شعر لعمر بن أبي ربيعة

شعر لعمر بن أبي ربيعة

أستعين الذي بكفيه نفـعـي

 

ورجائي على التي قتلتنـي

ولقد كنت قد عرفت وأبصر

 

ت أموراً لو أنها نفعتـنـي

قلت: إني أهوى شفا ما ألاقي

 

من خطوب تتابعت فدحتنـي

عروضه من السريع ، يقال: إن الشعر لعمر، والغناء لابن سريج ثقيل أول بالوسطى، عن حماد عن أبيه، وفيه لحن للهذلي. وقيل: بل لحن ابن سريج للهذلي، ذكر ذلك حبش. وقيل: بل هو مما نسب من غناء ابن سريج إلى الهذلي.

خبر ابن سريج مع سكينة بنت الحسين

أخبرني الحسين بن يحيى، عن حماد، عن أبيه، عن مصعب الزبيري، قال: حدثني شيخ من المكيين، ووجدت هذا الخبر أيضاً في بعض الكتب مروياً عن محمد بن سعد كاتب الواقدي، عن مصعب، عن شيخ من المكيين، والرواية عنهما متفقة، قال:

امتناعه من الغناء وقدومه المدينة للاستشفاء

كان ابن سريج قد أصابته الريح الخبيثة، وآلى يميناً ألا يغني، ونسك ولزم المسجد الحرام حتى عوفي. ثم خرج وفيه بقية من العلة، فأتى قبر النبي صلى الله عليه وسلم وموضع مصلاه.

فلما قدم المدينة نزل على بعض إخوانه من أهل النسك والقراءة، فكان أهل الغناء يأتونه مسلمين عليه، فلا يأذن لهم في الجلوس والمحادثة، فأقام بالمدينة حولاً حتى لم يحس من علته بشيء، وأراد الشخوص إلى مكة.

سكينة ترغب في الاستماع منه

وبلغ ذلك سكينة بنت الحسين، فاغتمت اغتماماً شديداً، وضاق به ذرعها، وكان أشعب يخدمها، وكانت تأنس بمضاحكته ونوادره، وقالت لأشعب: ويلك! إن ابن سريج شاخص، وقد دخل المدينة منذ حول، ولم أسمع من غنائه قليلاً ولا كثيراً، ويعز ذلك علي، فكيف الحيلة في الاستماع منه، ولو صوتاً واحداً؟ فقال لها أشعب: جعلت فداك! وأنى لك بذلك والرجل اليوم زاهد ولا حيلة فيه؟ فارفعي طمعك، والحسي تورك تنفعك حلاوة فمك. فأمرت بعض جواريها فوطئن بطنه حتى كادت أن تخرج أمعاؤه، وخنقنه حتى كادت نفسه أن تتلف، ثم أمرت به فسحب على وجهه حتى أخرج من الدار إخراجاً عنيفاً. فخرج على أسوأ الحالات، واعتم أشعب غماً شديداً، وندم على ممازحتها في وقت لم ينبغ له ذلك؛ فأتى منزل ابن سريج ليلاً فطرقه، فقيل: من هذا؟ فقال: أشعب، ففتحوا له، فرأى على وجهه ولحيته التراب، والدم سائلاً من أنفه وجبهته على لحيته، وثيابه ممزقة، وبطنه وصدره وحلقه قد عصرها الدوس والخنق، ومات الدم فيها، فنظر ابن سريج إلى منظر فظيع هاله وراعه، فقال له: ما هذا ويحك؟ فقص عليه القصة.

امتناعه من الذهاب إليها

فقال ابن سريج: إنا لله وإنا إليه راجعون! ماذا نزل بك؟ والحمد لله الذي سلم نفسك، لا تعودن إلى هذه أبداً. قال أشعب: فديتك هي مولاتي ولابد لي منها، ولكن هل لك حيلة في أن تصير إليها وتغنيها؛ فيكون ذلك سبباً لرضاها عني؟ قال ابن سريج: كلا والله لا يكون ذلك أبداً بعد أن تركته.

قال أشعب: قد قطعت أملي ورفعت رزقي، وتركتني حيران بالمدينة، لا يقبلني أحد وهي ساخطة علي، فالله الله في، وأنا أنشدك الله إلا تحملت هذا الإثم في، فأبى عليه.

حيلة أشعب لإرغامه

فلما رأى أشعب أن عزم ابن سريج قد تم على الامتناع قال في نفسه: لا حيلة لي، وهذا خارج، وإن خرج هلكت، فصرخ صرخة آذن أهل المدينة لها، ونبه الجيران من رقادهم، وأقام الناس من فرشهم، ثم سكت، فلم يدر الناس ما القصة عند خفوت الصوت بعد أن قد راعهم.

فقال له ابن سريج: ويلك! ما هذا؟ قال: لئن لم تصر معي إليها لأصرخن صرخة أخرى لا يبقى بالمدينة أحد إلا صار بالباب، ثم لأفتحنه ولأرينهم ما بي، ولأعلمنهم أنك أردت تفعل كذا وكذا بفلان – يعني غلاماً كان ابن سريج مشهوراً به – فمنعتك، وخلصت الغلام من يدك حتى فتح الباب ومضى؛ ففعلت بي هذا غيظاً وتأسفاً، وأنك إنما أظهرت النسك والقراءة لتظفر بحاجتك منه، وكان أهل مكة والمدينة يعلمون حاله معه. فقال ابن سريج: اغرب، أخزاك الله. قال أشعب: والله الذي لا إله إلا هو، وإلا فما أملك صدقة ، وامرأته طالق ثلاثاً، وهو نحير في مقام إبراهيم، والكعبة، وبيت النار، والقبر قبر أبي رغال إن أنت لم تنهض معي في ليلتي هذه لأفعلن.

قبوله الذهاب إلى منزل سكينة فلما رأى ابن سريج الجد منه قال لصاحبه: ويحك! أما ترى ما وقعن فيه؟! وكان صاحبه الذي نزل عنده ناسكاً؛ فقال: لا أدري ما أقول فيما نزل بنا من هذا الخبيث. وتذمم ابن سريج من الرجل صاحب المنزل فقال لأشعب: اخرج من منزل الرجل. فقال: رجلي مع رجلك، فخرجا.

فلما صارا في بعض الطريق قال ابن سريج لأشعب: امض عني. قال: والله لئن لم تفعل ما قلت لأصيحن الساعة حتى يجتمع الناس، ولأقولن: إنك أخذت مني سواراً من ذهب لسكينة على أن تجيئها فتغنيها سراً، وإنك كابرتني عليه وجحدتني، وفعلت بي هذا الفعل.

فوقع ابن سريج فيما لا حيلة له فيه. فقال: أمضي، لا بارك الله فيك. فمضى معه.

استعفاؤه وإباء سكينة فلما صار إلى باب سكينة قرع الباب، فقيل: من هذا؟ فقال: أشعب قد جاء بابن سريج، ففتح الباب لهما، ودخلا إلى حجرة خارجة عن دار سكينة، فجلسا ساعة، ثم أذن لهما فدخلا إلى سكينة، فقالت: يا عبيد، ما هذا الجفاء؟ قال: قد علمت بأبي أنت ما كان مني. قالت: أجل، فتحدثا ساعة، وقص عليها ما صنع به أشعب، فضحكت، وقالت: لقد أذهب ما كان في قلبي عليه، وأمرت لأشعب بعشرين ديناراً وكسوة. ثم قال لها ابن سريج: أتأذنين بأبي أنت؟ قالت: وأين؟ قال: المنزل، قالت: برئت من جدي إن برحت داري ثلاثاً، وبرئت من جدي إن أنت لم تغن إن خرجت من داري شهراً، وبرئت من جدي إن أقمت في داري شهراً إن لم أضربك لكل يوم تقيم فيه عشراً، وبرئت من جدي إن حنثت في يميني أو شفعت فيك أحداً.
فقال عبيد: واسخنة عيناه! واذهاب دنياه! ثم اندفع يغني:

أستعين الذي بكفيه نفعـي

 

ورجائي على التي قتلتني

دملج سكينة في يده الصوت المذكور آنفاً. فقالت له سكينة: فهل عندك يا عبيد من صبر؟ ثم أخرجت دملجاً من ذهب كان في عضدها وزنه أربعون مثقالاً، فرمت به إليه، ثم قالت: أقسمت عليك لما أدخلته في يدك، ففعل ذلك.

استدعاء عزة الميلاء  ثم قالت لأشعب: اذهب إلى عزة فاقرئها مني السلام، وأعلمها أن عبيداً عندنا، فلتأتنا متفضلة بالزيارة. فأتاها أشعب فأعلمها، فأسرعت المجيء، فتحدثوا باقي ليلتهم. ثم أمرت عبيداً وأشعب فخرجا فناما في حجرة مواليها.

مجلس غناء

فلما أصبحت هيئ لهم غداؤهم، وأذنت لابن سريج فدخل فتغذى قريباً منها مع أشعب ومواليها، وقعدت هي مع عزة وخاصة جواريها، فلما فرغوا من الغداء قالت: يا عز، إن رأيت أن تغنينا فافعلي. قالت: إي وعيشك. فتغنت لحنها في شعر عنترة العبسي :

حييت من طلل تقادم عهـده

 

أقوى وأقفر بعد أم الهيثـم

إن كنت أزمعت الفراق فإنما

 

زمت ركابكم بليل مظـلـم

فقال ابن سريج: أحسنت والله يا عزة! وأخرجت سكينة الدملج الآخر من يدها فرمته إلى عزة، وقالت: صيري هذا في يدك، ففعلت. ثم قالت لعبيد: هات غننا. فقال: حسبك ما سمعت البارحة. فقالت: لابد أن تغنينا في كل يوم لحناً. فلما رأى ابن سريج أنه لا يقدر على الامتناع مما تسأله غنى:

قالت: من أنت؟ على ذكر فقلت لها:أنا الذي ساقه للحين مقدار

قد حان منك فلا تبعد بك الداربين وفي البين للمتبول إضرار

ثم قالت لعزة في اليوم الثاني: غني، فغنت لحنها في شعر الحارث بن خالد – ولابن محرز فيه لحن -، ولحن عزة أحسنهما:

وقرت بها عيني، وقد كنت قبلها

 

كثير البكاء مشفقاً من صدودها

وبشرة خود مثل تمثـال بـيعة

 

تظل النصارى حوله يوم عيدها

قال ابن سريج: والله ما سمعت مثل هذا قط حسناً ولا طيباً.
ثم قالت لابن سريج: هات، فاندفع يغني:

أرقت فلم أنم طربـاً

 

وبت مسهداً نصـبـا

لطيف أحب خلق الل

 

ه إنساناً وإن غضبـا

فلم أردد مقالـتـهـا

 

ولم أك عاتباً عتـبـا

ولكن صرمت حبلـي

 

فأمسى الحبل منقضبا

فقالت سكينة: قد علمت ما أردت بهذا، وقد شفعناك، ولم نردك. وإنما كانت يميني على ثلاثة أيام، فاذهب في حفظ الله وكلاءته.
ثم قالت لعزة: إذا شئت. ودعت لها بحلة، ولابن سريج بمثلها. فانصرفت عزة، وأقام ابن سريج حتى انقضت ليلته، وانصرف، فمضى من وجهه إلى مكة راجعاً.