شيء من ذكر اين هرمة ايضا

شيء من ذكر اين هرمة ايضا

أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد العزيز الزهري ونوفل بن ميمون عن يحيى بن عروة بن أذينة قال: خرجت في حاجة لي، فلما كنت بالسيالة وقفت على منزل إبراهيم بن علي بن هرمة، فصحت: يا أبا إسحاق، فأجابتني ابنته: من هذا. فقلت: انظري، فخرجت إلي فقلت: أعلمي أبا إسحاق؛ فقالت: خرج والله آنفاً قال: فقلت: هل من قرى؟ فإني مقو من الزاد؛ قالت: لا والله، ما صادفته حاضراً؛ قلت: فأين قول أبيك:

لا أمتع العوذ بالفصال ولا

 

أبتاع إلا قـريبة الأجـل

قالت: بذاك والله أفناها – أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن أيوب بن عباية بمثل هذا الخبر سواء، وزاد فيه: – قال: فأخبرت إبراهيم بن هرمة بقولها، فضمها إليه وقال: بأبي أنت وأمي! أنت والله ابنتي حقا، الدار والمزرعة لك.
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني نوفل بن ميمون قال حدثني مرقع قال: كنت مع ابن هرمة في سقيفة أم أذينة، فجاءه راع بقطعة من غنم يشاوره فيما يبيع منها، وكان قد أمره ببيع بعضها؛ قال مرقع: فقلت: يا أبا إسحاق، أين عزب عنك قولك:

لا غنمي مد في الحياة لها

 

إلا لدرك القرى ولا إبلي

وقولك فيها أيضا:

لا أمتع العوذ بالفصال ولا

 

ولا أبتاع إلا قريبة الأجل

فقال لي: مالك أخزاك الله! من أخذ منها شيئا فهو له؛ فانتهبناها حتى وقف الراعي وما معه منها شيء. وحدثنا بهذا الخبر أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثني علي بن محمد النوفلي عن أبيه: أن ابن هرمة كان اشترى غنما للربح، فلقيه رجل فقال له: ألست القائل:

لا غنمي مد في الحياة لها

 

إلا لدرك القرى ولا إبلي

قال: نعم؛ قال!: فو الله إني لأحسبك تدفع عن هذه الغنم المكروه بنفسك، وإنك لكاذب؛ فأحفظه ذلك فصاح: من أخذ منها شيئا فهو له؛ فانتهبها الناس جميعاً وكان ابن هرمة أحد البخلاء.

أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثني الزبير بن بكار قال حدثني نوفل بن ميمون قال حدثني زفر بن محمد الفهري: أن هذه القصيدة أول شعر قاله وابن هرمة.

أخبرنا محمد بن خلف وكيع قال حدثنا حماد بن إسحاق قال قرأت على أبي: حدثنا عبد الله بن الوليد الأزدي قال حدثني جعفر بن محمد بن زيد بن علي بن الحسين قال: سمع مزبد قول ابن هرمة:

لا أمتع العوذ بالفصال ولا

 

أبتاع إلا قـريبة الأجـل

قال: صدق ابن الخبيثة، إنما كان يشتري الشاة للأضحى فيذبحها من ساعته.

أخبرنا وكيع قال حدثنا حماد عن أبيه عن عبد الله بن الوليد عن جعفر بن محمد بن زيد عن أبيه، قال: اجتمع قوم من قريش أنا فيهم، فأحببنا أن نأتي ابن هرمة فنعبث به، فتزودنا زاداً كثيراً ثم أتيناه لنقيم عنده، فلما انتهينا إليه خرج إلينا فقال: ما جاء بكم؟ فقلنا: سمعنا شعرك فدعانا إليك لما سمعناك قلت:

إن امرأ جعل الطريق لبيته

 

طنباً وأنكر حقه لـلـئيم

وسمعناك تقول:

وإذا تنور طارق مستنبح

 

نبحت فدلته علي كلابي

وعوين يستعجلنه فلقينـه

 

يضربنه بشراشر الأذناب

وسمعناك تقول:

كم ناقة قد وجأت منحرها

 

بمستهل الشؤبوب أو جمل

لا أمتع العوذ بالفصال ولا

 

أبتاع إلا قـريبة الأجـل

قال: فنظر إلينا طويلاً ثم قال: ما على وجه الأرض عصابة أضعف عقولاً ولا أسخف ديناً منكم؛ فقلنا له: يا عدو الله يا دعي، أتيناك زائرين وتسمعنا هذا الكلام؛ فقال: أما سمعتم الله تعالى يقول للشعراء: “وأنهم يقولون ما لا يفعلون” أفيخبركم الله أني أقول ما لا أفعل وتريدون مني أن أفعل ما أقول؛ قال فضحكنا منه وأخرجناه معنا، فأقام عندنا في نزهتنا يشركنا في زادنا حتى انصرفنا إلى المدينة.

أخبرنا عمي قال حدثني محمد بن سعيد الكراني عن عبد الرحمن بن أخي الأصمعي عن عمه قال: الحكم الخضري، وابن ميادة، ورؤبة، وابن هرمة، وطفيل الكناني، ومكين العذري، كانوا على ساقة الشعراء، وتقدمهم ابن هرمة بقوله:

لا أمتع العوذ بالفصال ولا

 

أبتاع إلا قـريبة الأجـل

قال عبد الرحمن: وكان عمي معجبا بهذا البيت مستحسنا له، وكان كثيرا ما يقول: أما ترون كيف قال! والله لو قال هذا حاتم لما زاد ولكان كثيراً؛ ثم يقول: ما يؤخره عن الفحول إلا قرب عهده. انتهى.
أخبرني محمد بن مزيد والحسين بن يحيى ووكيع عن حماد عن أبيه قال: قلت لمروان بن أبي حفصة: من أشعر المحدثين من طبقتكم عندك؟ لا أعنيك، قال: الذي يقول:

لا أمتع العوذ بالفصال ولا

 

أبتاع إلا قـريبة الأجـل

أخبرنا يحيى بن علي قال حدثنا أبو أيوب المديني عن أبي حذافة قال: لما قال ابن هرمة:

لا أمتع العوذ بالفصال ولا

 

أبتاع إلا قـريبة الأجـل

قال ابن الكوسج مولى آل حنين يجيبه:

ما يشرب البارد القـراح ولا

 

يذبح من جفرة ولا حـمـل

كأنـه قـردة يلاعـبـهـا

 

قرد بأعلى الهضاب من ملل

قال: فقال ابن هرمة: لئن لم أوت به مربوطاً لأفعلن بآل حنين ولأفعلن؛ فوهبوا لابن الكوسج مائة درهم وربطوه وآتوا به ابن هرمة فأطلقه؛ فقال ابن الكوسج: والله لئن عاد لمثلها لأعودن.

أخبرني الحسن بن علي الخفاف قال حدثني هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات قال حدثني هارون بن مخارق عن أبيه قال: كنا عند الرشيد في بعض أيامنا ومعنا ابن جامع، فغناه ابن جامع ونحن يومئذ بالرقة:

هاج شوقا فراقك الأحبـابـا

 

فتناسيت أو نسيت الـربـاب

حين صاح الغراب بالبين منهم

 

فتصاممت إذ سمعت الغرابا

لو علمنا أن الفـراق وشـيك

 

ما انتهينا حتى نزور القبابـا

أو علمنا حين استقلت نواهـم

 

ما أقمنا حتى نزم الركـابـا

الغناء لابن جامع رمل بإطلاق الوتر في مجرى الوسطى عن إسحاق، وله فيه أيضا ثقيل أول بالوسطى عن عمرو. وذكرت دنانير عن فليح أن فيه لابن سريج وابن محرز لحنين. قال: فاستحسنه الرشيد وأعجب به واستعاده مراراً وشرب عليه أرطالاً حتى سكر، وما سمع غيره ولا أقبل على أحد، وأمر لابن جامع بخمسة آلاف دينار؛ فلما انصرفنا قال لي إبراهيم: لا ترم منزلك حتى أصير إليك؛ فصرت إلى منزلي، فلم أغير ثيابي حتى أعلمني الغلام بموافاته، فتلقيته في دهليزي، فدخل وجلس وأجلسني بين يديه ثم قال لي: يا مخارق، أنت فسيلة مني وحسني لك وقبيحي عليك، ومتى تركنا ابن جامع على ما ترى غلبنا على الرشيد، وقد صنعت صوتا على طريقة صوته الذي غناه أحسن صنعة منه وأجود وأشجى، وإنما يغلبني عند هذا الرجل بصوته، ولا مطعن على صوتك، وإذا أطربته وغلبته عليه بما تأخذه مني قام ذلك لي مقام الظفر؛ وسيصبح أمير المؤمنين غداً فيدخل الحمام ونحضر ثم يخرج فيدعو بالطعام ويدعو بنا ويأمر ابن جامع فيرد الصوت الذي غناه ويشرب عليه رطلًا ويأمر له بجائزة، فإذا فعل فلا تنتظره أكثر من أن يرد ردته حتى تغني ما أعلمك إياه الساعة، فإنه يقبل عليك ويصلك، ولست أبالي ألا يصلني بعد أن يكون إقباله عليك؛ فقلت: السمع والطاعة؛ فألقى علي لحنه:

يا دار سعدى بالجزع من ملل

وردده حتى أخذته و انصرف، ثم بكر علي فاستعاد الصوت فرددته حتى رضيه، ثم ركبنا وأنا أدرسه حتى صرنا إلى دار الرشيد، فلما دخلنا فعل الرشيد جميع ما وصفه إبراهيم شيئا فشيئا، وكان إبراهيم أعلم الناس به، ثم أمر ابن جامع فرد الصوت ودعا برطل فشربه، ولما استوفاه واستوفى ابن جامع صوته لم أدعه يتنفس حتى اندفعت فغنيت صوت إبراهيم، فلم يزل يصغى إليه وهو باهت حتى استوفيته؛ فشرب وقال: أحسنت والله! لمن هذا الصوت؟ فقلت: لإبراهيم. فلم يزل يستدنيني حتى صرت قدام سريره، وجعل يستعيد الصوت فأعيده ويشرب عليه، رطلا، فأمر لإبراهيم بجائزة سنية وأمر لي بمثلها؛ وجعل ابن جامع يشغب ويقول: يجيء بالغناء فيدسه في أستاه الصبيان! إن كان محسنا فليغنه هو، والرشيد يقول له: دع ذا عنك، فقد والله استقاد منك وزاد عليك.

تولى شبـابـك إلا قـلـيلا

 

وحل المشيب فصبراً جميلا

كفى حزنا بفراق الصـبـا

 

وإن أصبح الشيب منه بديلا

الشعر والغناء لإسحاق. ولحنه المختار ثاني ثقيل بالوسطى في مجراها عن إسحاق بن عمرو.