سرية المصارف في لبنان

سرية المصارف في لبنان

اعداد واشراف جوزيف مغيزل وصلاح دباغ

نشر المقال في حزيران / يونيو 1962 ، العدد العشرون ، الرائد العربي

تخضع عمليات المصارف في لبنان لسر المهنة المطلق بموجب القانون الصدر في 13 ايلول / سبتمبر 1956، وبذلك إتبع لبنان نهج بلدان قليلة سبقته في هذا المضمار ، وهي سويسرا وكندا وطنجة عندما كانت هذه الاخيرة تتمتع بادارة مستقلة عن المملكة المغربية . ولا بد من الاشارة الى ان سرية المعاملات المصرفية كانت موجودة في لبنان قبل صدور هذا القانون ، لكنها كانت سرية محدودة مبنية على المباديء القانونية العامة . وهكذا اعتبرت سرية المعاملات المصرفية موجباً تعاقدياً بين عملاء المصارف وادارته ، يؤدي الاخلال به الى دفع بدل العطل والضرر ، إلا انه لم يترتب على افشاء هذه الاسرار اي عقاب جزائي كالذي نصت عليه المادة 579 من قانون العقوبات (1) ، إذ اقتصر اجتهاد المحاكم اللبنانية على تطبيق هذه المادة على الاطباء والمحامين ورجال الدين . وكان موجب الاحتفاظ بسرية المعاملات المصرفية يسقط في الاحوال التالية :

1 – في حال اجراء حجز على اموال العميل تحت يدي المصرف ( الحجز لدى شخص ثالث ) .

2 – في حال دعوة مدراء المصارف او مستخدميها للادلاء بشهادتهم امام المحاكم الجزائية عن اوضاع عملائهم المالية .

3 – في حال مطالبة الدوائر المالية بمعرفة اموال العملاء لدى المصارف من اجل فرض ضريبة الدخل (المادة 93 من قانون 4 كانون اول / ديسمبر 1944 ) وضريبة التركات (المادة 25 و 28 من قانون 29 كانون اول / ديسمبر 1951 ) .

4 – في حال افلاس العميل .

نطاق قانون ايلول / سبتمبر 1956

صدر قانون سرية المصارف في 3 ايلول / سبتمبر 1956 على ان يعمل به ابتداء من 5 تشرين الثاني / نوفمبر من السنة نفسها ، أي بعد شهرين من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية . ويتضح من نص المادة الاولى منه على ان سر المعاملات المصرفية لا يسري حكماً على المصارف ، بل يجب ان تحصل المصارف على موافقة خاصة يعطيها وزير المال . وقد حصلت ، بالفعل ، اغلبية المصارف في لبنان ، ان لم تكن كلها ، على هذه الموافقة .

إن ما يميز قانون سرية المصارف اللبناني هو كون السرية التي يفرضها على المعاملات المصرفية سرية مطلقة وشاملة . وهذا الشمول يتضح في الامور الآتية :

اولاً – من حيث الاشخاص الذين يقع عليهم موجب الاحتفاظ بالسرية .

ثانياً – من حيث العمليات التي تستلزم الاحتفاظ بسريتها .

ثالثاً – من حيث الاشخاص الطبيعيين والمعنويين الذين يجب الاحتفاظ بالسرية تجاههم .

اولاً : من حيث الاشخاص الذين يقع عليهم الموجب

إن واجب الاحتفاظ بسرية المعاملات المصرفية لا يقع على مديري المصارف ومستخدميها فحسب ، بل يتعدى هؤلاء ، وفقاً لنص المادة الثانية من القانون . فيشمل ” كل من له اطلاع بحكم صفته او وظيفته بأية طريقة كانت على قيود ودفاتر المعاملات والمراسلات المصرفية ” . وهكذا اصبح هذا النص يشمل اعضاء مجلس ادارة المصارف ومستشاريها القضائيين ومدققي حساباتها الخ…وتنص المادة الثانية كذلك على ان كل مخالفة لموجب كتمان سرية المعاملات هذه تعرّض صاحبها الى ملاحقة جزائية تؤدي الى الحبس من ثلاثة اشهر الى ستة اشهر ، عدا عن حق المطالبة ببدل العطل والضرر .

ثانياً : من حيث العمليات التي تستلزم الاحتفاظ بسريتها

تسري السرية على كل المعاملات المصرفية من دون استثناء . فلا يجوز بالتالي افشاء اي أمر يتعلق باسماء العملاء واموالهم وكل الامور المتعلقة بعلاقتهم بالمصرف . وسرية المعاملات المصرفية هذه هي على نوعين : عادية وخاصة . فالاولى تشمل كل المعاملات المصرفية ، اما الثانية فهي تلك المتعلقة بحسابات الودائع المرقمة او الخزائن الحديدية المرقمة التي لا يعرف اسماء اصحابها سوى المدير القائم على ادارة المصرف او وكيله . وقد أجاز القانون فتح حسابات مرقمة وايجار خزائن حديدية مرقمة بحيث لا يعرف اسماء اصحابها سوى المدير او وكيله ، زيادة في السرية وحرصاً على عدم تسرب اسماء اصحابها . وقد حاولت الحكومة اللبنانية ان تحد من شمول تطبيق سرية المصارف هذه ، فأصدرت وزارة العدل في 30 تشرين الثاني / نوفمبر من عام 1956 تفسيراً للقانون جاء فيه ان ضرورة احترام سرية المعاملات المصرفية لا تشمل سوى حسابات الودائع المرقمة . الا ان هذا التفسير قد أتى مخالفاً لروح القانون ونصوصه  فأدى الى ردة فعل قوية بين اعضاء لجنة المال في المجلس النيابي ، مما حمل وزارة العدل على الغاء تفسيرها في 4 كانون الاول / ديسمبر 1956 .

ثالثاً : من حيث الاشخاص الطبيعيين والمعنويين الذين يجب الاحتفاظ بالسرية تجاههم

إن موجب الاحتفاظ بسرية المعاملات المصرفية يتوجب على المصارف تجاه كل الافراد اياً كانوا ، حتى ولوكان هؤلاء زوج العميل او زوجته او أقرباءه الآخرين ، وتجاه كل السلطات ، ادارية كانت او عسكرية او قضائية . وتشمل السلطات القضائية : القضاء المدني والتجاري والاداري والجزائي والعسكري . ولا بد من الملاحظة هنا ان هذا الاطلاق ، يما يتعلق بالسلطات العسكرية ، ادارية أكانت ام قضائية ، قد يؤدي الى نتائج تضر بمصالح البلاد وأمنها ، خاصة في ما يتعلق بأمر الاتجار مع العدو .

ومما يعنيه هذا الاطلاق ان وزارة المال لا تستطيع ان تدقق في الاموال المودعة لدى المصارف لفرض ضريبة الدخل او ضريبة التركات عليها . وقد ألغى المرسوم الاشتراعي رقم 146 الصادر بتاريخ حزيران / يونيو 1959 المتعلق بفرض رسم انتقال على الاموال المنقولة وغير المنقولة بضرورة الاحتفاظ بسرية المبالغ المودعة لدى المصارف تجاه موظفي وزارة المال عند فرضهم ضريبة انتقال على الاموال المنقولة . فالمادة 28 من المرسوم الاشتراعي المذكور تنص ” على الذين يؤجرون عادة خزائن او صناديق حديدية وكان لديهم خزانة مؤجرة كلها او بعضها الى شخص توفي ، ان يحيطوا الدوائر المالية علماً بالامر خلال ثلاثة ايام من تاريخ علمهم بالوفاة ، ولا يخق للمصارف الخاضعة لقانون 3 ايلول / سبتمبر سنة 1956 المتعلق بسرية المصارف التذرع بهذه السرية . واعتباراً من هذا التاريخ يحظر فتح الخزائن او الصناديق بدون حضور مندوب المالية ، ويعاقب المخالف بالغرامة من 100 الى 1000 ليرة ويعتبر مسؤولاً بالتضامن مع المكلفين عن الرسوم المترتبة على الاموال المودعة في لخزائن او الصناديق المذكورة ” . الا ان هذه المخالفة لنصوص قانون سرية المصارف لم يدم طويلاً . فلقد عدل قانون 14 كانون الاول / ديسمبر 1959 المادة 28 المذكورة بحيث اخرج المصارف الخاضعة للسرية المصرفية من ضرورة اعطاء معلومات عن معاملات زبائنها الى وزارة المال بقصد فرض ضريبة انتقال الاموال المنقولة .

اما المرسوم الاشتراعي رقم 144 الصادر بتاريخ 12 حزيران / يونيو 1959 والمتعلق بضريبة الدخل ، فقد ألغي بصورة نهائية في مواده 101 و 103 و 121 (2) حق المصارف بالاحتفاظ بسرية معاملات عملائها يما يختص بفرض ضريبة الدخل . فقد اصبح لموظفي وزارة المال المختصين الحق في الاطلاع على المستندات والقيود والسجلات الموجودة لدى المصارف والمتعلقة يفرض ضريبة الدخل . وهكذا ، يكون المرسوم الاشتراعي رقم 144 لعام 1959 قد أوجد ثغرة كبيرة في ما يتعلق بسرية المعاملات المصرفية تجاه السلطات المالية . لكن لا بد من الاشارة الى انه ، من الناحية العملية ، لم تقم وزارة المال حتى الآن بمطالبة المصارف الخاضعة للسرية بالاطلاع على قيودها وسجلاتها بغية تحديد ضريبة الدخل المتوجبة على عملاء هذه المصارف .

الاحوال المستثناة من قاعدة سرية المعاملات المصرفية

ينص قانون سرية المصارف على استثناء بعض الاحوال من موجب الاحتفاظ بالسرية . وهذه الاحوال هي :

1 – افلاس العميل . ففي هذه الحال يتوجب على المصرف ان يدلي بكل المعلومات المتعلقة بحسابات عميله الى وكيل التفليسة والى القاضي المشرف والى المحكمة الناظرة بقضية الافلاس .

2 – في حال نشوء دعوى تتعلق بمعاملة مصرفية بين المصارف وعملائها فلا بد من تمكين المصرف من اطلاع المحكمة على قيود وسجلات العميل ، حتى تستطيع المحكمة من الالمام بكافة المعلومات المتعلقة بالقضية .

3 – في حال تنازل العميل او ورثته او الموصى لهم عن موجب الاحتفاظ بسرية معاملاتهم . وفي هذه الحال يجب ان يكون التنازل خطياً .

4 –  في حال تبادل المعلومات بين المصارف عن حسابات الزبائن المدينة ، وذلك بقصد مساعدة المصارف على توظيف أموالها على الوجه الاسلم .

5 – لم يخضع القانون مصرف التسليف الزراعي والصناعي والعقاري لأنه أنشيء لغايات اقتصادية خاصة .

نتائج القانون

شكل لبنان منذ مدة طويلة ، بالنظر الى استقراره النسبي والحرية الاقتصادية الواسعة التي يتمتع بها ، خاصة لجهة ادخال رؤوس الاموال الاجنبية واخراجها ، ملجأ لرؤوس الاموال العربية . وهدف المشترع اللبناني من وراء قانون سرية المصارف الى اعطاء ضمانات جديدة لرؤوس الاموال التي ترغب في اللجوء الى لبنان واغراء غيرها على الاقامة فيه . وفي تدفق رؤوس الاموال الاجنبية على لبنان واستقرارها في مصارفه ، منفعة جلى للاقتصاد اللبناني . فذلك يؤدي مبدئياً الى خفض سعر الفائدة التي تتقاضاها المصارف ، مما يؤدي بدوره الى تمكين رجال الاعمال من تموبل مشاريعهم ، سواء كانت تجارية او صناعية او زراعية او عقارية او سياحية . ومما لا شك فيه ان قانون سرية المصارف هذا قد أغرى أصحاب رؤوس الاموال العربية على توجيه رؤوس اموالهم وجهة المصارف اللبنانية . وقد تغذى هذا الاتجاه لكون المصارف السويسرية قد اتفقت في ما بينها ، في المدة الاخيرة ، على تحديد ودائعها بالنظر لفيض الودائع المتدفقة عليها ، فضلاً عن انها لا تعطي ، أي المصارف السويسرية ، أي فائدة على الاموال المودعة لديها ، بل تقوم في بعض الاحيان بفرض عمولة تتقاضاها من المودعين مقابل ايداع أموالهم .

غير ان هذه الفوائد التي يجنيها لبنان ليست بدون ثمن . فقانون سرية المصارف ، بعدم تمكينه موظفي وزارة المال من الاطلاع على سجلات وقيود المبالغ المودعة لدى المصارف ، يؤدي الى انقاص واردات الخزينة من ضريبة الدخل وضريبة انتقال الاموال المنقولة ، خصوصاً وان نصوص القانون تفيد المواطنين اللبنانيين وغيرهم من المواطنين العرب والاجانب على السواء .

لا بد لنا ، قبل ختام هذا البحث من ان نشير الى فقدان التشريع المصرفي في لبنان . فليس هناك من قوانين في لبنان تفرض على المصارف الشروط الضرورية لسير الاعمال المصرفية وسلامتها والتي تهدف الى حماية مصالح الدائنين ، كتأمين السيولة اللازمة في الموجودات المصرفية ورفع تقارير دورية عنها . ولا بد لنا في لبنان من سن هكذا تشريعات لانشاء مصرف مركزي وتنظيم طرق اشرافه على المصارف التجارية ، وذلك حفاظاً على ازدهار البلاد الاقتصادي واستقرارها وضمان تدق سليم للاموال الاجنبية ( وقد تم ذلك بعد انشاء المصرف المركزي ) .

(1) تنص هذه المادة على ما يلي : ” من كان بحكم صفته او وظيفته او مهنته اوفنه على علم بسر وأفشاه من دون سبب شرعي او استعمله لمنفعته الخاصة او لمنفعة آخر ، عوقب بالحبس سنة واحدة على الاكثر وبغرامة لا تتجاوز المئتي ليرة اذا كان العمل من شأنه ان يسبب ضرراً ولومعتوياً .

(2) تنص هذه المواد على ما يلي :

المادة 101 : لا يجوز لأي شخص حقيقي اومعنوي ، حتى ولا للدوائر الرسمية ، الاحتجاج بسر المهنة ، اذا طلب موظفو المالية الاطلاع على المستندات والقيود المتعلقة بفرض ضريبة الدخل .

المادة 103 : يلزم كل شخص حقيقي اومعنوي في لبنان باطلاع موظفي المالية المختصين ، لدى الطلب ، على جميع ما لديه من سجلات ومستندات ومعلومات تساعد على تحديد اسس الضريبة التي قد تتوجب عليه او على غيره من المكلفين.

المادة 121 : يعمل بهذا المرسوم الاشتراعي ابتداء من اول سنة 1960 وتلغى اعتباراً من هذا التاريخ جميع القوانين والمراسيم الاشتراعية والعادية والانظمة المخالفة له ، او التي لا تتفق مع مضمونه ، سواء كانت عامة او خاصة .