صناعة التبغ في الاردن

صناعة التبغ في الاردن

فريد السعد

المدير الاداري لشركة الدخان والسجائر الاردنية

نشر المقال في شباط / فبراير 1961 ، العدد الرابع ، الرائد العربي

تأسس أول معمل لصناعة السجائر في عمان سنة 1924 عندما قامت شركة قرمان ديك وسلطي وشركاهم بتأسيسه . وكان لهذه الشركة معمل مماثل في فاسطين . ثم أسس السيد مصطفى الشرباتي مع فريق من المتمولين الاردنيين معملاً ثانياً في عمان لصنع السجائر سنة 1925 تحت اسم شركة شرباتي وشركاهم . غير انه لم يمض وقت قليل حتى استولت شركة قرمان ديك وسلطي سنة 1929 على شركة شرباتي وشركاهم ، وأصبح اسم الشركة الجديدة شركة دخان وسجائر الشرق العربي الوطنية المساهمة .

وفي سنة 1930 أسس بعض المتمولين في عمان شركة ثانية لصنع السجائر برأس مال قدره اثنا عشرالف جينه فلسطيني وأطلقوا على هذه الشركة اسم شركة التبغ والسجائر الاردنية المساهمة . أما الآن فيوجد في الاردن ثلاث شركات لصنع السجائر هي :

1 – شركة التبغ والسجائر الاردنية المساهمة ، عمان .

2 – شركة الدخان والسجائر الوطنية المساهمة المحدودة ، عمان ( سابقاً شركة دخان الشرق العربي الوطنية المساهمة ) .

3 – شركة صنصور ومركزها بيت لحم .

كانت شركات التبغ تنتج السجائر المصنوعة من الدخان التركي ، وكان المدخنون يستسيغون هذا النوع من التبغ ، الى أن جاءت الحرب العالمية الاخيرة وتغير مذاق المدخنين فتحولوا الى تدخين السجائر المصنوعة من التبغ الفرجيني ، بحيث أصبح حوالى 99 بالمئة من مدخني المملكة يفضلون السيجارة الفرجينية . وهذا إقتضى بطبيعة الحال توجه المزارعين الاردنيين لزراعة التبغ الفرجيني .

تطور صناعة السجائر

كانت صناعة السجائر في الاردن بدائية ثم تطورت مع الزمن بحيث أصبحت الآن بمصاف شركات السجائر العالمية . فمصانع شركات السجائر مجهزة بأحدث الآلات لتوضيب التبغ وصنع السجائر . وليس أدل على ذلك من ان إحدى الشركات استوردت الالات لصنع السجائر يشمل جهازها النظائر الالكترونية التي تراقب كل مرحلة من مراحل تعبئة السجائر ، كي تخرج متقنة الصنع . وبذلك يكون الاردن أول بلد في الشرق الاوسط يستورد أحدت الآت لصنع السجائر .

صناعة السجائر في الاردن حرة والتزاحم بين الشركات المنتجة على أشده . وهذا التزاحم أدى الى رفع مستوى السيجارة الاردنية ، بحيث أصبحت تضاهي أحسن انواع السجائر الاجنبية في السوق المحلي ، مما حدا بالحكومات الاردنية المختلفة الى حماية صناعة السجائر بمنع استيراد السجائر الاجنبية الى المملكة . غير ان منتجي السجائر في المملكة لم يستغلوا هذا المنع لتخفيض انتاجهم ، بل العكس هو الصحيح ، إذ اصبح الاردن يصدر سجائره الى الاقطار العربية الشقيقة كالكويت وقطر والسعودية والعراق ولبنان لتزاحم هناك كل انواع السجائر الاجنبية المستوردة ، ومن دون ان يكون للسيجارة الاردنية اية معاملة تفضيلية في هذه الاسواق العربية .

زراعة التبغ في الاردن

تخضع زراعة التبغ في الاردن لاشراف الحكومة المباشرة للحيلولة دون تدخين التبغ بطريقة غير مشروعة . وتحدد الحكومة مساحة الاراضي المزروعة تبغاً بنحو عشرين الف دونم سنوياً، أي ما يكفي للاستهلاك المحلي . ويقوم بهذه الزراعة مزارعون اردنيون اعتادوا زراعة التبغ ، وأصبحت هذه الزراعة مهنة لهم . ويبلغ انتاج التبغ المحلي نحو مليون كيلو سنوياً . كما وانه لا يسمح إلا بزراعة التبغ الفرجيني تمشياً مع رغبة المدخنين . إلا أن زراعة التبغ في الاردن لم تبلغ بعد المستوى الذي بلغته زراعة التبغ في بلدان اخرى كاميركا وروديسيا والهند وباكستان واليابان والصين . ولذا فإن شركات التبغ تتلف سنوياً ، باشراف الحكومة نحو 40 بالمئة من التبغ الذي تبتاعه الشركات من المزارعين بسبب جهل المزارع الاردني لإصول هذه الزراعة . ومع انه لا توجد حتى الان محطات تجارب لزراعة التبغ في الاردن ، فان وزارة الزراعة جادة في اقامت هذه المحطات حين يتيسر لها الخبراء للاشراف عليها.

كمية السجائر المنتجة في الاردن

أنتجت مصانع السجائر في الاردن عام 1959 ، 874564 كيلوغراماً من السجائر. ولكل شركة من شركات التبغ أصنافها المعروفة . ويتراوح سعر العلبة ذات العشرين سيجارة بين 35 فلساً وتسعين فلساً اردنياً . وهذا الصنف الاخيرهو أعلى ثمن لاية علبة سجائر تباع في الاردن . ويدخن حوالى 78.6 بالمئة من المدخنين الاصناف التي تباع بخمسة وخمسين فلساً للعلبة الواحدة ذات العشرين سيجارة ، بينما يدخن 10.4 فقط الاصناف التي تباع علبتها بين سبعين وتسعين فلساً . أما الذين يدخنون العلبة التي تباع بخمسة وثلاثين فلساً فيبلغون 0.11 بالمئة فقط .

تعتبر صناعة التبغ من الصناعات الرئيسة في الاردن . وهي تعتمد الى درجة كبيرة على زراعة التبغ المحلي . ويبلغ عدد الذين يعملون فيها اكثر من الف مزارع اردني ، بالاضافة الى العمال الموسميين الذين يشتغلون في زراعة مشاتل التبغ ونقله من المشاتل وزرعه ثم قطفه وتوضيبه ونقله الى مصانع الشركات . ويقدر عدد هؤلاء العمال الموسميين بثلاثة الاف عامل . أما عمال صناعة التبغ فيربو عددهم على 800 عامل وعاملة ، يضاف الى ذلك عمال مصانع الكرتون الذين يصنعون علب السجائر ، والذين يقدر عددهم باربعمئة عامل وعاملة .

علاقة شركات التبغ بالحكومة

تشرف الحكومة اشرافاً كلياً على صناعة التبغ . فهي التي تمنح الرخص لمزارعي التبغ وتحدد المناطق التي تزرع تبغاً . ويقوم موظفو الحكومة بزيارة المواقع المزروعة بالتبغ لضمان عدم تهريبه ، ثم وزن ما ينتجه كل مزارع . بعد ذلك يسمح هؤلاء الموظفون بنقله الى شركات التبغ . ولدى كل شركة عدد من موظفي الجمارك الذين يشرفون على كل مرحلة من مراحل صنع السجائر . ولا غرابة في ذلك اذا تذكرنا ان الحكومة تجني مبالغ كبيرة من الرسوم التي تفرضها على السجائر . فصناعة السجائر دفعت لخزينة الدولة الاردنية مبلغ 982615 الف دينار سنة 1959 ، أي ما يعادل عشر واردات الحكومة السنوية .

الخاتمة

هذه لمحة موجزة عن صناعة التبغ في الاردن . وأخيراً وليس آخراً ، نقول ان هذه الصناعة قد خطت خطوات واسعة في اتقان السجائر التي تنتجها . ويرجع الفضل في تحقيق هذا الانجاز الى الخبراء الاردنيين الذين يشرفون على صناعة السجائر . ومما تجدر الاشارة اليه أنه بينما كانت مصر تصنع سجائر البلايرز من تبوغ خام موضبة في انكلترا ، تمكن الخبراء الاردنيون ، بمهارتهم ، من انتاج سبجارة موضبة من التبغ الفرجيني المحلي وما يستورد من التبغ الاميركي. وبفضل هذا التوضيب الفني الجيد تمكن الاردن من تصدير سجائره الى الاقطار العربية الشقيقة مزاحماً بذلك كل انواع السجائر العالمية . ولعل هذه اول مرة يتمكن فيه انتاج عربي من مزاحمة انتاج مماثل في اسواق حرة من دون حماية حكومية او اية معاملة تفضيلية .

أهم توصيات الخبراء لتحسين التبغ الاردني

ننشر في ما يلي التوصيات التي يرى الخبراء في تنفيذها ما يؤدي الى تحسين التبغ الاردني ، وبالتالي زيادة كميات التبغ البلدي المستعمل في صناعة السجائر الاردنية ، من دون ان تتدنى جودتها :

1 – إقامة محطة تجارب لتحسين انواع التبغ الاردني .

2 – عندما تتحقق هذه التحسينات يجب ان يسار الى وضع برنامج تعليمي لارشاد المزارعين بهدف الالتزام بهذه التحسينات وتطويرها .

3 – ارشاد المزارعين الى اصول تصنيف التبع ليدركوا الربح الذي يعود عليهم من تحسين اصناف التبغ وتوضيبها في المزرعة .

4 – زيادة عدد مزارعي التبغ مع تقليل المساحة المخصصة لكل منهم . والغاية من ذلك زيادة اعتناء المزارع في محصول تبغه لانه سيكون هو بالذات المستفيد الاول من انتاج اصناف جيدة . وقد دلت التجارب على انه اذا كان للمزارع مصلحة في زراعة التبغ فسينتج تبغاً جيداً . أما العمال المستأجرون فلا مصلحة لهم في رفع جودة التبغ .

5 – يجب ان يكون المزارع نفسه مسؤولاً عن تجفيف تبغه .

6 – ارشاد المزارع الى افضل طرق التوضيب والتصنيف ، وتوحيد الثمن الذي يدفع للمزارعين . إن محصول التبغ يتكون عادة من نوعين من حيث الجودة ، وثلاثة انواع من حيث اللون الذي يدل على طريقة تجفيفه ، وثلاثة انواع من الورق بالنسبة لكل نبتة من التبغ . وكل هذه العوامل تدخل في تقدير ثمن التبغ .

7 – بما ان صناعة التبغ مهمة لكل من الدولة والمنتج والمزارع ، فمن المنطقي ان يتعاون الفرقاء الثلاثة لاقامة محطات للتجارب والارشاد لتحسين نوعية التبغ الاردني . وعلى وزارة الزراعة ان تتولى الاشراف على اعداد تقارير سنوية عن مدى تقدم تجاربها وتوزيع هذه التقارير على وزارتي المالية والاقتصاد وممثلي الصناعة والمزارعين . ويجب ان يشمل برنامج التجارب انتاج وتجفيف وتصنيف التبغ .

8 – زيادة مساحة الاراضي المزروعة تبغاً حتى يصبح بالامكان انتاج انواع من التبغ صالحة للسوق الاردنية، شرط ان يصبح المزارعون قادرين على تنفيذ توصيات الخبراء .

إن برنامجاً طموحاً كهذا البرنامج يحتاج الى وقت لتحقيقه . غير ان الصعوبات التي قد يواجهها هذا البرنامج التطويري قد تذلل بسهولة اذا درست مشاكل صناعة التبغ الاردنية بامعان وجدية واتقان . وعندها سيكون بالامكان انتاج انواع صالحة جداً من التبغ في تربة الاردن .