ذكر هاشم بن سليمان وبعض أخباره

ذكر هاشم بن سليمان وبعض أخباره

هوهاشم بن سليمان مولى بني أمية، ويكنى أبا العباس، وكان موسى الهادي يسميه أبا الغريض. وهو حسن الصنعة عزيزها، وفيه يقول الشاعر:

يا وحشتي بعدك ياهاشـم

 

غبت فشجوى بك لي دائم

اللهو واللـذة ياهـاشـم

 

مالم تكن حاضره مأتـم

أخبرني علي بن عبد العزيز قال حدثنا عبيد الله بن عبيد الله بن خرداذبه قال: كان موسى الهادي يميل إلى هاشم بن سليمان ويمازحه، ويلقبه أبا الغريض.

وأخبرني الحسين بن يحيى عن حماد قال: بلغني أن هاشم بن سليمان دخل يوماً على موسى الهادي فغناه:

لويرسل الأزل الظـبـا

 

ء ترود ليس لهن قـائد

لتيممـتـك تـدلـهـا

 

رياك للسبل المـوارد

وإذا الرياح تنـكـرت

 

نكبا هواجرها صوارد

فالنـاس سـائلة إلـي

 

ك فصادرا تغني ووارد

الشعر لطريح بن إسماعيل الثقفي، يقوله في الوليد بن يزيد بن عبد الملك. والغناء لهاشم بن سليمان، خفيف ثقيل أول بالبنصر.

فطرب موسى، وكان بين يديه كانون كبير ضخم عليه فحم، فقال له: سلني ما شئت. قال: تملأ لي هذا الكانون. فأمر له بذلك، وفرغ الكانون فوسع ست بدور ، فدفعها إليه.

وقد أخبرني بهذا الخبر الحسن بن علي قال حدثنا ابن مهرويه قال: حدثنا عبد الله بي أبي سعد، عن أبي توبة، عن هاشم بن سليمان قال: أصبح موسى أمير المؤمنين يوماً وعنده جماعة منا، فقال: ياهاشم غنني:

أبهار قد هيجت لي أوجاعا

فإن أصبت مرادي فيه فلك حاجة مقضية. فغنيته فقال: قد أصبت واحسنت سل حاجتك. فقال: يا أمير المؤمنين تأمر أن يملأ هذا الكانون دراهم. قال: وبين يديه كانون عظيم، فأمر به فملئ فوسع ثلاثين ألف درهم، فلما حصلتها قال: يا ناقص الهمة، والله لو سألتني أن أملأه دنانير لفعلت. فقلت: أقلني يا أمير المؤمنين فقال: لاسبيل إلى ذلك فلم يسعدك الجد به.

أبهار قد هيجت لي أوجـاعـا

 

وتركتني عبداً لكم مطـواعـا

بحديثك الحسن الذي لو كلمـت

 

وحش الفلاة به لجئن سراعـا

وإذا مررت على البهار منضدا

 

في الشوق هيج لي إليك نزاعا

والله لو علم البهـار بـأنـهـا

 

أضحت سمية لصار ذراعـا

الغناء لهاشم، ثاني ثقيل بالبنصرعن عمرو، وفيه ثقيل أول بالبنصر، ينسب إلى إبراهيم الموصلي، وإلى يحيى المكي، وإلى إسحاق.

أخبرني أحمد بن عبد العزيز وإسماعيل بن يونس قالا: حدثنا عمر بن شبة قال حدثني بعض أصحابنا قال: كنا في منزل محمد بن إسماعيل بن علي بن عبد الله بن عباس، وكان عالماً بالغناء والفقه جميعاً، وقد كان يحيى بن أكثم وصفه للمأمون بالفقه، ووصفه أحمد بن يوسف بالعلم بالغناء فقال المأمون: ما أعجب ما اجتمع فيه: العلم بالفقه، والغناء! فكتبت إلى إسحاق بن إبراهيم الموصلي أن يتحول إلينا وكان في جوارنا، وعندنا يومئذ محمد بن أيوب بن جعفر بن سليمان، وذكاء وصغير غلاما أحمد بن يوسف الكاتب، فكتب إلينا إسحاق: جعلت فداءكم، قد أخذت دواءً، فإذا خرجت منه حملت قدري وصرت إليكم. وكتب في أسفل كتابه:

أنا شماطيط الذي حدثت به

 

متى أنبه للغداء أنتـبـه

ثم أدور حوله وأحتـبـه

 

حتى يقال شره ولست به

ثم جاءنا ومعه بديح غلامه، فتغدينا وشربنا، فغنى ذكاء غلام أحمد بن يوسف:

أبهار قد هيجت لي أوجاعا

فسأله إسحاق أن يعيده فأعاده مراراً، ثم قال له: ممن أخذت هذا؟ فقال: من معاذ بن الطبيب. قال: والصنعة فيه له. فقال له إسحاق: أحب أن تلقيه على بديح. ففعل. فلما صليت العشاء انصرف ذكاء، وقعد أبو جعفر يشرب-يعني مولاه -وعنده قوم، وتخلف صغير فغنانا، فقال له إسحاق: أنت والله ياغلام ماخوري. وسكر محمد بن إسماعيل في آخر النهار فغنانا:

دعوني أغص إذا ما بدت

 

وأملك طرفي فلا أنظر

فقال إسحاق لمحمد بن الحسن: آجرك الله في ابن عمك! أي قد سكر فأقدم على الغناء بحضرتي.

هبوني أغض إذا ما بـدت

 

وأملك طرفي فلا أنظـر

فكيف احتيالي إذا ما الدموع

 

نطقن فبحن بما أضـمـر

أيا من سروري به شقـوة

 

ومن صفو عيشي به أكدر

أمني تخاف انتشار الحديث

 

وحظي في ستـره أوفـر

ولو لم أصنه لبقيا عـلـيك

 

نظرت لنفسي كما تنظـر

الشعر للعباس بن الأحنف، والغناء للزبير بن دحمان، ثقيل أول بالوسطى عن عمرو في الأبيات الثلاثة الأول. وفيها لعمرو بن بانة ماخوري. وفي:

أيا من سروري به شقوة

لسليم هزج. وفيه ثاني ثقيل ينسب إلى حسين بن محرز، وإلى عباس منار.

هذا أوان الشد فاشتـدي زيم

 

قد لفها الليل بسواق حطـم

ليس براعي إبل ولا غـنـم

 

ولا بجزار على ظهر وضم

عروضه من الرجز. الشعر لرشيد بن رميض العنزي يقوله في الحطم، وهو شريح بن ضبيعة، وأمه هند بنت حسان بن عمرو بن مرثد، والغناء ليزيد حوراء، خفيف ثقيل أول بالبنصر، وفيه خفيف رمل يقال إنه لأحمد المكي.

قال أبو عبيدة: كان شريح بن ضبيعة غزا اليمن في جموع جمعها من ربيعة، فغنم وسبى بعد حرب كانت بينه وبين كندة، أسر فيها فرعان بن مهدي بن معد يكرب عم الأشعث بن قيس، وأخذ على طريق مفازة فضل بهم دليلهم ثم هرب منهم ومات فرعان في أيديهم عطشا، وهلك منهم ناس كثير بالعطش. وجعل الحطم يسوق بأصحابه سوقاً عنيفاً . حتى نجوا ووردوا الماء. فقال فيه رشيد:

هذا أوان الشد فاشتدي زيم

 

ليس براعي إبل ولا غنـم

ولا بجزار على ظهر وضم

 

نام الحداة وابن هند لم ينـم

باتت بقاسيها غلام كالزلـم

 

خدلمج الساقين خفاق القدم

قد لفها الليل بسواق حطم

 

 

فلقب يومئذ الحطم لقول رشيدٍ هذا فيه.

وأدرك الحطم الإسلام فأسلم، ثم ارتد بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

حدثنا محمد بن جرير الطبري قال حدثنا عبد الله بن سعد الزهري قال أخبرنا عمي يعقوب قال: أخبرني سيف قال: خرج العلاء بن الحضرمي نحو البحرين، وكان من حديث البحرين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما مات ارتدوا ففاءت عبد القيس منهم، وأما بكر فتمت على ردتها. وكان الذي ثنى عبد القيس الجارود بن المعلى.

فذكر سيف عن إسماعيل بن مسلم عن الحسن بن أبي الحسن قال: قدم الجارود بن المعلى على النبي صلى الله عليه وسلم مرتاداً، وقال: أسلم يا جارود. فقال: إن لي دنيا. فقال له النبي صالى الله عليه وسلم:” إن دينك يا جارود ليس بشيء، وليس بدين.” فقال له الجارود: فإن أنا أسلمت فما كان من تبعة في الإسلام فعليك؟ قال: نعم . فأسام وأقام بالمدينة حتى فقه. حدثنا محمد بن جرير قال حدثنا محمد بن حميد، قال: حدثنا سلمة بن الفضل عن أبي إسحاق قال: اجتمعت ربيعة بالبحيرن، فقالوا: ردوا الملك في آل المنذر، فملكوا المنذر بن النعمان بن المنذر، وكان يسمى الغرور، ثم أسلم بعد ذلك وقال: لست بالغرور ولكني المغرور.

حدثنا محمد بن جرير قال: حدثنا عبد الله بن سعد قال: أخبرني عمي قال أخبرني عمي قال أخبرنا سيف عن إسماعيل بن مسلم عن عمير بن فلان العبدي قال: لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج الحطم بن ضبيعة، في بني قيس بن ثعلبة ومن اتبعه من بكر بن وائل على الردة، ومن تأشب إليه من غير المتدين ممن لم يزل كافراً، حتى نزل القطيف وهجر، واستغوى الخط و من كان بهما من الزط والسيابجة، وبعث بعثاً إلى دارين فأقا موا له ليجعل عبد القيس بينهم وبينه، وكانوا مخالفين له يمدون المنذر و المسلمين، وأرسل إلى الغرور بن سويد بن المنذر بن أخي النعمان بن المنذر، فقال له: اثبت فإني إن ظفرت ملكتك البحرين، حتى تكون كالنعمان بالحيرة. وبعث إلى رواثا وقيل إلى جؤاثا، فحاصهم وألح عليهم، فاشتد الحصار على المحصورين من المسلمين، وفيهم رجل من صالحي المسلمين يقال له عبد الله بن حذف، أحد بني أبي بكر بن كلاب، فاشتد عليه وعليهم الجوع حتى كادوا يهلكون، فقال عبد الله بن حذف:

ألا أبلغ أبـا بـكـر رسـولاً

 

وفتيان المدينة أجـمـعـينـا

فهل لكـم إلـى قـوم كـرام

 

قعود في جؤاثا محصـرينـا

كأن دماءهم فـي كـل فـج

 

شعاع الشمس يعشى الناظرينا

توكلنا على الـرحـمـن إنـا

 

وجدنا النصر للمتوكـلـينـا

حدثني محمد بن جرير قال كتب إلى السري بن يحيى عن شعيب بن إبراهيم، عن سيف بن عمر، عن الصقعب بن عطية بن بلال، عن سهم بن منجاب، عن منجاب ابن راشد قال: بعث أبو بكر العلاء بن الحضرمي على قتال أهل الردة بالبحرين، فتلاحق به من لم يرتد من المسلمين ، وسلك بنا الدهناء حتى إذا كنا في بحبوحتها أراد الله عز وجل أن يرينا آية، فنزل العلاء وأمر الناس بالنزول ، فنفرت الإبل في جوف الليل، فما بقي بعير ولا زاد ولا مزاد ولا بناء-يعني الخيم قبل أن يحطوا-فما علمت جمعاً هجم عليه من الغم ما هجم علينا، وأوصى بعضنا إلى بعض، ونادى منادي العلاء: اجتمعوا. فاجتمعنا إليه فقال: ما هذا الذي ظهر فيكم وغلب عليكم؟ فقال الناس: وكيف نلام ونحن إن بلغنا غداً لم تحم شمسه حتى نصير حديثاً. فقال: أيها الناس، لاتراعوا، أستم مسلمين؟ ألستم في سبيل الله؟ أستم أنصار الله؟ قالوا: بلى قال: فأبشروا، فوالله لايخذل الله تبارك وتعالى من كان في مثل حالكم. ونادى المنادي بصلاة الصبح حين طلع الفجر، فصلى بنا ومنا المتيمم ومنا من لم يزل على طهوره، فلما قضى صلاته جثا لركبتيه، وجثا الناس معه، فنصب في الدعاء ونصبوا فلمع لهم سراب فأقبل على الدعاء، ثم لمع لهم آخر كذلك فقال الرائد: ماء. فقام وقام الناس فمشينا حتى نزلنا عليه فشربنا واغتسلنا، فما تعالى النهار حتى أقبلت الإبل من كل وجه وأناخت إلينا، فقام كل رجل إلى ظهره فأخذه، فما فقدنا سلكا ، فأرويناها العلل بعد النهل وتروحنا. وكان أبو هريرة رفيقي، فلما غبنا عن ذلك المكان قال لي: كيف علمك بموضع ذلك الماء؟ فقلت: أنا أهدى الناس بهذه البلاد. قال: فكر معي حتى تقيمني عليه. فكررت به فأنخت على ذلك المكان بعينه، فإذا هو لا غدير به، ولا أثر للماء، فقلت له: والله لولا أني لا أرى الغدير لأخبرتك أن هذا هو المكان، وما رأيت بهذا المكان ماء قبل ذلك . فنظر أبو هريرة فإذا إداوة مملوءة فقال: يا سهم، هذا والله المكان ولهذا رجعت ورجعت بك. وملأت إداوتي هذه ثم وضعتها على شفير الوادي فقلت: إن كان منا من المن وكانت آية عرفتها، وإن كان غياثاً عرفته. فإذا من من المن وحمدت الله جل وعز. ثم سرنا حتى نزلنا هجر فأرسل العلاء إلى الجارود ورجل آخر: أن انضما في عبد القيس حتى تنزلا على الحطم مما يليكما. وخرج هو فيمن معه وفيمن قد عليه جتى ينزل مما يلي هجر. وتجمع المسلمون كلهم إلى العلاء بن الحضرمي، ثم خندق المسلمون والمشركون فكانوا يتراوحون القتال ويرجعون إلى خندقهم، فكانوا كذلك شهراً. فبينا الناس ليلة كذلك إذسمع المسلمون في عسكر المشركين ضوضاء شديدة، فكأنها ضوضاء هزيمة فقال العلاء: من يأتينا بخير القوم؟ فقال عبد الله بن حذف: أنا آتيكم بخير القوم-وكانت أمه عجيلة-فخرج حتى إذا دنا من خندقهم أخذوه فقالوا له: من أنت؟ فانتسب لهم وجعل ينادي يا أبجراه! فجاء أبجر بن بجير فعرفه فقال: ما شأنك؟ فقال لا أضيعن الليلة بين اللهازم، علام أقتل وحولي عساكر من عجل وتيم اللات وعنزة وقيس، أيتلاعب بي الحطم ونزاع القبائل وأنتم شهود! فتخلصه وقال: والله إني لأظنك بئس ابن الأخت لأخوالك الليلة. قال: دعني من هذا وأطعمني، فقد مت جوعاً. فقرب إليه طعاماً فأكل. ثم قال: زودني واحملني وجوزني انطلق إلى طيتي. ويقول ذلك لرجل قد علب عليه الشراب، ففعل وحمله على بعير وزوده وجوزه. وخرج عبد الله حتى دخل عسكر المسلمين، فأخبرهم أن القوم سكارى، فخرج القوم عليهم حتى اقتحموا عسكرهم فوضعوا فيهم السيوف حيث شاءوا، واقتحمو الخندق هرابا، فمترد، وناج، ودهش، ومقتول، ومأسور. واستولى المسلمون على مافي العسكر، ولم يفلت رجل إلا بما عليه. فاما أبجر فأفلت، وأما الحطم فإنه بعل ودهش وطار فؤاده ، فقام إلى فرسه والمسلمون خلالهم يجرسونهم ليركبه، فلما وضع رجله في الركاب انقطع، فمر به عفيف بن المنذر أحد بني عمرو بن تميم، والحطم يستغيث ويقول: ألا رجلك أعقلك. فأعطاه رجله يعقلها فنفحها فأطنها من الفخذ وتركه، فقال: أجهز علي. فقال: إني لأحب أن لاتموت حتى أمضك. وكان مع عفيف عدة من ولد أبيه فأصيبوا ليلتئذ، وجعل الحطم يقول ذلك لمن لا يعرفه حتى مر به قيس بن عاصم فقال له ذلك فعرفه، فمال عليه فقتله ، فلما رأى فخذه نادرة فال: واسوأتاه! لو عرفت الذي به لم أحركه. وخرج المسلمون، بعد ما أحرزوا الخندق، على القوم يطلبونهم، فاتبعوهم فلحق قيس بن عاصم أبجر، وكان فرس أبجر أقوى من فرس قيس، فلما خشي أن يفوته طعنه في العرقوب فقطع العصب وسلم النسا. فقال عفيف بن المنذر في ذلك:

فإن يرقأ العرقوب لا يرقأ النسا

 

وما كل من تلقى بذلك عالـم

ألم ترأنا قد فللنا حـمـاتـهـم

 

بأسرة عمرو والرباب الأكارم

وأسر عفيف بن المنذر، الغرور بن اخي النعمان بن المنذر، فلمته الرباب فيه وكان ابن أختهم وسالوه أن يجيره، فجاء به إلى العلاء قال: إني أجرته. قال: ومن هو؟ قال: الغرور. قال العلاء: انت غررت هؤلاء؟ قال: أيها الملك أني لست بالغرور، ولكني المغرور. قال: أسلم. فأسلم وبقي بهجر. وكان الغرور اسمه، ليس بلقب. وقل العفيف أيضاً المنذر بن سويد أخا الغرور لأمه، وكان له يومئذ بلاء عظيم فأصبح العلاء يقسم الأنفال، ونفل رجالاً من أهل البلاء قياباً، فكان فيمن نفل عفيف بن المنذر، وقيس بن عاصم، وثمامة بن أثال. فأما ثمامة فنفلثياباً فيها خميصة ذات أعلام ، وكان الحطم يباهي فيها. وباع الباقي، وهرب الفل إلى دارين فركبوا إليها السفن، فجمعهم الله عز وجل بها، وندب العلاء الناس إلى دارين، وخطبهم فقال: إن الله عز وجل قد جمع لكم أحزاب السيطان، وشذاذ الحرب في هذا اليوم ، وقد أراكم من آياته في البر لتعتبروا بها في البحر، فانهضوا إلى عدوكم ثم استعرضوا البحر إليهم، فإن الله جل وعز قد جمعهم به. فقالوا: نفعل ولا نهاب والله بعد الدهناء هولاً ما بقينا! فارتحل وارتحلوا حتى أتى ساحل البحر فاقتحموا على الخيل، هم والحمولة والإبل وابغال، الراكب والرجل ، ودعا ودعوا، وكان دعاؤه و دعائهم: با أرحم الراحمين، ياكريم يا حليم، يا صمد يا حي يا محيي الموتى، يا حي يا قيوم، لا إله إلا أنت يا ربنا فأجازوا ذلك الخليج بإذن الله، يمشون على مثل رملة ميثاء فوقها ماء يغمر أخفاف الإبل، وبين الساحل ودارين مسيرة يوم وليلة لسفن البحر. ووصل المسلمون إليها فما تركوا من المشركين بها مخبراً ، وسبوا الذراري، واستاقوا الأموال، فبلغ من ذلك نفل الفارس من المسلمين ستة آلاف، والراجل ألفين. فلما فرغوا رجعوا عودهم على بدئهم، وفي ذلك يقول عفيف:

ألم تر أن اللـه ذلـل بـحـره

 

وأنزل بالكفار إحدى الجـلائل

دعونا الذي شق البحار فجاءنـا

 

بأعجب من شق البحار الأوائل

وأقفل العلاء الناس إلا من أحب المقام، فاختار ثمامة بن أثال الذي نفله العلاء خميصة الحطم حين نزل على ماء لبني قيس بن ثعلبة، فلما رأوه عرفوا الخميصة فبعثوا أليه رجلاً فسألوه: أهو الذي قتل الحطم؟ فقال: لا، ولوددت أنى قتلته. قال: فأنى لك حلته؟ قال: نفلتها. قالوا: وهل ينفل إلا القاتل. قال: إنها لم تكن عليه إنما كانت في رحله. قالوا: كذبت. فقتلوه، وكان بهجر راهب فأسلم فقيل له: ما دعاك إلى الإسلام فقال: ثلاثة أشياء خشيت أن يمسخني الله بعدها إن انا لم افعل: فيض في الرمال، وتمهيد أثباج البحور، ودعاء سمعته في عسكرهم في الهواء من السحر. قالوا: وما هو؟ قال: ” اللهم إنك أنت الرحمن الرحيم، لا إله غيرك، والبديع ليس قبلك شيء، والدائم غير الغافل، والحي الذي لايموت، وخالق مايرى ومالا يرى، وكل يوم أنت في شأن، وعلمت اللهم كل شيء بغير تعليم” . فعلمت أن القوم لم يعاونوا بالملائكة إلا وهم على امر الله جل وعز فلقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمعون هذا من ذلك الهجري بعد.

يا خليلي من ملام دعانـي

 

وألما الغداة بالأظـعـان

لاتلوما في آل زينب إن ال

 

قلب رهن بآل زينب عان

الشعر لعمر بن أبي ربيعة، والغناء للغريض، خفيف رمل بالبنصر. وهذا الشعر يقوله في زينب بنت موسى، أخت قدامة بن موسى الجمحي.

أخبرني حرمي بن أبي العلاء قال: حدثنا الزبير بن بكار قال: حدثني عبد الملك بن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة، قال: حدثني قدامة بن موسى قال: خرجت بأختي زينب بنت موسى إلى العمرة، فلما كنت بسرف لقيني عمر بن أبي ربيعة على فرس فسلم علي، فقلت: إني أراك متوجها يا أبا الخطاب؟ قال: ذكرت لي امرأة من قومي برزة الجمال ، فأردت الحديث معها. قلت: أما علمت أنها أختي؟ قال:لا والله. واستحيا وثنى عنق فرسه راجعاً إلى مكة.

أخبرني حرمي قال حدثني الزبير: قال حدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد العزيز الزهري قال: نسب ابن أبي ربيعة بزينب بنت موسى الجمحي، أخت قدامة بن موسى، فقال:

يا خليلي من ملام دعاني

وذكر البيتين وبعدهما:

لم تدع للنساء عندي نصـياً

 

غير ما قلت مازحاً بلساني

فقال له ابن أبي عتيق: أما قلبك فمغيب عنا، وأما لسانك فشاهد عليك.
أخبرني الحرمي قال: حدثني الزبير قال: قال عبد الرحمن بن عبيد الله بن عبد العزيز الزهري: لما نسب عمر بن أبي ربيعة بزينب قال:

لم تدع لنساء عندي نصيبـاً

 

غير ما قلت مازحاً بلساني

قال له ابن أبي عتيق: رضيت لهما بالمودة، وللنساء بالدهفشة .

قال: والدهفشة: التجميش والخديعة بالشيء اليسير.

أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال: حدثنا الزبير قال: أخبرني مثل ذلك عبد الملك بن عبد العزيز، عن يوسف بن الماجشون قال: فبلغ ذلك أبا وداعة السهمي فأنكره، فقيل لابن أبي عيتق: لأبو وداعة قد اعترض لعمر بن أبي ربيعة دون زينب بنت موسى الجمحي وقال: لا أقر له أن يذكر في الشعر امرأة من بينر هصيص. فقال ابن ابي عتيق: لا تلوموا أبا وداعة أن ينعظ من سمر قند على أهل عدن.
قال عبد الملك: وفيها يقول أيضاً عمر:

طال عن آل زينب الإعـراض

 

للتعزي وما بـنـا الإبـغـاض

ووليداً قد كان علقـهـا الـقـل

 

ب إلى أن علا الرءوس البياض

حبلها عندنا متـين وحـبـلـي

 

عندها واهن القوى أنـقـاض

غناه ابن محرز رمل بالبنصر عن حبش. وفيها يقول أيضاً:

أيها الكاشـح الـمـعـير بـالـصـر

 

م ترحزح فمـا بـهـا الـهـجـران

لامـطـاع فـي آل زينـب فـارجـع

 

أو تكـلـم حـتـى يمـل الـلـسـان

فاجعل الليل مـوعـداً حـين يمـسـي

 

ويعـفـي حـديثـنـا الـكـتـمـان

كيف صبري عن بعض نفسي وهل يص

 

بر عن بـعـض نـفـسـه إنـسـان

ولقد أشـهـد الـمـحـدث عـنـد ال

 

قصـر فـيه تـعـفــف وبـــيان

في زمـان مـن الـمـعـيشة لـــذ

 

قد مضـى عـصـره وهـذا زمـان

عروضه من الخفيف، غناه ابن سريج، ولحنه رمل بالوسطى من نسخة عمرو بن بانة الثانية، ووافقته دنانير. وذكر يونس أن فيه لابن محرز ولابن عباد الكاتب لحنين، ولم يجنسهما. وأول لحن عباد: لا مطاع في آل زينب، وأول لحن ابن محرز: ولقد أشهد المحدث.

قال: وفيها يقول أيضاً:

أحدث نفسـي والأحـاديث جـمة

 

وأكبر همي والأحـاديث زينـب

إذا طلعت شمس النهار ذكرتهـا

 

وأحدث ذكراها إذا الشمس تغرب

ذكر حماد عن أبيه أن فيه للهذلي لحناً لم ينسبه.

يا نصـب عـينـي لا أرى

 

حيث التفت سـواك شـيا

إنـي لـمـيت إن صـدد

 

ت وإن وصلت رجعت حيا

الشعر لعلي بن أديم الجعفي الكوفي، والغناء لعمرو بن بانة، رمل بالوسطى.