صناعة النفط في المستقبل

                                                                                                                                           عودة إلى: نفط

 

صناعة النفط في المستقبل

 إطراد تقدمها في السنوات العشر المقبلة

 

 نشر المقال في نيسان / ابريل 1962 ، العدد الثامن عشر ، الرائد العربي  

يحتل النفط مكانة بارزة في عالمنا الحاضرويتزايد الطلب عليه باستمرار منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية . ومنذ ذلك الوقت ازداد عدد الدول ، واكثرها من الدول المتخلفة اقتصادياً ، التي تعتمد على النفط لسد حاجاتها الى الطاقة . وكذلك الحال في الدول المتقدمة صناعياً واقتصادياً ، مثل الولايات المتحدة الاميركية واوروبا ، رغم اعتماد هذه الاخيرة على الفحم الى درجة كبيرة . ومنذ ان وضعت الحرب العالمية الثانية اوزارها عثر على كميات وافرة من النفط . وكان بعض هذا النفط قد اكتشف قبل الحرب الا انه لم يستثمر على نطاق واسع لأكثر من سبب . اما الآن فما فتئت شركات النفط ترفع من مؤهلاتها وكفاآتها واستثماراتها للتفتيش عن النفط والتنقيب عنه واستخراجه ، وما فتيء الطلب يزداد عليه سنة بعد اخرى . 

ازداد الطلب على النفط في العالم اليوم ، باستثناء اميركا الشمالية والكتلة الصينية- السوفياتية ، بمعدل ينوف على 10 بالمئة سنوياً منذ عام 1947 . اما في شمالي اميركا فالطلب على النفط  كان أبطأ منه في اي مكان آخر ، أي بزيادة لا تتعدى 5 بالمئة سنوياً منذ سنة 1947 . وهو اليوم يسهم بمد 45 بالمئة من الطاقة المطلوبة في اميركا الشمالية . 

يتسع مدى تنوع الخدمات الي يقدمها النفط مع مرور الزمن في حقول عديدة ، أهمها حقل الصناعة . فمنذ مئة سنة خلت كان ما يؤديه النفط من خدمة منحصراً تقريباً في تزويد المستهلكين بمادة واحدة ، الا وهي كاز الاضاءة . اما اليوم فهو يلبي طلب اكثر من 40 بالمئة من حاجات العالم للطاقة وتتفرع منه المواد غير المولدة للطاقة التي يزداد استعمالها اكثر فأكثر ، كالزيوت والاسفلت والمواد الكيماوية المستخرجة من النفط التي ما زالت صناعتها تزدهر بغية تلبية حاجات العالم اليها ، من مطاط توليفي الى لدائن الخ..  

مصادر التموين

تحولت خلال السنوات العشر الاخيرة أهمية النفط من نصف القارة الغربي الى النصف الشرقي . ففي سنة 1959 بلغ ما انتجته الولايات المتحدة الاميركية من النفط الخام 39 بالمئة فقط من مجموع الانتاج العالمي رغم ان طلبها يفوق ال 45 بالمئة من الطلب العالمي . وهكذا أصبحت الولايات المتحدة الاميركية دولة مستوردة بعد ان كانت بين الحربين العالميتين دولة مصدرة . وهذا التدني النسبي في انتاج نصف القارة الغربي من النفط خلق ازمات جمة لمنتجي النفط الخام في تلك المنطقة . ففي الولايات المتحدة اخذ الطلب على النفط يزداد بسرعة ، كما ان اسعار النفط المحلي اخذت بالارتفاع مما ادى الى تنشيط التنقيب خارج اميركا الشمالية . وكانت ، في معظم الحالات ، الشركات الاميركية هي الناشطة في حقل التنقيب . ولما اقترنت هذه الجهود بالنجاح ، ازدادت كميات النفط المستورد من الخارج الى الولايات المتحدة الاميركية ، ولم يكن هذا الامر من مصلحة منتجي النفط المحليين في اميركا ، فقامت حكومة الولايات المتحدة بتحديد الكميات المستوردة الى خمس ما تحتاج اليه البلاد ، فنتجت عن ذلك اضرار مهمة لفنزويلا التي كانت اكبر دولة مصدرة للنفط في العالم ، والتي تصرف قسماً كبيراً جداً من انتاجها النفطي في اسواق الولايات المتحدة . 

بلغت نسبة انتاج نصف القارة الشرقي 41 بالمئة في سنة 1959 ، بينما كانت دون 19 بالمئة عام 1947 . وظهرت منطقة الشرق الاوسط كأكبر خازن للنفط الخام ، إذ قدر احتياطيها بثلثي نفط العالم . وبالرغم من ازمة عبدان سنة 1951 وقضية السويس ابان 1956 – 1957 ، فان دول الشرق الاوسط هي اليوم البلاد الرئيسة المصدرة للنفط الخام . غير ان البحث عن حقول جديدة لم ينقطع منذ الحرب العالمية الثانية حتى اسفر عن اشراك مناطق جديدة عديدة في هذا المضمار ، لا سيما الصحراء الجزائرية ونيجيريا وليبيا التي أخذت امكانياتها النفطية تنمو بخطى ثابتة . واذا استثنينا الولايات المتحدة الاميركية والدول المصدرة ، أي الشرق الاوسط وفنزويلا والكتلة السوفياتية والصين ، لتبين لنا ان انتاج الدول الاخرى الذي لم يبلغ سنة 1959 سوى 12 بالمئة من الانتاج العالمي ، قد ارتفع كثيراً خلال السنوات العشر الاخيرة . ويظهر الآن جلياً ان الشرق الاوسط سيظل المصدر الرئيس لبلدان نصف القارة الشرقي ، رغم زيادة انتاج الدول الاخرى . 

مخطط النقل  

أدي ازدياد استهلاك النفط وانتاجه الى نمو أكبر في حركة نقل النفط حول العالم . فصادرات النفط الخام زادت اربعة اضعاف تقريباً عما كانت عليه ، وزادت معها مشاكل النفط تعقيداً . فالمستهلك اليوم لا يطلب مزيداً من النفط فحسب ، بل مواد اكثر تنوعاً وجودة ايضاً . ومع ازدياد  معامل التكرير وتكاثر مصادر النفط الخام برزت قضية النقل وصعوباتها .  

كانت ابان الحرب العالمية الثانية وبعدها مباشرة يجري تكرير النفط الخام في البلاد المنتجة او على مقربة منها، ثم يصدر على شكل مواد مكررة . وبعد ذلك أخذت المصافي تقام بالقرب من اسواق النفط . غير ان عددها كان ضئيلاً الى حد كبير. نجم عن ذلك ان فاقت مبيعات النفط الخام مبيعات المواد المكررة . ومن اسباب نمو تجارة النفط الخام ايضاً ، رغبة حكومات البلدان المستهلكة في انشاء المصافي على أراضيها بغية الاحتفاظ بالنقد النادر من جهة والمساهمة في الانماء الاقتصادي من جهة اخرى . 

اشتداد المزاحمة  

كان للنفط مكانته المرموقة في خلال السنوات الماضية في المساهمة في مد العالم بالطاقة ، مما حدا بعدد كبير من الشركات الجديدة لدخول هذا الحقل . ففي شؤون التنقيب والانتاج فقط ، يعمل اليوم خارج اميركا الشمالية ما يقرب من 250 شركة ، بينما كان هذا العدد لايتجاوز 120 شركة فقط منذ عشر سنوات . وبين هذه الشركات فئة تلعب الآن دوراً ذا شأن في صناعة النفط رغم حداثة قدومها . ان سرعة تقدم صناعة النفط بعد سنة 1950 آلت الى تعقيد المشاكل الراهنة . وما زالت فنزويلا ودول الشرق الاوسط تسعى دوماً لانماء هذه الصناعة النفطية التي كثيراً ما تعتمد عليها من اجل ازدهار اقتصادياتها . والدول المنتجة الحديثة عاكفة الآن على ايجاد اسواق لنفطها  بينما بعض الدول المستوردة ، كالارجنتين مثلاً ، تبذل أقصى الجهود لتوسيع الانتاج الداخلي حتى تقلل من الاستيراد وتحتفظ بالنقد النادر . 

اتجاه الطلب  

رافق ازدياد النفط الخام تغيير في طلب المستهلكين . فتراجع الاعمال عامي 1957 و 1958 حال دون نمو الطاقة لمواجهة الطلب المتزايد ، لا سيما في اوروبا الشرقية المنتجة للخام . ونلاحظ الآن ان الطلب على النفط سيخف ، رغم صموده في اثناء الازمة المذكور اعلاه ، ورغم المستوى العالي الذي بلغه الطلب سنة 1960 ، ذلك لأن فترة التعمير التي تلت الحرب العالمية الثانية قد انتهت في اوروبا . وكثيراً ما أسهم في اضعاف هذا الطلب هبوط كميات النفط المصدرة الى اميركا الشمالية نتيجة القيود التي فرضتها الولايات المتحدة الاميركية وارتفاع انتاج النفط الخام في كندا . ومن جهة اخرى ، استمرت تسهيلات التموين في تقدمها سنة 1956 ، كشأنها في السنوات العشر التي سبقت هذا التاريخ . وكلما ازدادت كميات النفط الخام ، كلما ازدادت امكانيات التكرير والنقل ، مما يقوي المنافسة بين مختلف الشركات . 

إن كميات النفط الفائض لا يستهان بها . فقد جاء في تخمين مصرف تشيز مانهتن ، الذي يعتبر مصدراً موثوقاً في هذا الحقل ، ان الفائض بلغ 8 ملايين برميل يومياً في نهاية عام 1959 ، بما فيه اميركا الشمالية وباستثناء الكتلة السوفياتية والصين . وليس هذا الفائض ببعيد عن نصف انتاج المنطقة التي نعتبر . وربما كان في هذا التخمين شيء من المبالغة ، غير ان نصف الفائض المشار اليه ، حصل فعلاً في الولايات المتحدة الاميركية وكندا ، ولم يتيسر بيعه باسعار مناسبة في الاسواق العالمية . وهذا ما يعطي فكرة شبه واضحة عن الكميات الطائلة من الخام التي يمكن ان تعرض في الاسواق اذا ما لاقت من يشتري . 

يمكننا القول ان اداء المصافي كان يشكل في سنة  1959 ، 10 بالمئة أقل مما كان مفروضاً ان يكون . وكان سبع اسطول ناقلات النفط العالمي متعطلاً عن العمل بسبب بناء هذه الناقلات على نطاق واسع منذ سنة 1950 لمجاراة تقدم النفط ، خاصة لمعالجة مشاكل النقل خلال ازمة السويس ، حيث بوشر بعدها باستخدام ناقلات جديدة عملاقة في وقت كان الطلب على النفط يتراجع بسرعة . فنجم عن ذلك تدني اسعار النقل واشتداد المزاحمة بين منتجي النفط ومشتقاته ، مهما تباينت مناطق الانتاج ، إذ لم تعد قضية فروقات اجور النقل امراً مهماً .

هكذا تحسست اسواق كثيرة لضغط الكميات الموجودة من النفط غير المباع ، ولم يكن لاسعار النفط العالمية بد من الهبوط . كما ان ازدياد مرونة النقل أدى الى اخذ عوامل اخرى بالاعتبار ، كجودة البضاعة والسعي وراء الحصول على نصيب اكبر من الاسواق المتكاثرة . 

ماذا يخبيء الغد ؟  

سترى السنوات العشر المقبلة اطراد النمو الاقتصادي ، ولا مندوحة للنفط من ان يمد الاسواق العالمية بالقسط الاوفر من الطاقة المطلوبة ، بل سوف تزداد نسبة اسهامه هذه ، إذ ليس هناك ما ينبيء عن تغيرات مفاجئة تطال العرض والطلب في حقل الطاقة ، رغم التغييرات الجذرية التي قد تطرأ على أشكال مصادرالطاقة كالطاقة الشمسية او الرياح وعلى وسائل استعمالها كالخلايا النفطية . وفضلاً عن ذلك ستستمر صناعة النفط في تلبيت حاجات متنوعة في حقلي الكمياء والمحروقات . وقد يزداد في السنوات العشر القادمة الطلب على النفط خارج الكتلة السوفياتية والصين بمعدل 15 بالمئة سنوياً . وقد يصبح هذا الطلب في دول اميركا الشمالية والجنوبية واوروبا الغربية ، التي تعد حالياً مناطق جد صناعية ، ضعف ما هو عليه الآن ، مما يتيح للنفط الخام عندئذ ان يلبي ما يفوق نصف حاجة هذه الاسواق من الطاقة التجارية .

إن نمو صناعة النفط سوف يجتذب شركات جديدة . لكن الشركات المنظمة الكبيرة هي التي ستأخذ على عاتقها تلبية الطلب المتزايد على النفط في العالم ، وفي تأمين عوامل الاستقرار لهذه الصناعة . فنفقات التنقيب باهظة في أي بلد من  بلدان العالم ، وكثيراً ما تفتقر الشركات الجديدة  الى المال اللازم والحذق الفني والقدرة على مقاومة الطورايء الاقتصادية التي لا يمكن التسلط عليها الا برؤوس اموال طائلة . وعلى ضوء هذه الاعتبارات ، لا نشك ، في ان النفط سيستمر قادراً على مد العالم بالطاقة المطلوبة وزيادة الكميات الاحتياطية ، تلبية لطلب المستهلكين المتزايدة اعدادهم في العالم .