ذكر نصيب وأخباره

ذكر نصيب وأخباره

نسب نصيب ونشأته

هو نصيب بن رباح، مولى عبد العزيز بن مروان، وكان لبعض العرب من بني كنانة السكان بودان، فاشتراه بعد العزيز منهم، وقيل: بل كانوا أعتقوه، فاشترى عبد العزيز ولاءه منهم، وقيل: بل كاتب مواليه، فأدى عنه مكاتبته.

وقال ابن دأبٍ: كان نصيبٌ من قضاعة ثم من بليٍّ. وكانت أمه سوداء فوقع عليها سيدها فحبلت بنصيبٍ، فوثب عليه عمه بعد وفاة أبيه فباعه من عبد العزيز.

وقال أبو اليقظان: كان أبوه من كنانة من بني ضمرة. وكان شاعراً فحلاً فصيحاً مقدماً في النسيب والمديح، ولم يكن له حظٌ في الهجاء، وكان عفيفاً، وكا يقال: أنه لم ينسب قط إلا بامرأته.

أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال: كتب إلي عبد الله بن عبد العزيز بن محجن بن نصيبٍ بن رباح يذكر عن عمته غرضة بنت النصيب: أن النصيب كان ابن نوبيين سبيين كانا لخزاعة، ثم اشترت سلامة أم نصيب امرأةٌ من خزاعة ضمريةٌ حاملاً بالنصيب، فأعتقت ما في بطنها.

أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن محمد بن كناسة قال: كان نصيبٌ من أهل ودان عبداً لرجلٍ من كنانة هو وأهل بيته. وكان أهل البادية يدعونه النصيب تفخيماً له، ويروون شعره. وكان عفيفاً كبير النفس مقدماً عند الملوك، يجيد مديحهم ومراثيهم.

أخبرني الحسين عن حماد عن أبيه عن ابن الكلبي قال: كان نصيب من بلي بن عمرو بن الحاف بن قضاعة. وكانت أمه أمةً سوداء، وقع عليها أبوه فحملت ثم مات، فباعه عمه أخو أبيه من عبد العزيز بن مروان.

مبدأ قوله الشعر واتصاله بعبد العزيز

 ابن مروان بمصر

قال حماد وأخبرني أبي عن أيوب بن عبابة، وأخبرنا الحرمي عن الزبير عن عمه وعن إسحاق بن إبراهيم جيمعاً عن أيوب بن عبابة قال حدثني رجلٌ من خزاعة من أهل كلية – وهي قريةٌ كان فيها النصيب وكثير – قال: بلغني أن النصيب قال: قلت الشعر وأنا شابٌ فأعجبني قولي، فجعلت آتي مشيخةً من بني ضمرة بن بكر بن عبد مناة – وهم موالي النصيب – ومشيخةً من خزاعة، فأنشدهم القصيدة من شعري، ثم أنسبها إلى بعض شعرائهم الماضين، فيقولون: أحسن والله! هكذا يكون الكلام! وهكذا يكون الشعر! فلما سمعت ذلك منهم علمت أني محسنٌ، فأزمعوا وأزمعت الخروج إلى عبد العزيز بن مروان، وهو يومئذٍ بمصر، فقلت لأختي أمامة وكانت عاقلةً جلدةً: أي أخية، إني قد قلت شعراً، وأنا أريد عبد العزيز بن مروان، وأرجو أن يعتقك الله عز وجل به وأمك، ومن كان مرقوقاً من أهل قرابتي. قالت: إنا لله وإنا إليه راجعون! يابن أم، أتجتمع عليك الخصلتان: السواد، وأن تكون ضحكةً للناس! قال: قلت فاسمعي، فأنشدتها فسمعت، فقالت: بأبي أنت! أحسنت والله! في هذا والله رجاءٌ عظيمٌ، فاخرج على بركة الله. فخرجت على قعودٍ لي حتى قدمت المدينة، فوجدت بها الفرزدق في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعرجت إليه فقلت: أنشده واستنشده وأعرض عليه شعري. فأنشدته، فقال لي: ويلك! أهذا شعرك الذي تطلب به الملوك؟ قلت: نعم. قال: فلست في شيء. إن استطعت أن تكتم هذا على نفسك فافعل. فانفضخت عرقاً، فحصبني رجلٌ من قريشٍ كان قريباً من الفرزدق، وقد سمع إنشادي وسمع ما قال لي الفرزدق، فأومأ إلي فقمت إليه. فقال: ويحك! أهذا شعرك الذي أنشثدته الفرزدق؟ قلت: نعم. فقال: قد والله أصبت، والله لئن كان هذا الفرزدق شاعراً لقد حسدك، فإنا لنعرف محاسن الشعر، فامض لوجهك ولا يكسرنك. قال: فسرني قوله، وعلمت أنه قد صدقني فيما قال، فاعتزمت على المضي. قال: فمضيت فقدمت مصر، وبها عبد العزيز بن مروان، فحضرت بابه مع الناس، فنحيت عن مجلس الوجوه، فكنت وراءهم، ورأيت رجلاً جاء على بغلةٍ حسن الشارة سهل المدخل، يؤذن له إذا جاء. فلما انصرف إلى منزله انصرفت معه أماشي بغلته. فلما رآني قال: ألك حاجةٌ؟ قلت: نعم، أنا رجلٌ من أهل الحجاز شاعرٌ، وقد مدحت الأمير وخرجت إليه راجياً معروفه. وقد ازدريت فطردت من الباب ونحيت عن الوجوه. قال: فأنشدني، فأنشدته. فأعجبه شعري، فقال: ويحك! أهذا شعرك؟ فإياك أن تنتحل، فإن الأمير روايةٌ عالمٌ بالشعر وعنده رواةٌ، فلا تفضحني ونفسك. فقلت: والله ما هو إلا شعري. فقال: ويحك! فقل ابياتاً تذكر فيها حوف مصر وفضلها على غيرها، والقني بها غداً. فغدوت عليه من غدٍ فأنشدته قولي:

سرى الهم تثنيني إليك طـلائعـه

 

بمصر وبالحوف اعترتني روائعه

وبات وسادي ساعدٌ قل لـحـمـه

 

عن العظم حتى كاد تبدو أشاجعه

 

قال: وذكرت فيها الغيث فقلت:

وكم دون ذاك العارض البارق الذي

 

له اشتقت من وجهٍ أسيل مدامعـه

تمشى به أفناء بـكـرٍ ومـذحـجٍ

 

وأفناء عمرٍو وهو خصبٌ مرابعه

فكل مسيلٍ مـن تـهـامة طـيبٌ

 

دميث الربا تسقي البحار دوافعـه

أعني على برقٍ أريك ومـيضـه

 

تضىء دجنات الظلام لوامـعـه

إذا اكتحلت عينا محـب بـضـوئه

 

تجافت به حتى الصباح مضاجعه

هنيئاً لأم البخـتـري الـروي بـه

 

وإن أنهج الحبل الذي أنا قاطعـه

وما زلت حتى قلت إني لخـالـعٌ

 

ولائي من مولى نمتني قوارعـه

ومانح قومٍ أنت منـهـم مـودتـي

 

ومتخذٌ مولاك مولىً فـتـابـعـه

نصيب وأيمن بن خريم الأسدي

فقال: أنت والله شاعرٌ! احضر بالباب حتى أذكرك للأمير. قال: فجلست على الباب ودخل، فما ظننت أنه أمكنه أن يذكرني حتى دعي بي. فدخلت فسلمت على عبد العزيز، فصعد في بصره وصوب، ثم قال: أنت شاعرٌ؟ ويلك!. قلت: نعم، أيها الأمير. قال: فأنشدني. فأنشدته، فأعجبه شعري. وجاء الحاجب فقال: أيها الأمير، هذا أيمن بن خريم الأسدي بالباب. قال: ائذن له، فدخل فاطمأن. فقال له الأمير: يا أيمن بن خريم، كم ترى ثمن هذا العبد؟ فنظر إلي فقال: والله لنعم الغادي في أثر المخاض، هذا أيها الأمير أرى ثمنه مائة دينار. قال: فإن له شعراً وفصاحةً. فقال لي أيمن: أتقول الشعر؟ قلت: نعم. قال: قيمته ثلاثون ديناراً. قال: يا أيمن، أرفعه وتخفضه أنت! قال: لكونه أحمق أيها الأمير! ما لهذا وللشعر! أمثل هذا يقول الشعر! أو يحسن شعراً! فقال: أنشده يا نصيب، فأنشدته. فقال له عبد العزيز: كيف تسمع يا أيمن؟ قال: شعر أسود، هو أشعر أهل جلدته. قال: هو والله أشعر منك. قال: أمني أيها الأمير؟ قال: إي والله منك. قال: والله أيها الأمير، إنك لملولٌ طرفٌ. قال: كذبت والله ما أنا كذلك! ولو كنت كذلك ما صبرت عليك! تنازعني التحية وتؤاكلني الطعام وتتكىء على وسائدي وفرشي وبك ما بك! – يعني وضحاً كان بأيمن – قال: ائذن لي “أن” أخرج إلى بشرٍ بالعراق. واحملني على البريد. قال: قد أذنت لك، وأمر به فحمل على البريد إلى بشرٍ. فقال: أيمن بن خريم:

ركبت من المقطم في جمادى

 

إلى بشر بن مروان البـريدا

ولو أعطاك بشرٌ ألف ألـفٍ

 

رأى حقاً عـلـيه أن يزيدا

أمير المؤمنين أقم بـبـشـرٍ

 

عمود الحق إن له عمـودا

ودع بشراً يقومهـم ويحـدث

 

لأهل الزيع إسلاماً جـديدا

كأن التاج تاج بني هـرقـلٍ

 

جلوه لأعظـم الأيام عـيدا

عل ديباج خدي وجه بـشـرٍ

 

إذا الألوان خالفت الخـدودا

قال أيوب يعني بقوله:

إذا الألوان خالفت الخدودا

أنه عرض بكلفٍ كان في وجه عبد العزيز -.

وأعقب مدحتي سرجاً مليحاً

 

وأبيض جوزجانياً عقـودا

وإنا قد وجدنـا أم بـشـرٍ

 

كأم الأسد مذكاراً ولـودا

قال: فأعطاه بشرٌ مائة ألف درهمٍ.

أول من نوه باسم نصيب لعبد العزيز

أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني عبد الرحمن بن عبد الله الزهري عن عبد الله بن عمران بن أبي فروة قال: أول من نوه باسم نصيب وقدم به على عبد العزيز بن مروان عبد الله بن أبي فروة، قدم به عليه وهو وصيفٌ حين بلغ وأول ما قال الشعر. قال: أصلح الله الأمير! جئتك بوصيفٍ نوبي يقول الشعر – وكان نصيب ابن نوبيين – فأدخله عليه، فأعجبه شعره، وكان معه أيمن بن خريم الأسدي. فقال عبد العزيز: إذا دعوت بالغداء فأدخلوه علي في جبة صوفٍ محتزماً بعقال، فإذا قلت قوموه فقوموه وأخرجوه وردوه علي في جبةٍ وشيٍ ورداء وشيٍ. فلما جلس للغداء ومعه أيمن بن خريم أدخل نصيبٌ في جبة صوفٍ محتزماً بعقالٍ، فقال: قوموا هذا الغلام. فقالوا: عشرةٌ، عشرون، ثلاثون ديناراً. فقال: ردوه، فأخرجوه ثم ردوه في جبة وشيٍ ورداء وشيٍ. فقال: أنشدنا، فأنشدهم. فقال: قوموه، قالوا: ألف دينارٍ. فقال أيمن: والله ما كان قط أقل في عيني منه الآن، وإ، لنعم راعي المخاض. فقال له: فكيف شعره؟ قال: هو أشعر أهل جلدته. فقال له عبد العزيز: وهو والله أشعر منك. قال: أمني أيها الأمير؟ قال أيمن: إنك لملولٌ طرفٌ. فقال له: والله ما أنا بملولٍ وأنا أنازعك الطعام منذ كذا وكذا، تضع يدك حيث أضعها وتلتقي يدك مع يدي على مائدة، كل ذلك أحتملك! – وكان بأيمن بياضٌ – فقال له أيمن: ائذن لي أخرج إلى بشرٍ. فأذن له فخرج، وقال أبياته التي أولها:

ركبت من المقطم في جمادى

وقد مضت الأبيات. قال: فلما جاز بعبد الملك بن مروان، قال: أين تريد؟ قال أريد أخاك بشراً. قال: أتجوزني؟! قال: إي والله أجوزك إلى من قدم إلي وطلبني. قال: فلم فارقت صاحبك؟ قال: رأيتكم يا بني مروان، تتخذون للفتى من فتيانكم مؤدبا، وشيخكم والله محتاجٌ إلى خمسة مؤدبين. فسر ذلك عبد الملك، وكان عازماً على أن يخلعه ويعقد لابنه الوليد.

ابتاعه عبد العزيز وأعتقه وقيل: أعتقته امرأة من ضمرة أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة قال: يقال: إن نصيباً أضل إبلاً فخرج في بغائها فلم يصبها، وخاف مواليه أن يرجع إليهم، فأتى عبد العزيز بن مروان فمدحه وذكر له قصته، فأخلف عليه ما ضل لمواليه وابتاعه وأعتقه.

أخبرنا الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثنا عبد الله بن إبراهيم الهلالي ثم الدوسي قال: أراد النصيب الخروج إلى عبد العزيز بن مروان، وهو عبدٌ لبني محرزٍ الضمري، فقالت أمه له: إنك سترقد ويأخذك ابن محرزٍ يذهب بك، فذهب ولم يبال بقولها. حتى إذا كان بمكان ماءٍ يعرف بالدو، فبينا هو راقدٌ إذ هجم عليه ابن محرزٍ، فقال حين رآه:

إني لأخشى من قلاص ابن محرزٍ

 

إذا وخدت بالدو وخد الـنـعـائم

يرعن بطـين الـقـوم أية روعةٍ

 

ضحيا إذا استقبلنـه غـير نـائم

فأطلقوه، فرجع فأتى أمه فقالت: أخبرتك يا بني أنه ليس عندك أن تعجز القوم. فإن كنت يا بني قد غلبتني أنك ذاهبٌ فخذ بنت الفلانة، فإني رأيتها وطئت أفحوص بيضات قطاةٍ فلم تفلقهن فركبها، فهي التي بلغته ابن مروان.

قال أبو عبد الله بن الزبير: عندنا أن التي أعتقته امرأةٌ من بني ضمرة ثم من بني حنبل.

أول اتصال نصيب بعبد العزيز حدثنا محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا الخليل بن أسد قال حدثنا عبد الله بن صالح بن مسلم قال حدثنا كليب بن إسماعيل مولى بني أمية وكان حدثاً “أي حسن الحديث” قال: بلغني أن نصيباً كان حبشياً يرعى إبلاً لمواليه، فأضل منها بعيراً، فخرج في طلبه حتى أتى الفسطاط، وبه إذ ذاك عبد العزيز بن مروان، وهو ولي “عهد ” عبد الملك بن مروان، فقال نصيبٌ: ما بعد عبد العزيز واحدٌ أعتمده لحاجتي. فأتى الحاجب فقال: استأذن لي على الأمير، فإني قد هيأت له مديحاً. فدخل الخاجب فقال: أصلح الله الأمير! بالباب رجلٌ أسود يستأذن عليك بمديح قد هيأه لك. فظن عبد العزيز أنه ممن يهزأ به ويضحكهم، فقال: مره بالحضور ليوم حاجتنا إليه. فغدا نصيب وراح إلى باب عبد العزيز أربعة أشهر، وأتاه آتٍ من عبد الملك فسره، فأمر بالسرير فأبرز للناس، وقال: علي بالأسود، وهو يريد أن يضحك منه الناس. فدخل، فلما كان حيث يسمع كلامه، قال:

لعبد العزيز على قـومـه

 

وغيرهم نعـم غـامـره

فبابك ألـين أبـوابـهـم

 

ودارك مأهولةٌ عامـره

وكلبك آنس بالمعـتـفـين

 

من الأم بالإبنة الـزائره

وكفك حين ترى السائلـي

 

ن أندى من الليلة الماطره

فمنك العطاء ومني الثنـاء

 

بكل مـحـبـرةٍ سـائره

فقال: أعطوه أعطوه. فقال: إني مملوكٌ. فدعا الحاجب فقال: اخرج فابلغ في قيمته، فدعا المقومين فقال: قوموا غلاماً أسود ليس به عيبٌ. قالوا: مائة دينارٍ. قال: إنه راعٍ للإبل يبصرها ويحسن القيام عليها. قالوا: حينئذ مائتا دينار. قال: إني يبري القسي ويثقفها ويرمي النبل ويريشها. قالوا: أربعمائة دينار. قال: إنه روايةٌ للشعر بصيرٌ به. قالوا: ستمائة دينار. قال: إنه شاعرٌ لا يلحق حذقاً. قالوا: ألف دينار. قال عبد العزيز: ادفعوها إليه. قال: أصلح الله الأمير! ثمن بعيري الذي أضللت. قال: وكم ثمنه؟ قال: خمسةٌ وعشرون ديناراً. قال: ادفعوها إليه. قال: أصلح الله الأمير! جائزتي لنفسي عن مديحي إياك. قال: اشتر نفسك ثم عد إلينا. فأتى الكوفة وبها بشر بن مروان، فاستأذن عليه فاستصعب الدخول إليه. وخرج بشر بن مروان متنزهاً فعارضه، فلما ناكبه “أي صار حذاء منكبه” ناداه:

يا بشر يابن الجعفرية مـا

 

خلق الإله يديك للبـخـل

جاءت به عجزٌ مقـابـلةٌ

 

ما هن من جرمٍ ولا عكل

قال: فأمر له بشرٌ بعشرة آلاف درهم. الجعفرية التي عناها نصيبٌ: أم بشر بن مروان، وهي قطية بنت بشر بن عامر ملاعب الأسنة بن مالك بن جعفر بن كلاب.

أم بشر بن مروان ابن الحكم

أخبرنا اليزيدي عن الخراز عن المدائني عن عبد الله بن مسلم وعامر بن حفص وغيرهما: أن مروان بن الحكم مر ببادية بني جعفر، فرأى قطية بنت بشر تنزع بدلو على إبلٍ لها، وتقول:

ليس بنا فقرٌ إلى التشكـي

 

جربةٌ كحـمـر الأبـك

لا ضرعٌ فيها ولا مذكي

 

 

ثم تقول:  

عامان ترقيقٌ وعامٌ تمـمـا

 

لم يترك لحماً ولم يترك دما

ولم يدع في رأس عظمٍ ملدما

 

إلا رذايا ورجـالاً رزمـا

فخطبها مروان فتزوجها، فولدت له بشر بن مروان.
أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا أحمد بن معاوية عن إسحاق بن أيوب عن خليل بن عجلان في خبر النصيب مثل ما ذكره الزبير وإسحاق سواءً.

كان إذا أصاب مالا قسمه في مواليه وكان فيه كأحدهم وظل كذلك حتى مات

أخبرني عمي قال حدثنا الكراني قال حدثنا العمري عن العتبي قال: دعا النصيب مواليه أن يستلحقوه فأبى، وقال: والله لأن أكون مولى لائقاً أحب إلي من أن أكون دعياً لاحقاً. وقد علمت أنكم تريدون بذلك مالي، ووالله لا أكسب شيئاً أبداً إلا كنت أنا وأنتم فيه سواءً كأحدكم، لا أستأثرو عليكم منه بشيء أبداً. قال: وكان كذلك معهم حتى مات، إذا أصاب شيئاً قسمه فيهم، فكان فيه كأحدهم.

نصيب والفرزدق بحضرة سليمان

أخبرني الحرمي قال حدثنا “الزبيري، وحدثنا محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا أحمد بن أبي خيثمة قال حدثنا الزبير” قال حدثنا محمد بن إسمماعيل الجعفري قال: دخل النصيب على سليمان بن عبد الملك وعنده الفرزدق، فاستنشد الفرزدق وهو يرى أنه سينشده مديحاً له، فأنشده قوله يفتخر:

وركبٍ كأن الريح تطلب عندهـم

 

لها ترةً من جذبها بالعـصـائب

سروا يركبون الريح وهي تلفهـم

 

على شعب الأكوار من كل جانب

إذا استوضحوا ناراً يقولون ليتهـا

 

وقد خصرت أيديهم نار غـالـب

قال: وعمامته على رأسه مثل المنسف؛ فغاظ سليمان وكلح في وجهه، وقال لنصيب: قم فأنشد مولاك ويلك! فقام نصيب فأنشده قوله:

اقول لركبٍ صادرين لقـيتـهـم

 

قفا ذات أوشالٍ ومولاك قـارب

قفوا خبروني عن سليمان إنـنـي

 

لمعروفه من أهل ودان طالـب

فعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهـلـه

 

ولو سكتوا أثنت عليك الحقـائب

وقالوا عهدنـاه وكـل عـشـيةٍ

 

بأبوابه من طالب العرف راكب

هو البدر والناس الكواكب حولـه

 

ولا تشبه البدر المضيء الكواكب

فقال له سليمان: أحسنت والله يا نصيب! وأمر له بجائزة ولم يصنع ذلك بالفرزدق. فقال الفرزدق وقد خرج من عنده:

وخير الشعر أكرمه رجالاً

 

وشر الشعر ما قال العبيد

نصيب وعبد العزيز بجبل المقطم

أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني عبد الرحمن بن عبد الله الزهري عن عمه موسى بن عبد العزيز قال: حمل عبد العزيز بن مروان النصيب بالمقطم “مقطم مصر” على بختيٍّ قد رحله بغبيطٍ فوقه، وألبسه مقطعات وشيٍ، ثم أمره أن ينشد؛ فاجتمع حوله السودان وفرحوا به، فقال لهم: أسررتكم؟ قالوا: إي والله. قال: والله لما يسوءكم من أهل جلدتكم أكثر.

نصيب وجرير

أخبرنا أبو خليفة عن محمد بن سلام قال حدثني أبو العراف قال: مر جرير بنصيب وهو ينشد، فقال له: اذهب فأنت أشعر أهل جلدتك. قال: وجلدتك يا أبا حزرة.

هشام بن عبد الملك ونصيب

أخبرنا الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه قال حدثني أيوب بن عباية قال: بلغني أن النصيب كان إذا قدم على هشام بن عبد الملك أخلى له مجلسه واستنشده مراثي بني أمية، فإذا أنشده بكى وبكى معه. فأنشده يوماً قصيدةً له مدحه بها، يقول فيها:

إذا استبق الناس العلا سبقتهم

 

يمينك عفواً ثم صلت شمالها

فقال له هشامٌ: يا أسود، بلغت غاية المدح فسلني. فقال: يدك بالعطية أجود وأبسط من لساني بمسئلتك. فقال: هذا والله أحسن من الشعر، وحباه وكساه وأحسن جائزته.

نصيب وإعتاقه ذوي قرابته

أخبرني الحسين بن يحيى قال أخبرنا حماد بن إسحاق عن أبيه أيوب بن عباية قال: أصاب نصيبٌ من عبد العزيز بن مروان معروفاً، فكتمه ورجع إلى المدينة في هيئة بذةٍ، فقالوا: لم يصب بمدحه شيئاً. فمكث مدة، ثم ساوم بأمه فابتاعها وأعتقها، ثم ابتاع أم أمه بضعف ما ابتاع به أمه فأعتقها. وجاءه ابن خالةٍ له اسمه سحيمٌ فسأله أن يعتقه، فقال له: ما معي والله شيءٌ، ولكني إذا خرجت أخرجتك معي، لعل الله أن يعتقك. فلما أراد الخروج دفع غلاماً له إلى مولى سحيم يرعى إبله وأخرجه معه، فسأل في ثمنه فأعطاهه وأعتقه. فمر به يوماً وهو يزفن ويزمر مع السودان، فأنكر ذلك عليه وزجره. فقال له: إن كنت أعتقتني لأكون كما تريد فهذا والله ما لا يكون أبداً، وإن كنت أعتقتني لتصل رحمي وتقضي حقي فهذا والله الذي أفعله هو الذي أريده، أزفن وأزمر وأصنع ما شئت. فانصرف النصيب وهو يقول:

إني اراني لسـحـيم قـائلا

 

إن سحيماً لم يثبنـي طـائلا

نسيت إعمالي لك الرواحـلا

 

وضربي الأبواب فيك سائلا!

عند الملوك أستثيب الـنـائلا

 

حتى إذا آنست عتقاً عاجلا!

وليتني منك القفا والكـاهـلا

 

أخلقاً شكساً ولونـاً حـائلا

استعجاله جائزة عند عبد العزيز ابن مروان، وليلى أم عبد العزيز

قال إسحاق: وأبطأت جائزة النصيب عند عبد العزيز، فقال:

وإن وراء ظهري يابن ليلى

 

أناساً ينظرون متـى أؤوب

أمامة منهم ولـمـأقـييهـا

 

غداة البين في أثري غروب

تركت بلادها ونأيت عنهـا

 

فأشبه ما رأيت بها السلوب

فأتبع بعضنا بعضاً فلسـنـا

 

نثيبك لكن الله الـمـثـيب

فعجل جائزته وسرحه. قال إسحاق: فحدثني ابن كناسة قال: ليلى أم عبد العزيز كلبيةٌ. وبلغني عنه أنه قال: لا أعطي شاعراً شيئاً حتى يذكرها في مدحي لشرفها؛ فكان الشعراء يذكرونها باسمها في أشعارهم.

شرف نصيب لشعره

أخبرني الحسين عن حماد عن أبيه عن ابن عباية قال: وقفت سوداء بالمدينة على نصيبٍ وهو ينشد الناس، فقالت: بأبي أنت يابن عم وأمي! ما أنت والله علي بخزيٍ. فضحك وقال: والله لمن يخزيك من بني عمك أكثر ممن يزينك.

خطبة ابن نصيب بنت سيده وما فعله نصيب في ذلك

قال إسحاق وحدثني ابن عبابة وغيره أن ابناً لنصيب خطب بعد وفاة سيده الذي أعتقه بنتاً له من أخيه، فأجابه إلى ذلك، وعرف أباه. فقال له: اجمع وجوه الحي لهذا الحال فجمعهم. فلما حضروا أقبل نصيبٌ على أخي سيده فقال: أزوجت ابني هذا من ابنة أخيك؟ قال: نعم. فقال لعبيدٍ له سودٍ: خذوا برجل ابني هذا فجروه فاضربوه ضرباً مبرحاً، ففعلوا وضربوه ضرباً مبرحاً. وقال لأخي سيده: لولا أني أكره أذاك لألحقتك به. ثم نظر إلى شاب من أشراف الحي، فقال: زوج هذا ابنة أخيك وعلي ما يصلحهما في مالي، ففعل.

نصيب وعبد الملك حين أراد منادمته

أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن الحارث عن المدائني قال: دخل نصيبٌ على عبد الملك فتغدى معه، ثم قال: هل لك فيما نتنادم عليه؟ فقال: تؤمنني ففعل. فقال: لوني حائلٌ، وشعري مفلفلٌ، وخلقتي مشوهةٌ، ولم أبلغ ما بلغت من إكرامك إياي بشرف أبٍ أو أمٍ أو عشيرة، وإنما بلغته بعقلي ولساني. فأنشدك الله يا أمير المؤمنين أن تحول بيني وبين ما بلغت به هذه المنزلة منك فأعفاه.

سبب تسميته بهذا الاسم

أخبرني أبو الحسن الأسدي قال حدثني محمد بن صالح بن النطاح قال بلغني عن خلاذ بن مرة عن أبي بكر بن مزيدٍ قال: لقيت النصيب يوماً بباب هشام، فقلت له: يا أبا محجنٍ، لم سميت نصيباً، ألقولك في شعرك عاينها النصيب؟ فقال: لا، ولكني ولدت عند أهل بيتٍ من ودان، فقال سيدي: إيتونا بمولودنا هذا لننظر إليه. فلما رآني قال: إنه لمنصب الخلق؛ فسميت النصيب، ثم اشتراني عبد العزيز بن مروان فأعتقني.

فصاحته وتخلصه إلى جيد الكلام

أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن محمد بن كناسة أبي يحيى الأسدي قال: قال أبو عبد الله بن أبي إسحاق البصري: لئن وليت العراق لأستكتبن نصيباً لفصاحته وتخلصه إلى جيد الكلام.

صدق الحديث مع عبد العزيز فأجازه

أخبرني الأسدي قال حدثني محمد بن صالح عن أبيه عن محمد بن عبد العزيز الزهري. قال: حدثني نصيبٌ قال: دخلت على عبد العزيز بن مروان، فقال: أنشدني قولك:

إذا لم يكـن بـين الـخـلـيلـين ردةٌ

 

سوى ذكر شيء قد مضى درس الذكر

فقلت: ليس هذا لي، هذا لأبي صخر الهذلي، ولكني الذي أقول:

وقفت بذي دوران أنشد نـاقـتـي

 

وما إن بها لي من قلوصٍ ولا بكر

فقال لي عبد العزيز: لك جائزةٌ على صدق حديثك، وجائزةٌ على شعرك؛ فأعطاني على صدق حديثي ألف دينارٍ، وعلى شعري ألف دينار.

أوصاف نصيب الجسمية

أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن عثمان بن حفص عن أبيه قال: رأيت النصيب وكان أسود خفيف العارضين ناتىء الحنجرة.
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثني الزبير قال حدثني إبراهيم بن يزيد السعدي عن جدته جمال بنت عون بن مسلم عن أبيها عن جدها قال: رأيت رجلاً أسود مع امرأةٍ بيضاء، فجعلت أعجب من سواده وبياضها، فدنوت منه وقلت: من أنت؟ قال: أنا الذي أقول:

ألا ليت شعري ما الذي تحدثين بي

 

غداً غربة النأي المفرق والبعـد

لدى أم بكرٍ حين تقترب الـنـوى

 

بنا ثم يخلو الكاشحون بها بعـدي

أتصرمني عند الألى هم لنا العـدا

 

فتشمتهم بي أم تدوم على العهـد

قال: فصاحت: بل والله تدوم على العهد. فسألت عنهما فقيل: هذا نصيبٌ، وهذه أم بكر.

نصيب وعبد الله بن جعفر

أخبرني أبو الحسن الأسدي قال حدثنا محمد بن صالح بن النطاح قال حدثني أبو اليقظان عن جويرية بن أسماء قال: أتى النصيب عبد الله بن جعفرٍ فحمله وأعطاه وكساه. فقال له قائل: يا أبا جعفر، أعطيت هذا العبد الأسود هذه العطايا! فقال: والله لئن كان أسود إن ثناءه لأبيض، وإن شعره لعربي، ولقد استحق بما قال أكثر مما نال. وما ذاك! إنما هي رواحل تنضى، وثيابٌ تبلى، ودراهم تفنى، وثناءٌ يبقى، ومدائح تروى! أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن المدائني قال قال أبو الأسود: امتدح نصيبٌ عبد الله بن جعفر وذكر مثله.

نصيب ونسوة أردن سماع شعره

أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا الخراز عن المدائني قال: قيل لنصيب: إن ها هنا نسوةً يردن أن ينظرن إليك ويسمعن منك شعرك. قال: وما يصنعن بي! يرين جلدةً سوداء وشعراً أبيض، ولكن ليسمعن شعري من وراء سترٍ.

تغنى منقذ الهلالي بشعر نصيب

أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن عثمان بن حفصٍ عن رجل ذكره قال: أتاني منقذٌ الهلالي ليلاً، فضرب علي الباب. فقلت: من هذا؟ فقال: منقذٌ الهلالي. فخرجت إليه فزعاً. فقال: البشرى. فقلت: وأي بشرى أتتني بك في هذا الليل؟ فقال: خيرٌ، أتاني أهل بدجاجةٍ مشويةٍ بين رغيفين فتعشيت بها، ثم أتوني بقنينةٍ من نبيذٍ قد التقى طرفاها صفاءً ورقةً، فجعلت أشرب وأترنم بقول نصيب:

بزينب ألمم قبل أن يظعن الركب

ففكرت في إنسان يفهم حسنه ويعرف فضله، فلم أجد غيرك، فأتيتك مخبراً بذلك. فقلت: ما جاء بك إلا هذا؟! فقال: أولا يكفي! ثم انصرف.

عفة نصيب في شعره

أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه قال: قال مسلمة لنصيب: أنت لا تحسن الهجاء. فقال: بلى والله، أتراني لا أحسن أن أجعل مكان عافاك الله أخزاك الله؟! قال: فإن فلاناً قد مدحته فحرمك فاهجه، قال: لا والله ما ينبغي أن أهجوه، وإنما ينبغي أن أهجو نفسي حين مدحته. فقال مسلمة: هذا والله أشد من الهجاء.

نصيب وعمر بن عبد العزيز في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم

أخبرني الحسين قال قال حماد: قرأت على أبي عن ابن عباية عن الضحاك الحزامي قال: دخل نصيبٌ مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنه يومئذٍ أمير المدينة، وهو جالس بين قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومنبره، فقال: أيها الأمير، ائذن لي أن أنشدك من مراثي عبد العزيز. فقال: لا تفعل فتحزنني، ولكن أنشدني قولك: “قفا أخوي” فإن شيطانك كان لك فيها ناصحاً حين لقنك إياها. فأنشده:

صوت

قفا أخوي إن الدار لـيسـت

 

كما كانت بعهدكما كما تكون

ليالي تعلمـان وآل لـيلـى

 

قطين الدار فاحتمل القطين

فعوجا فانظرا أتبين عـمـا

 

سألناهـا بـه أم لا تـبـين

فظلا واقفين وظل دمعـي

 

على خدي تجود به الجفون

فلولا إذ رأيت اليأس منهـا

 

بدا أن كدت ترشقك العيون،

برحت فلم يلمك الناس فيهـا

 

ولم تغلق كما غلق الرهين

في البيتين الأولين من هذه الأبيات والأخيرين لابن سريج خفيف رملٍ بالوسطى عن عمرو. وفيه للغريض خفيف ثقيلٍ أول بالوسطى عن عمرٍو ويونس.

قصة نصيب مع امرأة عجوز بالجحفة كان يختلف إليها

أخبرني الحسين عن حماد عن أبيه عن أيوب بن عباية قال: كان نصيبٌ ينزل على عجوزٍ بالجحفة إذا قدم من الشأم، وكان لها بنيةٌ صفراء وكان يستحليها، فإذا قدم وهب لها دراهم وثياباً غير ذلك. فقدم عليهما قدمةً وبات بهما، فلم يشعر إلا بفتىً قد جاءها ليلاً فركضها برجله، فقامت معه فأبطأت ثم عادت، وعاد إليها بعد ساعةٍ فركضها برجله فقالت معه فأبطأت ثم عادت. فلما أصبح نصيبٌ رأى أثر معتركهما ومغتسلهما. فلما أراد أن يرتحل قالت له العجوز وبنتها: بأبي أنت! عادتك. فقال لها:

أراك طموح العين ميالة الهوى

 

لهذا وهذا منك ودٌ ملاطـف

فإن تحملي ردفين لا أك منهما

 

فحبي فردٌ لست ممن يرادف

ولم يعطها شيئاً ورحل.

حديث النصيب مع امرأة من ملل كان الناس ينزلون عندها

قال أيوب: وكانت بملل امرأةٌ ينزل بها الناس، فنزل بها أبو عبيدة بن عبد الله بن زمعة وعمران بن عبد الله بن مطيع ونصيب فلما رحلوا وهب لها القرشيان ولم يكن مع نصيب شيء، فقال لها: اختاري إن شئت أن أضمن لك مثل ما أعطياك إذا قدمت، وإن شئت قلت فيك أبياتاً تنفعك. قالت: بل الشعر أحب إلي. فقال:

ألا حي قبل البـين أم حـبـيب

 

وإن لم تكن منا غداً بـقـريب

لئن لم يكن حبيك حباً صدقـتـه

 

فما أحدٌ عندي إذاً بـحـبـيب

تهامٍ أصابت قلـبـه مـلـلـيةٌ

 

غريب الهوى يا ويح كل غريب

فشهرها بذلك، فأصابت بقوله ذلك فيها خيراً.

عمر ينهاه عن التشبيب بالنساء

قال أيوب: ودخل النصيب على عمر بن عبد العزيز – رحمة الله عليه – بعد ما ولي الخلافة. فقال له: إيه يا أسود! أنت الذي تشهر النساء بنسيبك! فقال: إني قد تركت ذلك يا أمير المؤمنين، وعاهدت الله عز وجل ألا أقول نسيباً، وشهد له بذلك من حضر وأثنوا عليه خيراً. فقال: أما إذ كان الأمر هكذا فسل حاجتك. فقال: بنيات لي نفضت عليه سوادي فكسدن، أرغب بهن عن السودان ويرغب عنهن البيضان. قال: فتريد ماذا؟ قال: تفرض لهن، ففعل. قال: ونفقةً لطريقي. قال: فأعطاه حلية سيفه وكساه ثوبيه، وكانا يساويان ثلاثين درهماً.

اجتماع النصيب والكميت ذي الرمة وتناشدهم الشعر

أخبرني إسماعيل بن يونس قال حدثنا عمر بن شبة عن إسحاق الموصلي عن ابن كناسة قال: اجتمع النصيب والكميت وذو الرمة، فأنشدهما الكميت قوله:

هل أنت عن طلب الأيفاع منقلب

حتى بلغ إلى قوله فيها:

أم هل ظغائن بالعلياء نـافـعةٌ

 

وإن تكامل فيها الأنس والشنب

فعقد نصيبٌ واحدةً. فقال له الكميت: ماذا تحصي؟ قال: خطأك، باعدت في القول، ما الأنس من الشنب، ألا قلت كما قال ذو الرمة:

لمياء في شفتيها حوةٌ لعـسٌ

 

وفي اللثات وفي أنيابها شنب

ثم أنشدهما قوله:

أبت هذه النفس إلا ادكارا

حتى بلغ إلى قوله:

إذا ما الهجارس غنينها

 

تجاوبن بالفلوات الوبارا

فقال له النصيب: والوبار لا تسكن الفلوات. ثم أنشد حتى بلغ منها:

كأن الغطامط من غليهـا

 

أراجيز أسلم تهجو غفارا

فقال النصيب: ما هجت أسلم غفاراً قط، فانكسر الكميت وأمسك.

نصيب وعبد الرحمن بن الضحاك ابن قيس الفهري

أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد بن إسحاق عن أبيه عن ابن الكلبي: أن نصيباً مدح عبد الرحمن بن الضحاك بن قيس الفهري، فأمر له بعشر قلائص، وكتب بها إلى رجلين من الأنصار، واعتذر إليه وقال له: والله ما أملك إلا رزقي، وإني لأكره أن أبسط يدي في أموال هؤلاء القوم. فخرج حتى أتى الأنصاريين فأعطاهما الكتاب مختوماً. فقرآه وقالا: قد أمر لك بثمان قلائص، ودفعا ذلك إليه. ثم عزل وولي مكانه رجلٌ من بني نصر بن هوازن، فأمر بأن يتتبع ما أعطى ابن الضحاك ويرتجع، فوجد باسم نصيبٍ عشر قلائص، فأمر بمطالبته بها. فقال: والله ما دفع إلي إلا ثماني قلائص فقال: والله ما تخرج من الدار حتى تؤدي عشر قلائص أو أثمانها، فلم يخرج حتى قبض ذلك منه. فلما قدم على هشام سمر عنده ليلةً وتذاكروا النصري، فأنشده قوله فيه:

أفي قلائص جربٍ كن من عملٍ

 

أردى وتنزع من أحشائي الكبد

ثمانياً كن في أهلي وعنـدهـم

 

عشرٌ فأي كتابٍ بعدنا وجـدوا

أخانني أخوا الأنصار فانتقصـا

 

منها فعندهما الفقد الذي فقـدوا

وإن عاملك النصري كلفـنـي

 

في غير نائرةٍ ديناً له صـعـد

أذنب غيري ولم أذنب يكلفنـي

 

أم كيف أقتل لا عقلٌ ولا قـود

قال: فقال هشام: لا جرم والله، لا يعمل لي النصري عملاً أبداً، فكتب بعزله عن المدينة.

شعر لنصيب في الجفر من نواحي ضرية

أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال أخبرنا الزبير بن بكار إجازةً عن هارون بن عبد الله الزبيري عن شيخ من الجفر قال: قدم علينا النصيب فجلس في هذا المجلس وأومأ إلى مجلس حذاءه، فاستنشدناه، فأنشدنا قوله:

ألا يا عقاب الوكر وكـر ضـريةٍ

 

سقتك الغوادي من عقاب ومن وكر

تمر الليالـي مـا مـررن ولا أرى

 

مرور الليالي منسياتي ابنة النضـر

وقفت بذي دوران أنشد نـاقـتـي

 

ومالي لديها من قلوصٍ ولا بكـر

وما أنشـد الـرعـيان إلا تـعـلةً

 

بواضحة الأنياب طيبة الـنـشـر

أما والذي نادى من الطور عـبـده

 

وعلم أيام المنـاسـك والـنـحـر

لقد زادني للجفر حـبـاً وأهـلـه

 

ليالٍ أقامتهن ليلى على الـجـفـر

نصيب وعبد الملك بن مروان

أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال أخبرني عمر بن إبراهيم السعدي عن يوسف بن يعقوب بن العلاء بن سليمان عن سلمة بن عبد الله بن أبي مسروح قال: قال عبد الملك بن مروان لنصيبٍ أنشدني، فأنشده قصيدته التي يقول فيها:

ومضمر الكشح يطويه الضجيع به

 

طي الحمائل لا جافٍ ولا فقـر

وذي روادف لا يلغي الإزار بهـا

 

يلوى ولو كان سبعاً حين يأتـزر

فقال له عبد الملك: يا نصيب، من هذه؟ قال: بنت عم لي نوبيةٌ، لو رأيتها ما شربت من يدها الماء. فقال له: لو غير هذا قلت لضربت الذي فيه عيناك.
رحلة نصيب إلى عبد العزيز

ابن مروان كل عام يستميحه العطاء

أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثنا الحارث بن محمد بن أبي أسامة قال حدثنا المدائني قال: كان عبد العزيز بن مروان اشترى نصيباً وأهله وولده فأعتقهم، وكان نصيب يرحل إليه في كل عام مستميحاً فيجيزه ويحسن صلته. فقال فيه نصيب:

يقول فيحسن القول ابن ليلى

 

ويفعل فوق أحسن ما يقول

فتـىً لا يرزأ الـخـلان إلا

 

مودتهم ويرزؤه الـخـلـيل

فبشر أهل مصر فقد أتاهـم

 

مع النيل الذي في مصر نيل

نصيب وشاعر هجاه من أهل الحجاز

أخبرني هاشم بن محمد بن هارون بن عبد الله بن مالك الخزاعي أبو دلف قال حدثنا عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي عن عمه قال: كان نصيبٌ يكنى أبا الحجناء، فهجاه شاعرٌ من أهل الحجاز فقال:

رأيت أبا الحجناء في الناس حائراً

 

ولون أبي الحجناء لون البهـائم

تراه على ما لاحه مـن سـواده

 

وإن كان مظلوماً له وجه ظالـم

فقيل لنصيب: ألا تجيبه! فقال: لا، ولو كانت هاجياً لأحدٍ لأجبته ولكن الله أوصلني بهذا الشعر إلى خيرٍ، فجعلت على نفسي ألا أقوله في شر، وما وصفني إلا بالسواد وقد صدق. أفلا أنشدكم ما وصفت به نفسي؟ قالوا بلى. فأنشدهم قوله:

ليس السواد بناقصـي مـادام لـي

 

هذا اللسـان إلـى فـؤادٍ ثـابـت

من كان ترفعه منـابـت أصـلـه

 

فبيوت أشعاري جعلن منـابـتـي

كم بين أسـود نـاطـقٍ بـبـيانـه

 

ماضي الجنان وبين أبيض صامت

إني ليحسدنـي الـرفـيع بـنـاؤه

 

من فضل ذاك وليس بي من شامت

ويروى مكان “من فضل ذاك”، “فضل البيان” وهو أجود.

أخبرني عمي ومحمد بن خلفٍ قالا حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثني سعيد بن يحيى الأموي قال حدثني عمي عن محمد بن سعد قال: قال قائل للنصيب: أيها العبد، مالك وللشعر؟! فقال: أما قولك عبدٌ فما ولدت إلا وأنا حرٌ، ولكن أهلي ظلموني فباعوني. وأما السواد فأنا الذي أقول:

وإن أك حالكاً لـونـي فـإنـي

 

لعقلٍ غير ذي سـقـطٍ وعـاء

وما نزلت بي الـحـاجـات إلا

 

وفي عرضي من الطمع الحياء

شعره في جارية طلبت منه أن يشبب بها

أخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا حماد عن أبيه قال حدثت عن السدوسي قال: وقف نصيبٌ على أبيات فاستسقى ماءً، فخرجت إليه جاريةٌ بلبنٍ أو ماءٍ فسقته، وقالت: شبب بي: فقال: وما اسمك؟ فقالت: هندٌ. ونظر إلى جبلٍ وقال: ما اسم هذا العلم؟ قالت: قناً. فأنشأ يقول:

أحب قناً من حب هندٍ ولم أكن

 

أبالي أقرباً زاده الله أم بعـدا

ألا إن بالقيعان من بطن ذي قناً

 

لنا حاجةً مالت إليه بنا عمـدا

أروني قناً انظر إليه فإنـنـي

 

أحب قناً إني رأيت به هنـدا

قال: فشاعت هذه الأبيات، وخطبت هذه الجارية من أجلها، وأصابت بقول نصيب فيها خيراً كثيراً.

قصته مع جارية خطبها فأبت ثم تزوجته

أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا عيسى بن إسماعيل بن نبيه قال حدثنا محمد بن سلام قال: دخل نصيب على يزيد بن عبد الملك، فقال له: حدثني يا نصيب ببعض ما مر عليك. فقال: نعم، يا أمير المؤمنين! علقت جاريةً حمراء، فمكثت زماناً تمنيني بالأباطيل، فلما ألححت عليها قالت: إليك عني، فوالله لكأنك من طوارق الليل. فقلت لها: وأنت والله لكأنك من طوارق النهار. فقالت: ما أظرفك يا أسود! فغاظني قولها، فقلت لها: هل تدرين ما الظرف؟ إنما الظرف العقل. ثم قالت لي: انصرف حتى أنظر في أمرك. فأرسلت إليها هذه الأبيات:

فإن أك حالكاً فالمسك أحـوى

 

وما لسواد جلدي مـن دواء

ولي كرمٌ عن الفحشـاء نـاءٍ

 

كبعد الأرض من جو السماء

ومثلي في رجالكـم قـلـيلٌ

 

ومثلك ليس يعدم في النسـاء

فإن ترضي فردي قول راضٍ

 

وإن تأبي فنحن على السواء

قال: فلما قرأت الشعر قالت: المال والشعر يأتيان على غيرهما، فتزوجتني.

استجادة الأصمعي شعراً لنصيب

أخبرنا هاشم بن محمد قال حدثنا الرياشي قال: أنشدنا الأصمعي لنصيب وكان يستجيد هذه الأبيات ويقول إذا أنشدها: قاتل الله نصيباً ما أشعره!.

فإن يك من لوني السواد فـإنـنـي

 

لكالمسك لا يروى من المسك ذائقه

وما ضر أثوابي سوادي وتحتـهـا

 

لباسٌ من العلياء بيضٌ بـنـائقـه

إذا المرء لم يبذل من الود مثل مـا

 

بذلت له فاعلم بأنـي مـفـارقـه

نصيب وجرير

أخبرني الفضل بن الحباب أبو خليفة قال حدثنا محمد بن سلام عن خلفٍ: أن نصيباً أنشد جريراً شيئاً من شعره، فقال له: كيف ترى يا أبا حرزة؟ فقال له: أنت أشعر أهل جلدتك.

نصيب والوليد بن عبد الملك

أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني محمد بن إسماعيل عن عبد العزيز بن عمران بن محمد عن المسور بن عبد الملك قال: قال نصيب لعبد الرحمن بن أزهر: أنشدت الوليد بن عبد الملك، فقال لي: أنت أشعر أهل جلدتك، والله ما زاد عليها! فقال لي عبد الرحمن: يا أبا محجن، أفرضيت منه أن جعلك أشعر السودان فقط؟ فقال له: وردت والله يابن أخي أنه أعطاني أكثر من هذا، ولكنه لم يفعل ولست بكاذبك.

نصيب ووصفه لشعره وشعر معاصريه

أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال حدثنا أبو حاتم قال أخبرنا أبو عبيدة قال: قال لي محمد بن عبد ربه: دخلت مسجد الكوفة، فرأيت رجلاً لم أر قط مثله ولا أشد سواداً منه، ولا أنقى ثياباً منه، ولا أحسن زياً. فسألت عنه، فقيل: هذا نصيب. فدنوت منه فحدثته، ثم قلت له: أخبرني عنك وعن أصحابك. فقال: جميلٌ إمامنا، وعمر بن أبي ربيعة أوصفنا لربات الحجال، وكثير أبكانا على الدمن وأمدحنا للملوك، وأما أنا فقد قلت ما سمعت. فقلت له: إن الناس يزعمون أنك لا تحسن أن تهجو. فضحك ثم قال: أفتراهم يقولون: إني لا أحسن أن أمدح؟ فقلت لا. فقال: أفما تراني أحسن أن أجعل مكان عافاك الله أخزاك الله؟ قال قلت بلى. قال: فإني رأيت الناس رجلين: إما رجلٌ لم أسأله شيئاً فلا ينبغي أن أهجوه فأظلمه، وإما رجلٌ سألته فمنعني فنفسي كانت أحق بالهجاء، إذ سولت لي أن أساله وأن أطلب ما لديه.

نصيب وكثير والأحوص في مجلس امرأة من بني أمية

أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثني عبد الله بن إسماعيل بن أبي عبيد الله كاتب المهدي قال: وجدت في كتاب أبي بخطه: حدثني أبو يوسف التجيبي قال حدثني إسماعيل بن المختار مولى آل طلحة وكان شيخاً كبيراً قال: حدثني النصيب أبو محجن أنه خرج هو وكثير والأحوص غب يومٍ أمطرت فيه السماء، فقال: هل لكم في أن نركب جميعاً فنسير حتى نأتي العقيق فنمتع فيه أبصارنا؟ فقالوا نعم. فركبوا أفضل ما يقدرون عليه من الدواب، ولبسوا أحسن ما يقدرون عليه من الثياب، وتنكروا ثم ساروا حتى أتوا العقيق، فجعلوا يتصفحون ويرون بعض ما يشتهون، حتى رفع لهم سوادٌ عظيمٌ فأموه حتى أتوه، فإذا وصائف ورجالٌ من الموالي ونساء بارزاتٌ، فسألنهم أن ينزلوا، فاستحيوا أن يجيبوهن من أول وهلةٍ، فقالوا: لا نستطيع أو نمضي في حاجةٍ لنا. فحلفنهم أن يرجعوا إليهن، ففعلوا وأتوهن، فسألنهم النزول فنزلوا. ودخلت امرأةٌ من النساء فاستأذنت لهم، فلم تلبث أن جاءت المرأة فقالت: ادخلوا. فدخلنا على امرأة جميلة برزةٍ على فرش لها، فرحبت وحيت، وإذا كراسي موضوعةٌ، فجلسنا جميعاً في صف واحدٍ كل إنسانٍ على كرسي. فقالت: إن أحببتم أن ندعو بصبي لنا فنصيحه ونعرك أنذه فعلنا، وإن شئتم بدأنا بالغداء. فقلنا: بل تدعين بالصبي ولن يفوتنا الغداء. فأومأت بيدها إلى بعض الخدم، فلم يكن إلا كلا ولا حتى جاءت جاريةٌ جميلةٌ قد سترت بمطرفٍ، فأمسكوه عليها حتى ذهب بهرها، ثم كشف عنها وإذا جاريةٌ ذات جمالٍ قريبةٌ من جمال مولاتها، فرحبت بهم وحيتهم، فقالت لها مولاتها: خذي – ويحك – من قول النصيب عافى الله أبا محجن:

ألا هل من البين المفرق من بد

 

وهل مثل أيامٍ بمنقطع السعـد

تمنيت أيامي أولئك، والمـنـى

 

على عهد عادٍ ما تعيد ولا تبدي

فغنته، فجاءت به كأحسن ما سمعته قط بأحلى لفظٍ وأشجى صوت. ثم قالت لها: خذي أيضاً من قول أبي محجن عافى الله أبا محجن:

أرق الـمـحـب وعـــاده ســـهـــده

 

لطـوارق الـهـم الـــتـــي تـــرده

وذكـرت مـن رقـت لــه كـــبـــدي

 

وأبـى فـلـيس تـرق لـي كـــبـــده

لا قومه قومي ولا بلدي فنكون حيناً جيزةً بلده

 

 

ووجدت وجداً لم يكن أحد

 

قبـلـي مـن أجـل صـبـــابةٍ يجـــده

إلا ابـن عـجـلان الـذي تـبـــلـــت

 

هنـدٌ فـفـات بـنـفـسـه كـــمـــده

قال: فجاءت به أحسن من الأول، فكدت أطير سروراً. ثم قالت لها: ويحك! خذي من قول أبي محجن عافى الله أبا محجن:

فيا لك من ليلٍ تمتعت طـولـه

 

وهل طائفٌ من نائمٍ متمـتـع

نعم إن ذا شجوٍ متى يلق شجوه

 

ولو نائماً مستعتـبٌ أو مـودع

له حاجةٌ قد طالما قد أسـرهـا

 

من الناس في صدرٍ بها يتصدع

تحملها طول الزمان لعـلـهـا

 

يكون لها يوماً من الدهر منزع

وقد قرعت في أم عمرٍو لي العصا

 

قديماً كما كانت لذي الحلم تقـرع

قال: فجاءت والله بشيء حيرني وأذهلني طرباً لحسن الغناء وسروراً باختيارها الغناء في شعري، وما سمعت فيه من حسن الصنعة وجودتها وإحكامها. ثم قالت لها: خذي أيضاً من قول أبي محجنٍ، عافى الله أبا محجن:

يا أيها الركب إني غير تابعكم

 

حتى تلموا وأنتم بي ملمونـا

فما أرى مثلكم ركباً كشكلكم

 

يدعوهم ذو هوى إلا يعوجونا

أم خبروني عن دائي بعلمكـم

 

وأعلم الناس بالداء الأطبونـا

قال نصيب: فوالله لقد زهيت بما سمعت زهواً خيل إلي أني من قريش، وأن الخلافة لي. ثم قالت: حسبك يا بنية! هات الطعام يا غلام! فوثب الأحوص وكثيرٌ وقالا: والله لا نطعم لك طعاماً ولا نجلس لك في مجلس؛ فقد أسأت عشرتنا واستخففت بنا، وقدمت شعر هذا على أشعارنا، واستمعت الغناء فيه، وإن في أشعارنا لما يفضل شعره، وفيها من الغناء ما هو أحسن من هذا. فقالت: على معرفةٍ كل ما كان مني، فأي شعركما أفضل من شعره؟ أقولك يا أحوص:

“يقر بعيني ما يقر بـعـينـهـا

 

وأحسن شيء ما به العين قرت

أو قولك يا كثير في عزة:

وما حسـبـت ضـمـريةٌ جـدويةٌ

 

سوى التيس ذي القرنين أن لها بعلا

أم قولك فيها:

إذا ضمريةٌ عطست فنكها

 

فإن عطاسها طرف السفاد

قال: فخرجا مغضبين واحتبستني، فتغديت عندها، وأمرت لي بثلثمائة دينار وحلتين وطيبٍ، ثم دفعت إلي مائتي دينار وقالت: ادفعها إلى صاحبيك؛ فإن قبلاها وإلا فهي لك. فأتيتهما منازلهما فأخبرتهما القصة. فأما الأحوص فقبلها، وأما كثير فلم يقبلها، وقال: لعن الله صاحبتك وجائزتها ولعنك معها! فأخذتها وانصرفت.

فسألت النصيب: ممن المرأة؟. فقال: من بني أمية ولا أذكر اسمها ما حييت لأحد.

رثاء نصيب عبد العزيز وقد مات بسكر من قرى الصعيد

أخبرني عيسى بن يحيى الوراق عن أحمد بن الحارث الخراز قال حدثنا المدائني قال: وقع الطاعون بمصر في ولاية عبد العزيز بن مروان إياها، فخرج هارباً منه فنزل بقريةٍ من الصعيد يقال لها “سكر”. فقدم عليه حين نزلها رسولٌ لعبد الملك، فقال له عبد العزيز: ما اسمك؟ فقال: طالب بن مدرك. فقال: أوه، ما أراني راجعاً إلى الفسطاط أبداً! ومات في تلك القرية. فقال نصيبٌ يرثيه:

أصبت يوم الصعيد من سكـرٍ

 

مصيبةً ليس لي بهـا قـبـل

تالله أنسى مصـيبـتـي أبـداً

 

ما أسمعتني حنينهـا الإبـل

ولا التبكي عـلـيه أعـولـه

 

كل المصيبات بعده جـلـل

لم يعلم النعش ما عليه من ال

 

عرف ولا الحاملون ما حملوا

حتى أجنوه في ضريحـهـم

 

حين انتهى من خليلك الأمـل

غنى في هذه الأبيات ابن سريج، ولحنه رملٌ بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق، وذكر الهشامي أن له فيه لحناً من الهزج، وذكر ابن بانة أن الرمل لابن الهربذ.

أخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن مصعب الزبيري عن مشيخةٍ من أهل الحجاز: أن نصيباً دخل على عبد الملك بن مروان، فقال له: أنشدني بعض ما رثيت به أخي؛ فأنشده قوله:

عرفت وجربت الأمور فمـا أرى

 

كماضٍ تلاه الغابر المـتـأخـر

ولكن أهل الفضل من أهل نعمتي

 

يمرون أسلافاً أمامي وأغـبـر

فإن أبكه أعذر وإن أغلب الأسـى

 

بصبرٍ فمثلي عندما اشتد يصبـر

وكانت ركابي كلما شئت تنتحـي

 

إليك فتقضي نحبها وهي ضمـر

ترى الورد يسراً والثواء غنـيمةً

 

لديك وتثنى بالرضا حين تصـدر

فقد عريت بعد ابن ليلى فإنـمـا

 

ذراها لمن لاقت من الناس منظر

ولو كان حيا لم يزل بدفـوفـهـا

 

مرادٌ لغربان الطريق ومنـقـر

فإن كن قد نلن ابن ليلـى فـإنـه

 

هو المصطفى من أهله المتخير

فلما سمع عبد الملك قوله:

فإن أبكه أعذر وإن أغلب الأسى

 

بصبرٍ فمثلي عندما اشتد يصبر

قال له: ويلك! أنا كنت أحق بهذ الصفة في أخي منك! فهلا وصفتني بها! وجعل يبكي.

نصيب وعبد الله بن إسحاق البصري

أخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن أبي يحيى محمد بن كناسة قال: قال لي عبد الله بن إسحاق البصري: لو وليت العراق لاستكتبت نصيباً. قلت: لماذا؟ قال لفصاحته وحسن تخلصه إلى جيد الكلام، ألم تسمع قوله:

فلا النفس ملتها ولا العين تنتهي

 

إليها سوام الطرف عنها فترجع

رأتها فما ترتد عنـهـا سـآمةً

 

ترى بدلاً منها به النفس تقنـع

نصيب وإبراهيم بن هشام

أخبرني الحرمي عن الزبير عن محمد بن الحسن قال: دخل نصيب على إبراهيم بن هشام فأنشده مديحاً له. فقال إبراهيم: ما هذا بشيء! أين هذا من قول أبي دهبلٍ لصاحبنا ابن الأزرق حيث يقول:

إن تغد من منقلي نخلان مرتحـلاً

 

يرحل من اليمن المعروف والجود

قال: فغضب نصيبٌ ونزع عمامته وبرك عليها، وقال: لئن تأتونا برجالٍ مثل ابن الأزرق نأتكم بمثل مديح أبي دهبل أو أحسن؛ إن المديح والله إنما يكون على قدر الرجال. قال: فأطرق ابن هشام، وعجبوا من إقدام نصيبٍ عليه، ومن حلم ابن هشامٍ وهو غير حليم.

نصيب وأم بكر الخزاعية

أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني عبد الرحمن بن عبد الله الزهري: أن نصيباً كان ربما قدم من الشأم فيطرح في حجر أم بكرٍ الخزاعية أربعمائة دينار، وأن عبد الملك بن مروان ظهر على تعلقه بها ونسيبه فيها، فنهاه عن ذلك حتى كف.

نصيب وشيء من أوصافه الخلقية

أخبرني محمد بن يزيد قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن عثمان بن حفص الثقفي عن أبيه قال: رأيت النصيب بالطائف، فجاءنا وجلس في مجلسنا وعليه قميص قوهي ورداءٌ وحبرةٌ، فجعل ينشدنا مديحاً لابن هشام، ثم قال: إن الوادي مسبعةٌ، فمن أهل المجلس؟ قالوا: ثقيف؛ فعرف أنا نبغض ابن هشام ويبغضنا، فقال: إنا لله! أبعد ابن ليلى أمتدح ابن جيداء! فقال له أهل المجلس: يا أبا محجن، أتطلب القريض أحياناً فيعسر عليك؟ فقال: إي والله لربما فعلت، فآمر براحلتي فيشد بها رحلي، ثم أسير في الشعاب الخالية، وأقف في الرباع المقوية، فيطربني ذلك ويفتح لي الشعر. والله إني على ذلك ما قلت بيتاً قط تستحي الفتاة الحيية من إنشاده في ستر أبيها. قال إسحاق قال عثمان بن حفص فوصفه أبي وقال: كأني أراه صدعاً خفيف العارضين ناتىء الحنجرة.

نصيب وابن أبي عتيق

أخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا حماد عن أبيه عن محمد بن كناسة قال: أنشد نصيب قوله:

وكدت ولم أخلق من الطير إن بدا

 

لها بارقٌ نحو الحجـاز أطـير

فسمعه ابن أبي عتيق، فقال: يابن أم، قل غاق فإنك تطير. يعني أنه غرابٌ أسود.
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال أخبرني أحمد بن محمد الأسدي أسد قريشٍ قال: قال ابن أبي عتيق لنصيب: إني خارج، أفترسل إلى سعدى بشيء؟ قال: نعم، بيتي شعرٍ. قال: قل، فقال:

أتصبر عن سعدى وأنت صبـور

 

وأنت بحسن الصبر منك جـدير

وكدت ولم أخلق من الطير إن بدا

 

سنى بارقٍ نحو الحجاز أطـير

قال: فأنشد ابن أبي عتيق سعدى البيتين، فتنفست تنفسةً شديدة. فقال ابن أبي عتيق: أوه! أجبته والله بأجود من شعره، ولو سمعك خليلك لنعق وطار إليك.

نصيب والحكم بن المطلب

أخبرني علي بن صالح بن الهيثم الكاتب قال حدثني أبو هفان عن إسحاق الموصلي عن المسيبي قال: قال أبو النجم: أتيت الحكم بن المطلب فمدحته، وخرج إلى السعاية فخرجنا معه ومعه عدةٌ من الشعراء. فبينا هو مع أصحابه يوماً واقفٌ، إذا براكب يوضع في السراب وإذا هو نصيب، فتقدم إليه فمدحه فأمر بإنزاله، فمكث أياماً حتى أتاه فقال: إني قد خلفت صبيةً صغاراً وعيالاً ضعافاً. فقال له: ادخل الحظيرة فخذ منها سبعين فريضةً. فقال له: جعلني الله فداك قد أحسنت! ومعي ابنٌ لي أخاف أن يثلمها علي. قال: فادخل فخذ له سبعين فريضة أخرى؛ فانصرف بمائة وأربعين فريضة.

أخبرنا الحرمي بن أبي العلاء عن الزبير عن محمد بن الضحاك عن عثمان عن أبيه قال: قيل لنصيب: هرم شعرك. قال: لا! والله ما هرم، ولكن العطاء هرم، ومن يعطيني مثل ما أعطاني الحكم بن المطلب! خرجت إليه وهو ساعٍ على بعض صدقات المدينة، فلما رأيته قلت:

أبا مروان لست بخارجـيٍّ

 

وليس قديم مجدك بانتحـال

أغر إذا الرواق انجاب عنه

 

بدا مثل الهلال على المثال

تراءاه العيون كما تـراءى

 

عشية فطرها وضح الهلال

قال: فأعطاني أربعمائة ضائنةٍ ومائة لقحةٍ، وقال: ارفع فراشي؛ فرفعته فأخذت من تحته مائتي دينارٍ.

نصيب وكثير عند أبي عبيدة ابن عبد الله بن زمعة

أخبرني عيسى بن الحسين الوراق قال حدثنا الزبير قال حدثني أسعد بن عبد الله المري عن إبراهيم بن سعيد بن بشر بن عبد الله بن عقيل الخارجي عن أبيه قال: والله إني لمع أبي عبيدة بن عبد الله بن زمعة في حواءٍ له، إذ جاءه كثير فحياه، فاحتفى به، ودعا بالغداء فشرعنا فيه وشرع معنا كثير؛ وجاء رجل فسلم فرددنا عليه السلام واستدنيناه، فإذا نصيب في بزةٍ جميلةٍ قد وافى الحج قادماً من الشأم، فأكب على أبي عبيدة فعانقه وسأله ثم دعاه إلى الغداء، فأكل مع القوم، فرفع كثير يده وأقلع عن الطعام، وأقبل عليه أبو عبيدة والقوم جميعاً يسألونه أن يأكل، فأبى فتركوه. وأقبل كثير على نصيب فقال: والله يا أبا محجن، إن أثر أهل الشأم عليك لجميل، لقد رجعت هذه الكرة ظاهر الكبر قليل الحياء. فقال له نصيب: لكن أثر الحجاز عليك يا أبا صخر غير جميل. “لقد رجعت” وإنك لزايد النقص، كثير الحماقة. فقال كثير: أنا والله أشعر العرب حيث أقول لمولاتك:

إذا أمسيت بطن مجاح دوني

 

وعمقٌ دون عزة فالبقـيع

فليس بلائمي أحد يصـلـي

 

إذا أخذت مجاريها الدموع

فقال له نصيب: أنا والله أشعر منك حيث أقول لابنة عمك:

خليلي إن حلت كـلـية فـالـربـا

 

فذا أمجٍ فالشعب ذا الماء والحمض

فأصبح من حوران رحلي بمـنـزلٍ

 

يبعده من دونـهـا نـازح الأرض

وأيأستما أن يجمع الدهـر بـينـنـا

 

فخوضا لي السم المصرح بالمحض

ففي ذاك من بعض الأمور سـلامةٌ

 

وللموت خيرٌ من حياةٍ على غمض

قال: فاقتحم إليه كثيرٌ، وثبت له النصيب. فلما نالته رجلاه رمحه نصيبٌ بساقه رمحةٍ طاح منها بعيداً عنه، فما زال راقداً حتى أيقظناه عشياً لرمي الجمار.

أخبرني الحرمي بن أبي العلاء عن الزبير عن محمد بن موسى بن طلحة عن عبد الله بن عمر بن عثمان النحوي عن أنيس بن ربيعة الأسلمي أنه قال: غدوت يوماً إلى أبي عبيدة بن عبد الله بن زمعة وهو محتلٌ بالرحبة، فألفيت عنده جماعةً منا ومن غيرنا، فأتاه آتٍ فقال له: ذاك النصيب منذ ثلاثٍ بالفرش من ملل متلددٌ كأنه واله في أثر قومٍ ظاعنين. فنهض أبو عبيدة ونهضنا معه، فإذا نصيب على المنحر من صفر. فلما عايننا وعرف أبا عبيدة هبط؛ فسأله عن أمره، فأخبره أنه تبع قوماً سائرين وأنه وجد آثارهم ومحلهم بالفرش فاستولهه ذلك. فضحك به أبو عبيدة والقوم، وقالوا له: إنما يهتر إذا عشق من انتسب عذريا، فأما أنت فما لك ولهذا؟! فاستحيا وسكن. وسأله أبو عبيدة: هل قلت في مقامك شعراً؟ قال: نعم! وأنشد:

لعمري لئن أمسيت بالفرش مقصـداً

 

ثوياك عبـودٌ وعـدنة أو صـفـر

ففرع صبـا أو تـيمـم مـصـعـداً

 

لربعٍ قديم العهد ينـتـكـف الأثـر

دعا أهله بالشأم بـرقٌ فـأوجـفـوا

 

ولم أر متبوعاً أضر من الـمـطـر

لتستبدلن قلبـاً عـينـاً سـواهـمـا

 

وإلا أتى قصداً حشاشتـك الـقـدر

خليلي فيما عشـتـمـا أو رأيتـمـا

 

هل اشتاق مضرورٌ إلى من به أضر

نعم ربما كان الـشـقـاء مـتـيحـاً

 

يغطي على سمع ابن آدم والبصـر

قال: فانصرف به “أبو عبيدة” إلى منزله، وأطعمه وكساه وحمله، وانصرف وهو يقول:

أصاب دواء علتك الطـبـيب

 

وخاض لك السلو ابن الربيب

وأبصر من رقاك منفـثـاتٍ

 

وداؤك كان أعرف بالطبيب

نصيب ويزيد بن عبد الملك

أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال حدثنا أبو حاتم عن الأصمعي قال: دخل نصيب على يزيد بن عبد الملك ذات يوم، فأنشده قصيدةً امتدحه بها، فطرب لها يزيد واستحسنها، فقال له: أحسنت يا نصيب! سلني ما شئت. فقال: يدك يا أمير المؤمنين بالعطاء أبسط من لساني بالمسألة! فأمر به فملىء فمه جوهراً، فلم يزل به غنياً حتى مات.

نصيب وإبراهيم بن هشام

أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير قال حدثنا أبو غزية عن عبد الرحمن بن أبي الزناد قال: دخل نصيبٌ على إبراهيم بن هشام وهو والٍ على المدينة، فأنشده قوله:

يابن الهشامين لا بيت كبيتهمـا

 

إذا تسامت إلى أحسابها مضر

فقال له إبراهيم: قم يا أبا محجن إلى تلك الراحلة المرحولة فخذها برحلها. فقام إليها نصيب متباطئاً والناس يقولون: ما رأينا عطيةً أهنأ من هذه ولا أكرم ولا أعجل ولا أجزل. فسمعهم نصيب فأقبل عليهم وقال: والله إنكم قلما صاحبتم الكرام! وما راحلةٌ ورحل حتى ترفعوهما فوق قدرهما!

نصيب وهشام بن عبد الملك

أخبرني الحرمي وعيسى بن الحسين قالا حدثنا الزبير عن عبد الله بن محمد بن “عبد الله بن” عمرو بن عثمان بن عفان عن أبيه قال: استبطأ هشام بن عبد الملك حين ولي الخلافة نصيباً ألا يكون جاءه وافداً عليه مدحاً له ووجد عليه. وكان نصيب مريضاً، فبلغه ذلك حين برأ، فقدم عليه وعليه أثر المرض وعلى راحلته أثر النصب، فأنشده قصيدته التي يقول فيها:

حلفت بمن حجت قريشٌ لبـيتـه

 

وأهدت له بدناً عليهـا الـقـلائد

لئن كنت طالت غيبتي عنك إننـي

 

بمبلغ حولي في رضاك لجاهـد

ولكنني قد طال سقمي وأكثـرت

 

علي العهاد المشفقات الـعـوائد

صريع فراشٍ لا يزلن يقلـن لـي

 

بنصحٍ وإشفاقٍ متى أنت قـاعـد

فلما زجرت العيس أسرت بحاجتي

 

إليك وذلت للسـان الـقـصـائد

وإني فلا تستبطنـي بـمـودتـي

 

ونصحي وإشفاقي إليك لعـامـد

فلا تقصني حتى أكون بصـرعةٍ

 

فييأس ذو قربي ويشمت حـاسـد

أنلني وقربنـي فـإنـي بـالـغٌ

 

رضاك بعفوٍ مـن نـداك وزائد

أبت نائماً أما فـؤادي فـهـمـه

 

قليلٌ وأما مس جلـدي فـبـارد

وقد كان لي منكم إذا ما لقيتـكـم

 

ليانٌ ومعروف وللـخـير قـائد

إليك رحلت العيس حتى كأنـهـا

 

قسي السرى ذبلاً برتها الطـرائد

وحتى هواديها دقاقٌ وشـكـوهـا

 

صريف وباقي النقي منها شرائد

وحتى ونت ذات المراح فأذعنـت

 

إليك وكل الراسمات الحـوافـد

قال: فرق له هشامٌ وبكى، قال له: ويحك يا نصيب! لقد أضررنا بك وبرواحلك. ووصله وأحسن صلته واحتفل به.

نصيب وعبد الواحد النصري أمير المدينة

أخبرنا الحرمي عن الزبير عن عمه عن أيوب بن عبابة قال: قدم نصيبٌ على عبد الواحد النصري وهو أمير المدينة بفرضٍ من أمير المؤمنين يضعه في قومه من بني ضمرة، فأدخلهم عليه ليفرض لهم وفيهم أربعة غلمةٍ لم يحتلموا، فردهم النصري. فكلمه نصيبٌ كلاماً غليظاً إدلالاً بمنزلته عند الخليفة، فأشار إليه إبراهيم بن عبد الله بن مطيع أن اسكت وكف واخرج، فإني كافيك. فلما خرج إبراهيم لقيه نصيب، فقال له: أشرت إلي فكرهت أن أغضبك، فما كرهت لي من مراجعته والصلابة له ومن ورائي المستعتب من أمير المؤمنين؟ فقال إبراهيم: هو رجلٌ عربي حديدٌ غلقٌ، وخشيت إن جاذبته شيئاً ألا يرجع عنه وأن يمضي عليه ويلج فيه، وهو مالكٌ للأمر وله فيه سلطان، فأردت أن تخرج قبل أن يلج ويظهر منه ما لا يرجع عنه فيمضي عليه ويلج فيه، فتنتظر لتصادف منه طيب نفس فتكلمه ونرفدك عنده. فقال نصيب:

يومان يومٌ لزريقٍ فسل

 

يومه الآخر سمحٌ فضل

أنا – جعلت فداءك – فاعلٌ ذلك، فإذا رأيت القول فأشر إلي حتى أكلمه.
قال: ودخل إليه نصيب عشياتٍ، كل ذلك يشير إليه ابن مطيع ألا يكلمه، حتى صادف عشيةً من العشيات منه طيب نفس، فأشار إليه أن كلمه. فكلمه نصيبٌ فأصاب مختله بكلامه، ثم قال: إني قد قلت شعراً فاسمعه أيها الأمير وأجزه، ثم قال:

أهاج البكا ربعٌ بأسفل ذي الـسـدر

 

عفاه اختلاف العصر بعدك والقطر

نعم فثناني الوجد فاشتـقـت لـلـذي

 

ذكرت وليس الشوق إلا مع الذكـر

حلفت برب الموضعـين لـربـهـم

 

وحرمة ما بين المقام إلى الحـجـر

لئن حاجتي يوماً قضيت ورشتـنـي

 

بنفحة عرف من يديك أبـا بـشـر

لتعترفـن الـدهـر مـنـي مـودةً

 

ونصحاً على نصح وشكراً على شكر

سقى الله صوب المزن أرضاً عمرتها

 

بري وأسقاها بلاد بـنـي نـصـر

بوجهك فاستعملت ما دمـت خـائفـاً

 

لربك تقضي راشداً آخـر الـدهـر

لتنقذ أصحابـي وتـسـتـر عـورةً

 

بدت لك من صحبي فإنك ذو ستـر

فما بأمير المؤمـنـين إلـى الـتـي

 

سألت فأعطاني لقومي مـن فـقـر

وقد خرجت منه إلـيك فـلا تـكـن

 

بموضع بيضات الأنوق من الوكـر          

قال: فقال عثمان بن حيان المري وهو عنده – وكان قد جاءه بالقود من ابن حزم -: قد احتلم الآن القوم أيها الأمير، واستوجبوا الفرض. ورفده ابن مطيع فأحسن، واشتد عليه أن شركه ابن حيان في رفده وتشييعه وقال النصري لابن مطيع وابن حيان: صدقتما قد احتلموا واستوجبوا الفرض، افرض لهم يا فلان – لكاتبٍ من كتابه – ففرض لهم.

عشقه أمة لبني مدلج وشعره فيها

أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثني جعفر بن علي اليشكري قال حدثني الرياشي عن العتبي قال: دخل نصيب على عبد العزيز بن مروان، فقال له عبد العزيز وقد طال الحديث بينهما: هل عشقت قط؟ قال: نعم، أمةً لبني مدلج. قال: فكنت تصنع ماذا؟ قال: كانوا يحرسونها مني، فكنت أقنع أن أراها في الطريق وأشير إليها بعيني أو حاجبي، وفيها أقول:

وقفت لها كيما تمـر لـعـلـنـي

 

أخالسها التسليم إن لـم تـسـلـم

ولما رأتني والـوشـاة تـحـدرت

 

مدامعها خوفـاً ولـم تـتـكـلـم

مساكين أهل العشق ما كنت أشتري

 

جميع حياة العاشـقـين بـدرهـم

فقال عبد العزيز: ويحك! فما فعلت؟ قال: بيعت فأولدها سيدها. قال: فهل في نفسك منها شيء؟ قال: نعم، عقابيل أحزان.

عبد العزيز يحمل دينا عن نصيب

أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني بهلول بن سليمان بن قرضاب البلوي: أن إبلاً لنصيب أجدبت وحالت، وكان لرجل من أسلم عليه ثمانية آلاف درهم قال: فأخبرني أبي وعمي أنه وفد على عبد العزيز بن مروان، فقال له: جعلني الله فداءك! إني حملت ديناً في إبل ابتعتها مجدباتٍ حيال، وقد قلت فيها شعراً.
قال: انشده، فأنشده:

فلما حملت الدين فيها وأصبحـت

 

حيالاً مسنات الهوى كدت أنـدم

على حين أن راث الربيع ولم يكن

 

لها بصعيدٍ من تهامة مقـضـم

ثمانيةٌ للأسـلـمـي ومـا دنـا

 

لفحشٍ ولا تدنو إلى الفحش أسلم

فقال له عبد العزيز: فما دينك؟ ويحك! قال: ثمانية آلاف، فأمر له بثمانية آلاف درهم. فلما رجع أنشد الأسلمي الشعر فترك ماله عليه، قال: الثمانية الآلاف لك.

نصيب والنسوة الثلاث في المسجد الحرام

أخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني الموصلي عن ابن أبي عبيدة قال: أتى نصيبٌ مكة فأتى المسجد الحرام ليلاً. فبينما هو كذلك إذ طلع نسوةٍ فجلسن قريباً منه وجعلن يتحدثن ويتذاكرن الشعر والشعراء، وإذا هن من أفصح النساء وآدابهن. فقالت إحداهن: قاتل الله جميلاً حيث يقول:

وبين الصفا والـمـروتـين ذكـرتـكـم

 

بمختلـفٍ مـا بـين سـاعٍ ومـوجـف

وعند طـوافـي قـد ذكـرتـك ذكـرةً

 

هي الموت بل كادت على الموت تضعف

فقالت الأخرى: بل قاتل الله كثير عزة حيث يقول:

طلعن علينا بين مروة والصـفـا

 

يمرن على البطحاء مور السحائب

فكدن لعمر الله يحـدثـن فـتـنةً

 

لمختشعٍ من خشية الـلـه تـائب

فقالت الأخرى: قاتل الله ابن الزانية نصيباً حيث يقول:

ألام على ليلى ولو أستطيعـهـا

 

وحرمة ما بين البنية والسـتـر

لملت على ليلى بنفسـي مـيلةً

 

ولو كان في يوم التحالق والنحر

فقام نصيبٌ إليهن فسلم عليهن، فرددن عليه السلام. فقال لهن: إني رأيتكن تتحادثن شيئاً عندي منه علمٌ. فقلن: ومن أنت؟ فقال: اسمعن أولاً. فقلن: هات. فأنشدهن قصيدته التي أولها:

ويوم ذي سلمٍ شاقـتـك نـائحةٌ

 

ورقاء في فننٍ والريح تضطرب

فقلن له: نسألك بالله وبحق هذه البنية، من أنت؟ فقال: أنا ابن المظلومة المقذوفة بغير جرم “نصيب”. فقمن إليه فسلمن عليه ورحبن به، واعتذرت إليه القائلة، وقالت: والله ما أردت سوءاً، وإنما حملني الاستحسان لقولك على ما سمعت. فضحك وجلس إليهن. فحادثهن إلى أن انصرفن.