم فيه مخارق، وما نفع الله أحداً قط بما أخذ عنه، وزرياب الواثقية فإنها كانت بهذه الصورة تغير الغناء كما تريد، وجواري شارية وريق. فهذه الطبقة على ما ذكرت. ومن عداهم من الدور بمثل دور غريب ودور جواريها والقاسم بن زرزور وولده ودور بذل الكبرى ومن أخذ عنها، وجواري البرامكة وآل هاشم وآل يحيى بن معاذ ودور آل الربيع ومن جرى مجراهم ممن تمسك بالغناء القديم وحمله كما سمعه، فعسى أن يكون قد بقي ممن أخذ بذلك المذهب قليلٌ من كثير، وعلى أن الجميع من الصحيح والمغير قد انقضى في عصرنا هذا.

فمن مشهور غناء إبراهيم بن المهدي

صوت

هل تطمسون من السماء نجومها

 

بأكفكم أو تسترون هـلالـهـا

أو تدفعون مقالةً مـن ربـكـم

 

جبريل بلغها النبي فقـالـهـا

طرقتك زائرةً فحي خـيالـهـا

 

زهراء تخلط بالدلال جمالهـا

الشعر لمروان بن أبي حفصة. والغناء لإبراهيم بن المهدي، ثقيلٌ أول بالبنصر، وذكر حبش أن فيه لابن جامعٍ لحناً ماخورياً.

أخبار مروان بن أبي حفصة ونسبه

نسبه وشيء من أخبار آبائه: هو مروان بن سليمان بن يحيى بن أبي حفصة. ويكنى أبا الصمت. واسم أبي حفصة يزيد. وذكر النوفلي عن أبيه أنه كان يهودياً، فأسلم على يدي مروان بن الحكم. وأهله ينكرون ذلك ويذكرون أنه من سبي إصطخر ، وإن عثمان اشتراه فوهبه لمروان بن الحكم. وأخبرنا يحيى بن علي بن يحيى قال حدثنا محمد بن إدريس بن سليمان بن يحيى بن أبي حفصة بمثل ذلك. قال: وشهد أبو حفصة الدار مع مولاه مروان بن الحكم، وقاتل قتالاً شديداً وقتل رجلاً من أسلم يقال له بنان. وجرح مروان يومئذٍ، أصابته ضربة قطعت علباءه فسقط، فوثب عليه أبو حفصة واحتمله، فجعل يحمله مرة على عنقه ومرة يجره، فيتأوه؛ فيقول له: اسكت واصبر؛ فإنه إن علموا أنك حي قتلت. فلم يزل به حتى أدخله دار امرأة من عنزة فداواه فيها حتى برىء؛ فأعتقه مروان ونزل له عن أم ولدٍ له يقال لها سكر كانت له منها بنت يقال لها حفصة؛ فحضنها، فكني أبا حفصة؛ فحفصة بنت مروان. قال: وكان مروان إذا ولي المدينة وجه أبا حفصة إلى اليمامة – وكانت مضافةً إلى المدينة – ليجمع ما فيها من المال ويحمله إليه. قال: فمر أبو حفص بقرية من قرى اليمامة يقال لها العرض، فوقف على باب فاستسقى ماء فخرجت إليه جارية معصرٌ فسقته فأعجبته؛ فسأل عنها ليشتريها؛ فقيل له: هي حرة، وهي مولاةٌ لبني عامر بن حنيفة. فمضى حتى قدم حجرً ، ثم تبعتها نفسه فتزوجها، فلم يخرج من اليمامة حتى حملت بيحيى بن أبي حفصة، ثم حملت بمحمد ثم بعبد الله ثم بعبد العزيز. فلما وقعت فتنة ابن الزبير خرج أبو حفصة مع مروان إلى الشام.

قال محمد بن إدريس وحدثني أبي قال كان مروان بن أبي الجنوب يقول: أم يحيى بن أبي حفصة لحناء بنت ميمون من ولد النابغة الجعدي، وإن الشعر أتى آل أبي حفصة بذلك السبب. قال: وشهد أبو حفصة مع مروان يوم الجمل وقاتل قتالاً شديداً فلما ظفر علي بن ابي طالب رضي الله عنه، لجأ مروان إلى مالك بن مسمع فدخل داره ومعه أبو حفصة، فقال لمالك: أغلق بابك. فقال له مالك: إن لم أمنعك والباب مفتوحٌ لم أمنعك والباب مغلقٌ. فطلب علي رضي الله عنه مروان منه، فلم يدفعه إليه إلا برهينة، فدفع مالك الرهينة إلى أبي حفصة، ومضى مروان إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وقال لأبي حفصة: إن حدث حدثٌ بصاحبك فعليك بالرهينة. فلما أتى مروان علياً كساه كسوةً، فكساها مروان أبا حفصة، فغدا فيها أبو حفصة. وبلغ علياً رضي الله عنه ذلك فغضب وقال: كسوته كسوةً فكساها عبداً !. وشهد أبو حفصة مع مروان مرج راهط، وكان له بلاء. وكان أبو حفصة شاعراً.
قال أبو أحمد قال لي محمد بن إدريس أخبرني أبي أن أبا الصمت مروان بن أبي الجنوب أنشده لأبي حفصة يوم الدار:

وما قلت يوم الدار للقوم صالـحـوا

 

أجل لا، ولا أخترت الحياة على القتل

ولكنني قد قلت لـلـقـوم جـالـدوا

 

بأسيافكم لا يخلصن إلى الـكـهـل

قال: وأنشدني لأبي حفصة أيضاً:

لست على الزحام بالأصر

 

إني لورادٌ حياض الشر

معاودٌ للكر بعد الكـر

 

 

قال يحيى وأخبرني محمد بن إدريس قال:  عكلٌ تدعي أن أبا حفصة منهم، يقولون: هو من كنانة بن عوف بن عبد مناة بن طابخة بن إلياس بن مضر، وقد كانوا استعدوا عليه مرروان بن الحكم، وقالوا: إنما باعته عمته لمجاعةٍ؛ فأبى هو أن يقر لهم بذلك. ثم استعدوا عليه عبد الملك بن مروان أيضاً؛ فأبى إلا أنه رجل من العجم من سبي فارس، نشأ في عكل وهو صغير. قال محمد بن إدريس: وولد السموءل بن عادياء يدعونه والسموءل من غسان. قال محمد: وزعم أهل اليمامة وعكلٌ وغيرهم أن ثلاثة نفر أتوا مروان بن الحكم وهم أبو حفصة ورجل من تميم ورجلٌ من سليم، فباعوا أنفسهم منه في مجاعة نالتهم؛ فاستعدى أهل بيوتاتهم عليهم، فأقر أحدهم وهو السليمي أنه إنما أتى مروان فباعه نفسه وأنه من العرب؛ فدس إليه مروان من قتله. فلما رأى ذلك الآخران ثبتا على أنهما موليان لمروان. فأخبرني الحسن بن علي قال حدثني محمد بن القاسم بن مهرويه قال: زعم المدائني أنه كان لأبي حفصة ابن يقال له مروان سماه مروان بن الحكم باسمه، وليس بالشاعر، وإنه كان شجاعاً مجرباً، وأمد به عبد الملك بن مروان الحجاج وقال له: قد بعثنا إليك مولاي ابن أبي حفصة وهو يعدل ألف رجل. فشهد معه ومحاربة ابن الأشعث، فأبلى بلاءً حسناً وعقرت تحته عدة خيول، فأحتسب بها الحجاج عليه من عطائه. فشكاه إلى عبد الملك وذم الحجاج عنده؛ فعوضه مكان ما أغرمه الحجاج. وكان يحيى جد مروان بن سليمان جواداً ممدحاً.

جرير يودع ابنه يحيى بن أبي حفصة: أخبرنا محمد العباس اليزيدي قال حدثنا أبو سعيد السكري عن محمد بن حبيب عن ابن الأعرابي قال: أراد جرير أن يوجه ابنه بلال بن جريرٍ إلى الشام في بعض أمره ،فأتى يحيى بن أبي حفصة فأودعه إياه، ثم بلغ بلالاً أن بعض بني أمية يريد الخروج، فقال لأبيه: لو كلفت هذا القرشي أمري ! فقال له جرير:

أزاداً سوى يحيى تريد وصاحبـاً

 

ألا إن يحيى نعم زاد المسافـر

وما تأمن الوجناء وقعة سـيفـه

 

إذا انفضوا أو قل ما في الغرائر

يحيى بن أبي حفصة يتزوج بنت زياد بن هوذة: أخبرني أبو الحسن الأسدي قال حدثني الحسن بن عليل العنزي قال: تزوج يحيى بن أبي حفصة بنت زياد بن هوذة بن شماس بن لأي بن أنف الناقة؛ فاستعدى عليه عماها عبد الملك بن مروان وقالا: أينكح إبراهيم بن عدي وهو من كنانة منك وإليك بنتها، وينكح هذا العبد هذه !. فقال عبد الملك: بل العبد ابن العبد والله إبراهيم بن عدي – وكان مغمور النسب في الإسلام – والله لهذا أشرف منه، وإن لأبيه من البلاء في الإسلام ما ليس لأبيها ولا لأبيكما، وما أحب أن لي بيحيى ألفاً منكما. والله لو تزوج بنت قيس بن عاصم ما نزعتها منه. ومن زوجه فقد زوج ابني هذا، وأشار إلى ابنه سليمان. فخرجا وتخلف يحيى بعدهما، فقال: يا أمير المؤمنين، إنهما قد أنضيا ركابهما وأخلقا ثيابهما والتزما مؤونة في سفرهما، فإن رأى أمير المؤمنين أن يعوضهما عوضاً ! فقال: أبعد ما قالا فيك !! قال: نعم يا أمير المؤمنين. قال: بل أعطيك أنت ما سألت لهما وتعطيهما ما شئت. فكساه ووصله وحمله. فخرج يحيى إليهما ففرق ذلك عليهما، وزوج ابنه سليمان بنت أحدهما، وولدت بنت زياد منه أولاداً.

يهنئ الوليد بن عبد الملك ويعزيه: أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال حدثنا الفضل اليزيدي قال حدثني إسحاق بن إبراهيم الموصلي قال حدثني مروان بن أبي حفصة قال: ودخل يحيى بن أبي حفصة على الوليد بن عبد الملك لما بويع له بالخلافة بعد أبيه، فهنأه وعزاه وأنشده:

إن المنايا لا تغادر واحـداً

 

يمشي ببزته ولا ذا جـنة

لو كان خلق للمنايا مفلتـاً

 

كان الخليفة مفلتاً منهنـه

بكت المنابر يوم مات وإنما

 

بكت المنابر فقد فارسهنه

لما علاهن الوليد خلـيفةً

 

قلن ابنه ونظيره فسكنـه

لو غيره قرع المنابر بعده

 

لنكرنه فطرحنه عنهنـه

زوج بنيه من بنات مقاتل المنقري فهجاه القلاح فرد عليه: أخبرني أبو الحسن الأسدي قال حدثنا العنزي قال: خطب يحيى بن أبي حفصة إلى مقاتل بن طلبة بن قيس بن عاصم المنقري ابنته وأختيه، فأنعم له بذلك. فبعث يحيى إلى بنيه سليمان وعمر وجميل، فأتوه بالجفر فزوجهن بنيه ثلاثتهم، ودخلوا بهن ثم حملوهن إلى حجر. فقال القلاح بن حزن المنقري في ذلك:

سلامٌ على أوصال قيس بن علصمٍ

 

وإن كن رمساً في التراب بواليا

أضيعتموا خيلاً عراباً فأصبحـت

 

كواسد لا ينكحن إلا الـمـوالـيا

فلم أرى أبراداً أجـر لـخـزيةٍ

 

وألأم مكـسـواً وألأم كـاسـيا

من الخز واللائي بحجرٍ عليكـم

 

نشرنا فكن المخزيات البـواقـيا

فقال يحيى يرد عليه:

ألا قبح اللـه الـفـلاح و نـسـوةٍ

 

على البئر يعطشن الكلاب من النتن

نكحنا بنات القرم قيس بن عـاصـم

 

وعمداً رغبنا عن بنات بني حـزن

أباً كان خـيراً مـن أبـيك أرومةً

 

وأوسط في سعدٍ وأرجح في الوزن

لبيت بني حزن مـن الـذل وهـنةٌ

 

كوهنة بيت العنكبوت التي تبـنـي

ولم تر حزنياً، ولو ضـم أربـعـاً

 

وأبرز ، في فرج يعف ولا بطـن

وضيف بني حزنٍ يجوع وجارهـم

 

إذا أمن الجيران ناءٍ مـن الأمـن

يذكر خروج ابن المهلب: أخبرنا يحيى بن علي قال أنشدني محمد بن إدريس ليحيى يذكر خروج يزيد بن المهلب ويتأسف على الحجاج:

لا يصلح الناس إلا السيف إذا فتنوا

 

لهفي عليك ولا حجـاج لـلـدين

لو كان حياً غداة الأزد إذ نكـثـوا

 

لم يحص قتالهم حـسـابٌ ديرين

لم تأتيه الأزد عند الباب تربصـه

 

مثل الجراد تنزى في التبـابـين

من كل أفحج ذي حنفٍ مخـالـفةٍ

 

أرفت به السفن علجاً غير مجنون

قال أبو أحمد: وأنشدني لليحيى في سفيان بن عمرو وإلى اليمامة:

لقد عصاني ابن عمرو إذ نصحت له

 

ولو أطعت لما زلت بـه الـقـدم

لو كنت أنفخ في فحمٍ لقـد وقـدت

 

ناري ولكن رمادٍ ما لـه حـمـم

بخل مروان بن أبي حفصة ونوادر له في ذلك: وليحيى أشعار كثيرةٌ؛ وإنما ذكرنا ها هنا منها ماذكرنا لنعرف أعراق مروان في الشعر. وكان مروان أبخل الناس على يساره وكثرة ما أصابه من الخلفاء، لا سيما من بني العباس، فإنه كان رسمهم أن يعطوه بكل بيت يمدحهم به ألف درهم.

أخبرنا أحمد بن عمار وقال حدثنا علي بن محمد النوفلي قال سمعت أبي يقول: كان المهدي يعطي مروان وسلماً الخاسر عطية واحدة، وكان سلمٌ يأتي باب المهدي على البرذون قيمته عشرة آلاف درهم، والسرج واللجام المقذوذين ؛ ولباسه الخز والوشي وما أشبه ذلك من الثياب الغالية الأثمان، ورائحة المسك والغالية والطيب تفوح منه، ويجيء مروان وعليه فرو كبشٍ، وقميص كرابيس وعمامة كرابيس، وخفاً كبلٍ وكساءٌ غليظٌ منتن الرائحة، وكان لا يأكل اللحم بخلاً حتى يقرم إليه، فإذا قرم أرسل غلامه فاشترى له رأساً فأكله. فقيل له: نراك لا تأكل إلا الرؤوس في الصيف والشتاء، فلم تختار ذلك؟ قال: نعم ! الرأس أعرف سعره، ولا يستطيع الغلام أن يغببني فيه، وليس بلحم يطبخه الغلام فيقدر أن يأكل منه، إن مس عيناً أو أذناً أو خداً وقفت عليه، فآكل منه ألواناً، آكل عينيه لوناً، وأذنيه لوناً، وغلصمته لوناً، وأكفى مؤنة طبخه، فقد اجتمعت لي فيه مرافق.

أخبرنا يحيى بن علي قال أخبرنا أبو الفضل أحمد بن أبي طاهر عن أبي العلاء المنقري قال حدثني موسى بن يحيى قال: أوصلنا إلى مروان بن أبي حفصة في وقت من الأوقات سبعين ألف درهم، وجمع إليها مالاً حتى تمت مائة وخمسين ألف درهم، وأودها يزيد بن مزيد.

قال: فبين نحن عند يحيى بن خالد إذ دخل يزيد بن مزيد، وكانت فيه دعابة، فقال: يا أبا علي أودعني مروان خمسين ومائة ألف درهم وهو يشتري الخبز من البقال. قال فغضب يحيى ثم قال: علي بمروان، فأتي به. فقال له: أخبرني أبو خالد لما أودعته من المال وما تبتاعه من البقال، والله لما يرى من أثر البخل عليك أضر من الفقر لو كان بك. أخبرنا يحيى قال وحدثني عمر بن شبة عن أبي العلاء المنقري عن موسى بهذا الخبر، إلا أنه قال: فقال له يحيى: يا مروان، والله لا بالبخل أسوأ عليك أثراً من الفقر لو صرت إلي، فلا تبخل.

أخبرنا يحيى قال حدثني عمر بن شبة قال: بلغني أن مروان بن أبي حفصة قال ما فرحت بشيء قط فرحي بمائة ألف وهبها لي أمير المؤمنين المهدي، فوزنتها فزاد درهماً فاشتريت به لحماً.

أخبونا يحيى قال حكى أبو غسان عن أبي عبيدة عن جهم بن خلف قال: أتينا اليمامة فنزلنا على مروان بن أبي حفصة، فأطعمنا تمراً، وأرسل غلامه بفلس وسكرجة ليشتري له زيتاً. فلما جاء بالزيت قال لغلامه: خنتني ! قال: من فلس كيف أخونك ! قال: أخذت الفلس لنفسك واستوهبت الزيت.

أخبرنا يحيى قال أخبرنا أصحاب التوزي عنه قال: مر مروان بن أبي خفصة في بعض سفراته وهو يريد منى بأمرأة من العرب فأضافته، فقال: لله علي إن وهب لي الأمير مائة ألف أن أهب لكي درهماً، فأعطاه ستين ألف درهم، فأعطاها أربعة دوانق.

أخبرنا يحيى قال أخبرني أبي عن أبي دعامة قال: اشترى مروان لحماً بنصف درهم، فلما وضعه في القدر وكاد أن ينضج، دعاه صديق له، فرده على القصاب بنقصان دانق. فشكاه القصاب وجعل ينادي: هذا لحم مروان، وظن أنه يأنف لذلك. فبلغ الرشيد ذلك فقال: ويلك ! ما هذا ! قال: أكره الإسراف.

قصة له مع أبي الشمقمق: أخبرنا يحيى قال أخبرني أبي عن أبي دعامة قال: أنشدت لرجل من بني بكر بن وائل في مروان:

وليس لمروانٍ على العرس غيرةٌ

 

ولكن مرواناً يغار على القـدر

أخبرنا يحيى قال أخبرني أبو هفان قال حدثني يحيى بن الجون العبدي قال: فرق المهدي على الشعراء جوائز، فأعطى مروان ثلاثين ألفاً. فجاءه أبو الشمقمق فقال له: أجزني من الجائزة. فقال له: أنا وأنت نأخذ ولا نعطي. قال: فاسمع مني بيتين. قال: هات. فقال أبو الشمقمق:

لحية مروان تقي عنبـراً

 

خالط مسكاً خالصاً أذفراً

فما يقيمان بهـا سـاعةً

 

إلا يعودان جميعاً خـراً

فأمر له بدرهمين. وأخبرني بهذا الخبر أحمد بن جعفر جحظة عن أبي هفان فذكر مثل الخبر الماضي وزاد فيه. فأعطاه عشرة دراهم، فقال له خذ هذه ولا تكن رواية الصبيان.
مدح الهادي فداعيه في المعجل والمؤجل ووصله: أخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر قال حدثني الزبير بن بكار قال حدثني عمي مصعب عن جدي عبد الله بن مصعب قال: دخل مروان بن أبي حفصة على موسى الهادي، فأنشده قوله فيه:

تشابه يوماً بأسـه ونـوالـه

 

فما أحدٌ يدري لأيهما الفضل

فقال له الهادي: أيما أحب إليك: أثلاثون ألفاً معجلةً أم مائة ألف تدون في الدواوين؟ فقال له: يا أمير المؤمنين أنت تحسن ما هو خير من هذا ولكنك نسيته، أفتأذن لي أن أذكرك؟ قال نعم. قال: تعجل لي الثلاثين ألفاً وتدون المائة الألف في الدواوين. فضحك وقال: بل يعجلان جميعاً؛ فحمل المال إليه أجمع.

مدح المهدي فلحنه اليزيدي فاعترض على سوء أدبه: أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثني محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني سليمان بن جعفر قال حدثني أحمد بن عبد الأعلى قال: اجتمع مروان بن أبي حفصة وأبو محمد اليزيدي عند المهدي؛ فابتدأ مروان ينشد:

طرقتك زائرةً فحي خيالها

فقال اليزيدي: لحن والله وأنا أبو محمد. فقال له مروان: يا ضعيف الرأي أهذا لي يقال ! ثم قال:

بيضاء تخلط بالجمال دلالها

فقال له بعض من حضر: يا أمير المؤمنين أيتكنى في مجلسك ! ” يعني اليزيدي ” فقال: اعذروا شيخنا، فإن له حرمة.
سأله الرشيد عن الوليد بن يزيد فأجابه: أخبرنا أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني إسحاق الموصلي قال أخبرني مروان بن أبي حفصة قال قال لي الرشيد: هل دخلت على الوليد بن يزيد؟ فقلت: نعم دخلت مع عمومتي إليه. قال: فأخبرني عنه. قال فذهبت أتزحزح. فقال لي: إن أمير المؤمنين لا يكره ما تقول، فقل ما شئت. فقلت: يا أمير المؤمنين، كان من أجمل الناس وأشدهم وأشعرهم وأجودهم. دخلت عليه مع عمومتي ولي لمةٌ فينانة، فجعل يغمز القضيب فيها ويقول: ولدتك سكر؟ – وهي أم ولدٍ لمروان بن الحكم فوهبها لجدي أبي حفصة فولدت منه – فقلت له: نعم. قال لي الرشيد: فهل تحفظ من شعره شيئاً؟ قلت: نعم، سمعته ينشد في خلافته وذكر هشاماً وتحامله عليه وما كان يريد من نقض أمره وولايته:

ليت هشاماً عاش حتى يرى

 

مكتله الأوفر قد أتـرعـا

كلنا له الصاع التي كالهـا

 

وما ظلمناه بها أصـوعـا

وما أتينا ذاك عـن بـدعةٍ

 

أحله الفرقان لي أجمعـا

فقال الرشيد: يا غلام، الدواة والقرطاس، فؤتي بهما، فأمر الأبيات فكتبت.

فضل خلف الأحمر شعراً له على شعر للأعشى: أخبرنا أحمد بن عبد العزيز الجوهري وحبيب بن نصر المهلبي قالا حدثنا عمر بن شبة قال حدثني خلادٌ الأرقط قال: جاءنا مروان بن أبي حفصة إلى حلقة يونس، فأخذ بيد خلف الأحمر فأقامه، وأخذ خلفٌ بيدي فقمنا إلى دار أبي عمير فجلسنا في الدهليز. فقال مروان لخلفٍ: نشدتك الله يا أبا محرز إلا نصحتني في شعري فإن الناس يخدعون في أشعارهم، وأنشده قوله:

طرقتك زائرةً فحي خيالها

 

بيضاء تخلط بالجمال دلالها

فقال له: أنت أشعر من الأعشى في قوله:

رحلت سمية غدوةً أجمالها

فقال له مروان: أتبلغ بي الأعشى هكذا ! ولا كل ذا ! قال: ويحك ! إن الأعشى قال في قصيدته هذه:

فأصاب حبة قلبها وطحالها

والطحال ما دخل قط في شيء إلا أفسده، وأنت قصيدتك سليمة كلها. فقال له مروان: إني إذا أردت أن أقول القصيدة رفعتها في حول أقولها في أربعة أشهر، وأنتخلها في أربعة أشهر، وأعرضها في أربعة أشهر.

عرض شعراً له على يونس فمدحه وفضله على شعر للأعشى: وأخبرني بهذا الخبر هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا عيسى بن إسماعيل عن محمد بن سلام قال أبو دلف هاشم بن محمد وحدثني به الرياشي عن الأصمعي قال: جاء مروان بن أبي حفصة إلى حلقة يونس، فسلم ثم قال لنا: أيكم يونس؟ فأومأنا إليه. فقال له: أصلحك الله ! إني أرى قوماً يقولون الشعر، لأن يكشف أحدهم سوءته ثم يمشي كذلك في الطريق أحسن له من أن يظهر مثل ذلك الشعر. وقد قلت شعراً أعرضه عليك، فإن كان جيداً أظهرته، وإن كان رديئاً سترته. فأنشده قوله:

طرقتك زائرةً فحي خيالها

فقال له يونس: يا هذا اذهب فأظهر هذا الشعر فأنت والله فيه أشعر من الأعشى في قوله:

رحلت سمية غدوةً أجمالها

فقال له مروان: سررتني وسؤتني. فأما الذي سررتني به فارتضاؤك الشعر. وأما الذي ساءني فتقديمك إياي على الأعشى وأنت تعرف محله. فقال: إنما قدمتك عليه في تلك القصيدة لا في شعره كله لأنه قال فيها:

فأصاب حبة قلبها وطحالها

والطحال لا يدخل في شيء إلا أفسده، وقصيدتك سليمة من هذا وشبهه.

قال الأصمعي إنه مولد ولا علم له باللغة: أخبرني هاشم بن محمد قال حدثني العباس بن ميمون طالع قال: سمعت الأصمعي ذكر مروان بن أبي حفصة فقال: كان مولداً، لم يكن له علم باللغة.

أنشد شعر جماعة من الشعراء فقال عن كل واحد منهم إنه أشعر الناس: أخبرني هاشم بن محمد قال حدثني أحمد بن عبيد الله عن العتبي قال حدثني بعض أصحابنا قال: أنشدنا مروان بن أبي حفصة يوماً شعر زهير ثم قال: زهير والله أشعر الناس، ثم أنشد للأعشى فقال: الأعشى أشعر الناس، ثم أنشد شعراً لامرئ القيس فقال: امرؤ القيس أشعر الناس، ثم قال: والناس والله أشعر الناس. أي إن أشعر الناس من أنشدت له فوجدته قد أجاد، حتى ينتقل إلى شعر غيره.

اشترى من أعرابي شعراً مدح به مروان بن محمد فمدح هو به معن بن زائدة فأكرمه: أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثني علي بن محمد النوفلي قال حدثني أبي قال: إجتاز مروان بن أبي حفصة برجل من باهلة من أهل اليمامة وهو ينشد قوماً كان جالساً إليهم شعراً مدح به مروان بن محمد، وإن قتل قبل أن يلقاه وينشده إياه، أوله:

مروان يابن محمدٍ أنت الذي

 

زيدت به شرفاً بنو مروان

فأعجبته القصيدة، فأمهل الباهلي حتى أقام من مجلسه، ثم أتاه في منزله فقال له: إني سمعت قصيدتك وأعجبتني، ومروان قد مضى ومضى أهله وفاتك ما قد رمته عنده؛ أتبيعني القصيدة حتى أنتحلها، فإنه خير لك من أن تبقى عليك وأنت فقير؟ قال نعم. قال: بكم؟ قال: بثلثمائة درهم. قال: ابتعتها؛ فأعطاه الدراهم وحلفه بالطلاق ثلاثاً وبالأيمان المحرجة ألا ينتحلها أبداً ولا ينسبها إلى نفسه ولا ينشدها، وانصرف بها إلى منزله، فغير منها أبياتاً وزاد فيها، وجعلها في معن، وقال في ذلك البيت:

معن بن زائدة الذي زيدت به

 

شرفاً إلى شرف بنو شيبان

ووفد بها إلى معن بن زائدة فملأ يديه، وأقام عنده مدةً حتى أثرى واتسعت حاله. فكان معنٌ أول من رفع ذكره ونوه به. قال: وله فيه مدائح بعد ذلك شريفة ومراثٍ حسنةٌ.

نقل قصة فرار معن أن عبداً أسود طلقه تكرماً بعد ما عرفه: أخبرني حبيب بن نصر المهلبي قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثني محمد بن نعيم البلخي أبو يونس قال حدثني مروان بن أبي حفصة وكان لي صديقاً قال: كان المنصور قد طلب معن بن زائدة طلباً شديداً، وجعل فيه مالاً؛ فحدثني معن بن زائدة باليمن أنه اضطر لشدة الطلب إلى أن أقام في الشمس حتى لوحت وجهه، وخفف عارضيه ولحيته، ولبس جبة صوف غليظة، وركب جملاً من الجمال النقالة ليمضي إلى البادية فيقيم بها، وكان قد أبلى في حرب يزيد بن عمر بن هبيرة بلاء حسناً غاظ المنصور وجد في طلبه. قال معنٌ: فلما خرجت من باب حرب تبعني أسود متقلداً سيفاً، حتى إذا غبت عن الحرس قبض على خطام جملي فأناخه وقبض عليه؛ فقلت له: ما لك؟ قال: أنت طلبة أمير المؤمنين. قلت: ومن أنا حتى يطلبني أمير المؤمنين ! قال: معن بن زائدة. فقلت: يا هذا اتق الله ! وأين أنا من معن ! قال: دع هذا عنك فأنا والله أعرف به منك. فقلت له: فإن كانت القصة كما تقول فهذا جوهرٌ حملته معي يفي بأضعاف ما بذله المنصور لمن جاءه بي، فخذه ولا تسفك دمي. قال: هاته فأخرجته إليه؛ فنظر إليه ساعة وقال: صدقت في قيمته، ولست قابله حتى أسألك عن شيء، فإن صدقتني أطلقتك. فقلت: قل. قال: إن الناس قد وصفوك بالجود، فأخبرني هل وهبت قط مالك كله؟ قلت لا. قال: فنصفه؟ قلت لا. قال: فثلثه؟ قلت لا. حتى بلغ العشر فاستحييت فقلت: أظن أني قد فعلت هذا. فقال: ما أراك فعلته ! أنا والله راجل، ورزقي من أبي جعفر عشرون درهماً، وهذا الجوهر قيمته آلاف الدنانير، وقد وهبته لك، ووهبتك لنفسك ولجودك المأثور عنك بين الناس، ولتعلم أن في الدنيا أجود منك، فلا تعجبك نفسك ولتحقر بعد هذا كل شيء تفعله، ولا تتوقف عن مكرمة. ثم رمى بالعقد في حجري وخلى خطام البعير وانصرف. فقلت: يا هذا قد والله فضحتني، ولسفك دمي أهون علي مما فعلت، فخذ ما دفعته إليك فإني غنيٌ عنه. فضحك ثم قال: أردت أن تكذبني في مفامي هذا، والله لا آخذه ولا آخذ بمعروف ثمناً أبداً، ومضى. فوالله لقد طلبته بعد أن أمنت وبذلت لمن جاءني به ما شاء فما عرفت له خبراً وكأن الأرض ابتلعته.

سبب رضا المنصور عن معن بن زائدة: قال: وكان سبب رضا المنصور عن معن أنه لم يزل مستتراً حتى كان يوم الهاشيمية ، فلما وثب القوم على المنصور وكادوا يقتلونه، وثب معن وهو متلثم فانتضى سيفه وقاتل فأبلى بلاء حسناً، وذب القوم عنه حتى نجا وهم يحاربونه بعد، ثم جاء والمنصور راكب على بغلةٍ ولجامها بيد الربيع؛ فقال لهم: تنح فإني أحق باللجام منك في هذا الوقت وأعظم فيه غناء. فقال له المنصور: صدق فادفعه إليه؛ فأخذه ولم يزل يقاتل حتى انكشفت تلك الحال. فقال له المنصور: من أنت لله أبوك؟ قال: أنا طلبتك يا أمير المؤمنين معن بن زائدة. قال: قد أمنك الله على نفسك ومالك، ومثلك يصطنع. ثم أخذه معه وخلع عليه وحباه وزينه. ثم دعا به يوماً وقال له: إني قد أملتك لأمر، فكيف تكون فيه؟ قال: كما يحب أمير المؤمنين – قال: قد وليتك اليمن، فابسط السيف فيهم حتى ينقض حلف ربيعة واليمن – قال: أبلغ من ذلك ما يحب أمير المؤمنين. فولاه اليمن وتوجه إليها فابسط السيف فيهم حتى أسرف.
عاتب المنصور معنا على إكرامه له فأجابه إنما أكرمه لمدحه هو: قال مروان: وقدم معن بعقب ذلك فدخل على المنصور فقال له بعد كلام طويل: قد بلغ أمير المؤمنين عنك شيءٌ لولا مكانك عنده ورأيه فيك لغضب عليك. قلت: وما ذاك يا أمير المؤمنين؟ فوالله ما تعرضت لك منك، قال: إعطاؤك مروان بن أبي حفصة ألف دينار لقوله فيك:

معن بن زائدة الذي زيدت به

 

شرفاً إلى شرف بنو شيبان

إن عد أيام الفعال فـإنـمـا

 

يوماه يوم ندًى ويوم طعـان

فقال: والله يا أمير المؤمنين ما أعطيته ما بلغته لهذا الشعر، وإنما أعطيته لقوله:

ما زلت يوم الهاشمية معلماً

 

بالسيف دون خليفة الرحمن

فمنعت حوزته وكنت وقاءه

 

من وقع كل مهند وسنـان

فاستحيا المنصور وقال: إنما أعطيته ما أعطيته لهذا القول؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين ! والله لو لا مخافة النقمة عندك لأمكنته من مفاتيح بيوت المال وأبحته إياها، فقال له المنصور: لله درك من أعرابي ! ما أهون عليك ما يعز على الرجال وأهل الحزم ! مدح المهدي فرده لمدحه معنا ثم مدحه العام المقبل فأحازه مائة ألف درهم: أخبرني حبيب بن نصر قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثني عبد الله بن محمد بن موسى قال أخبرني محمد بن موسى بن حمزة قال أخبرني الفضل بن الربيع قال: رأيت مروان بن أبي حفصة وقد دخل على المهدي بعد وفاة معن بن زائدة في جماعة من الشعراء فيهم سلمٌ الخاسر وغيره، فأنشده مديحاً فيه، فقال له: ومن أنت؟ قال: شاعرك يا أمير المؤمنين وعبدك مروان بن أبي حفصة. فقال له المهدي: ألست القائل:

أقمنا باليمامة بعد مـعـن

 

مقاماً لا نريد بـه زوالا

وقلنا أين نرحل بعد معـنٍ

 

وقد ذهب النوال فلا نوالا

قد ذهب النوال فيما زعمت، فلم جئت تطلب نوالنا؟ لا شيء لك عندنا، جروا برجله؛ فجروا برجله حتى أخرج. قال: فلما كان من العام المقبل تلطف حتى دخل مع الشعراء – وإنما كانت الشعراء تدخل على الخلفاء في كل عام مرة – فمثل بين يديه وأنشده بعد رابع أو بعد خامس من الشعراء:

طرقتك زائرةً فحي خيالهـا

 

بيضاء تخلط بالجمال دلالها

قادت فؤادك فآستقاد ومثلهـا

 

قاد القلوب إلى الصبا فأمالها

قال: فأنصت الناس لها حتى بلغ إلى قوله:

هل تطمسون من السماء نجومها

 

بأكفكم أو تسترون هـلالـهـا

أو تجحدون مقالةً عن ربـكـم

 

جبريل بلغها النبي فقـالـهـا

شهدت من الأنـفـال آخـر آية

 

بتراثهم فأردتـم إبـطـالـهـا

قال: فرأيت المهدي قد زحف من صدر مصلاه حتى صار على البساط إعجاباً بما سمع، ثم قال: كم هي؟ قال:مائة بيت. فأمر له بمائة ألف درهم. فكانت أول مائة ألف أعطيها شاعرٌ في أيام بني العباس.

مدح الرشيد فرده لمدحه معنا ثم مدحه بعد أيام فأجازه لكل بيت ألفاً: قال: ومضت الأيام وولي هارون الرشيد الخلافة، فدخل إليه مروان؛ فرأيته واقفاً مع الشعراء ثم أنشده قصيدةً امتدحه بها. فقال له: من أنت؟ قال: شاعرك وعبدك يا أمير المؤمنين مروان بن أبي حفصة. قال له: ألست القائل في معن بن زائدة ! وأنشده البيتين اللذين أنشده إياهما المهدي، ثم قال: خذوا بيده فأخرجوه، لا شيء لك عندنا، فأخرج. فلما كان بعد ذلك بأيام تلطف حتى دخل؛ فأنشده قصيدته التي يقول فيها:

لعمرك ما أنسى غداة المحصب

 

إشارة سلمى بالبنان المخضب

وقد صدر الحجاج إلى أقلهـم

 

مصادر شتى موكباً بعد موكب

قال: فأعجبته، فقال: كم قصيدتك من بيت؟ فقال: ستون أو سبعون. فأمر له بعدد أبياتها ألوفاً. فكان ذلك رسم مروان عندهم حتى مات.

مدح المهدي في الرصافة فأجازه: أخبرني عمي قال حدثني الفضل بن محمد اليزيدي عن إسحاق قال: دخل مروان بن أبي حفصة على المهدي في أول سنة قدم عليه. قال: فدخلت عليه في قصره بالرصافة فأنشدته قولي:

أمروا وأحلى ما بلا الناس طعمه

 

عذاب أمير المؤمنين ونـائلـه

فإن طليق الله من أنت مطـلـقٌ

 

وإن قتيل الله من أنت قاتـلـه

كأن أمير المؤمنين مـحـمـداً

 

أبو جعفر في كل أمر يحاولـه

قال: فأعجب بها، وأمر لي بمال عظيم؛ فكانت تلك الصلة أول صلة سنية وصلت إلي في أيام بني هاشم.
مدح المهدي وذم عنده يعقوب بن داود فأجازه من خالص ماله: أخبرني الحسن بن علي الخفاف قال حدثني محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني محمد بن عبد الله العبدي الراوية قال حدثني حسين بن الضحاك قال حدثني مروان بن أبي حفصة قال: دخلت على المهدي في قصر السلام، فلما سلمت عليه، وذلك بعقب سخطه على يعقوب بن داود؛ قلت : يا أمير المؤمنين إن يعقوب رجل رافضي وإنه سمعني أقول في الوراثة:

أنى يكون وليس ذاك بكائنٍ

 

لبني البنات وراثة الأعمام

فذلك الذي حمله على عداوتي. ثم أنشدته:

كأن أمير المؤمنـين مـحـمـداً

 

لرأفته بالناس لـلـنـاس والـد

على أنه من خالف الحق منـهـم

 

سقته يد الموت الحتوف الرواصد

ثم أنشدته:

أحيا أمير المؤمنين محمـدٌ

 

سنن النبي حرامها وحلالها

قال فقال لي المهدي: والله ما أعطيك إلا من صلب مالي فاعذرني، وأمر لي بثلاثين ألف درهم، وكساني جبةً ومطرفاً، وفرض لي على أهل بيته ومواليه ثلاثين ألفاً أخرى.

مدح معنا فأعطاه عطايا سنية لم يستكثرها عليه ابن الأعرابي: أخبرني عيسى بن الحسين الوراق قال حدثنا أحمد بن الحارث الخراز قال حدثنا ابن الأعرابي أن مروان بن أبي حفصة أخبره أنه وفد على معن بن زائدة فأنشده قوله:

بنو مطرٍ يوم اللـقـاء كـأنـهـم

 

أسودٌ لها في بطن خفان أشـبـل

هم يمنعون الجار حتى كـأنـمـا

 

لجارهم بين السماكـين مـنـزل

لهاميم ، في الإسلام سادوا ولم يكن

 

كأولهم فـي الـجـاهـلـية أول

هم القوم إن قالوا أصابوا وإن دعوا

 

أجابوا وإن أعطوا أطابوا وأجزلوا

ولا يستطيع الفاعلون فعـالـهـم

 

وإن أحسنوا في النائبات وأجملـوا

قال: فأمر لي بصلة سنية وخلع علي وحملني وزودني. قال ثم قال لنا ابن الأعرابي: لو أعطاه كل ما يملك لما وفاه حقه. قال: وكان ابن الأعرابي يختم به الشعراء، وما دون لأحدٍ بعده شعراً.

سئل عن جرير والفرزدق أيهما أشعر فأجاب بشعر: أخبرني حبيب بن نصر قال حدثني عبد الله بن أبي سعد قال أخبرني أحمد بن موسى بن حمزة قال: رأيت مروان بن أبي حفصة في أيام محمد بن زبيدة في دار الخلافة وهو شيخ كبير، فسألته عن جرير والفرزدق أيهما أشعر، فقال لي: قد سئلت عنهما في أيام المهدي وعن الأخطل قبل ذلك، فقلت فيهم قولاً عقدته في شعر ليثبت. فسألته عنه فأنشدني:

ذهب الفرزدق بالهجاء وإنما

 

حلوا القريض ومره الجريد

 

ولقد هجا فأمض أخطل تغلبٍ

 

وحوى النها ببيانه المشهـور

 

كل الثلاثة قد أجاد فمـدحـه

 

وهجاؤه قد سار كل مسـير

 

ولقد جريت ففت غير مهـلـلٍ

 

بجراء لا قرفً ولا مبـهـور

إني لآنف أن أحـبـر مـدحةً

 

أبداً لـغـير خـلـيفة ووزير

ما ضرني حسد اللئام ولـم يزل

 

ذو الفضل يحسده ذوو التقصير            

قال: فلم ير أن يقدم على نفسه غيرها. وكتبت الأبيات عن فيه.

مدح معناً فسأله عن أمله فأعطاه إياه واستقله له: أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال حدثني أبو حاتم السجستاني قال حدثني العنسي قال: لما قدم معن بن زائدة من اليمن ،دخل عليه مروان بن أبي حفصة والمجلس غاصً بأهله، فأخذ بعضادتي الباب وأنشأ يقول:

وما أحجم الأعداء عنك بقـيةً

 

عليك ولن لم يروا فيك مطمعا

له راحتان الجود والحتف فيهما

 

أبى الله إلا أن تضرا وتنفعـا

قال فقال له معن:احتكم، قال: عشرة آلاف درهم. فقال معن: ربحنا عليك تسعين ألفاً قال: أقلني. قال: لا أقال الله من يقيلك.

أخبرني عمي قال حدثني عبد الله بن أبي سعد قال حدثني أبي قال: لما قدم معن بن زائدة من اليمن استقبله الناس وتلقاه مروان بن أبي حفصة، فأنشده قصيدةً يهنئه فيها بقدومه وبرأي المنصور فيه، وتلقاه فيمن تلقاه أبو القاسم محرز فجعل يقول له: سفكت الدماء، وظلمت الناس، وتعديت طورك بذلك. فلما أكثر على معن التفت إلي ثم قال له: يا محرز أخبرني بأي خفيك تضرب اليوم:أبا السباعي أم بالثماني؟ قال: فانقطع وسكت خجلاً.

ودخل معن على المنصور، فلما سلم عليه وسأله قال له: يا معن، أعطيت ابن حفصة مائة ألف درهم عن قوله فيك:

معن بن زائدة الذي زيدت به

 

شرفاً إلى شرفٍ بنو شيبان

فقال له: كلا يا أمير المؤمنين بل أعطيته لقوله:

ما زلت يوم الهاشمية معلماً

 

بالسيف دون خليفة الرحمن

فاستحيا المنصور من تهجينه إياه فتبسم وقال: أحسنت يا معن في فعلك.

ترك يحيى بن منصور الشعر فلما سمع بكرم معن مدحه وقال مروان في ذلك شعراً: أخبرني الحسن بن علي المصري قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني علي بن ثور قال حدثني أبو العباس العدوي قال: لما ولي معن بن زائدة اليمن كان يحيى بن منصور الذهلي قد تنسك وترك الشعر. فلما بلغته أفعال معن وفد إليه ومدحه، فقال مروان بن أبي حفصة:

لا تعدموا راحتي معن فإنهمـا

 

بالجود أفتنتا يحيى بن منصور

لما رأى راحتي معنٍ تدفقـتـا

 

بنائلٍ من عطاءٍ غير منـزور

ألقى المسوح التي كان يلبسهـا

 

وظل للشعر ذا رصفٍ وتحبير

تزوجت امرأة من أهله في بني مطر فلم يرضهم وقال شعراً: أخبرني محمد بن مزيد وعيسى بن الحسين قالا حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عبد الملك بن عبد العزيز قال: ورد على مروان بن أبي حفصة كتاب وهو بالمدينة أن امرأة من أهله تزوجت في قوم لم يرض صهرهم يقال لهم بنو مطر؛ فقال في ذلك لأخيها:

لو كنت أشبهت يحيى في مناكحه

 

لما تنقيت فحلاً جـده مـطـر

لله در جيادٍ كنـت سـائسـهـا

 

ضيعتها وبها التحجيل والغـرر

نبئت خولة قالت يوم أنكجـهـا

 

قد طالما كنت منك العار أنتظر

تهكم بالجنى الشاعر فهجاه ولم يعف عنه حتى حقره: أخبرني الحسن بن علي الخفاف قال حدثنا الحسن بن علي المعروف بحدان عن محمد بن حفص بن عمرو بن الأيهم الحنفي قال: مر مروان بن أبي حفصة برجل من تيم اللات بن ثعلبة يعرف بالجني، فقال له مروان: زعموا أنك تقول الشعر. فقال له: إن شئت عرفتك ذلك. فقال له مروان: ما أنت والشعر، ما أرى ذلك من طريقتك ولا مذهبك ولا تقوله ! فقال الجني: اجلس واسمع فجلس؛ فقال الجني يهجوه:

ثوى اللؤم في العجلان يوماً وليلةً

 

وفي دار مروان ثوى آخر الدهر

غدا اللؤم يبغي مطرحاً لرحـالـه

 

فنقب في بر البلاد وفي البحـر

فلما أتى مـروان خـيم عـنـده

 

وقال رضينا بالمقام إلى الحشـر

وليست لمروانٍ على العرس غيرةٌ

 

ولكن مرواناً يغار على الـقـدر

فقال له مروان: ناشدتك الله إلا كففت، فأنت أشعر الناس. فحلف الجني بالطلاق ثلاثاً أنه لا يكف حتى يصير إليه بنفرٍ من رؤساء أهل اليمامة ثم يقول بحضرتهم: قاق في استي بيضة. فجلبهم إليه مروان وفعل ذلك بحضرتهم، وكان فيهم جدي يحيى بن الأيهم، فانصرفوا وهم يضحكون من فعله.
عزى الهادي في المهدي ببيتين تناقلهما الناس: أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثني أبو عبد الله بن سليمان بن زيد الدوسي قال حدثني الفضل بن العباس بن سعيد بن سلم بن قتيبة الباهلي قال حدثنا محمد بن حرب بن قطن بن قبيصة بن مخارق الهلالي قال: لما مات المهدي وفدت العرب على موسى يهنئونه بالخلافة ويعزونه عن المهدي؛ فدخل مروان بن أبي حفصة فأخذ بعضادتي الباب ثم قال:

لقد أصبحت تختال في كل بلدةٍ

 

بقبر أمير المؤمنين المقابـر

ولو لم تسكن بابنه في مكانـه

 

لما برحت تبكي عليه المنابر

قال فخرج الناس بالبيتين.

مدح عمرو بن مسعدة في مرضه

أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني إبراهيم بن المدبر قال: مرض عمرو بن مسعدة، فدخل عليه مروان بن أبي حفصة وقد أبل من مرضه فأنشأ يقول:

صح الجسم يا عمرو

 

لك التمحيص والأجر

والله علينـا الـحـم

 

د والمنة والشـكـر

فقد كان شكا شـوقـاً

 

إليك النهي والأمـر

قال فنحا نحوه مسلم بن الوليد فقال:

قالوا أبو الفضل محمومٌ فقلت لهم

 

نفسي الفداء له من كل محذور

يا ليت علته بـي غـير أن لـه

 

أجر العليل وأني غير مأجـور

رأى الغول في بعض سفراته ففزع: أخبرني حبيب بن نصر المهلبي قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثنا أبو حذيفة قال حدثني رجل من بني سليم في مسجد الرصافة قال أخبرني مروان بن أبي حفصة قال: وفدت في ركب إلى الرشيد فصرنا في أرض موحشةٍ قفرٍ، وجن علينا الليل فسرنا لنقطعها، فلم نشعر إلى بامرأة تسوق بنا إبلنا وتحدو في آثارنا، فإذا هي الغول. فلما لاح الفجر عدلت عنا وأخذت عرضاً وجعلت تقول:

يا كوكب الصبح إليك عني

 

فلست من صبح وليس مني

قال: فما أذكر أني فزعت من شيء قط فزعي ليلتئذ.
عارضه التغلبي في شعره في وراثة بني العباس: أخبرني الحسن بن علي قال حدثني محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني علي بن الحسن الكوفي قال حدثني محمد بن يحيى بن أبي مرة التغلبي قال: مررت بجعفر بن عفان الطائي يوماً وهو على باب منزله، فسلمت عليه، فقال لي: مرحباً يا أخا تغلب، اجلس فجلست. فقال لي: أما تعجب من أن ابن أبي حفصة لعنه الله حيث يقول:

أنى يكن وليس ذاك بكائنٍ

 

لبني البنات وراثة الأعمام

فقلت بلى والله إنى لأتعجب منه وأكثر اللعن له، فهل قلت في ذلك شيئاً؟ فقال: نعم قلت:

لم لا يكـون وإن ذاك بـكـائنٍ

 

لبني البنـات وراثة الأعـمـام

للبنات نصفٌ كامل من مـالـه

 

والعم متروكٌ بغـير سـهـام

ما للطليق وللـتـراث وإنـمـا

 

صلى الطريق مخافة الصمصام

لازمه صالح بن عطية الأضجم أياماً ثم قتله: أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثني علي بن محمد بن سليمان النوفلي قال حدثني صالح بن عطية الأضجم قال: لما قال مروان:

أنى يكن وليس ذاك بكائنٍ

 

لبني البنات وراثة الأعمام

لزمته وعهدت الله أن أغتاله فأقتله في أي وقت أمكنني ذلك، وما زلت ألاطفه وأبره وأكتب أشعاره حتى خصصت به، فأنس بي جداً وعرفت ذلك بنو حفصة جميعاً فأنسوا بي، ولم أزل أطلب له غرةٌ حتى مرض من حمة أصابته، فلم أزل أظهر الجزع عليه وألازمه وألاطفه، حتى خلا لي البيت يوماً فوثبت عليه فأخذت بحلقه فما فارقته حتى مات، فخرجت وتركته، فخرج إليه أهله بعد ساعة فوجدوه ميتاً، وارتفعت الصيحة فحضرت وتباكيت وأظهرت الجزع عليه حتى دفن، وما فطن بما فعلت أحد ولا اتهمني به.

عود إلى ذكر إبراهيم بن المهدي

نشأته ونسب أمه شكلة: ثم نعود إلى ذكر إبراهيم بن المهدي وأمه شكلة . ويكنى أبا إسحاق. وشكلة أمه مولودة كان أبوها من أصحاب المازيار، يقال له شاه أفرند، فقتل مع المازيار وسبيت بنته شكلة، فحملت إلى المنصور، فوهبها لمحياة أم ولده فربتها وبعثت بها إلى الطائف فنشأت هناك وتفصحت؛ فلما كبرت ردت إليها. فرآها المهدي عندها فأعجبته، فطلبها من محياة فأعطته إياها، فولدت منه إبراهيم، وكان رجلاً عاقلاً فهماً ديناً أديباً شاعراً راويةً للشعر وأيام العرب خطيباً فصيحاً حسن العارضة.
مدحة إسحاق الموصلي: وكان إسحاق الموصلي يقول: ما ولد العباس بن عبد المطلب بعد عبد الله بن العباس: رجلاً أفضل من إبراهيم بن المهدي. فقيل له: مع ما تبذل له من الغناء؟ فقال: وهل تم فضله إلا بذاك !. حدثني بذلك محمد بن يزيد عن حماد عن أبيه.

كان ينسب ما يصنع لجاريتيه

وكان أشد خلق الله إعظاماً للغناء، وأحرصهم عليه، وأشدهم منافسة فيه. وكانت صنعته لينة، فكان إذا صنع شيئاً نسبه إلى شارية وريق، لئلا يقع عليه في طعن أو تقريع، فقلت صنعته في أيدي الناس مع كثرتها لذلك. وكان إذا قيل له فيها شيء قال: إنما أصنع تطرباً لا تكسباً، وأغنى لنفسي لا للناس فأعمل ما أشتهي.

كان ينازع إسحاق ويجادله وجرت بينهما مناظرات في الغناء: وكان حسن صوته يستر عوار ذلك كله. وكان الناس يقولون لم ير في جاهلية ولا إسلام أخٌ وأختٌ أحسن غناء من إبراهيم المهدي وأخته علية. وكان يماظ إسحاق ويجادله، فلا يقوم له ولا يفي به، ولا يزال إسحاق يغلبه ويغصه بريقه ويغص منه بما يظهر عليه من السقطات ويبينه من خطئه في وقته وعجزه من معرفة الخطأ الغامض إذا مر به؛ وقصوره من أداء الغناء القديم فيفضحه بذلك. وقد ذكرت قطعة من هذه الأخبار في أخبار إسحاق وأنا أذكر ها هنا منها ما لم أذكر هناك.

ومما خالف إبراهيم بن المهدي ومن قال بقوله قال إسحاق فيه: الثقيلان وخفيفهما، فإنه سمى الثقيل الأول وخفيفه الثقيل الثاني وخفيفه، وسمى الثقيل الثاني وخفيفه الثقيل الأول وخفيفه؛ وجرت بينهما في ذلك مناظراتٌ ومجادلاتٌ ومراسلة ومكاتبة ومشافهة. وحضرهما الناس، فلم يكن فيهم من يفي بفصل ما بينهما والحكم لأحداهما على صاحبه. ووضع لذلك مكاييل لتعرف بها أقدار الطرائق، وأمسك كل واحد منهما إلى آخر أقداره، فلم يصح شيء يعمل عليه، إلا أن قول إبراهيم بن المهدي اضمحل وبطل وترك، وعمل الناس على مذهب إسحاق؛ لأنه كان أعلم الرجلين وأشهرهما. وأوضح إسحاق أيضاً لذلك وجوهاً فقال: إن الثقيل الأول يجيء منه قدران، الثقيل الأول التام ،والقدر الأوسط من الثقيل الأول، وجميعاً طريقته واحدةٌ لاتساعه والتمكن منه، والثقيل الثاني لا يجيء هذا فيه ولا يقاربه. والثقيل الأول يمكن إدراج في ضربه لثقله، والثقيل الثاني لا يندرج لنقصه في ذلك. ولهما في هذا الكلام كثير ومخاطبات قد ذكرتها في أخبارهما، وشرحت العلل مبسوطةً في كتاب ألفته في النغم شرحاً ليس موضعه ولا يصلح فيه. وأما التجزئة والقسمة فإنهما أفنيا أعمارهما في تنازعهما فيهما، حتى كان يمضي لهما الزمن الطويل لا تنقطع مناظرتهما ومكاتبتهما في قسمة وتجزئة صوت واحد فيه، وحتى كانا يخرجان إلى كل قبيح، وحتى أنهما ماتا جميعاً وبينهما منازعة في هذا الصوت وقسمته:

حييا أم يعـمـــرا

 

قبل شحطٍ من النوى

لم يفصل بينهما فيها إلى أن افترقا. ولو ذهبت إلى ذكر ذلك وشرح سائر أخبار إبراهيم بن المهدي وقصصه لما ولي الخلافة وغير ذلك من وصفه بفصاحة اللسان، وحسن البيان، وجودة الشعر، ورواية العلم، والمعرفة بالجدل، وجزالة الرأي، والتصرف في الفقه واللغة، وسائر الآداب الشريفة، والعلوم النفسية، والأدوات الرفيعة، لأطلت. وإنما الغرض في هذا الكتاب الأغاني أو ما جرى من مجراها، لا سيما لمن كثرت الروايات والحكايات عنه؛ فلذالك اقتصرت على ما ذكرته من أخبار دون ما يستحقه من التفضيل والتبجيل والثناء الجميل.

كلمة لإبراهيم بن المهدي عن نفسه في صنعة الغناء: أخبرني عمي رحمه الله قال حدثني علي بن محمد بن بكر عن جده حمدون بن إسماعيل قال قال لي إبراهيم بن المهدي: لولا أني أرفع نفسي عن هذه الصناعة لأظهرت فيها ما يعلم الناس معه أنهم لم يروا قبلي مثلي. غنى الرشيد وعنده ابن جامع وإبراهيم الموصلي فأطرباه: أخبرني عمي قال حدثنا عبد الله بن ابي سعد قال حدثني أحمد بن القاسم بن جعفر بن سليمان الهاشمي قال حدثني أحمد بن إبراهيم بن النهدي عن أبيه قال: دخلت يوماً إلى الرشيد وفي رأسي فضلة خمار، وبين يديه ابن جامع وإبراهيم الموصلي. فقال: بحياتي يا إبراهيم غنني. فأخذت العود ولم ألتفت إليهما لما رأسي من الفضلة فغنيت:

أسري بخالدة الخيال ولا أرى

 

شيئاً ألذ من الخيال الطارق

فسمعت إبراهيم يقول لآبن جامع: لو طلب هذا بهذا الغناء ما نطلب لما أكلنا خبزاً أبداً. فقال ابن جامع: صدقت. فلما فرغت من غنائي وضعت العود ثم قلت: خذا في حقكما ودعا في باطلنا.
نسبة هذا الصوت صوت

أسري بخالدة الـخـيال ولا أرى

 

شيئاً ألذ من الخـيال الـطـارق

إن البلية مـن تـمـل حـديثـه

 

فانقع فؤادك من حديث الوامـق

أهواك فوق هوى النفوس ولم يزل

 

مذ بنت بقلبي كالجناح الخـافـق

طرباً إليك ولم تبالي حـاجـتـي

 

ليس المكاذب كالخليل الصـادق

الشعر لجرير. والغناء لابن عائشة رملٌ بالوسطى عن عمرو.

غنى الرشيد زعنده سليمان بن أبي جعفر وجعفر بن يحيى: أخبرني جحظة قال أخبرني هبة الله بن غبراهيم المهدي قال حدثني أبي، وحدثني الصولي قال حدثني عون بن محمد قال حدثني هبة الله – ولم يذكر عن أبيه – قال: كان الرشيد يحب أن يسمع أبي. وقال جحظة عن هبة الله عن إبراهيم قال: كان الرشيد يحب أن يسمعني، فخلا بي مراتٍ إلى أن سمعني. ثم حضرته مرةً وعنده سليمان بن أبي جعفر؛ فقال لي: عمك وسيد ولد المنصور بعد أبيك وقد أحب أن يسمعك؛ فلم يتركني حتى غنيت بين يديه:

إذ أنت فينا لم ينهاك عاصيةٌ

 

وإذ أجرٌ إليكم سادراً رسني

فأمر لي بألف ألف درهم، ثم قال لي ليلةً ولم يبقى في المجلس إلا جعفر بن يحيى: أنا أحب أن تشرف جعفراً بأن تغنيه صوتاً. فغنيته لحناً صنعته في شعر الدارمي:

كأن صورتها في الوصف إذ وصفت

 

دينار عينٍ من المصرية الـعـتـق

نسبة هذين الصوتين، منهما صوت

سقياً لربعك من ربعٍ بذي سلمٍ

 

وللزمان به إذ ذاك من زمن

إذ أنت فينا لمن ينهاك عاصيةٌ

 

وإذ أجر إليكم سادراً رسني

الشعر للأحوص. والغناء لآبن سريج ثقيل أول بالوسطى عن عمرو.

أخبرني الحسن بن علي قال حدثني أحمد بن زهير عن مصعب قال: أنشد منشدٌ وابن أبي عبيدة عندنا قول الأحوص:

إذ أنت فينا لمن ينهاك عاصيةٌ

 

وإذ أجر إليكم سادراً رسني

فوثب قائماً وألقى طرف ردائه وجعل يخطو إلى طرفىالمجلس ويجره. ثم فعل ذلك حتى عاد إلينا. فقلنا له: ما حملك على ما صنعت؟ فقال: إني سمعت هذا الشعر مرة فأطربني، فجعلت على نفسي ألا أسمعه أبداً إلا جررت رسني.
والآخر من الصوتين: صوت

كأن صورتها في الوصف إذ وصفت

 

دينار عينٍ من المصرية الـعـتـق

أو درة أعيت الغواص في صـدفٍ

 

أو ذهبٌ صاغه الصواغ فـي ورق

الشعر للدارمي. والغناء لمرزوق الصواف رملٌ بالبنصر عن ابن المكي. وذكر عمرو أن هذا اللحن للدارمي أيضاً. وذكر الهشامي أنه لابن سريج. وفي هذا الخبر أنه لإبراهيم بن المهدي. وفيه خفيف رملٍ يقال إنه لحن مرزوق الصواف، ويقال إنه لمتيم ثاني ثقيل عن الهشامي وابن المعتز.

غنى صوتاً على أربع طبقات: أخبرني يحيى بن المنجم قال ذكر لي عبيد الله بن طاهر عن إسحاق بن عمر بن زيع قال: كنت أضرب على إبراهيم بن المهدي صوتاً ذكره فغناه على أربع طبقات. على الطبقة التي كان العود عليها وعلى ضعفها، وعلى إسجاحها، وعلى إسحاج الإسجاح. قال أبو أحمد قال عبيد الله: وهذا شيء ما حكي لنا عن أحد غير إبراهيم، وقد تعاطاه بعض الحداق بهذا الشأن، فوجده صعباً متعذراً لا يبلغ إلا بالصوت القوي وأشد ما في إسجاح الإسجاح؛ لأن الضعف لا يبلغ إلا بصوت قوي مائل إلى الدقة، ولا يكاد ما أتسع مخرجه يبلغ ذلك. فإذا دق حتى يبلغ الأضعاف لم يقدر على الإسجاح فضلاً عن إسجاح الإسحاج. فإذا غلظ حتى يتمكن من هذين لم يقدر على الضعف.

غنى صوتاً لمعبد: أخبرني عمي قال حدثني ابن أبي سعد قال حدثني أحمد بن القاسم بن جعفر بن سليمان الهاشيمي قال حدثني محمد بن سليمان بن موسى الهادي قال: دعاني إبراهيم بن المهدي يوماً قصرت إليه، وغنى صوتاً لمعبد:

أفي الحق هذا أنني بك مولـع

 

وأن فؤادي نحوك الدهر نازع

فقال لي: لمن هذا الغناء؟ فقلت: يا سيدي يقولون إنه لمعبد، ولا غنى والله مع معبد كذا قط، ولا سمعت أحدأً يقول كذا، لا والله ما في الدنيا كذا. قال: فضحك ثم قال: والله يا بني ما قمت بنصف ما كان يقوم به معبد.

نسبة هذا الصوت أما اللحن فمن الثقيل الثاني، وقد ذكر في هذا الخبر أنه لمعبد، وما وجدته في شيء من الكتب له. وذكر الهشامي أنه لآبن المكي.

عاب مخارقاً عند المأمون: أخبرني أحمد بن عبيد الله بن محمد بن عمار قال حدثني يعقوب بن نعيم قال حدثني إسحاق بن محمد قال حدثني عيسى بن محمد القحطبي قال حدثني محمد بن الحارث بن بسخنر قال: لما قدم المأمون من خراسان لم يظهر لمغنً بالمدينة مدينة السلام غيري، فكنت أنادمه سراً، ولم يظهر للندماء أربع سنين، حتى ظفر بإبراهيم بن المهدي. فلما ظفر به وعفا عنه ظهر للندماء ثم جمعنا؛ ووجه إلى إبراهيم فحضر في ثياب مبتذلة. لما رأه المأمون قال: ألقى عمي رداء الكبر عن منكبيه، ثم أمر له بخلع فاخرة وقال: يا فتح غد عمي؛ فتغدى إبراهيم بحيث يراه المأمون ثم تحول إلينا، وكان مخارق حاضراً، فغنى مخارق:

هذا ورب مسوفين صبحتهم

 

من خمر بابل لذةً للشارب

فقال له إبراهيم: أسأت فأعد؛ فأعاده، فقال: قاربت ولم تصب. فقال له المأمون: إن كان أساء فأحسن أنت. فغناه إبراهيم ثم قال لمخارق: أعده فأعاده، فقاغل: أحسنت. فقال للمأمون: كم بين الأمرين؟ فقال: كثيرٍ. فقال لمخارق: إنما مثلك كمثل الثوب الفاخر إذا غفل عنه أهله وقع عليه الغبار فأحال لونه، فإذا نفض عاد إلى جوهره. ثم غنى إبراهيم:

يا صاح يا ذا الضامر العنس

 

و الرحل ذي الأقتاد والحلس

أما النهار فما تـقـصـره

 

رتكاً يزيدك كلما تمـسـي

ضن على مخارق بصوت: قال: وكانت لي جائزة قد خرجت، فقلت: يا أمير المؤمنين، تأمر يا سيدي بإلقا ء هذا الصوت علي مكان جائزتي فهو أحب إلي منها. فقال: يا عم ألق هذا الصوت على مخارق، فألقاه علي، حتى إذا كدت أن آخذه قال: اذهب فأنت أحذق الناس به. فقلت: إنه لم يصلح لي بعد. قال: فاغد علي. فغدوت عليه فغناه متلوياً؛ فقلت: أيها الأمير، لك في الخلافة ما ليس لأحد، أنت ابن الخليفة وأخو الخليفة وعم الخليفة، تجود بالرغائب وتبخل علي بصوت ! فقال: ما احمقك ! إن المأمون لم يسبقني محبةً في ولا صلةً لرحمي ولا رباءً للمعروف عندي، ولكنه سمع من هذا الجرم ما لم يسمع من غيره. قال: فأعلمت المأمون مقالته؛ فقال: إنا لا نكدر على أبي إسحاق عفونا عنه، فدعه. فلما كانت أيام المعتصم خبر الصوت سراً. فقال: يا عم غنني: ” يا صاح يا ذا الضامر العنس ” فغناه؛ فقال: ألقه على مخارق. فقال: قد فعلت، وقد سبق مني قولٌ ألا أعيده عليه. ثم كان يتجانب أن يغنينه حيث أحضره.
نسبة ما في هذا الخبر من الغناء صوت

هذا ورب مسوفين صبحتهـم

 

من خمر بابل لذة للشـارب

بكروا علي بسحرةٍ فصبحتهم

 

بإناء ذي كرم كقعب الحالب

بزجاجة ملء اليدين كأنـهـا

 

قنديل فصحٍ في كنيسة راهب

الشعر لعدي بن زيد. والغناء لحنين خفيف ثقيلٍ أول بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق.
صوت

يا صاح يا ذا الضامر العنس

 

والرحل ذي الأقتاد والحلس

أما النهار فما تـقـصـره

 

رتكاً يزيدك كلما تمـسـي

الشعر لخالد بن المهاجر بن خالد بن الوليد.
طلبت إليه أخته أسماء سماع غنائه: وذكر أحمد بن أبي طاهر عن أثير مولاة منصور بن المهدي عن ذؤابة مولاته أيضاً قالت قالت لي أسماء بنت المهدي: قلت لأخي إبراهيم:يا أخي أشتهي والله أن أسمع من غنائك شيئاً. فقال: إذاً والله يا أختي لا تسمعين مثله، علي وعلي، وغلظ في اليمين، إن لم يكن إبليس ظهر لي وعلمني النقر والنغم وصافحني وقال لي: اذهب فأنت مني وأنا منك.

غضب عليه الأمين ثم رضي عنه

أخبرني عمي قال حدثني عبد الله بن أبي سعد قال حدثني هبة الله بن إبراهيم بن المهدي عن أبيه قال: غضب علي محمد الأمين في بعض هناته، فسلمني إلى كوثر ، فحبسني في سرداب وأغلقه فمكثت فيه ليلتي. فلما أصبحت إذا إنا في شيخ قد خرج علي من زاوية السرداب، ودفع إلي وسطاً وقال: كل فأكلت، ثم أخرج قنينة شراب فقال: اشرب فشربت، ثم قال لي: غن:

لي مدةٌ لابد أن أبلغـهـا

 

معلومةٌ فإذا انقضت مت

لو ساورتني الأسد ضاريةٌ

 

لغلبتها ما لم يج الوقـت

فغنيته، وسمعني كوثر فصار إلى محمد وقال: قد جن عمك وهو جالس يغني بكيت وكيت. فأمر بإحضاري فأحضرت وأخبرته بالقصة، فأمر لي بسبعمائة درهم ورضي عني.

?طارح أخته علية فأطربا المأمون وأحمد بن الرشيد: أخبرني عمي قال حدثني ابن أبي سعد قال سمعت ينشو يحدث عن أبي أحمد بن الرشيد قال: كنت يوماً بحضرة المأمون وهو يشرب، فدعا بياسرٍ وأدخله فساره بشيء ومضى وعاد. فقام المأمون وقال لي: قم، فدخل دار الحرم ودخلت معه، فسمعت غناءً أذهل عقلي ولم أقدر أن أتقدم ولا أتأخر. وفطن المأمون لما بي فضحك ثم قال: هذه عمتك علية تطارح عمك إبراهيم:

ما لي أرى الأبصار بي جافيه

نسبة هذا الصوت

مالي أرى الأبصار بي جافيه

 

لم تلتفت مني إلى نـاحـيه

لا ينظر الناس إلى المبتلـى

 

وإنما الناس مع العـافـيه

وقد جفاني ظالـمـاً سـيدي

 

فأدمعي منـهـاة هـامـيه

صحبي سلوا ربكم العافـيه

 

فقد دهتني بعدكـم داهـيه

الشعر والغناء لعلية بنت المهدي خفيف رملٍ. وأخبرني ذكاء وجه الرزة أن لعريب فيه خفيف رمل آخر مزموراً، وأن لحن علية مطلق.

كتب إليه إسحاق بجنس صوت فغناه من غير ان يسمعه: أخبرني يحيى بن علي قال حدثني أبي عن إبراهيم عن علي بن هشام أن إسحاق كتب إلى إبراهيم بن المهدي بجنس صوت صنعه واصبعه ومجراه وإجراء لحنه؛ فغناه إبراهيم من غير أن يسمعه فأدى ما صنعه. والصوت:

حييا أم يعـمـــرا

 

قبل شحط من النوى

قلت لا تعجلوا الروا

 

ح فقالوا ألا بـلـى

أجمع الحي رحـلةٌ

 

ففؤادي كذي الأسي

نسبة هذا الصوت الشعر لعمر بن أبي ربيعة و. والغناء لبن سريج ولحنه من القدر الأوسط من الثقيل الأول مطلقٌ في مجرى الوسطى. وذكر عمرو بن بانة أنه لمالك. وفيه للهذلي خفيف ثقيلٍ أول بالبنصر عن ابن المكي، وزعم الهشامي أنه لحن مالك. وفيه لحنان من الثقيل الثاني أحدهما لإسحاق وهو الذي كتب به إسحاق إلى إبراهيم بن المهدي والآخر زعم الهشامي أنه لإبراهيم، وزعم عبد الله بن موسى بن محمد بن إبراهيم الإمام أنه لابن محرز.

أخبرني عمي قال حدثني الحسين بن يحيى أبو الجمان: أن إسحاق بن إبراهيم لما صنع صوته:

قل لمن صد عاتباً

اتصل خبره بإبراهيم بن المهدي فكتب يسأله عنه؛ فكتب إليه بشعره وإيقاعه وبسيطه ومجراه وإصبعه وتجزئته وأقسامه ومخارج نغمه ومواضع مقاطعه ومقادير أدواره وأوزانه، فغناه. قال: ثم لقيني فغنيانه، ففضلني فيه بحسن صوته.
نسبة هذا الصوت

قل لمن صد عاتبا

 

ونأى عنك جانبـا

قد بلغت الذي أرد

 

ت وإن كنت لاعبا

الشعر والغناء في هذا اللحن لإسحاق، ثاني ثقيل بالبنصر في مجراها. وفيه لغيره ألحان.

سمعه أحمد بن أبي دواد فذهل عن نفسه ورجع عن إنكاره الغناء: أخبرني ابن عمار قال حدثني يعقوب بن نعيم قال حدثني إسحاق بن محمد عن أبيه قال: سمعت أحمد بن أبي دواد يقول: كنت أعيب الغناء وأطعن على أهله، فخرج المعتصم يوماً إلى الشماسية في حراقةٍ يشرب، ووجه في طلبي فصرت إليه؛ فلما قربت منه سمعت غناءً حيرني وشغلني عن كل شيء، فسقط سوطي من يدي؛ فالتقت إلى زنقطة غلامي أطلب منه سوطه، فقال لي: قد والله سقط سوطي. فقلت له: فأي شيء كان سبب سقوطه؟ قال: صوت سمعته شغلني عن كل شيء فسقط سزطي من يدي؛ فإذا قصته قصتي. قال: وكنت أنكر أمر الطرب على الغناء وما يستفز الناس منه ويغلب على عقولهم، وأناظر المعتصم فيه. فلما دخلت عليه يومئذٍ أخبرته بالخبر؛ فضحك وقال: هذا عمي كان يغنيني:

إن هذا الطويل من آل حفصٍ

 

نشر المجد بعدما كان ماتـا

فإن تبت مما كنت تناظرنا عليه في ذم الغناء سألته أن يعيده. ففعلت وفعل، وبلغ بي الطرب أكثر مما يبلغني عن غيري فأنكره؛ ورجعت عن رأي منذ ذلك اليوم. وقد أخبرني بهذا الخبر أبو الحسن علي بن هارون بن علي بن يحيى المنجم عن أبيه عن عبيد الله بن عبد الله بن طاهر فذكر هذه القصة أو قريباً منها بزيادة اللفظ ونقصانه، وذكر أن الصوت الذي غناه إبراهيم:

طرقتك زائرةٌ فحي خـيالـهـا

 

بيضاء تخلط بالحياء دلالـهـا

هل تطمسون من السماء نجومها

 

بأكفكم أو تسترون هـلالـهـا

اتخذ لنفسه حراقة بحذاء داره: أخبرني الحسن بن علي قال حدثني الحسن بن عليل قال: سمعت هبة الله بن إبراهيم بن المهدي يقول: اتخذ أبي حراقةً فأمر بشدها في الجانب الغربي بحذاء داره، فمضيت إليها ليلة فكان أبي يخاطبنا من داره بأمره ونهيه، فنسمعه وبيننا عرض دجلة وما أجهد نفسه.

ثناء ابن أبي ظبية عليه: أخبرني عمي قال سمعت عبد الله بن مسلم بن قتيبة يقول حدثني بن أبي ظبية قال: كنت أسمع إبراهيم بن المهدي يتنحنح فأطرب.

غنى وعنده عدةً من المغنين وغنى بعده مخارق فأعاد هو فأطرب: أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد القاسم بن مهرويه قال حدثني عبد الله بن أبي سعد قال حدثني القطراني المغني عن محمد بن جبر عن عبد الله بن العباس الربيعي قال: كنا عند إبراهيم بن المهدي ذات يوم وقد دعا كل مطربٍ محسن من المغنين يومئذ وهو جالس يلاعب أحدهم بالشطرنج. فترنم بصوت فريدة:

قال لي أحمدٌ ولم يدر ما بي

 

أتحب الغداة عتبةً حـقـا

وهو متكىء. فلما فرغ منه ترنم به مخارق فأحسن فيه وأطربنا وزاد على إبراهيم، فأعاده إبراهيم وزاد في صوته فعفى على غناء مخارق. فلما فرغ رده مخارق وغنى فيه بصوته كله وتحفظ فيه، فكدنا نطير سروراً. واستوى إبراهيم جالساً وكان متكئأً فغناه بصوته كله ووفاه نغمه وشذوره، ونظرت إلى كتفيه تهتزان وبدنه أجمع يتحرك حتى فرغ منه، و مخارقٌ شاخصٌ نحوه يرعد وقد انتقع لونه وأصابعه تختلج؛ فخيل لي والله أن الإيوان يسير بنا. فلما فرغ منه تقدم إليه مخارق فقبل يده وقال: جعلني الله فداك أين أنا منك ?! ثم لم ينتفع مخارق بنفسه بقية يومه في غنائه، والله لكنما كان يتحدث.
نسبة هذا الصوت

قال لي أحمدٌ ولم يدر مـا بـي

 

أتحب الغـداة عـتـبةً حـقـا

فتنفست ثم قلـت نـعـم حـب

 

اً جرى في العروق عرقا فعرقا

ما لدمعي عدمتـه لـيس يرقـا

 

إنما يستهل غسقاً فـغـسـقـا

طرباً نحوه ظبيةٍ تـركـت قـل

 

بي من الوجد قرحةً ما تفقـا?

الشعر لأبي العتاهية. والغناء لفريدة خفيف رملٍ بالوسطى. وفيه لإبراهيم بن المهدي خفيف رملٍ آخر. ولفريدة أيضاً لحنٌ من الثقيل الثاني في أبيات من هذه القصيدة وهي:

قد لعمري مل الطبيب ومل ال

 

أهل مني مما أداوى وأرقـى

ليتني مت فاسترحت فـإنـي

 

أبداً ما حييت منها مـلـقـى

غنى الأمين فأطربه: أخبرني عمي قال حدثني عبد الله بن أبي سعد قال حدثني هبة الله بن إبراهيم بن المهدي قال حدثني عمي منصور بن المهدي: أنه كان عند أبي في يوم كانت عليه فيه نوبةٌ لمحمد الأمين، فتشاغل أبي بالشرب في بيته ولم يمض، وأرسل إليه عدة رسل فتأخر، قال منصور: فلما كان من غدٍ قال: ينبغي أن تعمل على الرواح إلي لنمضي إلى أمير المؤمنين فنترضاه؛ فما أشك في غضبه علي. ففعلت ومضينا. فسألنا عن خبره فأعلمنا أنه مشرف على حير الوحش وهو مخمور، وكان من عادته ألا يشرب إذا لحقه الخمار. فدخلنا؛ وكان طريقنا على حجرةٍ تصنع فيها الملاهي. فقل لي أخي: اذهب فاختر منها عوداً ترضاه، وأصلحه غاية الإصلاح حتى لا تحتاج إلى تغيره البتة عند الضرب؛ ففعلت وجعلته في كمي. ودخلنا على الأمين وظهره إلينا. فلما بصرنا به من بعيد قال: أخرج عودك فأخرجته، واندفع يغني:

وكأسٍ شربت على لـذةٍ

 

وأخرى تتداويت منها بها

 

لكي يعلم الناس أني امرؤٌ

 

أتيت الفتوة من بابـهـا

 

وشاهدنا الجل والياسـم

 

ين والمسمعات بقصابها

وبربطنا دائمٌ معـمـلٌ

 

فأي الثلاثة أزرى بهـا            

فاستوى الأمين جالساً وطرب طرباً شديدا وقال: أحسنت والله يا عم وأحييت لي طرباً، ودعا برطل فشربه على الريق وامتد في شربه. قال منصور: وغنى إبراهيم يومئذٍ على أشد طبقة يتناهى إليها في العود، وما سمعت مثل غنائه يومئذٍ قط. ولقد رأيت منه شيئاً عجيباً لو حدثت به ما صدقت، كان إذا ابتدأ يغني أصغت الوحش إليه ومدت أعناقها، ولم تزل تدنو منا حتى تكاد أن تضع رؤوسها على الدكان الذي كنا عليه، فإذا سكت نفرت وبعدت منا حتى تنتهي إلى أبعد غاية يمنكنها التباعد فيها عنا، وجعل الأمين يعجب من ذلك، وانصرفنا من الجوائز بما لم ننصرف بمثله قط.

كتب له إسحاق بصوت صنعه فغناه وأجاده: أخبرني عمي والصولي قالا حدثنا الحسين بن يحيى الكاتب أبو الجمان أن إسحاق كتب إلى إبراهيم بن المهدي بصوت صنعه في شعر له وهو:

قل لمن صد عاتبا

 

ونأى عنك جانبـا

قد بلغت الذي أرد

 

ت وإن كنت لاعبا

وبين له شعره وإيقاعه وبساطه ومجراه وإصبعه وتجزئته وقسمته ومخارج نغمه ومواضع مقاطعه ومقادير أوزانه، فغناه إبراهيم، ثم لقيه بعد ذلك فغناه إياه فما خرم منه شذرةً ولا نغمةً. قال: وفاقني فيه بحسن صوته.

نسبة هذا الصوت

قل لمن صد عاتبا

 

ونأى عنك جانبـا

قد بلغت الذي أرد

 

ت وإن كنت لاعبا

واعترفنا بما ادعي

 

ت وإن كنت كاتبا

فافعل الآن ما أرد

 

ت فقد جئت تائبا

يقال: إن الشعر لإسحاق، ولم أجده في مجموع شعره. ووجدت فيه لحناً لحكم الوادي في ديوان أغانيه ولحنه من الماخوري، وهو خفيفٌ من خفيف الثقيل الثاني بالبنصر. وكذلك ذكرت دنانير أنه لحكم الوادي؛ ويشبه أن يكون الشعر لغيره. ولحن إسحاق الذي كتب إلى إبراهيم بن المهدي ثاني ثقيل بالبنصر في مجراها. وفيه ثقيلٌ أول مطلق في مجرى البنصر لم يقع إلي نسبته إلى صانعه، وأظنه لحن حكمٍ.

غنى أبا دلف العجلي وأهداه جارية: أخبرني عمي قال حدثنا أبو عبد الله المرزبان قال حدثني إبراهيم بن أبي دلف العجلي قال: كنا مع المعتصم بالقاطول ، وكان إبراهيم بن المهدي في حراقته بالجانب الغربي وأبي وإسحاق الموصلي في حراقتيهما في الجانب الشرقي، فدعاهما يوم جمعة فغيرا إليه في زلال وأنا معهما وأنا صغير وعلي أقبيةٌ ومنطقةٌ. فلما دنونا من حراقة إبراهيم نهض ونهضنا ونهضت بنهوضه صبية له يقال لها غضة، وإذا في يديه كأسان وفي يديها كأس. فلما صعدنا إليه اندفع فغنى:

حيا كما الله خـلـيلـيا

 

إن ميتاً كنت وإن حيا

إن قتلتما خيراً فأهلٌ له

 

أو قلتما غياً فلا غـيا

ثم ناول كلا منهما كأساً وأخذ هو الكأس التي كانت في يد الجارية وقال: اشربا على ريقكما، ثم دعا بالطعام فأكلوا وشربوا، ثم أخذوا العيدان فغناهما ساعةٌ وغنياه؛ وضرب وضربا معه، وغنت الجارية بعدهم. فقال لها أبي: أحسنت مراراً. فقال له: إن كنت أحسنت فخذها إليك، فما أخرجتها إلا إليك.
سمع من مخارق لحناً فأطراه: أخبرني عمي قال حدثنا علي بن محمد بن نصر قال حدثني أبو العبيس بن حمدون قال: لما صنع مخارق في شعر العتابي.

أخضنى المقام الغمر إن كان غرني

 

سنا خلبٍ أو زلـت الـقـدمـان

وغناه إبراهيم بن المهدي؛ فقال له: أحسنت وحياتي ما شئت ! فسجد مخارق سروراً بقول إبراهيم ذلك له.

غنى عمرو بن بانة لحناً وحدثه حديثه

أخبرني عمي قال حدثني عبد الله بن أبي سعد قال حدثني القطراني عن عمرو بن بانة قال: غنى إبراهيم بن المهدي يوماً:

أداراً بحزوى هجت للعين عبرةً

 

فماء الهوى يرفض أو يترقرق

فاستحسنه وسألته إعادته علي حتى آخذه عنه ففعل. ثم قال لي: إن حديث هذا الصوت أحسن منه. قلت: وما حديثه أعزك الله؟ قال: غنانيه ابن جامع والصنعة فيه له، فلما أخذته عنه غنيته إياه ليسمعه مني، فاستحسنه جداً وقال: كأني والله ما سمعته قط إلا منك ثم كان صوته بعد ذلك على نسبة هذا الصوت.

قصته مع ابن بسخنر وجاريته شارية ومخارق وعلوية: أخبرني علي بن إبراهيم الكاتب قال حدثنا عبيد الله بن عبد الله بن خرداذبه قال حدثني محمد بن الحارث بن بسخنر قال: وجه إلى إبراهيم بن المهدي يوماً يدعوني، وذلك في أول خلافة المعتصم، فصرت إليه وهو جالس وحده وشارية جاريته خلف الستارة، فقال: إن قلت شعراً وغنيت فيه وطرحته على شارية فأخذته وزعمت أنها أحذق به مني، وأنا أقول أني أحذق به منها، وقد تراضينا بك حكماً بيننا لموضعك من هذه الصناعة، فاسمعه مني ومنها واحكم ولا تعجل حتى تسمعه ثلاث مرات. فقلت نعم. فاندفع يغني بهذا الصوت:

أضن بليلى وهي غير سخيةٍ

 

وتبخل ليلى بالهوى وأجود

فأحسن وأجاد. ثم قال لها: تغني، فغنته فبرزت فيه حتى كأنه كان معها في أبيجاد، ونظر إلي فعرف أني قد عرفت فضلها عليه، فقال: على رسلك ! وتحدثنا ساعةً وشربنا. ثم اندفع فغناه ثانية فأضعف في الإحسان، ثم قال لها: تغني، فغنت فبرت وزادت أضعاف زيادته، وكدت أشق ثيابي طرباً. فقال لي: تثبت ولا تعجل. ثم غناه ثالثة فلم يبق غايةً في الإحكام، ثم أمرها فغنت، فكأنه إنما كان يلعب. ثم قال لي: قل، فقضيت لها؛ فقال: أصبت، فكم تساوي عندك؟ فحملني الحسد له عليها والنفاسة بمثلها أن قلت: تساوي مائة ألف درهم. فقال: أو ما تساوي على هذا الإحسان وهذا التفضيل إلا مائة ألف ! قبح الله رأيك ! والله ما أجد شيئاً أبلغ في عقوبتك من أن أصرفك، قم فانصرف إلى منزلك مذموماً. فقلت له: ما لقولك اخرج من منزلي جواب، وقمت وانصرفت، وقد أحفظني كلامه وأرمضني . فلما خطوت خطواتٍ التفت إليه فقلت له: يا إبراهيم ! أتطردني من منزلك ! فوالله ما تحسن أنت ولا جاريتك شيئاً. وضرب الدهر ضربانه، ثم دعانا المعتصم بعد ذلك وهو بالوزيرية في قصر التل ، فدخلت أنا ومخارق وعلويه، وإذا أمير المؤمنين مصطبحٌ وبين يده ثلاث جاماتٍ: جام فضة مملوءةٌ دنانير جدداً، وجام ذهب مملوءة دراهم جدداً، وجام قوارير مملوءةٌ عنبراً، فظننا أنها لنا بل لم نشك في ذلك، فغنيناه وأجهدنا أنفسنا، فلم يطرب ولم يتحرك لشيء من غنائنا. ودخل الحاجب فقال: إبراهيم بن المهدي. فأذن له فدخل، فغناه أصواتاً أحسن فيها، ثم غناه بصوت من صنعته وهو:

ما بال شمس أبي الخطاب قد غربت

 

يا صاحبي أظن الساعة اقتـربـت

فاستحسنه المعتصم وطرب له، وقال: أحسنت والله ! فقال إبراهيم: يا أمير المؤمنين فإن كنت أحسنت فهب لي إحدى هذه الجامات؛ فقال: خذ أيتها شئت، فأخذ التي فيها الدنانير؛ فنظر بعضنا إلى بعض. ثم غناه إبراهيم بشعر له وهو:

فما مزةٌ قهوةٌ قرقـفٌ

 

شمولٌ تروق براووقها

فقال: أحسنت والله يا عم وسررت. فقال: يا أمير المؤمنين إن كنت أحسنت فهب لي جاماً أخرى؛ فقال: خذ أيتهما شئت، فأخذ الجام التي فيها الدراهم؛ فعند ذلك انقطع رجاؤنا منها. وغناه بعد ساعة:

ألا ليت ذات الخال تلقى من الهوى

 

عشير الذي ألقى فيلتئم الـحـب

فارتج بنا المجلس الذي كنا فيه، وطرب المعتصم واستخفه الطرب فقام على رجليه، ثم جلس فقال: أحسنت والله ياعم ما شئت ! قال: فإن كنت قد أحسنت يا أمير المؤمنين فهب لي الجام الثالثة؛ فقال: خذها فأخذها. وقام أمير المؤمنين، ودعا إبراهيم بمنديل فثناه طاقتين ووضع الجامات فيه وشده، ودعا بطين فختمه ودفعه إلى غلامه، ونهضنا إلى الانصراف، وقدمت دوابنا. فلما ركب إبراهيم التفت إلي فقال: يا محمد بن الحارث، زعمت أني لا أحسن أنا وجاريتي شيئاً، وقد رأيت ثمرة الإحسان. فقلت في نفسي: قد رأيت، فخذها لا بارك الله لك فيها ! ولم أجبه بشيء.
نسبة هذه الأصوات صوت

ما بال شمس أبي الخطاب قد غربت

 

يا صاحبي أظن الساعة اقتـربـت

أم لا فما بال ريحٍ كنـت آمـلـهـا

 

غدت علي بصرٍ بعدمـا خـبـئت

أشكو إليك أبا الخـطـاب جـاريةً

 

غريرةً بفؤادي اليوم قد لـعـبـت

رأيت قيمـهـا يومـاً يحـدثـهـا

 

يا ليتها قربت مني ومـا بـعـدت

الشعر والغناء لإبراهيم بن المهدي رملٌ بالبنصر. وفيه هزج بالبنصر، ذكر عمرو بن بانة أنه لإبراهيم الموصلي، وذكر غيره أنه لإبراهيم بن المهدي.

صوت

ألا ليت ذات الخال تلقى من الهوى

 

عشير الذي ألقى فيلتئم الـحـب

 

وصالكم صدٌ وقربكم قـلـىً

 

وعطفكم سخطٌ وسلمكم حرب            

الشعر للعباس بن الأحنف. والغناء لإبراهيم.

شعر في باقة نرجس غنى به المعتصم: وقال ابن أبي طاهر حدثني المؤمل بن جعفر قال: سمعت أبي يقول: كانت في يد المعتصم باقة نرجس فقال لإبراهيم بن المهدي: يا عم قل فيها أبياتاً وغن فيها. فنكت في الأرض بقضيبٍ في يده هنيهةً ثم قال: صوت

ثلاث عيونٍ من النرجس

 

على قائم أخضرٍ أملـس

يذكرنني طيب ريا الحبيب

 

فيمنعنني لذة المجـلـس

وصنع فيه لحناً وغناه به، فأعجبه وأمر له بجائزة. لحن إبراهيم في هذين البيتين خفيف رمل بالبنصر، ذكر لي ذكاء فغيره ذلك.

غضب عليه المأمون وسجنه فاستعطفه حتى عفا عنه: أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال حدثني محمد بن يزيد النحوي عن الجاحظ، وأخبرني به محمد بن يحيىالصولي قال حدثنا يموت بن المزرع عن الجاحظ قال: أرسل إلي ثمامة يوم جلس المأمون لإبراهيم بن المهدي وأمر بإحضار الناس على مراتبهم فحضروا فجيء بإبراهيم، وأخبرني عمي قال حدثنا الحسن بن عليل قال حدثني محمد بن عمرو الأنباري من أبناء خراسان قال: لما ظفر المأمون لإبراهيم بن المهدي أحب أن يوبخه على رؤوس الناس. قال: فجيء بإبراهيم يحجل في قيوده، فوقف على طرف الإيوان وقال :السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته. فقال له المأمون: لا سلم الله عليك ولا حفظك ولا رعاك ولا كلأك يا إبراهيم. فقال له إبراهيم: على رسلك يا أمير المؤمنين ! فلقد أصبحت ولي ثأري، والقدرة تذهب الحفيظة، ومن مد له الاغترار في الأمل هجمت به الأناة على التلف. وقد أصبح ذنبي فوق كل ذنب، كما أن عفوك فوق كل عفو – وقال الحسن بن عليل في خبره: وقد أصبحت فوق كل ذي ذنب، كما أصبح كل ذي عفو دونك – فإن تعاقب فبحقك، وإن تعف فبفضلك. قال: فأطرق ملياً ثم رفع رأسه فقال: إن هذين أشارا علي بقتلك. فالتفت فإذا المعتصم والعباس بن المأمون، فقال: يا أمير المؤنين، أما حقيقة الرأي في معظم تدبير الخلافة والسياسة فقد أشارا عليك به وما غشاك إذ كان ما كان مني، ولكن الله عودك من العفو عادةً جريت عليها دافعاً ما تخاف بما ترجو، فكفاك الله. فتبسم المأمون وأقبل على ثمامة ثم قال: إن من الكلام ما يفوق الدر ويغلب السحر، وإن كلام عمي منه، أطلقوا عن عمي حديده وردوه إلي مكرماً. فلما رد إليه قال: يا عم صر إلى المنادمة وارجع إلى الأنس، فلن ترى مني أبداً إلا ما تحب. فلما كان من الغد بعث إليه بدرجٍ فيه:

يا خير من ذملت يمـانـيةٌ بـه

 

بعد الرسول لآيسٍ أو طـامـع

وأبر من عبد الإله على الهـدى

 

نفساً وأحكمه بـحـقٍ صـادع

عسل الفوراع ما أطعت فإن تهج

 

فالموت في جرع السمام الناقع

متيقظاً حذراً وما يخشى الـعـدا

 

نبهان من وسنات ليل الهـاجـع

والله يعلم مـا أقـول فـإنـهـا

 

جهد الألية من حنـيفٍ راكـع

قسماً وما أدلي إلـيك بـحـجةٍ

 

إلا التضرع من محبٍ خـاشـع

ما إن عصيتك والغواة تمـدنـي

 

أسبـابـهـا إلا بـنـية طـائع

حتى إذا علقت حبائل شقـوتـي

 

بردىً على حفر المهالك هـائع

لم أدر أن لمثل ذنبـي غـافـراً

 

فأقمت أرقب أي حتفٍ صارعي

رد الحياة إلي بعـد ذهـابـهـا

 

ورع الإمام القاهر المتواضـع

أحياك مـن ولاك أطـول مـدةٍ

 

ورمى عدوك في الوتين بقاطع

إن الذي قسم الفضائل حـازهـا

 

في صلب آدم للإمام السـابـع

كم من يدٍ لك لا تحدثنـي بـهـا

 

نفسي إذا آلت إلي مطامـعـي

أسديتها عـفـواً إلـي هـنـيئةً

 

فشكرت مصطنعاً لأكرم صانع

ورحمت أطفالاً كأفراخ القطـا

 

وعويل عانسةٍ كقوس الـنـازع

وعفوت عمن لم يكن عن مثلـه

 

عفوٌ ولم يشفع إليك بـشـافـع

إلا العلو عن العقوبة بـعـدمـا

 

ظفرت يداك بمستكينٍ خاضـع

قال: فبكى المأمون ثم قال: علي به، فأتي به فخلع عليه وحمله وأمر له بخمسة آلاف دينار، ودعا بالفراش فقال له: إذا رأيت عمي مقبلاً فاطرح له تكأةً، فكان ينادمه ولا ينكر عليه شيئاً. وروي بعض هذا الخبر عن محمد بن الفضل الهاشمي فقال فيه: لما فرغ المأمون من خطابه دفعه إلى ابن أبي خالد الأحول وقال: هو صديقك فخذه إليك. فقال: وما تغني صداقتي عنه وأمير المؤمنين ساخطٌ عليه ! أما إني وإن كنت له صديقاً لا أمتنع من قول الحق فيه. فقال له:قل فإنك غير متهم. قال وهو يريد التسلق على العفو عنه : إن قتلته فقد قتلت الملوك قبلك أقل جرماً منه، وإن عفوت عنه عفوت عمن لم يعف قبلك عن مثله. فسكت المأمون ساعةً ثم تمثل:

فلئن عفوت لأعفون جـلـلاً

 

ولئن سطوت لأوهنن عظمي

قومي هم قتلوا أمـيم أخـي

 

فإذا رميت أصابني سهمـي

خذه يا أحمد إليك مكرما، فانصرف به. ثم كتب إلى المأمون قصيدته العينية. فلما قرأها رق له وأمر برده إلى منزله ورد ما قبض منه من أمواله وأملاكه. وفي خبر عمي عن الحسين بن عليل قال: حدثني محمد بن إسحاق الأشعري عن أبي داود: أن المأمون تقدم إلى محمد بن مزداد لما أطلق إبراهيم أن يمنعه داري الخاصة والعامة، ويوكل به رجلاً من قبله يثق به ليعرفه أخباره وما يتكلم به. فكتب إليه الموكل به أن إبراهيم لما بلغه منعه من داري الخاصة والعامة تمثل:

يا سرحة الماء قد سدت موارده

 

أماإليك طريقٌ غير مـسـدود

لحائمٍ حام حتـى لا حـيام لـه

 

محلأٍ عن طريق الماء مطرود

فلما قرأها المأمون بكى وأمر بإحضاره من وقته مكرماً وإنزاله في مرتبته؛ فصار إليه محمد فبشره بذلك وأمره بالركوب فركب. فلما دخل على المأمون قبل البساط ثم قال:

البر بي منك وطا العذر عندك لي

 

دون اعتذاري فلم تعذل ولم تلـم

وقام علمك بي فاحتج عندك لـي

 

مقام شاهد عدلٍ غير مـتـهـم

رددت مالي ولم تمنن علـي بـه

 

وقبل ردك مالي قد حقنت دمي

تعفو بعدلٍ وتسطو إن سطوت به

 

فلا عدمناك من عافٍ ومنتـقـم

فبؤت منك وقد كافـأتـهـا بـيد

 

هي الحياتان من موت ومن عدم

فقال له: اجلس يا عم آمناً مطمئناً، فلن ترى أبداً مني ما تكره، إلا أن تحدث حدثاً أو تتغير عن طاعة؛ وأرجو ألا يكون ذلك منك إن شاء الله.

بذ أحمد بن يوسف الكاتب في حسن المحاضرة: أخبرني أحمد بن جعفر جحظة قال حدثني ابن حمدون عن أبيه قال: كنت أحب أن أجمع بين إبراهيم بن المهدي وأحمد بن يوسف الكاتب بما كنت أراه من تقدم أحمد وغلبته الناس جميعاً بحفظه وبلاغته وأدبه في كل محضر ومجلس. فدخلت يوماً على إبراهيم بن المهدي وعنده أحمد بن يوسف وأبو العالية الخزري، فجعل إبراهيم يحدثنا فيضيف شيئاً إلى شيء، مرةً يضحكنا ومرةً يعظنا ومرةً ينشدنا ومرةً يذكرنا، وأحمد بن يوسف ساكت. فلما طال بنا المجلس أردت أن أخاطب أحمد، فسبقني إليه أبو العالية فقال:

ما لك لا تنبح يا كلب الدوم

 

قد كنت نباحاً فما لك اليوم

فتبسم إبراهيم ثم قال: لو رأيتني في يد جعفر بن يحيى لرحمتني كما رحمت أحمد مني.
أثنى عليه إسحاق: أخبرني يحيى بن علي قال حدثني أبي قال قال لي إسحاق: ليس فيمن يدعي العلم بالغناء مثل إبراهيم بن المهدي وأبي دلف القاسم بن عيسى العجلي. فقيل له: فأين محمد بن الحسن بن مصعب منهما؟ فقال: لو قيل لك إن محمد بن الحسن يبصر الغناء لكان ينبغي لك أن تقول: وكيف يبصر الغناء من نشأ بخراسان لا يسمع من الغناء العربي إلا ما لا يفهمه !.
إقرار ابن بانة له ولإسحاق بالعلو في فن الغناء: أخبرني يحيى قال حدثني أبو العبيس بن حمدون عن عمرو بن بانة قال: رأيت إسحاق الموصلي يناظر إبراهيم بن المهدي في الغناء، فتكلما فيه بما فهماه ولم نفهم منه شيئاً. فقلت لهما: لئن كان ما أنتما فيه من الغناء ما نحن منه في قليل ولا كثير.

فضل المأمون غناءه على غناء إسحاق في شعر للأخطل: أخبرني عمي عن علي بن محمد بن نصر عن جده حمدون: أن المأمون قال لإسحاق: غنني لحنك في شعر الأخطل:

يا قل خير الغواني كيف رغن به

 

فشربه وشلٌ منهـن تـصـريد

فغناه إياه فاستحسنه، ثم قال لإبراهيم بن المهدي: هل صنعت في هذا الشعر شيئاً؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين. قال: فهاته؛ فغناه فاستحسنه المأمون وقدمه على صنعة إسحاق ولم يدفع إسحاق ذلك.

علمه إسحاق لحناً فطرب له الأمين وقصة ذلك: أخبرني أبو الحسن علي بن هارون بن علي بن يحيى الموصلي قال ذكر أبي عن جدي عن عبد الله بن عيسى الماهاني قال: دخلت يوماً على إسحاق بن إبراهيم الموصلي في حاجة، فرأيت عليه مطرف خز أسود ما رأيت قط أحسن منه؛ فتحدثنا إلى أن أخذنا في أمر المطرف فقال: لقد كانت لكم أيامٌ حسنة ودولةٌ عجيبةٌ، فكيف ترى هذا؟ فقلت له: ما رأيت مثله. فقال: إن قيمته مائة ألف درهم، وله حديث عجيب. فقلت له: ما أقومه إلا نحواً من مائة دينار. فقال إسحاق: اسمع حديثه: شربنا يوماً من الأيام، فبت وأنا مثخن، فانتبهت لرسول محمد الأمين، فدخل علي فقال لي: يقول لك أمير المؤمنين عجل إلي – وكان بخيلاً على الطعام فكنت آكل قبل أن أذهب إليه – فقمت فتسوكت وأصلحت أمري، وأعجلني الرسول عن الغداء. فدخلت عليه وإبراهيم بن المهدي جالس عن يمينه وعليه هذا المطرف وعليه جبة خز دكناء. فقال لي محمد: يا إسحاق تغديت ؟ فقلت: نعم يا سيدي. فقال: إنك لنهمٌ، أهذا وقت غداء ! فقال: أصبحت يا أمير المؤمنين وبي خمار، فكان ذلك مما حداني على الأكل. فقال لهم: كم شربنا؟ فقالوا: ثلاثة أرطال. فقال: اسقوه مثلها. فقلت: إن رأيت أن تفرقها علي ! فقال: تسقى رطلين ورطلاً. فدفع إلي رطلان فجعلت أشربهما وأنا أتوهم أن نفسي تسيل معهما، ثم دفع إلي رطلٌ آخر فشربته فكأن شيئاً انجلى عني. فقال غنني:

كليبٌ لعمري كان أكثر ناصراً

 

وأيسر جرماً منك ضرج بالدم

فغنيته؛ فقال: أحسنت طرب، ثم قام فدخل. وكان يفعل ذلك كثيراً، يدخل إلى النساء ويدعنا. فقمت في أثر قيامه فدعوت غلاماً لي فقلت: اذهب إلى منزلي وجئني ببزماوردتين ولفهما في منديل واذهب ركضاً وعجل. فمضى الغلام فجاءني بهما. فلما وافى الباب ونزل عن الدابة انقطع البرذون فنفق من شدة ما ركضه، فأدخل إلي البزماوردتين فأكلتهما ورجعت إلي نفسي وعدت إلى مجلسي. فقال لي إبراهيم: إن لي إليك حاجة أحب أن تقضيها لي. فقلت: إنما أنا عبدك وابن عبدك، قل ما شئت. قال: ترد علي:

كليبٌ لعمري كان أكثر ناصراً

وهذا المطرف لك. فقلت: أنا لا آخذ منك مطرفاً على هذا، ولكني أصير إليك إلى منزلك فألقيه على الجواري وأرده عليك مراراً. فقال: أحب أن ترده علي الساعة وأن تأخذ هذا المطرف فإنه من لبسك ومن حاله كذا وكذا. فرددت عليه الصوت مراراً حتى أخذه. ثم سمعنا حركة محمد فقمنا حتى جاء فجلس ثم قعدنا، فشرب وتحدثنا. فغناه إبراهيم:

كليبٌ لعمري كان أكثر ناصراً

فكأني والله لم أسمعه قبل ذلك حسناً، وطرب محمد طرباً عجيباً وقال: أحسنت والله يا عم ! أعط يا غلام عشر بدرٍ لعمي الساعة، فجاءوا بها. فقال: يا أمير المؤمنين إن لي فيها شريكاً. قال: ومن هو؟ قال: إسحاق. قال: وكيف؟ قال: إنما أخذته الساعة منه لما قمت. فقلت له: ولم ! أضاقت الأموال على أمير المؤمنين حتى يشركك فيما تعطاه ! قال: أما أنا فأشركك وأمير المؤمنين أعلم. فلما انصرفنا من المجلس أعطاني ثلاثين ألفاً وأعطاني هذا المطرف. فهذا أخذ به مائة ألف درهم وهي قيمته.

حج مع الرشيد وقصته مع جارية رآها: أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال قال لي إبراهيم بن المهدي: حججت مع الرشيد؛ فلما صرنا بالمدينة خرجت أدور في عرصاتها، فانتهيت إلى بئر وقد عطشت وجاريةٌ تستقي منها، فقلت: يا جارية، امتحي لي دلواً. فقالت: أنا والله عنك في شغل بضريبة موالي علي. فنقرت بسوطي على سرجي وغنيت: صوت

رام قلبي السلو عن أسـمـاء

 

وتعزى وما به مـن عـزاء

سخنةٌ في الشتاء باردة الصي

 

ف سراجٌ في الليلة الظلماء

كفناني إن مت في درع أروى

 

وامتحالي من بئر عروة مائي

– الشعر للأحوص. والغناء لمعبد رملٌ مطلق في مجرى الوسطى عن إسحاق – وتمام هذه الأبيات:

إنني والذي تحج قـريشٌ

 

بيته سالكين نقـب كـداء

 

لملمٌ بها وإن أبت منـهـا

 

صادراً كالذي وردت بداء

 

ولها مربعٌ بـبـرقة خـاخٍ

 

ومصيفٌ بالقصر قصر قباء

قلبت لي ظهر المجن فأمست

 

قد أطاعت مقـالة الأعـداء            

ولمعبد أيضاً في البيت الأخير من هذه الأبيت ثم الأول والثاني خفيف ثقيلٍ عن الهشامي. ولابن سريج في:

ولها مربعٌ ببرقة خاخٍ

وكفناني إن مت في درع أروى

رملٌ عن الهشامي أيضاً. ولإبراهيم في:” رام قلبي ” وما بعده ثاني ثقيلٍ عن حبش – قال إبراهيم بن المهدي في الخبر: فرفعت الجارية رأسها إلي فقالت: أتعرف بئر عروة؟ قلت لا. قالت: هذه والله بئر عروة، ثم سقتني حتى رويت، وقالت: إن رأيت أن تعيده ففعلت، فطربت وقالت: والله لأحملن قربةً إلى رحلك !. فقلت: افعلي، ففعلت وجاءت معي تحملها. فلما رأت الجيش والخدم فزعت. فقلت لها: لا بأس عليك ! وكسوتها ووهبت لها دنانير وحبستها عندي، ثم صرت إلى الرشيد فحدثته حديثها؛ فأمر بابتياعها وعتقها؛ فما برحت حتى اشتريت وأعتقت، وأخذت لها منه صلةً وافترقنا.

حواره مع المأمون حين استعطفه بكلام سعيد بن العاص لمعاوية: حدثني علي بن سليمان الأخفش ومحمد بن خلف بن المرزبان قالا حدثنا محمد بن يزيد النحوي قال حدثنا الفضل بن مروان قال: لما أدخل إبراهيم بن المهدي على المأمون وقد ظفر به، كلمه إبراهيم بكلام سعيد بن العاص كلم به معاوية بن أبي سفيان في سخطةٍ سخطها عليه واستعطفه به. وكان المأمون يحفظ الكلام، فقال له المأمون: هيهات يا إبراهيم ! هذا كلامٌ سبقك به فحل بن العاص بني أمية وقارحهم سعيد بن العاص وخاطب به معاوية. فقال له إبراهيم : مه يا أمير المؤمنين؟ ! وأنت أيضاً إن عفوت فقد سبقك فحل بن حربٍ وقارحهم إلى العفو، فلا تكن حالي عندك في ذلك أبعد من حال سعيد عند معاوية، فإنك أشرف منه، وأنا أشرف من سعيد، وأنا أقرب إليك من سعيد إلى معوية، وإن أعظم الهجنة أن تسبق أمية هاشماً إلى مكرمة. فقال: صدقت يا عم، وقد عفوت عنك.

غضب عليه الأمين فاستعطفه: أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال: جرى بين محمد الأمين وبين إبراهيم بن المهدي كلامٌ على النبيذ، فوجد عليه محمد. فلما كان بعد أيام بعث إليه إبراهيم بألطافٍ فلم يقبلها؛ فوجه إليه وصيفةً مليحة مغنية معها عود معمول من عود هندي، وقال هذه الأبيات وغنى فيها وألقاها عليها حتى أخذت الصنعة وأحكمتها، ثم وجه بها إليه. فوقفت الجارية بين يديه وقالت له: عمك وعبدك يا أمير المؤمنين يقول لك – واندفعت تغني بالشعر وهو -:

هتكت الضمير برد اللطـف

 

وكشفت هجرك لي فانكشف

وإن كنت تنكر شـيئاً جـرى

 

فهب للخلافة ما قد سلـف

وجد لي بصفحك عن زلتـي

 

فبالفضل يأخذ أهل الشرف

قال: فسر محمدٌ بها، وبعث إلى إبراهيم فأحضره ورضى عنه وأمر له بخمسة آلاف دينار وتمم يومه معه.

صالح جاريته صدوف: أخبرني محمد بن خلف المرزبان قال أخبرني سعيد بن صالح الأسدي قال حدثني جعفر بن محمد الهاشمي قال حدثني بعض خدم إبراهيم بن المهدي قال: كانت لإبراهيم بن المهدي جارية يقال لها صدوف، وكان لها من نفسه موضع. فحسدها جواريه على محلها منه، فلم يزلن يبلغنه عنها ما يكره حتى غضب عليها وجفاها أياماً؛ ثم شق ذلك عليه واغتم به، ولم يطب نفساً بمراجعتها وصلحها. فدخل عليه الأعرابي أخو معللة صاحبة الفضل بن الربيع، وكان حسن الشعر حلو اللفظ فصيحاً، وكان إبراهيم يأنس به، فقال له: ما لي أرى الأمير منكسراً منذ أيام؟ فأمسك. فقال: قد عرفت حال الأمير وقلت في أمره أبياتاً إن أذن لي أنشدته إياها. فتبسم وقال: هات؛ فأنشده:

أعتبت أم عتبت عليك صدوف

 

وعتاب مثلك مثلها تشـريف

لا تقعدن تلوم نفسـك دائبـاً

 

فيها وأنت بحبها مشغـوف

إن الصريمة لا ينوء بحملهـا

 

إلا القوي بها وأنت ضعيف

فاستحسن إبراهيم الأبيات وأمر له بمائتي دينار، وبعث إلى صدوف فخرجت إليه ورضي عنها، وبعثت إليه صدوف بمائة دينار.

قيل له تب وأحرق دفاتر الغناء فقال ريق تحفظ كل غنائي: أخبرني الحسين بن القاسم الكوكبي قال حدثني أحمد بن علي بن حميدة قال حدثتني ريق قالت: مرض إبراهيم بن المهدي مرضةً أشرف منها على الموت، فجعل يتذكر شغفه بالغناء وما سلف له فيه ويتندم عليه. فقال له بعض من حضر: فتب وأحرق دفاتر الغناء. فحرك رأسه ساعة ثم قال: يا مجانين ! فهبني أحرقت دفاتر الغناء كلها، ريق أيش أعمل بها؟ أأقتلها وهي تحفظ كل شيء في دفاتر الغناء !! رأى علياً في النوم: أخبرني جعفر بن قدامة والحسين بن القاسم الكوكبي قال حدثني المبرد عن أحمد بن الربيع عن إبراهيم بن المهدي قال: رأيت علي بن أبي طالب رضي الله عنه في النوم، فقلت له: إن الناس قد أكثروا فيك وفي أبي بكر وعمر، فما عندك في ذلك؟ فقال لي: إخسأ ! ولم يزدني على ذلك. وأخبرني الكوكبي بهذا الخبر عن الفضل بن الربيع عن أبيه قال: كان إبراهيم شديد الانحراف عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه؛ فحدث المأمون يوماً أنه رأى علياً في النوم، فقال له: من أنت؟ فأخبره أنه علي بن أبي طالب. قال: فمشينا حتى جئنا قنطرةً فذهب يتقدمني لعبورها؛ فأمسكته وقلت له: إنما أنا رجلٌ تدعي هذا الأمر بامرأة ونحن أحق به منك ! فما رأيت له في الجواب بلاغةً كما يوصف عنه. فقال: وأي شيء قال لك؟ فقال: ما زادني على أن قال سلاماً سلاماً. فقال له المأمون: قد والله أجابك أبلغ جواب. قال: وكيف؟ قال: عرفك أنك جاهلٌ لا يجاوب مثلك؛ قال الله عز وجل: ” وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً “. فخجل إبراهيم وقال: ليتني لم أحدثك بهذا الحديث.

تمنى له الأمين طول العمر: أخبرني الكوكبي قال حدثني المفضل بن سلمة عن هبة الله بن إبراهيم بن المهدي عن أبيه قال: قلت للأمين يوماً: يا أمير المؤمنين جعلني الله فداك ! فقال: بل جعلني الله فداءك؛ فأعظمت ذلك. فقال: يا عم لا تعظمه فإن لي عمراً لا يزيد ولا ينقص؛ فحياتي مع الأحبة أطيب من تجرعي فقدهم، وليس يضرني عيش من عاش بعدي منهم.

غنى للأمين لحناً فطرب وطلب إليه أن يلقنه إحدى جواريه، وقصة ذلك: حدثني جحظة قال حدثني هبة الله بن إبراهيم بن المهدي قال حدثني أبي قال: كنت يوماً بين يدي الأمين أغنيه؛ فغنيته: صوت

أقوت منازل بالهضاب

 

من آل هندٍ والربـاب

خطارة بزمـامـهـا

 

وإذا ونت ذلل الركاب

ترمي الحصاء بمناسمٍ

 

صمٍ صلادمةٍ صلاب

قال: فاستحسن اللحن وسألني عن صانعه؛ فعرفته أن ابن جامع حدثني عن سياط أنه لابن عائشة؛ فلم يزل يشرب عليه لا يتجاوزه، ثم انصرفنا ليلتنا تلك. ووافاني رسوله حين انتبهت من النوم وأنا أستاك، فقال لي: يقول لك: بحياتي يا عم لا تشتغل بعد الصلاة بشيء غير الركوب إلي. فصليت وتناولت طعاماً خفيفاً وأنا ألبس ثيابي خوفاً من رجوع رسوله، وركبت إليه. فلما رآني من بعيد صاح بي: يا عم بحياتي:

خطارة بزمامها

فلما دخلت المجلس ابتدأته وغنيته؛ فأمر بإحضار صبيةٍ كان يتحظاها، فأخرجت إليه صبية كأنها لؤلؤة في يدها العود. فقال: بحياتي يا عم ألقه عليها ! فأعدته مراراً وهو يشرب؛ حتى إذا ظننت أنها قد أخذته أمرتها أن تغنيه فغنته، فإذا هو قد استوى لها إلا في موضع كان فيه وكان صعباً جداً فجهدت جهدي أن يقع لها طلباً لمسرته، وكان حقيقاً مني بذلك، فلم يقع لها البتة. ورأى جهدي في أمرها وتعذره عليها، فأقبل عليها وقد سكر ثم قال: نفيت من الرشيد وكل أمةٍ لي حرةٌ وعلي عهد الله لئن لم تأخذيه في المرة الثالثة لآمرن بإلقائك في دجلة ! قال: ودجلة تطفح وبيننا وبينها نحو ذراعين وذلك في الربيع، فتأملت القصة، فإذا هو قد سكر، وإذا الجارية لا تقوله كما أقوله أبداً. فقلت: هذه والله داهية، ويتنغص عليه يومه وأشرك في دمها، فعدلت عما كنت أغنيه عليه وتركت ما كنت أقوله، وغنيته كما كانت هي تقوله، وجعلت أردده حتى انقضت ثلاث مرات أعيده فيها على ما كانت هي تقوله، وأريته أني أجتهد. فلما انقضت الثلاث المرات قلت لها: هاتيه الآن، فغنته على ما كان وقع لها. فقلت: أحسنت يا أمير المؤمنين، ورددته معها ثلاث مرات، فطابت نفسه وسكن، وأمر لي بثلاثين ألف درهم.

حدث لجحظة مع طرخان ما حدث له هو مع الأمين:

قال جحظة: وقد لحقني مثل هذا؛ فإن طرخان بن محمد بن إسحاق بن كنداجيق استحسن صوتاً غنيته وهو:

أعياني الشادن الربـيب

 

أكتب أشكو فلا يجيب

من أين أبغي شفاء دائي

 

وإنما دائي الطـبـيب

– ولحنه رملٌ – فقال: أحب أن تطرحه على زهرة جاريتي، فمكثت أتردد إليها شهراً وأكثر وأردده عليها وهو يصلني ويخلع علي ويعطيني كل شيء حسن يكون في مجلسه، فلا تأخذه مني ولا يقع لها. فلما كان بعد شهر قلت له: أيها الأمير قد والله استحييت من كثرة ما تعطيني بسبب هذا الصوت، وقد أعياني أن تأخذه زهرة؛ ثم حدثته حديث إبراهيم بن المهدي وقلت له: لولا أني آمنك عليها لقلته أنا كما تقوله هي حتى نتخلص جميعاً. وليس وحياتك تأخذه أبداً كما أقوله ولا فيه حيلة. فقال لي: فدعه إذاً.

غنى بحضرة المأمون لحناً وأراد ابن بسخنر أن يأخذه عنه فضلله: حدثني جحظة قال حدثني هبة الله بن إبراهيم قال حدثني محمد بن الحارث بن بسخنر قال: غنى إبراهيم بن المهدي يوماً بحضرة المأمون: صوت

يا صاح يا ذا الضامر العنس

 

والرحل ذي الأنساع والحلس

أما النهار فأنت تقـطـعـه

 

رتكاً وتصبح مثل ما تمسي

– في هذين البيتين لحن لمالك خفيف ثقيلٍ عن يونس والهشامي. قال: ولمعبد فيه ثقيل أول، وقد نسب قومٌ لحن كل واحد منهما إلى الآخر. قال محمد بن الحارث بن بسخنر في الخبر: واللحن لمالك بن أبي السمح وهو من قصاره. هكذا في الخبر – قال: فاستحسنه المأمون، وذهبت آخذه، ففطن لي إبراهيم فجعل يزيد فيه مرةً وينقص منه أخرى بزوائده التي كان يعملها في الغناء، وعلمت ما هو يصنع فتركته. فلما قام قلت للمأمون: يا سيدي إن رأيت أن تأمر إبراهيم أن يلقي علي:

يا صاح يا ذا الضامر العنس

قال: أفعل. فلما عاد قال له: يا إبراهيم ألق على محمد:

يا صاح يا ذا الضامر العنس

فألقاه علي كما كان يغنيه مغيراً، ثم انقضى إلى المجلس وسكر المأمون. فقال لي إبراهيم: قم الآن فأنت أحذق الناس به، فخرجت وخرج. ثم جئته إلى منزله فقلت له: ما في الأرض أعجب منك ! أنت ابن الخليفة وأخو الخليفة وعم الخليفة تبخل على وليٍ لك مثلي لا يفاخرك بالغناء ولا يكاثرك بصوت !! فقال لي: يا محمد ما في الدنيا أضعف عقلاً منك ! والله ما اسبقاني المأمون محبةً لي ولا صلةً لرحمي، ولكنه سمع من هذا الجرم شيئاً فقده من سواه فاستبقاني لذلك. فغاظني فعله. فلما دخلت على المأمون حدثته بما قال لي. فقال المأمون: يا محمد هذا أكفر الناس لنعمةٍ ! وأطرق ملياً ثم قال لي: لا نكدر على أبي إسحاق عفونا عنه ولا نقطع رحمه، فدع هذا الصوت الذي ضن به عليك إلى لعنة الله.
قال بيتاً يكيد به لدعبل: حدثني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني محمد بن يزيد قال: قلت لدعبل: بالله أسألك أنت القائل:

كذلك أهل الكهف في الكهف سبعةٌ

 

إذا حسبوا يوماً وثامنهـم كـلـب

فقال: لا والله ! فقلت: من قاله؟ قال: من حشا الله قبره ناراً إبراهيم بن المهدي، كافأني بذلك عن هجائي إياه ليشيط بدمي.
خطأ مخارقاً في لحن غناه للمأمون ثم لقنه إياه على وجهه: أخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا حماد بن إسحاق قال حدثني محمد بن الحارث بن بسخنر قال: لما رضي المأمون عن إبراهيم بن المهدي ونادمه، دخل عليه متبذلاً في ثياب المغنين وزيهم. فلما رآه ضحك وقال: نزع عمي ثياب الكبر عن منكبيه. فدخل وجلس، وأمر المأمون بأن يخلع عليه فألبس الخلع. ثم ابتدأ مخارق فغنى: صوت

خليلي من كعبٍ ألما هديتـمـا

 

بزينب لا يفقدكما أبداً كعـب

من اليوم زوارها فإن مطينـا

 

غداة غدٍ عنها وعن أهلها نكب

فقال له إبراهيم: أسأت وأخطأت. فقال له المأمون: يا عم إن كان أساء وأخطأ فأحسن أنت. فغنى إبراهيم الصوت. فلما فرغ منه قال لمخارق: أعده الآن، فأعاده فأحسن. فقال إبراهيم: يا أمير المؤمنين كم بين الصوت الآن وبينه في أول الأمر؟ قال: ما أبعد ما بينهما ! فالتفت إلى مخارقٍ ثم قال: إنما مثلك يا مخارق مثل الثوب الوشي الفاخر، إذا تغافل عنه أهله سقط عليه الغبار فحال لونه، فإذا نفض عاد إلى جوهره.

سأله الرشيد عن أحسن الأسماء وأسجمها فأجابه: أخبرني جعفر بن قدامة قال حدثتني شارية الكبرى مولاة إبراهيم بن المهدي قالت: سمعت مولاي إبراهيم بن المهدي يحدث قال: كنت بين يدي الرشيد جالساً على طرف حراقةٍ من حراقاته وهو يريد الموصل وقد بلغنا إلى السودقانية ، والمدادون يمدون السفن، والشطرنج بيني وبينه، والدست متوجه له، إذا أطرق هنيةً ثم قال لي: يابن أم، ما أحسن الأسماء عندك؟ قلت: محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: ثم أي شيء بعده؟ قلت: هارون اسم أمير المؤمنين. قال: فما أسمج الأسماء؟ قلت: إبراهيم. فزجني ثم قال: ويحك ! أتقول هذا ! أليس هو اسم إبراهيم خليل الرحمن ! فقلت له: بشؤم هذا الأسم لقي من نمرود ما لقي وطرح في النار. قال: فإبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم؟ قلت: لا جرم أنه لم يعمر من أجله. قال: فإبراهيم الإمام؟ قلت بحرفة اسمه قتله مروان في حران . وأزيدك يا أمير المؤمنين: إبراهيم بن الوليد خلع، وإبراهيم بن عبد الله بن حسن قتل، وعمه إبراهيم بن حسن سقط السجن عليه فمات، وما رأيت والله أحداً يسمى بهذا الأسم إلا قتل أو نكب أو رأيته مضروباً أو مقذفاً أو مظلوماً. ثم ما انقضى من الكلام حتى سمعت ملاحاً يصيح بآخر: مد إبراهيم يا عاض بظر أمه مد. فقلت له: أبقي لك شيءٌ بعد هذا ! ليس والله في الدنيا اسم أشأم من إبراهيم والسلام. فضحك حتى أشفقت عليه.

غنى المأمون لحناً عرض فيه بالحسن بن سهل: حدثني جحظة قال حدثني أبو عبد الله الهشامي عن أبيه قال: دخل الحسن بن سهل على المأمون وهو يشرب؛ فقال له: بحياتي وبحقي عليك يا أبا محمد إلا شربت معي قدحاً، وصب له من نبيذه قدحاً. فأخذه بيده وقال له: من تحب أن يغنيك؟ فأومأ إبراهيم بن المهدي فقال له المأمون: غنه يا عم، فغناه:

تسمع للحلي وسواساً إذا انصرفت

يعرض به لما كان لحقه من السوداء والاختلاط. فغضب المأمون حتى ظن إبراهيم أنه سيوقع به، ثم قال له: أبيت إلا كفراً يا أكفر خلق الله لنعمه ! والله ما حقن دمك غيره ! ولقد أردت قتلك فقال لي: إن عفوت عنه فعلت فعلاً لم يسبقك إليه أحد، فعفوت والله عنك لقوله. أفحقه أن تعرض به ولا تدع كيدك ولا غلك ! أو أنفت من إيمائه إليك بالغناء ! فوثب إبراهيم قائماً وقال: يا أمير المؤمنين، لم أذهب حيث ظننت، ولست بعائد؛ فأعرض عنه.

غنى للمعتصم لحناً وسمعه أحمد بن أبي دواد فمال للغناء بعد أن كان يتجنبه: أخبرني الحسين بن القاسم الكوكبي قال حدثني جرير بن أحمد بن أبي دواد قال حدثني أخي عن أبي قال: كنت أتجنب الغناء وأطعن على أهله وأذم لهجهم به؛ فوجه المعتصم إلي عند خروجه من مدينة السلام: الحق بي؛ فلحقت به بباب الشماسية ومعي غلام زنقطة، فوجدته قد ركب الزورق، وسمعت عنده صوتاً أذهلني حتى سقط سوطي من يدي ولم أشعر به، ثم احتجت وقد أعنق بي برذوني أن أكفه بسوطي. فقلت لغلامي: هات سوطك؛ فقال سقط والله من يدي لما سمعت هذا الغناء. فغلبني الضحك حتى بان في وجهي. ودخلت على المعتصم بتلك الحال. فلما رآني قال لي: ما يضحكك يا أبا عبد الله؟ فحدثته، فقال، أتتوب الآن من الطعن علينا في السماع؟ فقلت له: قبل ذلك من كان يغنيك؟ قال: عمي إبراهيم، كان يغنيني:

إن هذا الطويل من آل حفصٍ

 

أنشر المجد بعد ما كان ماتا

ثم قال: أعده يا عم ليسمعه أبو عبد الله فإني أعلم أنه لا يدع مذهبه. فقلت: بلى والله لأدعنه في هذا ولا لمتك عليه. فقال: أما إذ كانت توبته على يديك يا عم فلقد فزت بفخرها وعدلت برجل ضخم عن رأيه إلى شأننا.

فضله مخارق على نفسه وعلى إبراهيم الموصلي وابن جامع: حدثني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثني طلحة بن عبد الله الطلحي قال حدثني الحسين بن إبراهيم قال: كنت أسأل مخارقاً: أي الناس أحسن غناءً؟ فيجيبني جواباً مجملاً حتى حففت عليه يوماً قال: كان إبراهيم الموصلي أحسن غناءً من ابن جامع بعشر طبقات، وأنا أحسن غناءً من إبرهيم الموصلي بعشر طبقات، وإبراهيم بن المهدي أحسن غناءً مني بعشر طبقات. قال ثم قال لي: أحسن الناس غناءٌ أحسنهم صوتاً، وإبراهيم بن المهدي أحسن الجن والإنس والوحش والطير صوتاً، وحسبك هذا.

سمع إسحاق صوتاً من لحنه وشعره فطرب له واستعاده عامة يومه وقصة ذلك:

حدثني علي بن هارون المنجم قال حدثني محمد بن أحمد بن علي بن يحي قال سمعت جدي علي بن يحيى يقول حدثني محمد بن الفضل الجرجرائي قال: انتبهت يوماً مغلساً، فدخل إلي الغلام فقال لي: إسحاق الموصلي بالباب قبل أن أصلي الغداة. فقلت يدخل، في الدنيا إنسان يستأذن لإسحاق ! فدخل فقال: حملني الشوق إليك على أن بكرت هذا البكور، وقد حملت معي نبيذي وعملت على المقام عندك. فقلت: مرحباً بك وأهلاً. ودعوت طباخي فسألته عما في المطبخ، فذكر أشياء يسيرةٌ، منها قطعة جدي وطباهج ودراجٌ معلق. فقال: ما أريد غير ذلك، هاته الساعة. فقلت للطباخ: عجل بإحضاره، وعملت على الأكل معه وعلى أن نأخذ في شأننا. فدخل حاجبي فقال: رسول الأمير إسحاق بن إبراهيم بالباب، وإذا فرانقٌ يذكر أنه وجه به إلى محمد بن الفضل ليحضره. قال فقال لي إسحاق: قم في حفظ الله واجتهد في أن تتعجل. قال: فتقدمت إلى الخادم بإخراج الجواري إليه ووضع النبيذ بين يديه، ولبست ثيابي وخرجت وركبت. فلما سرت قليلاً قلت في نفسي: أنا أخسر الناس صفقةً إن تركت إسحاق بن الموصلي في منزلي ومضيت إلى إسحاق بن إبراهيم المصبعي، ولا أدري ما يريد مني. فقلت لفرانق: هل لك في خير؟ قال: وما هو؟ قلت: تأخذ ثلاثين درهماً وتمضي فتقول: إنك وجدتني شارب دواءٍ. قال: نعم. فدفعت إليه ثلاثين درهماً، وختمت له حتماً ورجعت. فقال لي إسحاق: أسرعت الكرة، فأخبرته بما صنعت؛ فقال وفقت. فجلست وكان يأكل فأكلت معه، فأخذنا في شأننا. وخرج الجواري إليه فغنين حتى مر صوت إبراهيم بن المهدي في شعره وهو:

جدد الحب بـلايا

 

أمرها ليس يسيرا

– ولحنه من الثقيل الثاني – قال: فطرب إسحاق طرباً ما رأيته طرب مثله قط، وعجب من إحسانه في صنعته وجودة قسمته، ولم يزل صوتنا يومنا أجمع لا نغني غيره حتى شرب إسحاق قطرميزة ، وفيه من المشمش الذي كان يشربه ثلاثة عشر رطلاً، وكلما حضرت صلاةٌ قام إسحاق يصلي بنا، فصلى بنا العتمة وقد فني قطرميزه فشرب من نبيذي رطلين على الصوت. قال: وكان محمد بن الفضل ينزل بسوق الثلاثاء وإسحاق ينزل على نهر المهدي. وقد وزر محمد بن الفضل للمتوكل قبل عبيد الله بن يحيى.
نسبة هذا الصوت:

جدد الـحـب بــلايا

 

أمرها لـيس يسـيرا

كبر الحـب وقـدمـاً

 

كان إذ حل صغـيرا

ذلل الـحـب رقـابـاً

 

كان أدناها عـسـيرا

ليس لي من الحب إلفي

 

غير حرماني السرورا

الشعر والغناء لإبراهيم بن المهدي ثاني ثقيل.

أحب جارية عند بعض أهله وقال فيها شعراً: أخبرني محمد بن يحيى الصولي قال حدثني محمد بن موسى بن حماد قال حدثني عبد الوهاب بن محمد بن عيسى قال: استتر إبراهيم بن المهدي عند بعض أهله من النساء، فوكلت بخدمته جاريةٌ جميلةٌ وقالت همساً: إن أرادك لشيءٍ فطاوعيه وأعلميه ذلك حتى يتسع له، فكانت توفيه حقه في الخدمة والإعظام ولا تعلمه بما قالت لها؛ فجل مقدارها في نفسه إلى أن قبل يوماً يدها، فقبلت الأرض بين يديه. فقال:

يا غـزالاً لـي إلـيه

 

شافعٌ من مقـلـتـيه

والذي أجلـلـت خـد

 

يه فـقـبـلـت يديه

بأبي وجهـك مـا أك

 

ثر حسـادي عـلـيه

أنا ضيفٌ وجزاء الض

 

يف إحـسـانٌ إلـيه

قال: وعمل فيه بعد ذلك لحناً في طريقة الهزج.
غنى للمأمون بشعر له وكان يخشى بطشه فرق له وأمنه: وقال أحمد بن أبي طاهر: غنى إبراهيم بن المهدي يوماً والمأمون مصطبخٌ، وقد كان خافه وبلغه عنه تنكره:

ذهبت من الدنيا وقد ذهبـت مـنـي

 

هوى الدهر بي عنها وولى بها عني

فرق له المأمون لما سمعه، وقال: والله لا تذهب نفسك يا إبراهيم على يد أمير المؤمنين، فطب نفساً؛ فإن الله قد أمنك إلا أن تحدث حدثاً يشهد عليك فيه عذلٌ، وأرجو ألا يكون منك حدثٌ إن شاء الله.
نسبة هذا الصوت صوت

ذهبت من الدنيا وقد ذهبـت مـنـي

 

هوى الدهر بي عنها وولى بها عني

فإن أبك نفسي أبك نفسـاً نـفـيسةً

 

وإن أحتسبها أحتسبها علـى ضـن

الشعر والغناء إبراهيم بن المهدي ثاني ثقيل بالوسطى. وهذا الشعر قاله إبراهيم بن المهدي لما أخرج الجند عيسى بن محمد ابن أخي خالد من الحبس، وله في ذلك خبر طويل، وقد شرطنا ألا نذكر من أخباره إلا ما كان من جنس الغناء.
وفي هذا القصيدة يقول:

وأفلتني عيسى وكانت خـديعةً

 

حللت بها ملكي وفلت بها سني

قال ابن أبي طاهر وحدثني أبو بكر بن الخصيب قال حدثني محمد بن إبراهيم قال: غنى إبراهيم بن المهدي يوماً عند المأمون فأحسن، وبحضره المأمون كاتبٌ لطاهر يكنى أبا زيد، فطرب حتى وثب فأخذ طرف ثوب إبراهيم فقبله. فنظر إليه المأمون منكراً لفعله. فقال ما تنظر ! أقبله والله ولو قتلت عليه ! فتبسم المأمون وقال: أبيت إلا ظرفاً.
أراد الحسن بن سهل أن يضع منه فعرض هو به: قال ابن أبي طاهر وحدثني علي بن محمد قال سمعت بعض أصحابنا يقول: اجتمع إبراهيم بن المهدي والحسن بن سهل عند المأمون؛ فأراد الحسن أن يضع من إبراهيم فقال له: يا أبا إسحاق أي صوت تغنيه العرب أحسن؟ ييد بذلك أن يشهر إبراهيم بالغناء والعلم به. فقال إبراهيم: بيت الأعشى:

تسمع للحلى وسواساً إذا انصرفت

أي إنك موسوس، وكان بالحسن شيءٌ من هذا.
غنت مغنية بحضرته فداعبها: أخبرني عمي عن جدي عن علي بن يحيى المنجم قال: غنت مغنية وإبراهيم بن المهدي حاضر:

من رأى نوقاً غدت سحراً

فقل إبراهيم: أنا رأيت هذا. قيل له: وأين رأيته أيها الأمير؟ قال: رأيت ولد علي بن ريطة يمضون في السحر إلى الصيد.
سمعته رومية أعجمية فبكت تأثراً من صوته: أخبرني الحسن بن علي قال حدثني الحسن بن عليل العنزي قال حدثني بعض الكتاب عن ريق قالت: خرجت يوماً إلى سيدي ” تعني إبراهيم بن المهدي ” وقد صنع لحنه في:

وإذا تباع كريمةٌ أو تشتـرى

 

فسواك بائعها وأنت المشتري

وإذا صنعت صنيعة أتممتهـا

 

بيدين ليس نداهما بمـكـدر

وجاريةٌ لنا رومية أعجمية لا تفصح في أقصى الدار تكنس، وهو يطرح الصوت على شارية، والأعجمية تبكي أحر بكاء سمعته قط، فجعلت أعجب من بكائها وأنظر إليها حتى سكت ،فلما سكت قطعت البكاء، فعلمت أن هذا من غلبته بحسن صوته لكل طبعٍ فصيحٍ وأعجمي.
غنى الأمين صوتاً فأجازه: أخبرني الحسين بن يحيى وابن المكي وابن أبي الأزهر عن حماد بن إسحاق عن أبيه قال: غنى إبراهيم بن المهدي ليلةً محمداً الأمين صوتاً لم أرضه في شعر لأبي نواس وهو:

يا كثير النوح في الدمن

 

لا عليها بل على السكن

سنة العـشـاق واحـدٌ

 

فإذا أحببت فاستـكـن

ظن بي من قد كلفت به

 

فهو يجفوني على الظنن

رشأ لـولا مـلاحـتـه

 

خلت الدنيا من الفـتـن

فأمر له بثلثمائة ألف درهم . قال إسحاق فقال إبراهيم له: يا أمير المؤمنين قد أجزتني إلى هذه الغاية بعشرين ألف درهم، فقال: هل هي إلا خراج بعض الكور !. هكذا ذكر إسحاق. وقد روى محمد بن الحارث بن بسخنر هذه الحكاية عن إبراهيم فقال: لما أردت الأنصراف قال: أوقروا زورق عمي دنانير ه فانصرفت بمال جليل.

كان يحسن الإيقاع على الطبل والناي: أخبرني أبو الحسن علي بن هارون قال ذكر لي أبو عبد الله الهشامي عن أهله قال قال إبراهيم بن المهدي – وقد خرج إلى ذكر الطبل والإيقاع به – فقال إبراهيم: هو من الآلات التي لا يجوز أن تبلغ نهايتها. فقيل له: وكيف خص الطبل بذلك؟ فقال: لأن عمل اليدين فيه عملٌ واحد، ولا بد من أن يلحق اليسار فيه نقصٌ عن اليمين، ودعا بالطبل ليرينا كيف ذلك فأوقع إيقاعاً لم نكن نظن أن مثله يكون، وهو مع ذلك يرينا موضع زيادة اليمين على اليسار. قال وقال له الأمين في بعض خلواته: يا عم أشتهي أن أراك تزمر. فقال: يا أمير المؤمنين، ما وضعت على فمي ناياً قط ولا أضعه، ولكن يدعو أمير المؤمنين بفلانة – من موالي المهدي – حتى تنفخ في الناي وأمر يدي عليه. فأحضرت ووضعت الناي على فيها وأمسكه إبراهيم، فكلما مر الهواء أمر أصابعه، فأجمع سائر من حضر أن لم يسمع مثله قط.
حسن ترجيعه في لحن: وأخبرني أبو الحسن علي بن هارون أيضاً قال حدثني أبي قال حدثني عبيد الله بن عبد الله وأبو عبد الله الهشامي قالا: كان إبراهيم بن المهدي إذا غنى لحنه:

هل تطمسون من السماء نجومها

 

بأكفكم أو تسترون هـلالـهـا

فبلغ إلى قوله:

جبريل بلغها النبي فقالها

هز حلقه فيه ورجعه ترجيعاً تتزلزل منه الأرض.
غنت متيم اليمانية لحناً فاختلس إيقاعه منها: أخبرني محمد بن إبراهيم قريض قال حدثني عبد الله بن المعتز قال حدثني الهشامي قال: كانت متيم الهشامية ذات يوم جالسة بين يدي المعتصم ببغداد وإبراهيم بن المهدي حاضرٌ، فتغنت متيم في الثقيل الأول:

لزينب طيفٌ تعتريني طوارقه

فأشار إليها إبراهيم أن تعيده. فقالت متيم للمعتصم: يا سيدي إن إبراهيم يستعيدني الصوت وأظنه يريد أن يأخذه. فقال لها: لا تعيديه. فلما كان بعد أيام كان إبراهيم حاضراً بمجلس المعتصم وكانت متيم غائبةً عنه، فانصرف إبراهيم بالليل إلى منزله ومتيم في منزلها في الميدان وطريقه عليها وهي في منظرةٍ لها مشرفةٍ على الطريق وهي تطرح هذا الصوت على بعض جواري بني هاشم، فتقدم إلى المنظرة على دابته وتطاول حتى أخذ الصوت، ثم ضرب باب المنظرة بمقرعته وقال: قد أخذناه بلا حمدك.
نسبة هذا الصوت

لزينب طيفٌ تعتريني طوارقـه

 

هدوءاً إذا النجم ارجحنت لواحقه

سيبكيك مرنان العشـي يجـيبـه

 

لطيف بنان الكف درمٌ مرافقـه

إذا ما بساط اللهو مد وقـربـت

 

للذاته أنمـاطـه ونـمـارقـه

الشعر للنميري. والغناء لمعبد، ولحنه من القدر الأوسط من الثقيل الأول في البنصر في مجراها عن إسحاق. وفيه لمالك خفيف ثقيل أول بالبنصر عن يونس والهشامي.

برهان محمد بن موسى المنجم على أنه أحسن الناس غناء: أخبرني علي بن هارون قال حدثني عبيد الله بن عبد الله بن طاهر قال: كان محمد بن موسى المنجم يقول:حكمت أن إبراهيم بن المهدي أحسن الناس كلهم غناءً ببرهان، وذلك أني كنت أراه بمجالس الخلفاء مثل المأمون والمعتصم يغني المغنون ويغني، فإذا ابتدأ الصوت لم يبق من الغلمان والمتصرفين في الخدمة وأصحاب الصناعات والمهن الصغار والكبار أحدٌ إلا ترك ما في يده وقرب من أقرب موضعٍ يمكنه أن يسمعه، فلا يزال مصغياً إليه لاهياً عما كان فيه مادام يغني، حتى إذا أمسك وتغنى غيره رجعوا إلى التشاغل بما كانوا فيه ولم يلتفتوا إلى ما كانوا يسمعون. ولا برهان أقوى من هذا في مثل هذا من شهادة الفطن له واتفاق الطبائع – مع اختلافها وتشعب طرقها-على الميل إليه والانقياد له.

كانت له أشياء لم يكن لأحد مثلها: حدثني أحمد بن جعفر جحظة قال حدثني هبة الله بن إبراهيم بن المهدي قال: قلت للمعتصم: كانت لأبي أشياء لم يكن لأحدٍ مثلها. فقال: وما هي؟ قلت: شارية وزامرتها معمعة. فقال: أما شارية فعندنا، فما فعلت الزامرة؟ قلت: ماتت. قال: وماذا؟ قلت: وساقيته مكنونة، ولم ير أحسن وجهاً ولا ألين ولا أظرف منها. قال: فما فعلت؟ قلت: ماتت. قال: وماذا؟ قلت: نخلةٌ كانت تحمل رطباً طول الرطبة منها شبر. قال: فما فعلت؟ قلت: جمرتها بعد وفاته. قال: وماذا؟ قلت: قدحه الضخضاح. قال: وماذا فعل؟ قلت: الساعة والله حجمني فيه أبو حرملة فسألته أن يهبه لي ففعل، ووجهت به إلى منزلي فغسل ونظف وأعيد إلى خزانتي، فرأيت أبي فيما يرى النائم في ليلتي تلك وهو يقول لي:

أيترع ضخضاحي دماً بعدما غدت

 

علي به مكنونةٌ مترعا خـمـرا

فإن كنت مني أو تحب مسرتـي

 

فلا تغفلن قبل الصباح له كسرا

فانتبهت فزعاً وما فرق الصبح حتى كسرته.

?كتب إليه إسحاق الموصلي فأجابه: فأما المماظة التي كانت بينه وبين إسحاق فقد مضى في خبر إسحاق منها طرفٌ. ونذكر ها هنا منها ما مجرى محاسن إبراهيم والقيام بحجته إن كانت له، وعذره فيما عيب عليه لأنه بذلك حقيق. فمن ذلك نسخت من كتابٍ أعطانيه أبو الفضل العباس بن أحمد بن ثوابة رحمه الله بخط إسحاق في قرطاس – وأنا أعرف خطه – وجواب لإبراهيم بن المهدي في ظهره بخط ضعيف وأظنه خطه؛ لأنه لو كان خط كاتبٍ لكان أجود من ذلك الخط، وقد ذهب أول الكتاب فذهب منه أول الابتداء والجواب، ونسخت بقيته؛ فكان ما وجدته من ابتداء إسحاق: وكنت – جعلت فداءك – كتبت في كتابك إلى محمد بن واضح تذكر أنك مولاي وسيدي . فمتى دفعت ذلك ! وهل لي فخرٌ غيره ! أو لأحدٍ علي وعلى أبي رحمه الله من قبلي نعمةٌ سواكم ? وأحب ذلك أن يكون، وأرجو أن أموت قبل أن يبتليني الله بذلك إن شاء الله. فأما ذكرك – جعلت فداءك – الصناعة فقد أجل الله قدرك عن الحاجة إلى دفعها والاعتذار عنها. وأما أنا المسكين فأنت تعلم أني لم أتخذ ما نحن في صناعةً قط، وأني لم أردها إلا لكم شكراً لنعمتك وحباً للقرب منكم وإليكم. فليس ينبغي أن يعيبني ذلك عندكم، ولا يجوز لأحدٍ أن يعيبني به إذ كان لكم. وقد علمت أنك لم تضعني من علويه ومخارق بحيث وضعتني إلا لغضب أحوجك إلى ذلك، وإلا فأنت تعلم أنهما لو كانا مملوكين لي لآثرت تعجيل الراحة منهما بعتقهما أو تخلية سبيلهما على ثمنٍ أصيبه ببيعهما أو حمدٍ أكتسبه بثمنهما، أو أنك تقرنني إليهما وتذكرني معهما !. أو تلومني الآن على أن أخرس فلا أنطق بحرف، وإن أفر من الغناء فرارك من الخطأ فيه، وأمتعض منه امتغاضك ممن يخفي عليك شيئاً من علومه !. كيف ترى – جعلت فداءك – الآن سبابي وأنت ترى أن أحداً لا يحسن السب غيرك !. قد أحدثت لي – جعلت فداءك – أدباً وزدتني بصيرةً فيما أحب من تركه وترك الكلام فيه. فإن ظننت أن هذا فرارٌ من الحجة وتعريد عن المناظرة، كما قلت، فقد ظفرت وصرت إلى ما أحببت؛ وإلا فإنه لا ينبغي للحر أن يتلهى بما لا تقوم لذته بمعرته، ولا العاقل أن يبذل ما عنده لمن لا يحمده، ولعله لا يقلب العين فيه حتى يلحقه ما يكره منه. وأما ما قاله أبي – رحمه الله – من أنه لم يزل يتمنى أن يرى من سادته من يعرف قدره حق معرفته ويبلغ علمه بهذه الصناعة الغاية العظمى حتى رآك، فقد صدق، وما زال يتمنى ذلك وما زلت أتمناه. فهل رأيت – جعلت فداءك – حظي منه إلا بانت ساويت به من لم يكن يساوي شسعه، ولعلك لا ترضى في بعض القوم حتى تفضله عليه، لا تنفعه عندك معرفةٌ به، ولا رعايةٌ لطول الصحبة والخدمة، ولا حفظٌ لآثار محمودة باقية نذكرها ونحتج بها. ثم ها أنا من بعده تضعني بالموضع الذي تضعني به، وتنسبني إلى ما تنسبني إليه؛ لأني توخيت الصواب واجتهدت في البذل والماصحة، لا يدفعك عني حفظٌ لسلفٍ، ولا صيانةٌ لخلفٍ ولا استدامة لقديم ما نعلم، ولا مصانعةٌ لما تطلب، ولا ولاء مما أكره أن أقوله . فما أرى – جعلت فداءك – من معرفتك بما في أيدينا إلا تجرع الحسرات، وتطلبك لنا العثرات، والله المستعان. كيف أصنع جعلت فداءك ! إن سكت لم تقبل ذلك مني، وإن صدقت كذبتي وإن كذبت ظفرت بي، وإن مزحت لأطربك وأضحكك وأقرب من أنسك وآخذ بنصيبي من كرمك وغضبت وسببت، ولو كنت قريباً منك لضربت ! وليتك فعلت، فكان ذلك أيسر من غضبك. ثم من أعظم المصائب عندي أمرك إياي أن أسأل محمد بن واضح عن قولٍ قلته في عند عمرو بن بانة. فوالله – جعلت فداءك – إني لأبشع – بذكره فكيف أحب أن أذكره له !وإني لأرثي لك من النظر إليه، وأعجب من صبرك عليه، مع أني – أعوذ بالله من ذلك – لو رغبت في هذا منه ومن مثله لكفيتك ونفسي ذلك بأن أكسوه ثوبين، أو أهب له دينارين، أو أقول له أحسنت في صوتين، حتى نبلغ أكثر مما أردت لي أو أريده لنفسي. فالحمد لله الذي جعل حظي منك هذا ! ومثله غير مستصغر لشأنك ولا مستقل لقليل حسن رأيك. والله أسأل أن يطيل بقاءك، ويحسن جزاءك ويجعلني فداءك. قد طال الكتاب، وكثر العتاب. وجملة ما عندي من الإعظام والإجلال اللذين لا أخاف أن أجعلهما عندك، والمحبة التي لا أمتنع منها ولا أعرف سواها، والسمع والطاعة في تسليم ما تحب تسليمه والإقرار بما أحببت أن أقر به، وسأشهد على ذلك محمد بن واضح وأشهد لك به من أحببت وأؤدي الخراج. ولكن لا بد من فائدة وإلا انكسر، فهات- جعلت فداءك – وأوف واستوف فإنك واجدٌ صحة واستقامة إن شاء الله. مد الله في عمرك، وصبرني عليك، وقدمني قبلك، وجعلني من كل سوء فداءك.

نسخة جواب إبراهيم بعدما ذهب منه …وأية سلامةٍ أقدر لك عليها إلا أسوقها إليك، أعطاني الله ما احب من ذلك لك. فأما أن أتكلم من ورائك بشيء تستثقله متعمداً؛ فما أنا إذاً بحر ولا كريم؛ معاذ الله من ذلك !. ولئن جمعني وإياك وعلى بن هشام مجلسٌ لأستشهدنه على أشياء لم أذكرها لك، ولم أكتب بها إليك، إجلالاً لقدر حالك عندي من اعتدادٍ بمثل ذلك مني، وأنت عنه غافل، والله به عليم. وأما الرشوة فأرجو أن تجيئك على ما تشتهي آتاك الله ما تحب فيما تحب وتكره وجعلك له شاكراٌ. وأما الفوائد التي وعدت ورودها علينا فإني لواثقٌ أنك لا تفيدني شيئاً فأنظر فيه إلا وجدتني فيه فطنا أجيد تفتيشه وأعرف كنهه وأفيدك فيه وفيما استنبطت منه ما لا تجد عند نفسك أكثر منه، فأما غيرك فالهباء المنثور. ويا رأس المشنعين تقول إني عيرتك بالصناعة ثم تحتج بحذقك في تحريف الأقوال واكتساب الحجج، لتفحم خصمك، وتعلي حجتك فكيف أعيبك بحاجتي إليك، وما أنا داخل فيه معك ! لا ! ولكني قلا لك: إني لست كفلان وفلان ممن لو كان عنده أمر ينازعك به ثقل عليك، إنما أنا رجل من مواليك متوسلٌ إليك بما يسرك، أو كصاحبٍ لك تناظره بما تحب أن تجد من تناظره فيه، فليكن ذلك بالإنصاف وطلب الصواب أصبته أو أخطأته، لا بالحمية والأنفة والحيلة لترد الحق بالباطل. هذا معنى قولي؛ وقد استشهدت عليك فيه أبا جعفر، وجاءني كتابك وهو عندي يشهد لي. والكتاب الذي هذا فيه بخطي عنده لم يرده علي، فتتبع ما فيه وخذني به. فلعمري لئن كنت قرنتك بمن ذكرت لأعيبك بالتشبيه لك بهم ما عبت غير رأيي، ولا جهلت غير نفسي. ولست أعتذر من هذا لأنك تشهد لي بالحق فيه، وإنما تريد أن تخصمني بلا حجة، فيكفيني علمك بما عندي، وإلا فأنت إذاً بي أجهل مني بك. وقلت: ” تذكرني معهما ” فقد ذكر الله النار مع الجنة، وموسى مع فرعون، وإبليس مع آدم، فلم يهن بذلك موسى ولا آدم ولا أكرم فرعون وإبليس، فأعفني من المغالطة لي والتحريف لقولي، واستمتع بي وأمتعني بالمصادقة. فإن أنت لم تفعل بقيت واحداً مستوحشاً، ولم تجد غيري إن علم ما تعلم لم ينقصك، وإن علم أكثر منك لم يشنك، وإن أفهمته كافاك، وإن استفهمته شفاك. لا والله ما أردت إلا ما ذكرته لك، ولا أحسبك ظننت في غير ذلك؛ لأنك لا تجهلني فأنا عندك غير جاهل. وواحدة هي لك دوني، والله ما كنت أبالي ألا أسمع من مخارق وعلويه شيئاً حتى أسمع بنعيهما، ولا أراهما حتى أراهما ميتين، وما في هذا غيرك والإعظام لك والإكرام. وذلك أنهما كانا لك غلامين فصيرتهما ندين تقول فيهما ويقولان فيك، وإنما هما صنيعتاك وخريجا تأديبك وإن كانا غير طائل. فلو أعرضت عن انتقاصهما ورفعت ما رفع الله من قدرك عن الإفراط في عيبهما، لكان ذلك أشبه بك وأجمل بمحلك وخطرك ومكانك. وكذلك الذي ترثي له منه وصاحبه محمد بن الحارث، فوالله ما أحب لك في أدبك وفضلك ودينك ومحلك أن تشهر نفسك لهما بهذا ومثله، وأن ينتهي إليهما ذلك عنك. أقول يعلم الله في ذلك لا لهما . وإن ذلك، لو صرت إليه، لأجمل بك وأجل لقدرك وإن كنت لتتخولهما به. ولو أردت ذلك، وإن زهدت فيه، لم تضع نفسك ومحلك مع غلمانٍ أحداثٍ يبسطون ألسنتهم فيك بما بسطته منهم على نفسك، ولو لم تفعل لكنت أعظم في عيونهم من بعض مواليهم الذين تولوا منتهم. هذا رأيي لك بما هو أكبر لأمرك وأشبه بمحلك. ووالله ما غششتك ولا أوطأتك عشواء، فاختر لنفسك ما رأيت. ولا والله لا سمعا بهذا أبداً ولا بما قلته في إلا خزياً حتى يموتا، ولا أردت – يشهد الله – بهذا غيرك. وأما من ذكرت أني أسويه بأبي إسحاق رحمه الله وهو لا يساوي شسعة فإنك عنيت ابن جامع. وأنت لا تدخل بيني وبين أبي إسحاق رضي الله عنه، ولا أظنك والله أشد حباً له مني، ولا كان لك أشد حباً منه لي، فقد تعلم كيف كان لي، ولكن لا أظلم ابن جامع كما تظلمه أنت يا أظلم البشر. ولئن ضمنت أن تنصفني لأكلمنك فيه بما لا تدفعه، ولكني لا أكلمك في شيء حتى أثق بهذه منك، وإلا وسعني من السكوت ما وسعك. ومن العجب الذي لم أر مثله والمكابرة التي لايشبهها شيء اعتداؤك علي في التجزئة حيث تقول:

حييا أم يعـمـــرا

 

قبل شحطٍ من النوى

يا أخي وحبيب نفسي فانظر كم في هذا من العيوب !! قولك: ” ييا ” ليكون مثل ” شحط ” في الوزن ،أيكون مثل هذا في الكلام ! في الجزء الثاني ” حي ” حتى يكون مثل ” قبل “، هل يكون مثل هذا ! أو ليس في ” ييا ” المشددة أربع ياءات، وفي ” حي ” التي عطفت بها ثلاثٌ فتصير سبع ياءات، وإنما هي ثلاث في الأصل: الياء المشددة وياء الإثنين حيث تقول ” حييا ” !. والناس في هذا بيني وبينك بهائم، فمن أستعدي عليك ! ولو أنصفت لعلمت أنه لا يمكن في:

حييا أم يعمرا

غير ما جزأت أنا إلا بهذا الغلط الذي لا يحول من تحريك ساكنٍ تجعله أول الكلام فقد زدت قبله حرفاً، أو تسكين متحرك فتريد بعده حرفاً؛ كقولك ” أم يعمرا قابل شحطن ” حيث جعلت قبل الباء ألفاً، وكقولك ” أم يعمرن قبلاً ” فزدت الألف لتسكت عليها لأن السكوت على متحرك لا يمكن. فأية حجةٍ هذه ! أو من يصبر لك على هذا ! وإنما أردت أنا ما يجوز فجئني بتجزئةٍ واحدة، لا أريد غير ذلك منك. مالك يا أخي تنفس علي الصواب فيما لا نقيصه عليك فيه ولا عيب، ثم اتخذت تحمدي إليك، بما قلت لك أن تسأل محمداً عن قولي فيك بظهر الغيب. ذنباً بطبعك على الظلم والتحريف، حتى كأني أعلمتك أن أحداً تنقصك فحميت لذلك، ولم يكن غير الرد عليه. والله ما مثلي يمن بهذا، ولكني كنت إذا تحدثت مع محمد خالياً كلمته بمثل ما أكلمك به من الرد والجدل، فلما كان عندنا من يحتشم كان كلامي بما يجب أن أتكلم به من الإكرام والتقديم، فقال لي: أي شيء هذا الذي أرى؟ فقلت له: هذا كلام الحشمة وذلك كلام الأنس. فأردت بإعلامك هذا أن تعلم أني لا أريد بما أنازعك فيه شيئاً يزيغ عما تعرف مني، وأني أذكرك بما يشبهك في موضعه. فلو اتقيت الله وأبقيت على الإخاء لما كنت تحرف هذا بشيء، وهو جميل أرضاه من نفسي، فتصيره قبيحاً تريد أن أعتذر إليك منه.
وأما أداء الخراج والإشهاد، فهذا شيء لم أطلبه منك، إنما انت طلبته مني ظالماً لي. وذلك لأني لم أنازعك إلا منازعة مناظرٍ يحب أن يعرف حسن فحصه وثاقب نظره.

وأما الرياسة فقد جعلها الله لك على أهل هذا العمل، ولا رياسة لي عليهم ولا لك علي؛ لأني في العلم مناظر وفي العمل متلذذ. فلا تظلمني ولا نفسك لي.

ومن بعد فإني أحب أن تخبرني كيف أنت اليوم بعد. والله غممتني، لا غمك الله ولا غمني بك. ولو شئت أرسلت إلى يحيى بن خالد طبيب أخي عبيد الله فإنه رفيقٌ مباركٌ عليم، وهو منك قريب في دار الروم، أخذت برأيه ومن علاجه. وهب الله لك العافية ووهبها لي فيك برحمته.

وإنما ذكرت هذا الابتداء وجوابه على طولهما، وهما قليلٌ من كثير من مكاتباتهما، لتعرف بهما طرفاً من مقدارهما في المنازعة والمجادلة، وأن إسحاق كان يريد من إبراهيم التواضع له والخنوع برياسته ويتحامل عليه في بعض الأوقات، وينحو إبراهيم نحو ما فعله به؛ لأن نفسه تأبى ما يريده إسحاق منه، فيستعمل معه من المباينة مثل ما استعمله، ويكونان في طرفين من الظلم يبعد كل واحد منهما عن إنصاف صاحبه. وقد روى يوسف بن إبراهيم أخباراً فيما جرى بينهما – فوجدت كلامهما مرصوفاً رصف إبراهيم بن المهدي ومنظوماً نظم منطقه – فيها تحاملٌ على إسحاق شديدٌ، وحكاياتٌ ينسب من نقلها إلى جهلٍ بصناعته كان إسحاق بعيداً من مثله، فعلمت أن إبراهيم عمل ذلك وألفه وأمر يوسف بنشره في الناس ليدور في أيديهم ذكرٌ له يفضل به. وذلك بعيدٌ وقوعه، ولن تدفع الحقائق بالأكاذيب، ولا يزيل الخطأ الصواب، ولا الخطل السداد. وكفى من نضح عن إسحاق بأن أغاني إبراهيم بن المهدي لا يكاد يعرف منها صوتٌ ولا يروى منها إلا اليسير، وأن كلامه في تجنيس الطرائق اطرح، وعمل على مذهب إسحاق، وانقضى الصنع لإبراهيم بذلك مع انقضاء مدته، كما يضمحل الباطل مع أهله. فعدلت عن ذكر تلك الأخبار؛ لا لأنها لم تقع إلي، ولكنها أخبار يتبين فيها التحامل والحنق، وتتضمن من السب لإسحاق والشتم والتجهيل ما يعلم أنه لم يكن يقضي على مثله لأحد ولو خاف القتل ، فاستبردت ذلك واطرحته، واعتمدت من أخبار إبراهيم على الصحيح، وما جرى مجرى هذا الكتاب من خبرٍ مستحسنٍ وحكايةٍ ظريفةٍ دون ما يجري مجرى التحامل؛ فقد مضى في صدر الكتاب من أخبارهما وإغصاص إسحاق إياه بريقه وتجريعه أمر من الصبر ما ينبئ عن بطلان غيره. وممن صنع من أولاد الخلفاء علية بنت المهدي، ولا أعلم أحداً منهم بعد إبراهيم أخيها كان يتقدمها. وكان يقال: ما اجتمع في الجاهلية أو الإسلام أخٌ وأختٌ أحسن غناء من إبراهيم بن المهدي وعلية أخته. وأخبارها تذكر بعد هذا تاليةً لما أذكره من غنائها. فمن صنعتها: ?صوت

تضحك عما لو سقت منه شفا

 

من أقحوانٍ بله قطر النـدى

أغر يجلو عن غشا العين العشا

 

حلوٍ بعيني كل كهلٍ وفـتـى

إن فؤادي لا تسليه الـرقـى

 

لو كان عنها صاحياً لقد صحا

الشعر لأبي النجم العجلي. والغناء لعلية بنت المهدي رملٌ بالوسطى.