ذكر نسب القطامي وأخباره

ذكر نسب القطامي وأخباره

القطامي لقب غلب عليه، واسمه عمير بن شييم ، وكان نصرانياً، وهو شاعر إسلامي مقل مجيد .

أخبرني عمي قال: حدثنا الكراني قال: حدثنا العمري، عن الهيثم بن عدي، عن عبد الله بن عياش، عن مجالد، عن الشعبي قال: قال عبد الملك بن مروان، وأنا حاضر، للأخطل: يا أخطل، أتحب أن لك بشعرك شعر شاعر من العرب؟ قال: اللهم لا، إلا شاعراً منا مغدف القناع ، خامل الذكر، حديث السن، إن يكن في أحد خير فسيكون فيه، ولوددت أني سبقته إلى قوله:

يقتلننا بحـديث لـيس يعـلـمـه

 

من يتقين ولا مكـنـونـه بـادي

فهن ينبذن من قول يصـبـن بـه

 

مواقع الماء من ذي الغلة الصادي

أخبرني أبو الحسن الأسدي، قال: حدثنا محمد بن صالح بن النطاح قال: القطامي أول من لقب ” صريع الغواني ” بقوله:

صريع غوان راقهـن ورقـنـه

 

لدن شب حتى شاب سود الذوائب

قال أبو عمرو الشيباني:  

نزل القطامي في بعض أسفاره بامرأة من محارب قيس، فنسبها، فقالت: أنا من قوم يشتوون القد من الجوع، قال: ومن هؤلاء ويحك؟ قالت: محارب، ولم تقره، فبات عندها أسوأ ليلة، فقال فيها قصيدة أولها :

نأتك بليلى نـية لـم تـقـارب

 

وما حب ليلى من فؤادي بذاهب

يقول فيها:

ولا بد أن الضيف يخبر مـا رأى

 

مخبر أهله أو مخبر صـاحـب

سأخبرك الأنباء عـن أم مـنـزل

 

تضيفتها بين العذيب فـراسـب

تلفعت في طل وريح تلـفـنـي

 

وفي طرمساء غير ذي كواكـب

إلى حيزبون توقد النار بـعـدمـا

 

تلفعت الظلماء من كل جـانـب

تصلى بها برد العشاء ولم تـكـن

 

تخال وميض النار يبدو لراكـب

فما راعهـا إلا بـغـام مـطـية

 

تريح بمحسور من الصوت لاغب

تقول وقد قربت كوري وناقـتـي

 

إليك فلا تذعر علـي ركـائبـي

فلما تنازعنا الحديث سألـتـهـا:

 

من الحي؟ قالت: معشر محارب

من المشتوين القد ممـا تـراهـم

 

جياعاً وريف الناس ليس بعازب

فلما بدا حرمانها الضيف لم يكـن

 

علي مناخ السوء ضـربة لازب

قال أبو عمر بن العلاء: أول ما حرك من القطامي ورفع من ذكره أنه قدم في خلافة الوليد بن عبد الملك دمشق ليمدحه، فقيل له: إنه بخيل لا يعطي الشعراء. وقيل: بل قدمها في خلافة عمر بن عبد العزيز ، فقيل له: إن الشعر لا ينفق عند هذا ولا يعطي عليه شيئاً، وهذا عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك فامتدحه، فمدحه، بقصيدته التي أولها :

إنا محيوك فاسلم أيها الطـلـل

 

وإن بليت وإن طالت بك الطيل

فقال له: كم أملت من أمير المؤمنين؟ قال: أملت أن يعطيني ثلاثين ناقة. فقال: قد أمرت لك بخمسين ناقة موقرة براً وتمراً وثياباً، ثم أمر بدفع ذلك إليه.
وفي أول هذه القصيدة غناء نسبته:

إنا محيوك فاسلم أيها الطـلـل

 

وإن بليت وإن طالت بك الطيل

يمشين رهواً فلا الأعجاز خاذلة

 

ولا الصدور على الأعجاز تتكل

الغناء لسليم، هزج بالبنصر، وقيل: إنه لغيره أخبرني ابن عمار قال: حدثنا محمد بن عباد قال: قال أبو عمر الشيباني: لو قال القطامي بيته :

يمشين رهواً فلا الأعجاز خاذلة

 

ولا الصدور على الأعجاز تتكل

في صفة النساء لكان أشعر الناس.
ولو قال كثير:

فقلت لها: يا عز كل مصـيبة

 

إذا وطنت يوماً لها النفس ذلت

في مرثية أو صفة حرب لكان أشعر الناس.
واخبرني أحمد بن جعفر جحظة قال: حدثني ميمون بن هارون قال: حدثني رجل كان يديم الأسفار، قال: سافرت مرة إلى الشام على طريق البر ، فجعلت أتمثل بقول القطامي :

قد يدرك المتأني بعض حاجته

 

وقد يكون مع المستعجل الزلل

ومعي أعرابي قد استأجرت منه مركبي، فقال: ما زاد قائل هذا الشعر على أن ثبط الناس عن الحزم، فهلا قال بعد بيته هذا:

وربما ضر بعض الناس بطؤهم

 

وكان خيراً لهم لو أنهم عجلوا

 كان السبب في أسر القطامي، على ما حكاه من ذكرنا، وذكر ابن الكلبي عن عرام بن حازم بن عطية الكلبي قال: أغار زفر بن الحارث على أهل المصيخ ، وبه جماعة من الحاج وغيرهم، وقد أصاب أول النهار أهل ماء يقال له: حفص ، وفيه سيد بني الجلاح مصاد بن المغيرة بن أبي جبلة، فأسره، فأتى به قرقيسيا ، ثم من عليه، وقتل عفيفي بن حسان بن حصين من بني الجلاح، ثم مضى زفر إلى المصيخ فاجتمع من بها إلى عمير بن حسان بن عمر بن جبلة فامتنعوا، فقال لهم زفر: إني لا أريد دماءكم، فأبوا وقاتلوا فقتل منهم جماعة كبيرة، وقتل معهم رجلان من تغلب، يقال لأحدهما: جساس، والآخر غني، وهو أبو جساس. وقد قالت له امرأته: يا أبا جساس، هؤلاء قومك فأتهم حين اجتمعوا وامتنعوا، فقال: اليوم نزاري وأمس كلبي! ما أنا بمفارقهم، فقاتل حتى قتل، فكانت القتلى يوم المصيخ من كلب ثمانية عشر رجلاً والتغلبيين، وبقي الماء ليس فيه إلا النساء. فلما انصرف عنهم زفر أراد النساء أن يجررن القتلى إلى بئر يقال لها: كوكب. فلما أردن أن يجررن رجلاً قالت وليته من النساء: لا يكون فلان تحت رجالكن كلهم، فأتت أم عمير بن حسان، وهي كيسة بنت أبي، فأعلقت في رجله رداءها، ثم قالت: اجسر عمير فإن أباك كان جسوراً، ثم ألقت عليه التراب والحطب ليكون بينه وبين أصحابه شيء. ثم جعلن كلما ألقين رجلاً ألقين عليه التراب والحطب حتى وارتهم القليب. ولما بلغ حميد بن حريث بن بحدل ما لقي قومه أقبل حتى أتى تدمر ليجمع أصحابه، وليغير على قيس. فلما وقعت الدماء نهض بنو نمير، وهم يومئذ ببطن الجبل، وهم على مياه لهم ، إلى حميد بن حريث بن بحدل، حتى قدم وراءه يتهيأ للغارة، واجتمعت إليه كلب، وقالوا له: إن كنت تبرئنا ببراءتنا، وتعرف جوارنا أقمنا، وإن كنت تتخوف علينا من قومك شيئاً لحقنا بقومنا، فقال: أتريدون أن تكونوا أدلاءهم حتى تنجلي هذه الفتنة؟ فاحتبسهم فيها، وخليفته في تدمر رجل من كلب يقال له: مطر بن عوص، وكان فاتكاً، فأراد حميداً على قتلهم، فأبى وكره الدماء، فلما سار حميد، وقد عاد زفر أيضاً مغيراً، ليرده عما يريده، فنزل قرية له، وبلغه مسير زفر فاغتاظ وأخذ في التعبئة، فأتاه مطر وكان خرج معه مشيعاً له انتهازاً لدماء الذين في يده من النمريين، فقال: ما أصنع بهؤلاء الأسارى الذين في يدي وقد قتل أهل مصبح؟ فقال وهو لا يعقل من الوجد: اذهب فاقتلهم. فخرج مطر يركض إلى تدمر، تخوف ألا يبدو له ، فلما أتى تدمر قتلهم ، وانتبه حميد بعد ذلك بساعة فقال: أين مطر حتى أوصيه؟ قالوا: انصرف، قال : أدركوا عدو الله، فإني أخاف على من بيده من النمريين.

وبعث فارساً يركض يمنع مطراً عن قتلهم، فأتاه وقد قتل كل من في يده من الأسرى إلا رجلين – وكانوا ستين رجلاً – فلما بلغه الرسول رسالة حميد قال النمريان الباقيان: خل عنا فقد أمرت بتخلية سبيلنا، فقال: أبعد هذا المصيخ! لا والله لا تخبران عنهم، ثم قتلهما. فلما بلغ زفر قتل النمريين بسط يده على كل من أدرك من كلب، واستحل الدماء، وأخذ في واد يقال له وادي الجيوش، وقد انتشرت به كلب للصيد، فلم يدرك به أحداً إلا قتله، فقتل أكثر من خمسمائة، ولم يلقه حميد. ثم انصرف إلى قرقيسياء.

وذكر بعض بني نمير أن زفر أغار على كلب يوم حفير ويوم المصيخ ويوم الفرس، فقتل منهم أكثر من ألف رجل، قال: وأغار عليهم زفر في يوم الإكليل فقتل منهم مقتلة عظيمة، واستاق نعماً كثيرة.

وذكر عرام قال: قتل زفر يوم الإكليل جبير بن ثعلبة من بني الجلاح، وحسان بن حصين من بني الجلاح، ومحمد بن طفيل بن مطير بن أبي جبلة، وعمرو بن حسان بن عوف من بني الجلاح، ومحمد بن جبلة بن عوف، أخوان لأم. وقالت امرأة من بني كلب ترثيهم:

أبعد من دليت في كـوكـب

 

يا نفس ترجين ثواء الرجال؟

قال لقيط: أخبرني بعض بني نمير قال: أغار عمير بن الحباب على كلب فأصابهم يوم الغوير ويوم الهبل ويوم كآبة.

 أما يوم الغوير فإنه أرسل رجلاً من بني نمير يقال له كليب بن سلمة عيناً له، ليعلم له علم ابن بحدل، وكانت أم النميري كلبية، فكانت تتكلم بكلامهم، فكان الحسام بن سالم طريداً فيهم فنذروا به فقتلوه وأخذوا فرسه، فلقي كليب بن سلمة رجلاً من بني كلب فعرفه، فقال: من أين جئت؟ فقال: من عند الأمير حميد بن حريث، قال: وأين تركته؟ قال: بمكان كذا وكذا، قال كليب: كذبت! أنا أحدث به عهداً منك، قال: فأين تركته أنت؟ قال بغوير الضبع، قال: لكني فارقته أمس، فخرج النميري يسوق الكلبي إلى أصحابه – قال: فوالله إني لو أشاء أن أقتله لقتلته، أو آخذه لأخذته – فخرج يسوقه، حتى إذا نظر إلى القوم أنكرهم، فقال: والله ما أرى هؤلاء أصحابنا. قال: ويستدبره النميري فيطعنه عند ناغض كتفه اليمنى، حتى أخرج السنان من حلمة الثدي، وأخطأ المقتل، وحرك الكلبي فرسه مولياً، فاتبعته الخيل حتى يدفع إلى ابن بحدل فانهزم، فقتلوا من كلب مقتلة عظيمة، واتبع عمير بن بحدل فجعل يقول لفرسه:

أقدم صدام إنه ابن بحدل

لا تدرك الخيل وأنت تدأل

ألا تمر مثل مر الأجدل

قال: فمضى حميد حتى يدفع إلى الغوير ، وقد كان الرمح يناله، فانطلق يريد الباب، فطعن عمير الباب وكسر رمحه فيه، فلم يفلت من تلك الخيل غير حميد وشبل بن الخيتار. فلما بلغ ذلك بشر بن مروان قال لخالد بن يزيد بن معاوية: كيف ترى خالي طرد خالك؟ وقال عمير:

وأفلتنا ركضاً حميد بن بـحـدل

 

على سابح غوج اللبان مثـابـر

ونحن جلبنا الخيل قبا شـوازبـاً

 

دقاق الهوادي داميات الدوابـر

إذا انتقصت من شأوه الخيل خلفه

 

ترامى به فوق الرماح الشواجر

تسائل عن حيي رفيدة بعـدمـا

 

قضت وطراً من عبد ود وعامر

وقال شبل بن الختيار:

نجى الحسامية الكبداء مـبـتـرك

 

من جريها وحثيث الشد مـذعـور

من بعد ما التثق السربال طعنـتـه

 

كأنه بنجيع الـورس مـمـكـور

ولي حميد ولم ينـظـر فـوارسـه

 

قبل التقرة والمغـرور مـغـرور

فقد جزعت غداة الروع إذا لقحـت

 

أبطال قيس عليها البيض مشجـور

يهدي أوائلهـا سـمـح خـلائقـه

 

ماضي العنان على الأعداء منصور

يخرجن من برض الإكليل طالـعة

 

كأنهـن جـراد الـحـرة الـزور

وذكر زياد بن يزيد بن عمير بن الحباب، عن أشياخ قومه، قال: أغار عمير بن الحباب على كلب، فلقي جمعاً لهم بالإكليل في ستمائة أو سبعمائة، فقتل منهم فأكثر، فقالت هند الجلاحية تحرض كلباً:

ألا هل ثـأر بـدمـاء قـوم

 

أصابهم عمير لا بن الحباب!

وهل في عامر يوماً نكـير

 

وحيي عبد ود أو جـنـاب!

فإن لم يثأروا من قد أصابوا

 

فكانوا أعبداً لبنـي كـلاب

أبعد بني الجلاح ومن تركتم

 

بجانب كوكب تحت التراب

تطيب لغائر منـكـم حـياة

 

ألا لا عيش للحي المصاب

فاجتمعوا فقاتلهم عمير، وأصاب فيهم، ثم أغار فلقي جمعاً منهم بالجوف فقتلهم، ثم أغار عليهم بالسماوة فقتل منهم مقتلة عظيمة، فقال عمير:

ألا يا هند هند بني الـجـلاح

 

سقيت الغيث من قلل السحاب

ألما تخبـري عـنـا بـأنـا

 

نرد الكبش أغضب في تباب

ألا يا هند لو عـانـيت يومـاً

 

لقومك لامتنعت من الشراب

غداة ندوسهم بالخيل حـتـى

 

أباد القتل حي بني جـنـاب

ولو عطفت مواساة حـمـيداً

 

لغودر شلوه جـزر الـذئاب

 وذكر زياد بن يزيد بن عمير بن الحباب، عن أشيخ قومه، قال: خرج عمير فأغار على قومه أيضاً يوم الغوير، فلما دنا من الغوير وصار بين حميد ودمشق دعا رجلاً من بني نمير، وقال له: سر الآن حتى تأتي حميد بن بحدل، فقل له: أجب، فإن قال: من؟ فقل: صاحب عقد خرج قبل ذلك بيومين من دمشق، فإن جاء معك فلا تهجه حتى تأتيني به، فنكون نحن الذين نلي منه ما نريد أن نلي، فإنه إن ركب الحسامية لم يدرك. فأتاه النميري فقال: أجب، فقال: ومن؟ قال: فلان بن فلان صاحب العقد. قال: فركب ابن بحدل الحسامية. ثم خرج يسير في أثر النميري، حتى طلع النميري على عمير، فقال النميري في نفسه: أقتله أنا أحب إلي من أن يقتله عمير لقتله الحسام بن سالم، فعطف عليه، وولى حميد، وأتبعه عمير وأصحابه، وترك العسكر، وأمرهم عمير أن يميلوا إلى القوم ، فذلك حيث يقول لفرسه:

أقدم صدام إنه ابن بحدل

فاستباح عسكر ابن بحدل وانصرف.

ثم أغار عليهم يوم دهمان كما ذكر عون بن حارثة بن عدي بن جبلة أحد بني زهير عن أبيه: قال: أغار عمير على كلب، فأخذ الأموال، وقتل الرجال، وبلغ ابن بحدل نخرجه من الجزيرة، فجمع له، ثم خرج يعارضه، حتى إذا دنا منهم بعث العين يأخذ لهم أثر القوم، فأتاه العين فأخبره أن عميراً قد أتى دهمان فاستباح فيهم ، ثم خلف عسكره وخرج هو في طلب قوم قد سمع بهم، فقال حميد لأصحابه: تهيئوا للبيات، وليكن شعاركم: ” نحن عباد الله حقاً حقاً ” . فبيتهم فقتل فيهم فأوجع. وانقلب عمير حين أصبح، إلى عسكره، حتى إذا أشرف على عسكره رأى ما أنكره من كثرة السواد، فقال لأصحابه: إني أرى شيئاً ما أعرفه، وما هو بالذي خلفنا، فلما رآهم ابن بحدل قال لأصحابه: احملوا عليهم، فقتل من الفريقين جميعاً ، فقال ابن مخلاة:

لقد طار في الآفاق أن ابن بحدل

 

حميداً شفى كلباً فقرت عيونها

وقال منذر بن حسان:

وبادية الجواعر من نـمـير

 

تنادي وهي سافر النقـاب

تنادي بالجزيرة: يا لـقـيس

 

وقيس بئس فتيان الضراب

قتلنا منهم مائتـين صـبـراً

 

وألفاً بالتلاع وبالـروابـي

وأفلتنا هجين بنـي سـلـيم

 

يفدي المهر من حب الإياب

فلولا الله والمهر المـفـدى

 

لغودر وهو غربال الإهاب

ثم سار عمير، وجمع لهم أكثر مما كان تجمع، فأغار عليهم، فقتل منهم مقتلة، واستاق الغنائم وسبى. فلما سمعت كلب بإيقاعه تحملت من منزلها هاربة منه، فلم يبق منهم أحد في موضع يقدر عمير على الغارة عليه إلا أن يخوض إليهم غيرهم من ألأحياء، ويخلف مدائن الشام خلف ظهره، وصاروا جميعاً إلى الغوير ، فقال عمير في ذلك:

بشر بني القين بطعن شرج

 

يشبع أولاد الضباع العـرج

ما زال إمراري لهم ونسجي

 

وعقبتي للكور بعد السـرج

حتى اتقوني بالظهور الفلـج

 

هل أجزين يوماً بيوم المرج

ويوم دهمان ويوم هـرج

 

 

وقال رجل من نمير:

أخذت نساء عبد الله قـهـراً

 

وما أعفيت نسوة آل كـلـب

صبحناهم بخيل مـقـربـات

 

وطعن لأكفاء لـه وضـرب

يبكين ابن عمرو وهو تسفـي

 

عليه الريح ترباً بعـد تـرب

وسعد قد دنا مـنـه حـمـام

 

بأسمر من رماح الخط صلب

وقد قالت أمامة إذ رأتـنـي:

 

بليت وما لقيت لقاء صحـب

وقد فقدت معانقتـي زمـانـاً

 

وشد المعصمين فويق حقـب

لقد بدلت بعدي وجـه سـوء

 

وآثاراً بجلدك يا بن كـعـب

فقلت لها كذلك مـن يلاقـي

 

عتاق الخيل تحمل كل صعب

وقال المجير بن أسلم القشيري:

أصبحت أم معمر عذلـتـنـي

 

في ركوبي إلى منادي الصباح

فدعيني أفيد قومـك مـجـداً

 

تندبينـي بـه لـدى الأنـواح

كل حي أذقت نعمي وبؤسـى

 

ببني عامر الطوال الـرمـاح

وصدمنا كلباً فـبـين قـتـيل

 

أو سليب مشرد مـن جـراح

وأتونا بـكـل أجـرد صـاف

 

ورجـال مـعـدة وسـلاح

وقال أيضاً:

أبلغ عامراً عـنـي رسـولاً

 

وأبلغ إن عرضت بني جناب

هلم إلى جـياد مـضـمـرات

 

وبيض لا تفل من الـضـراب

وسمر في المـهـزة ذات لـين

 

نقيم بهن من صعر الـرقـاب

إذا حشدت سليم حـول بـيتـي

 

وعامرها المركب في النصاب

فمن هذا يقارب فخر قـومـي

 

ومن هذا الذي يرجو اغتصابي؟

وقال زفر بن الحارث:

يا كلب قد كلب الزمان عليكـم

 

وأصابكم مني عذاب مرسـل

أيهولنا يا كلب أصـدق شـدة

 

يوم اللقاء أم الـهـويل الأول

إن السماوة لا سماوة فالحقـي

 

بالغور فالأفحاص بئس الموئل

فجنوب عكا فالسواحل إنـهـا

 

أرض تذوب بها اللقاح وتهزل

أرض المذلة حيث عقت أمكم

 

وأبوكم أو حيث مزع بحـدل

وقال عمير بن الحباب:

وردن على الغوير غوير كلـب

 

كأن عيونها قـلـب انـتـزاح

أقر العين مـصـرع عـبـدود

 

وما لاقت سراة بني الـجـلاح

وقـائمة تـنـادي يا لـكـلـب

 

وكلب بئس فتيان الـصـبـاج

وكلب تركنا جمعهم بين هـارب

 

حذار المنايا أو قتـيل مـجـدل

وأفلتنا لما التـقـينـا بـعـاقـد

 

على سابح عند الجراء ابن بحدل

وأقسم لو لاقيتـه لـعـلـوتـه

 

بأبيض قطاع الضريبة مقصـل

وقال عمير أيضاً:

وكلباً تركناهـم فـلـولاً أذلة

 

أدرنا عليهم مثل راغية البكر

وقال جهم القشيري:

يا كلب مهلاً عن بني عامر

 

فليس فيها الجد بالعـاثـر

ولى حميد وهو في كـربة

 

على طويل متنه ضامـر

بالأم يفديها وقد شـمـرت

 

كاللبوة الممطولة الكاسـر

هلا صبرتم للقنـا سـاعة

 

ولم تكن بالماجد الصابر؟

وقال عمير:

وأفلتنا ركضاً حميد بن بـحـدل

 

على سابح غوج اللبان مثـابـر

إذا انتقصت من شأوه الخيل خلفه

 

ترامى به فوق الرماح الشواجر

لدن غدوة حتى نزلنـا عـشـية

 

يمر كمريخ الغلام المخـاطـر

وقال عمير:

يا كلب لم تترك لكم أرماحـنـا

 

بلوى السماوة فالغوير مـرادا

يا كلب أحرمنا السماوة فانظري

 

غير السماوة في البلاد بـلادا

ولقد صككنا بالفوارس جمعكـم

 

وعديدكم يا كلب حتـى بـادا

ولقد سبقت بوقعة تركـتـكـم

 

يا كلب بالحرب العوان بعـادا

وقال زفر بن الحارث:

جرى الله خيراً كلـمـا ذر شـارق

 

سعيداً ولاقته التـحـية والـرحـب

وحلحـلة الـمـغـوار لـلـه جـده

 

فلو لم ينله القتل بادت إذن كـلـب

بني عبد ود لا نـطـالـب ثـأرنـا

 

من الناس بالسلطان إن شبت الحرب

ولكن بيض الهند تسـعـر نـارنـا

 

إذا ما خبت نار الأعادي فما تخبـو

أبادتكم فرسان قـيس فـمـا لـكـم

 

عديد إذا عد الحصى لا ولا عـقـب

بأيديهـم بـيض رقـاق كـأنـهـا

 

إذا ما انتضوها في أكفهم الشـهـب

فسبوهم إن أنتـم لـم تـطـالـبـوا

 

بثأركم قد ينفع الطـالـب الـسـب

وما امتنع الأقوام عـنـا بـنـأيهـم

 

سواء علينا النأي في الحرب والقرب

وقال عمير:

شفيت الغليل من قضاعة عنوة

 

فظل لها يوم أغر محـجـل

جزيناهم بالمرج يوماً مشهراً

 

فلاقوا صباحاً ذا وبال وفتلوا

فلم يبق إلا هارب من سيوفنا

 

وإلا قتيل في مكر مـجـدل

وقال ابن الصفار المحاربي :

عظمت مصيبة تغلب ابنة وائل

 

حتى رأت كلب مصيبتها سوى

شتموا وكان الله قد أخـزاهـم

 

وتريد كلب أن يكون لها أسـا

وبكم بدأنا يال كلب قتـلـهـم

 

ولعلنا يوماً نعود لكم عـسـى

أخنت على كلب صدور رماحنا

 

ما بين أقبلة الغوير إلى سـوا

وعركن بهراء بن عمرو عركة

 

شفت الغليل ومسهم منـا أذى

وقال الراعي:  

متى نفترش يوماً عليماً بـغـارة

 

يكونوا كعوص أو أذل وأضرعا

وحي الجلاح قد تركنا بـدارهـم

 

سواعد ملقاة وهاماً مصـرعـا

ونحن جدعنا أنف كلب ولم نـدع

 

لبهراء في ذكر من الناس مسمعا

قتلنا لو أن القتل يشفي صدورنـا

 

بتدمر ألفاً من قضاعة أقـرعـا

وقال زفر بن الحارث – وذكر أبو عبيدة أنها لعقيل بن علفة :

أقر العيون أن رهط ابن بحدل

 

أذيقوا هواناً بالذي كان قدمـا

صبحناهم البيض الرقاق ظباتها

 

بجانب خبث والوشيج المقومـا

وجرداء ملتها الغزاة فكلـهـا

 

ترى قلقاً تحت الرحالة أهضما

بكل فتى لم تأبر النخـل أمـه

 

ولم يدع يوماً للغرائر معكمـا

وهذه الحروب التي جرت: ببنات قين . فلما ألح عمير بالغارات على كلب رحلت حتى نزلت غوري الشام، فلما صارت كلب بالموضع الذي صارت قيس، انصرفت قيس في بعض ما كانت تنصرف من غزو كلب، وهم مع عمير، فنزلوا بثني من أثناء الفرات بين منازل بني تغلب، وفي بني تغلب امرأة من تميم يقال لها: أم دويل ناكحة في بني مالك بن جشم بن بكر، وكان دويل من فرسان بني تغلب، وكانت لها أعنز بمجنبة ، فأخذوا من أعنزها ، أخذها غلام من بني الحريش، فشكوا ذلك إلى عمير فلم يشكهم، وقال: معرة الجند. فلما رأى أصحابه أنه لم يقدعهم وثبوا على بقية أعنزها فأخذوها وأكلوها، فلما أتاها دويل أخبرته بما لقيت، فجمع جمعاً ثم سار فأغار على بني الحريش، فلقي جماعة منهم فقاتلوه، فخرج رجل من بني الحريش – زعمت تغلب أنه مات بعد ذلك – وأخذ ذوداً لامرأة من بني الحريش يقال لها: أم الهيثم، فبلغ الأخطل الوقعة، فلم يدر ما هي، وقال وهو براذان :

أتاني ودوني الزابيان كلاهما

 

ودجلة أنباء أمر من الصبر

أتاني بأن ابني نزار تهـاديا

 

وتغلب أولى بالوفاء وبالغدر

فلما تبين الخبر قال:

وجاءوا بجمع ناصري أم هيثم

 

فما رجعوا من ذودها ببعير

فلما بلغ ذلك قيساً أغارت على بني تغلب بإزراء الخابور ، فقتلوا منهم ثلاثة نفر، واستاقوا خمسة وثلاثين بعيراً، فخرجت جماعة من تغلب، فأتوا زفر بن الحارث وذكروا له القرابة والجهوار، وهم بقرقيسيا، وقالوا: ائتنا برحالنا ورد علينا نعمنا، فقال: أما النعم فنردها عليكم، أو ما قدرنا لكم عليه، ونكمل لكم نعكم من نعمنا إن لم نصبها كلها، وندي لكم القتلى، قالوا له: فدع لنا قريات الخابور، ورحل قيساً عنها، فإن هذه الحروب لن تطفأ ما داموا مجاورينا، فأبى ذلك زفر، وأبواهم أن يرضوا إلا بذلك، فناشدهم الله وألح عليهم، فقال له رجل من النمر كان معهم: والله ما يسرني أنه وقاني حرب قيس كلب أبقع تركته في غنمي اليوم، وألح عليهم زفر يطلب إليهم ويناشدهم، فأبوا فقال عمير: لا عليك، لا تكثر، فوالله إني لأرى عيون قوم ما يريدون إلا محاربتك، فانصرفوا من عنده، ثم جمعوا جمعاً، وأغاروا على ما قرب من قرقيسيا من قرى القيسية، فلقيهم عمير بن الحباب، فكان النميري الذي تكلم عند زفر أول قتيل، وهزم التغلبيين، فأعظم ذلك الحيان جميعاً قيس وتغلب، وكرهوا الحرب وشماتة العدو.

فذكر سليمان بن عبد الله بن الأصم:  

أن إياس بن الخراز، أحد بني عتيبة بن سعد بن زهير، وكان شريفاً من عيون تغلب، دخل قرقيسيا لينظر ويناظر زفر فيما كان بينهم، فشد عليه يزيد بن بحزن القرشي فقتله، فتذمم زفر من ذلك، وكان كريماً مجمعاً لا يحب الفرقة، فأرسل إلى الأمير ابن قرشة بن عمرو بن ربعي بن زفر بن عتيبة بن بعج بن عتيبة بن سعد بن زهير بن جشم بن الأرقم بن بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب، فقال له: هل لك أن تسود بني نزار فتقبل مني الدية عن ابن عمك؟ فأجابه إلى ذلك. وكان قرشة من أشراف بني تغلب، فتلافى زفر ما بين الحيين، وأصلح بينهم، وفي الصدور ما فيها، فوفد عمير على المصعب بن الزبير، فأعلمه أنه قد أولج قضاعة بمدائن الشام، وأنه لم يبق إلا حي من ربيعة أكثرهم نصارى، فسأله أن يوليه عليهم، فقال: اكتب إلى زفر، فإن هو أراد ذلك وإلا ولاك، فلما قدم على زفر ذكر له ذلك فشق عليه ذلك، وكره أن يليهم عمير فيحيف بهم ويكون ذلك داعية إلى منافرته، فوجه إليهم قوماً، وأمرهم أن يرفقوا بهم، فأتوا أخلاطاً من بني تغلب من مشارق الخابور فأعلموهم الذي وجهوا به، فأبوا عليهم، فانصرفوا إلى زفر، فردهم وأعلمهم أن المصعب كتب إليهم بذلك، ولا يجد بداً من أخذ ذلك منهم أو محاربتهم، فقتلوا بعض الرسل.

وذكر ابن الأصم: أن زفر لما أتاه ذلك اشتد عليه، وكره استفساد بني تغلب، فصار إليهم عمير بن الحباب فلقيهم قريباً من ماكسين على شاطئ الخابور، بينه وبين قرقيسيا مسيرة يوم، فأعظم فيه القتل.

 

وذكر زياد بن يزيد بن عمير بن الحباب: أن القتل استحر ببني عتاب بن سعد، والنمر، وفيهم أخلاط تغلب، ولكن هؤلاء معظم الناس، فقتلوهم بها قتلاً شديداً، وكان زفر بن يزيد أخو الحارث بن جشم له عشرون ذكراً لصلبه، وأصيب يومئذ أكثرهم، وأسر القطامي الشاعر وأخذت إبله، فأصاب عمير وأصحابه شيئاً كثيراً من النعم، ورئيس تغلب يومئذ عبد الله بن شريح بن مرة بن عبد الله بن عمرو بن كلثوم بن مالك بن عتاب بن سعد بن زهير بن جشم، فقتل، وقتل أخوه، وقتل مجاشع بن الأجلح، وعمرو بن معاوية من بني خالد بن كعب بن زهير، وعبد الحارث بن عبد المسيح الأوسي، وسعدان بن عبد يسوع بن حرب ، وسعد ود بن أوس من بني جشم بن زهير، وجعل عمير يصيح بهم: ” ويلكم لا تستبقوا أحداً ” ونادى رجل من بني قشير يقال له الندار: ” أنا جار لكل حامل أتتني، فهي آمنة “، فأتته الحبالى، فبلغني أن المرأة تشد على بطنها الجفنة من تحت ثوبها تشبيهاً بالحبلى بما جعل لهن. فلما اجتمعن له بقر بطونهن فأفزع ذلك زفر وأصحابه، ولام وفر عميراً فيمن بقر من النساء، فقال: فعلته ولا أمرت به، فقال في ذلك الصفار المحاربي:

بقرنا منكم ألفي بقـير

 

فلم نترك لحاملة جنيناً

وقال الأخطل يذكر ذلك:

فليت الخيل قد وطئت قشيراً

 

سنابكها وقد سطع الغبـار

فنجزيهم ببغيهـم عـلـينـا

 

بني لبنى بما فعل الغـدار

وقال الصفار:

تمنيت بالخابور قيساً فصادفت

 

منايا لأسباب وفاق على قدر

وقال جرير:

نبئت أنك بالخابور ممـتـنـع

 

ثم انفرجت انفراجاً بعد إقرار

فقال زفر بن الحارث يعاتب عميراً بما كان منه في الخابور:

ألا من مبلغ عني عمـيراً

 

رسالة عاتب وعليك زاري

أتترك حي ذي كلع وكلـب

 

وتجعل حد نابك في نزار

كمعتمد علـى إحـدى يديه

 

فخانته بوهي وانكـسـار

ولما أسر القطامي أتى زفر بقرقيسيا فخلى سبيله، ورد عليه مائة ناقة، كما ذكر أدهم بن عمران العبدي، فقال القطامي يمدحه:

قفي قبل التفرق يا ضبـاعـا

 

ولا يك موقف منك الوداعـا

قفي فادي أسيرك إن قومـي

 

وقومك لا أرى لهم اجتماعـا

ألم يحزنك أن حـبـال قـيس

 

وتغلب قد تباينت انقطـاعـا

فصارا ما تغبهـمـا أمـور

 

تزيد سنا حريقتها ارتفـاعـا

كما العظم الكسير يهاض حتى

 

يبت وإنما بدأ انـصـداعـا

فأصبح سبل ذلك قد تـرقـى

 

إلى من كان منزله يفـاعـا

فلا تبعد دماء ابـنـي نـزار

 

ولا تقرر عيونك يا قضاعـا

ومن يكن اسـتـلام إلـى ثـوي

 

فقد أحسنت يا زفر المـتـاعـا

أكفراً بعد رد الـمـوت عـنـي

 

وبعد عطائك المائة الـرتـاعـا

فلو بيدي سـواك غـداة زلـت

 

بي القدمان لـم أرج اطـلاعـا

إذن لهلكت لو كانـت صـغـار

 

من الأخلاق تبتـدع ابـتـداعـا

فلم أر منعـمـين أقـل مـنـاً

 

وأكرم عندما اصطنعوا اصطناعا

من البيض الوجوه بنـي نـفـيل

 

أبت أخلاقـهـم إلا اتـسـاعـا

بني القرم الذي علمـت مـعـد

 

تفضل قومهـا سـعة وبـاعـا

وقال أيضاً:

يا زفر بن الحارث بن الأكـرم

 

قد كنت في الحرب قديم المقدم

إذا أحجم القوم ولما تـحـجـم

 

إنك وابنيك حفظتم محـرمـي

وحقن اللـه بـكـفـيك دمـي

 

من بعد ما جف لساني وفمـي

أنقذتني من بطـل مـعـمـم

 

والخيل تحت العارض المسوم

وتغلب يدعون: يا لـلأرقـم

 

 

وقال أيضاً :

يا ناق خبـي خـبـبـاً زوراً

 

وقلبي منسمك المـغـبـرا

وعارضي الليل إذا ما اخضرا

 

سوف تلاقين جـواداً حـرا

سيد قـيس زفـر الأغــرا

 

ذاك الـذي بـايع ثـم بـرا

ونقض الأقوام واسـتـمـرا

 

قد نفع الـلـه بـه وضـرا

وكان في الحرب شهاباً مرا

 

 

وقال أيضاً:

كأن في المركب حين راحا

 

بدراً يزيد البصر انفضاحا

ذا بلج ساواك أني امتاحـا

 

وقر عيناً ورجا الرباحـا

ألا ترى ما غشي الأركاحا

 

وغشي الخابور والأملاحا

يصفقون بالأكف الراحـا

 

 

وقال فيه أيضاً هذه القصيدة التي فيها الغناء المذكور بذكر أخبار القطامي :

ما اعتاد حب سليمى حين معـتـاد

 

ولا تقضى بواقي دينها الطـادي

بيضاء محطوطة المتنين بهـكـنة

 

ريا الروادف لم تمـغـل بـأولاد

ما للكواعب ودعن الحـياة كـمـا

 

ودعنني واتخذن الشيب ميعـادي

أبصارهن إلى الـشـبـان مـائلة

 

وقد أراهن عنـي غـير صـداد

إذ باطلي لم تقشع جـاهـلـيتـه

 

عني ولم يترك الخلان تـقـوادي

كنية الحي من ذي القيضة احتملوا

 

مستحقبين فؤاداً مـا لـه فـادي

بانوا وكانوا حياتي في اجتماعهـم

 

وفي تفرقهم قتلـي وإقـصـادي

يقتلنا بـحـديث لـيس يعـلـمـه

 

من يتقين ولا مكـنـونـه بـادي

فهن ينبذن من قول يصـبـن بـه

 

مواقع الماء من ذي الغلة الصادي

يقول فيها في مدح زفر بن الحارث:

من مبلغ زفر القيسي مدحـتـه

 

من القطامي قولاً غير إفـنـاد

إني وإن كان قومي ليس بينهـم

 

وبين قومك إلا ضربة الهـادي

مثن عليك بما استبقيت معرفتـي

 

وقد تعرض مني مقتـل بـادي

فلن أثيبك بالنعمـاء مـشـتـمة

 

ولن أبدل إحسانـاً بـإفـسـاد

فإن هجوتك ما تمت مكارمتـي

 

وإن مدحت فقد أحسنت إصفادي

وما نسيت مقام الورد تحبـسـه

 

بيني وبين حفيف الغابة الغـادي

لولا كتائب من عمرو تصول بها

 

أرديت يا خير من يندو له النادي

إذ لا ترى العين إلا كل سلهـبة

 

وسابح مثل سيد الردهة العادي

إذ الفوارس من قيس بشكتـهـم

 

حولي شهود وما قومي بشهادي

إذ يعتريك رجال يسألون دمـي

 

ولو أطعتكم أبـكـيت عـوادي

فقد عصيتهم والحرب مقـبـلة

 

لا بل قدحت زناداً غير صـلاد

والصيد آل نفيل خير قومـهـم

 

عند الشتاء إذا ماضن بـالـزاد

المانعون غداة الروع جـارهـم

 

بالمشرفية من ماض ومـنـآد

أيام قومي مكاني منصب لـهـم

 

ولا يظنـون إلا أنـنـي رادي

فانتاشني لك من غماء مظلـمة

 

حبل تضمن إصـداري وإيرادي

ولا كردك مالي بعدما كربـت

 

تبدي الشماتة أعدائي وحسادي

فإن قدرت على خير جزيت به

 

والله يجعل أقواماً بمـرصـاد

قال ابن سلام: فلما سمع زفر هذا قال: لا أقدرك الله على ذلك.
وقال أيضاً:

ألا من مبلغ زفر بن عمرو

 

وخير القول ما نطق الحكيم

أبي ما يقاد الدهر قـسـراً

 

ولا لهوى المصرف يستقيم

أنوف حين يغضب مستعـز

 

جنوح يستبد بـه الـعـزيم

فما آل الحباب إلى نـفـيل

 

إذا عد الممهـل والـقـديم

كأن أبا الحباب إلى نـفـيل

 

حمار عضه فرس عـذوم

بنى لك عامر وبنو كـلاب

 

أرومـاً مـا يوازيه أروم

أخبرني أحمد بن جعفر جحظة، قال: حدثني علي بن يحيى المنجم، قال: سمعت من لا أحصي من الرواة يقولون: أحسن الناس ابتداء قصيد في الجاهلية امرؤ القيس، حيث يقول:

ألا عم صباحاً أيها الطلل البالي ..

وحيث يقول:

قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل..

وفي الإسلاميين القطامي، حيث يقول:

إنا محيوك فاسلم أيها الطلل

وفي المحدثين بشار، حيث يقول:

أبى طلل بالجزع أن يتكلمـا

 

وماذا عليه لو أجاب متيماً؟

وبالفرع آثار لهند وباللـوى

 

ملاعب ما يعرفن إلا توهما

نسخت من كتاب أحمد بن الحارث الخراز – ولم أسمعه من أحد، وهو خبر فيه طول اقتصرت منه على ما فيه من خبر القطامي – قال أحمد بن الحارث الخراز: حدثني المدائني، عن عبد الملك بن مسلم، قال: قال عبد الملك بن مروان للأخطل، وعنده عامر الشعبي: أتحب أن لك قياضاً بشعرك شعر أحمد من العرب أم تحب أنك قلته؟ قال: لا والله يا أمير المؤمنين، إلا أني وددت أني كنت قلت أبياتاً قالها رجل منا مغدف القناع، قليل السماع، قصير الذراع، قال: وما قال؟ فأنشد قول القطامي :

إنا محيوك فاسلم أيها الـطـلـل

 

وإن بليت وإن طالت بك الطـيل

ليس الجديد به تبقى بشـاشـتـه

 

إلا قلـيلاً ولا ذو خـلة يصـل

والعيش لا عيش إلا ما تقـر بـه

 

عين ولا حال إلا سوف تنتـقـل

إن ترجعي من أبي عثمان منجحة

 

فقد يهون على المستنجح العمل

والناس من يلق خيراً قائلون لـه

 

ما يشتهي ولأم المخطئ الهبـل

قد يدرك المتأني بعض حاجـتـه

 

وقد يكون مع المستعجل الزلـل

حتى أتى على آخرها .
قال الشعبي: فقلت له: قد قال القطامي أفضل من هذا، قال: وما قال؟ قلت: قال :

طرقـت جـنـوب رجـالـنـا مـن مـــطـــرق

 

ما كـنـت أحـسـبـهـا قـريب الـمـعـــنـــق

قطـعـت إلـيك بـمـــثـــل حـــيد جـــداية

 

حسـن مـعـلـق تـومــتـــيه مـــطـــوق

ومـصـرعـين مـن الـكــلال كـــأنـــمـــا

 

بكـروا الـغـبـوق مـن الـرحـيق الـمـعـتـــق

متـــوســـدين ذراع كـــل شـــمــــــلة

 

ومـفـرج عـرق الـمـــقـــذ مـــنـــوق

وجـثـت عـلـى ركـب تـهـد بـهـا الـصـفـــا

 

وعـلـى كـلاكـل كـالـنـقـيل الـمــطـــرق

وإذا سـمـعـن إلـى هـــمـــاهـــم رفـــقة

 

ومـن الـنـجـوم غـوابـر لـم تـــخـــفـــق

جعـلـت تـمــيل خـــدودهـــا آذانـــهـــا

 

طربـاً بـهــن إلـــى حـــداء الـــســـوق

كالـمـنـصـتـات إلـى الـزمـير سـمـعــنـــه

 

من رائع لـقـلـــوبـــهـــن مـــشـــوق

فإذا نـظــرن إلـــى الـــطـــريق رأينـــه

 

لهـقـاً كـشـاكـلة الـحـصـــان الأبـــلـــق

وإذا تـخـلـف بــعـــدهـــن لـــحـــاجة

 

حاد يشـسـع نـعــلـــه لـــم يلـــحـــق

وإذا يصيبك والحوادث جمة حدث حداك إلى أخيك الأوثق

 

 

ليت الهموم عن الفؤاد تفرجت

 

وخـلا الـتـكـلـم لـلـسـان الـمـطـــلـــق

قال: فقال عبد الملك بن مروان: ثكلت القطامي أمه، هذا والله الشعر، قال: فالتفت إلي الأخطل فقال لي : يا شعبي، إن لك فنوناً في الأحاديث، وإنما لنا فن واحد، فإن رأيت ألا تحملني على أكتاف قومك فأدعهم حربي فقلت: وكرامة ، لا أعرض لك في شعر أبداً، فأقلني هذه المرة.

ثم التفت إلى عبد الملك بن مروان، فقلت: يا أمير المؤمنين: أسألك أن تستغفر لي الأخطل، فإني لا أعاود ما يكره، فضحك عبد الملك بن مروان وقال: يا أخطل إن الشعبي في جواري، فقال: يا أمير المؤمنين: قد بدأته بالتحذير، وإذا ترك ما نكره لم نعرض له إلا بما يحب. فقال عبد الملك بن مروان للأخطل: فعلي ألا يعرض لك إلا بما تحب أبداً، فقال له الأخطل: أنت تتكفل بذلك يا أمير المؤمنين؟ قال عبد الملك بن مروان: أنا أكفل به، إن شاء الله تعالى.

يا بن الذين سما كسرى لجمعهـم

 

فجللوا وجـه قـاراً بـذي قـار

دوخ خراسان بالجرد الـعـتـاق

 

وبالبيض الرقاق بأيدي كل مسعار

الشعر لأبي نجدة – واسمه لجيم بن سعد – شاعر من بني عجل.
أخبرني بذلك جماعة من أهله وكان أبو نجدة هذا مع أحمد بن عبد العزيز بن دلف بن أبي دلف، منقطعاً إليه. والغناء لكنيز دبة ، ولحنه فيه خفيف بالبنصر، ابتداؤه نشيد.
وكان سبب قوله هذا الشعر أن قائداً من قواد أحمد بن عبد العزيز التجأ إلى عمرو بن الليث، وهو يومئذ بخراسان، فغم ذلك أحمد وأقلقه ، فدخل عليه أبو نجدة، فأنشده هذين البيتين، وبعدهما:

يا من تيمم عمراً يستجـير بـه

 

أما سمعت ببيت فـيه سـيار

المستجير بعمرو عند كربـتـه

 

كالمستجير من الرمضاء بالنار

فسر أحمد بذلك، وسري عنه ، وأمر لأبي نجدة بجائزة، وخلع عليه وحمله، وغنى فيه كنيز لحنه هذا ، وهو لحن حسن مشهور في عصرنا هذا، فأمر لكنيز أيضاً بجائزة، وخلع عليه وحمله.

سمعت أبا علي محمد بن المرزباني يحدث أبي – رحمه الله – بهذا على سبيل المذاكرة، وكانت بيننا وبين آل المرزبان مودة قديمة وصهر.
التي فخر بها هذا الشعر 

خبر وقعة ذي قار التي فخر بها في هذا الشعر

أخبرنا بخبرها علي بن سليمان الأخفش، عن السكري، عن محمد بن حبيب، عن أبي الكلبي، عن خراش بن إسماعيل، وأضفت إلى ذلك رواية الأثرم عن أبي عبيدة، وعن هشام أيضاً، عن أبيه، قالوا: كان من حديث ذي قار أن كسرى أبرويز بن هرمز لما غضب على النعمان بن المنذر أتى النعمان هانئ بن مسعود بن عامر بن عمرو بين ربيعة بن ذهل بن شيبان ، فاستودعه ماله وأهله وولده ، وألف شكة، ويقال: أربعة آلاف شكة – قال ابن الأعرابي: والشكة: السلاح كله – ووضع وضائع عند أحياء من العرب ، ثم هرب وأتى طيئاً لصهره فيهم.

وكانت عنده فرعة بنت سعيد بن حارثة بن لأم ، وزينب بنت أوس بن حارثة، فأبوا أن يدخلوه جبلهم ، وأتته بنو رواحة بن ربيعة بن عبس ، فقالوا: ” أبيت اللعن، أقم عندنا، فإنا مانعوك مما نمنع منه أنفسنا “، فقال: ما أحب أن تهلكوا بسببي، فجزيتم خيراً.

ثم خرج حتى وضع يده في يد كسرى، فحبسه بساباط ، ويقال بخانقين – وقد مضى خبره مشروحاً في أخبار عدي بن يزيد – قالوا: فلما هلك النعمان جعلت بكر بن وائل تغير على السواد ، فوفد قيس بن مسعود بن قيس بن خالد ذي الجدين ، بن عبد الله بن عمرو إلى كسرى، فسأله أن يجعل له أكلاً وطعمة، على أن يضمن له على بكر بن وائل ألا يدخلوا السواد ولا يفسدوا فيه، فأقطعه الأبلة وما والاها.

وقال: هل ، تكفيك وتكفي أعراب قومك؟ .. وكانت له حجرة فيها مائة من الإبل للأضياف، نحرت ناقة ردت مكانها ناقة أخرى وإياه عني الشماخ بقوله:

فادفع بألبانها عنكم كما دفعـت

 

عنهم لقاح بني قيس بن مسعود

قال: فكان يأتيه من أتاه منهم فيعطيه جلة تمر وكرباسة ، حتى قدم الحارث بن وعلة بن مجالد بن يثربي بن الديان بن الحارث بن مالك بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة، والمكسر بن حنظلة بن حيي بن ثعلبة بن سيار بن حيي بن حاطبة بن الأسعد بن جذيمة بن سعد بن عجل بن لجيم ، فأعطاهما جلتي تمر وكرباستين، فغضبا وأبيا أن يقبلا ذلك منه، فخرجا واستغويا ناساً من بكر بن وائل، ثم أغارا على السواد، فأغار الحارث على أسافل رودميسان وهي من جرد ، وأغار المكسر على الأنبار، فلقيه رجل من العباديين من أهل الحيرة، قد نتجت بعض نوقهم، فحملوا الحوار على ناقة، وصروا ، الإبل.

فقال العبادي: لقد صبح الأنبار شر، جمل يحمل جملاً ، وجمل برته عود، فجعلوا يضحكون من جهله بالإبل.

قال: وأغار بجير بن عائذ بن سويد العجلي ، ومعه مفروق بن عمرو الشيباني على القادسية وطير ناباذ وما والاهما، وكلهم ملأ يديه غنيمة. فأما مفروق وأصحابه فوقع فيهم الطاعون فموت منهم خمسة نفر مع من موت من أصحابهم، فدفنوا بالدجيل، وهو رحلة من العذيب يسيرةً، فقال مفروق:

أتاني بأنباط السواد يسوقـهـم

 

إلي وأودت رجلتي وفوارسي

فلما بلغ ذلك كسرى اشتد حنقه على بكر بن وائل، وبلغه أن حلقة النعمان وولده وأهله عندهم، فأرسل كسرى إلى قيس بن مسعود، وهو بالأبلة فقال: غررتني من قومك، وزعمت أنك تكفينيهم، وأمر به فحبس بساباط، وأخذ كسرى في تعبئة الجيوش إليهم، فقال قيس بن مسعود، وهو محبوس ، من أبيات :

ألا أبلغ بني ذهل رسـولاً

 

فمن هذا يكون لكم مكاني

أيأكلها ابن وعلة في ظليف

 

ويأمن هيثم وابنا سنـان؟

ويأمن فيكم الذهلي بعـدي

 

وقد وسموكم سمة البـيان

ألا من مبلغ قومي ومن ذا

 

يبلغ عن أسير في الإوان

– يعني الإيوان –

تطاول ليله وأصاب حزنـاً

 

ولا يرجو الفكاك مع المنان

يعني بالهيثم ، وابني سنان: الهيثم بن جرير بن يساف بن ثعلبة بن سدوس بن ذهل بن ثعلبة، وأبو علباء بن الهيثم.
وقال قيس بن مسعود ينذر قومه:

ألا ليتني أرشو سلاحي وبغلتي

 

لمن يخبر الأنباء بكر بن وائل

ويروي: لمن يعلم الأنباء

فأوصيهم بالله والصلح بـينـهـم

 

لينصأ معروف ويزجر جاهـل

وصاة امرئ لو كان فيكم أعانكم

 

على الدهر، والأيام فيها الغوائل

فاياكم والطف لا تـقـربـنـه

 

ولا البحر إن الماء للبحر واصل

ولا أحبسنكم عن بغا الخير إننـي

 

سقطت على ضرغامة فهو آكل

رواه ابن الأعرابي فقال:

… إن الماء للقود واصل

أي أنه معين لهم، يقود الخير إليكم .
قال: وقال قيس أيضاً ينذرهم:

تعناك من ليلى مع الليل خـائل

 

وذكر لها في القلب ليس يزايل

أحبك حب الخمر ما كان حبها

 

إلي وكل في فـؤادي داخـل

ألا ليتني أرشو سلاحي وبغلتي

 

فيخبر قومي اليوم ما أنا قـائل

فإنا ثوينا في شعـوب وإنـهـم

 

غزتهم جنود جـمة وقـبـائل

وإن جنود العجم بيني وبينـكـم

 

فيا فلجي يا قوم إن لم تقاتـوا

قال: فلما وضح لكسرى واستبان أن مال النعمان وحلقته وولده عند ابن مسعود بعث إليه كسرى رجلاً يخبره أنه قال له: إن النعمان إنما كان عاملي، وقد استودعك ماله وأهل والحلقة ، فابعث بها إلي ولا تكلفني أن أبعث إليك ولا إلى قومك بالجنود، تقتل المقاتلة وتسبي الذرية. فبعث إليه هانئ : إن الذي بلغك باطل، وما عندي قليل ولا كثير ، وإن يكن الأمر كما قيل فإنما أنا أحد رجلين، إما رجل استودع أمانة، فهو حقيق أن يردها على من استودعه أياها ، ولن يسلم الحر أمانته. أو رجل مكذوب عليه، فليس ينبغي للملك أن يأخذه بقول عدو أو حاسد.

قال: وكانت الأعاجم قوماً لهم حلم ، قد سمعوا ببعض علم العرب ، وعرفوا أن هذا الأمر كائن فيهم .

فلما ورد عليه كتاب هانئ بهذا حملته الشفقة أن يكون ذلك قد اقترب، فأقبل حتى قطع الفرات، فنزل غمر بني مقاتل . وقد أحنقه ما صنعت بكر بن وائل في السواد ومنع هانئ إياه ما منعه.

قال: ودعا كسرى إياس بن قبيصة الطائي، وكان عامله على عين النمر وما والاها إلى الحيرة ، وكان كسرى قد أطعمه ثلاثين قرية على شاطئ الفرات، فأتاه في صنائعه من العرب الذين كانوا بالحيرة، فاستشاره في الغارة على بكر بن وائل، وقال: ماذا ترى؟ وكم ترى أن نغزيهم من الناس؟ فقال له إياس: إن الملك لا يصلح أن يعصيه أحد من رعيته، وإن تطعني لم تعلم أحداً لأي شيء عبرت وقطعت الفرات، فيروا أن شيئاً من أمر العرب قد كربك ، ولكن ترجع وتضرب عنهم، وتبعث عليهم العيون حتى ترى غرة منهم ثم ترسل حلبة من العجم فيها بعض القبائل التي تليهم، فيوقعون بهم وقعة الدهر، ويأتونك بطلبتك. فقال له كسرى: أنت رجل من العرب، وبكر بن وائل أخوالك – وكانت أم إياس : أمامة بنت مسعود، أخت هانئ بن مسعود – فأنت تتعصب لهم، ولا تألوهم نصحاً . فقال إياس: رأي الملك أفضل فقام إليه عمرو بن عدي بن زيد العبادي – وكان كاتبه وترجمانه بالعربية، في أمور العرب – فقال له: أقم أيها الملك – وابعث إليهم بالجنود يكفوك. فقام إليه النعمان بن زرعة بن هرمي، من ولد السفاح التغلبي، فقال : أيها الملك، إن هذا الحي من بكر بن وائل إذا قاظوا بذي قار تهافتوا تهافت الجراد في النار. فعقد للنعمان بن زرعة على تغلب والنمر ، وعقد لخالد بن يزيد البهراني على قضاعة وإياد، وعقد لإياس بن قبيصة على جميع العرب، ومعه كتيبتاه الشهباء والدوسر، فكانت العرب ثلاثة آلاف. وعقد للهامرز على ألف من الأساورة ، وعقد لخنابرين على ألف، وبعث معهم باللطيمة، وهي عير كانت تخرج من العراق، فيها البر والعطر والألطاف ، توصل إلى باذام عامله باليمن، وقال: إذا فرغتم من عدوكم فسيروا بها إلى اليمن، وأمر عمرو بن عدي أن يسير بها، وكانت العرب تخفرهم وتجيرهم حتى تبلغ اللطيمة اليمن . وعهد كسرى إليهم إذا شارفوا بلاد بكر بن وائل ودنوا منها أن يبعثوا إليهم النعمان بن زرعة، فإن أتوكم بالحلقة ومائة غلام منهم يكونون رهناً بما أحدث سفهاؤهم، فاقبلوا منهم، وإلا فقاتلوهم . وكان كسرى قد أوقع قبل ذلك ببني تميم، يوم الصفقة فالعرب وجلة خائفة منه . وكانت حرقة بنت حسان بن النعمان بن المنذر يومئذ في بني سنان، هكذا في هذه الرواية.

وقال ابن الكلبي: حرقة بنت النعمان ، وهي هند، والحرقة لقب، وهذا هو الصحيح. فقالت تنذرهم:

ألا أبلغ بني بكـر رسـولاً

 

فقد جد النفير بعنـقـفـير

فليت الجيش كلهم فـداكـم

 

ونفسي والسرير وذا السرير

كأني حين جد بهـم إلـيكـم

 

معلقة الذوائب بالـعـبـور

فلو أني أطقت لذاك دفـعـاً

 

إذن لدفعته بدمـي وزيري

فلما بلغ بكر بن وائل الخبر سار هانئ بن مسعود حتى انتهى إلى ذي قار، فنزل به، وأقبل النعمان بن زرعة، وكانت أمه قلطف بنت النعمان بن معد يكرب التغلبي، وأمها الشقيقة بنت الحارث الوصاف العجلي ، حتى نزل على ابن أخته مرة بن عمرو بن عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن قيس بن سعد بن عجل، فحمد الله النعمان وأثنى عليه ثم قال: إنكم أخوالي وأحد طرفي، وإن الرائد لا يكذب أهله، وقد أتاكم ما لا قبل لكم به من أحرار فارس، وفرسان العرب، والكتيبتان: الشهباء والدوسر، وإن في هذا الشر خياراً. ولأن يفتدى بعضكم بعضاً خير من أن تصطلموا ، فانظروا هذه الحلقة فادفعوها وادفعوا رهناً من أبنائكم إليه بما أحدث سفهاؤكم. فقال له القوم: ننظر في أمرنا. وبعثوا إلى من يليهم من بكر بن وائل، وبرزوا ببطحاء ذي قار بين الجهلتين.

قال الأثرم: جلهة الوادي: ما استقبلك منه واتسع لك . وقال ابن الأعرابي: جلهة الوادي: مقدمه، مثل جلهة الرأس إذا ذهب شعره، يقال: رأس أجله.

قال: وكان مرداس بن أبي عامر السلمي مجاوراً فيهم يومئذ، فلما رأى الجيوش قد أقبلت إليهم حمل عياله فخرج عنهم، وأنشأ يقول يحرضهم بقوله:

أبلغ سراة بني بكر مغـلـغـلة

 

إني أخاف عليهم سـربة الـدار

إني أرى الملك الهامرز منصلتـاً

 

يزجي جياداً وركباً غير أبـرار

لا تلقط البعر الحولي نسوتـهـم

 

للجائزين على أعطان ذي قـار

فإن أبيتم فإني رافع ظـعـنـي

 

ومنشب في جبال اللوب أظفاري

وجاعل بيننا ورداً غـواربـه

 

ترمى إذا ما ربا الوادي بتيار

ربا: ارتفع وطال ، وقوله: ورداً غواربه: أراد البحر.

قال علي بن الحسين الأصفهاني : هذه الحكاية عندي في أمر مرداس بن أبي عامر خطأ ، لأن وقعة ذي قار كانت بعد هجرة النبي – صلى الله عليه وسلم وآله – وكانت بين بدر وأحد ومرداس بن أبي عامر، وحرب بن أمية أبو أبي سفيان ماتا في وقت واحد ، كانا مرا بالقرية ، وهي غيضة ملتفة الشجر، فأحرقا شجرها ليتخذاها مزرعة، فكانت تخرج من الغيضة حيات بيض فتطير حتى تغيب، ومات حرب ومرداس بعقب ذلك، فتحدث قومهما أن الجن قتلتهما إحراقهما منازلهم من الغيضة، وذلك قبل مبعث النبي – صلى الله عليه وسلم – بحين. ثم كانت بي أبي سفيان وبين العباس بن مرداس منازعة في هذه القرية، ولهما في ذلك خبر ليس هذا موضعه. وأظن أن هذه الأبيات للعباس بن مرداس بن أبي عامر .

رجع الحديث إلى سياقته في حديث ذي قار.

قال: وجعلت بكر بن وائل حين بعثوا إلى من حولهم من قبائل بكر لا ترفع لهم جماعة إلا قالوا: سيدنا في هذه. فرفعت لهم جماعة، فقالوا : سيدنا في هذه، فلما دنو إذا هم بعبد عمرو بن بشر بن مرثد ، فقالوا: لا، ثم رفعت لهم أخرى، فقالوا: في هذه سيدنا، فإذا هو جبلة بن باعث بن صريم اليشكري، فقالوا: لا، فرفعت أخرى، فقالوا: في هذه سيدنا، فإذا هو الحارث بن وعلة بن مجالد الذهلي فقالوا: لا، ثم رفعت لهم أخرى، فقالوا: في هذه سيدنا، فإذا فيها الحارث بن ربيعة بن عثمان التيمي، من تيم الله، فقالوا: لا، ثم رفعت لهم أخرى أكبر مما كان يجيء ، فقالوا: لقد جاء سيدنا، فإذا رجل أصلع الشعر، عظيم البطن، مشرب حمرة، فإذا هو حنظلة بن ثعلبة بن سيار بن حيي بن حاطبة بن الأسعد بن جذيمة بن سعد بن عجل، فقالوا: يا أبا معدان، قد طال انتظارنا، وقد كرهنا أن نقطع أمراً دونك، وهذا ابن أختك النعمان بن زرعة قد جاءنا، والرائد لا يكذب أهله، قال: فما الذي أجمع عليه رأيكم، واتفق عليه ملؤكم؟ قالوا: قال: إن اللخي أهون من الوهي وإن في الشر خياراً، ولأن يفتدي بعضكم بعضاً خير من أن تصطلموا جميعاً.

قال حنظلة: فقبح الله هذا رأياً، لا تجر أحرار فارس غرلها ببطحاء ذي قار وأنا أسمع الصوت . ثم أمر بقبته فضربت بوادي ذي قار، ثم نزل ونزل الناس فأطافو به، ثم قال لهانئ بن مسعود: يا أبا أمامة، إن ذمتكم ذمتنا عامة، وإنه لن يوصل إليك حتى تفنى أرواحنا، فأخرج هذه الحلقة ففرقها بين قومك، فإن تظفر فسترد عليك، وإن تهلك فأهون مفقود.

فأمر بها فأخرجت، ففرقها بينهم، ثم قال حنظلة للنعمان: لولا أنك رسول ما أبت إلى قومك سالماً. فرجع النعمان إلى أصحابه فأخبرهم بما رد عليه القوم، فباتوا ليلتهم مستعدين للقتال، وباتت بكر بن وائل يتأهبون للحرب.

فلما أصبحوا أقبلت الأعاجم نحوهم، وأمر حنظلة بالظعن جميعاً فوقفها خلف الناس، ثم قال: يا معشر بكر بن وائل، قاتلوا عن ظعنكم أو دعوا ، فأقبلت الأعاجم يسيرون على تعبئة، فلما رأتهم بنو قيس بن ثعلبة انصرفوا فلحقوا بالحي فاستخفوا فيه، فسمي: ” حي بني قيس بن ثعلبة ” قال: وهو على موضع خفي فلم يشهدوا ذلك اليوم.

وكان ربيعة بن غزالة السكوني، ثم التجيبي، يومئذ هو ، وقومه نزولاً في بني شيبان، فقال: يا بني شيبان، أما لو أني ، كنت منكم لأشرت عليكم برأي مثل عروة العكم ، فقالوا: فأنت والله من أوسطنا ، فأشر علينا، فقال: لا تستهدفوا لهذه الأعاجم فتهلككم بنشابها ، ولكن تكردسوا لهم كراديس ، فيشد عليهم كردوس، فإذا أقبلوا عليه شد الآخر، فقالوا: فإنك قد رأيت رأياً، ففعلوا.

فلما التقى الزحفان، وتقارب القوم قام حنظلة بن ثعلبة فقال: يا معشر بكر بن وائل، إن النشاب الذي مع الأعاجم يعرفكم، فإذا أرسلوه لم يخطئكم ، فعاجلوهم باللقاء ، وابدءوهم بالشدة.

ثم قام هانئ بن مسعود فقال: يا قوم، مهلك معذور خير من نجاء معرور وإن الحذر لا يدفع القدر، وإن الصبر من أسباب الظفر، المنية ولا الدنية، واستقبال الموت خير من استدباره، والطعن في الثغر خير وأكرم من الطعن في الدبر، يا قوم، جدوا فما من الموت بد، فتح لو كان له رجال، أسمع صوتاً ولا أرى قوماً، يا آل بكر، شدوا واستعدوا، وإلا تشدوا وتردوا. 

ثم قام شريك بن عمرو بن شراحيل بن مرة بن همام فقال: يا قوم، إنما تهابونهم أنكم ترونهم عند الحفاظ أكثر منكم، وكذلك أنتم في أعينهم ، فعليكم بالصبر، فإن الأسنة تردي الأعنة، يا آل بكر قدماً قدما.
ثم قام عمرو بن جبلة بن باعث بن صريم اليشكري فقال:

يا قوم لا تغرركم هـذي الـخـرق

 

ولا وميض البيض في الشمس برق

من لم يقاتل منكم هـذي الـعـنـق

 

فجنبوه الراح واسقـوه الـمـرق

ثم قام حنظلة بن ثعلبة إلى وضين راحلة امرأته فقطعه، ثم تتبع الظعن يقطع وضنهن لئلا يفر عنهن الرجال ، فسمي يومئذ: ” مقطع الوضين ” .

والوضين: بطان الناقة.

قالوا: وكانت بنو عجل في الميمنة بإزاء خنابرين ، وكانت بنو شيبان في الميسرة بإزاء كتيبة الهامرز، وكانت أفناء بكر بن وائل في القلب ، فخرج أسوار من الأعاجم مسور ، في أذنيه درتان، من كتيبة الهامرز يتحدى الناس للبراز، فنادى في بني شيبان فلم يبرز له أحد حتى إذا دنا من بني يشكر برز له يزيد بن حارثة أخو بني ثعلبة بن عمرو فشد عليه الرمح، فطعنه فدق صلبه، وأخذ حليته وسلاحه ، فذلك قول سويد بن أبي كاهل يفتخر :

ومنا يزيد إذ تحدى جموعكـم

 

فلم تقربوه، المرزبان المشهر

وبارزه منا غـلام بـصـارم

 

حسام إذا لاقى الضريبة يبتر

ثم إن القوم اقتتلوا صدر نهارهم أشد قتال رآه الناس ، إلى أن زالت الشمس، فشد الحوفزان واسمه الحارث بن شريك – على الهامرز فقتله، وقتلت بنو عجل خنابرين ، وضرب الله وجوه الفرس فانهزموا، وتبعتهم بكر بن وائل، فلحق مرثد بن الحارث بن ثور بن حرملة بن علقمة بن عمرو بن سدوس، النعمان بن زرعة، فأهوى له طعناً ، فسبقه النعمان بصدر فرسه فأفلته، فقال مرثد في ذلك:

وخيل تبارى للطعان شـهـدتـهـا

 

فأغرقت فيها الرمح والجمع محجم

وأفلتني النعمان قـاب رمـاحـنـا

 

وفوق قطاة المهر أزرق لـهـذم

قال: ولحق أسود بن بجير بن عائذ بن شريك العجلي النعمان بن زرعة، فقال له: يا نعمان، هلم إلي، فأنا خير آسر لك ، وخير لك من العطش .

قال: ومن أنت؟ قال: الأسود بن بجير، فوضع يده في يده، فجز ناصيته، وخلى سبيله، وحمله الأسود على فرس له، وقال له: انج على هذه ، فإنها أجود من فرسك، وجاء الأسود بن بجير على فرس النعمان بن زرعة وقتل خالد بن يزيد البهراني ، قتله الأسود بن شريك بن عمرو، وقتل يومئذ عمرو بن عدي بن زيد العبادي الشاعر، فقال أمه ترثيه:

ويح عمرو بن عدي من رجل

 

حان يوماً بعد ما قيل كـمـل

كان لا يعقل حـتـى مـا إذا

 

جاء يوم يأكل الناس عـقـل

أيهم دلاك عمـرو لـلـردى

 

وقديماً حين المـرء الأجـل

ليت نعمان عـلـينـا مـلـك

 

وبنـي لـي حـي لـم يزل

قد تـنـظـرنـا لـغـاد أوبة

 

كان لو أغنى عن المرء الأمل

بان منه عضد عـن سـاعـد

 

بؤس للدهر ويؤسى للرجـل

قال: وأفلت إياس بن قبيصة على فرس له، كانت عند رجل من بني تيم الله، يقال له: ” أبو ثور “، فلما أراد إياس أن يغزوهم أرسل إليه أبو ثور بها، فنهاه أصحابه أن يفعل، فقال: ولله ما في فرس إياس ما يعز رجلاً ولا يذله، وما كنت لأقطع رحمه فيها ، فقال إياس:

غذاها أبو ثور فلما رأيتـهـا

 

دخيس دواء لا أضيع غذاؤها

فأعددتها كفأً لـيوم كـريهة

 

إذا أقبلت بكر تجر رشاؤها

قال: وأتبعتهم بكر بن وائل يقتلونهم بقية يومهم وليلتهم ، حتى أصبحوا من الغد، وقد شارفوا السواد ودخلوه ، فذكروا أن مائة من بكر بن وائل، وسبعين من عجل، وثلاثين من أفناء بكر بن وائل، أصبحوا وقد دخلوا السواد في طلب القوم، فلم يلفت منهم كبير أحد وأقبلت بكر بن وائل على الغنائم فقسموها بينهم، وقسموا تلك اللطائم بين نسائهم، فذلك قول الديان ، بن جندل:

إن كنت ساقية يوماً علـى كـرم

 

فاسقي فوارس من ذهل بن شيباناً

واسقي فوارس حاموا عن ديارهم

 

واعلي مفارقهم مسكاً وريحانـا

 قال: فكان أول من انصرف إلى كسرى بالهزيمة إياس بن قبيصة وكان لا يأتيه أحد بهزيمة جيش إلا نزع كتفيه، فلما أتاه إياس سأله عن الخبر، فقال: هزمنا بكر بن وائل، فأتيناك بنسائهم، فأعجب بذلك كسرى وأمر له بكسوة، وإن إياساً استأذنه عند ذلك، فقال: إن أخي مريض بعين التمر، فأردت أن آتيه ، وإنما أراد أن يتنحى عنه، فأذن له كسرى، فترك فرسه ” الحمامة ” وهي التي كانت عند أبي ثور بالحيرة ، وركب نجيبة فلحق بأخيه، ثم أتى كسرى رجل من أهل الحيرة وهو بالخورنق، فسأل: هل دخل على الملك أحد؟ فقالوا: نعم، إياس، فقال: ثكلت إياساً أمه! وظن أنه قد حدثه بالخير، فدخل عليه فحدثه بهزيمة القوم وقتلهم، فأمر به فنزعت كتفاه .

قال: وكانت وقعة ذي قار بعد وقعة بدر بأشهر، ورسول الله – صلى الله عليه وسلم – بالمدينة، فلما بلغه ذلك قال: هذا يوم انتصفت فيه العرب من العجم، وبي نصروا.

قال ابن الكلبي : وأخبرني أبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: ذكرت وقعة ذي قار عند النبي – صلى الله عليه وسلم – فقال: ” ذلك يوم انتصفت فيه العرب من العجم وبي نصروا ” وروي أن النبي – صلى الله عليه وسلم – مثلت له الوقعة وهو بالمدينة، فرفع يديه فدعا لبني شيبان، أو لجماعة ربيعة بالنصر، ولم يزل يدعو لهم حتى أري هزيمة الفرس.
وروي أنه قال: ” إيها بني ربيعة، اللهم انصر بني ربيعة ” فهم إلى الآن إذا حاربوا دعوا بشعار النبي – صلى الله عليه وسلم – ودعوته لهم، وقال قائلهم: ” يا رسول الله وعدك “، فإذا دعوا بذلك نصروا.
وقال أبو كلبة التيمي يفخر بيوم ذي قار:

لولا فـوارس لا مـيل ولا عـزل

 

من اللهازم ما قظتـم بـذي قـار

ما زلت مفترساً أجـسـاد أفـتـية

 

تثير أعطافها مـنـهـا بـآثـار

إن الفوارس من عجل هم أنـفـوا

 

من أن يخلوا لكسرى عرصة الدار

لاقوا فوارس من عجل بشكتـهـا

 

ليسوا إذا قلصت حرب بأغـمـار

قد أحسنت ذهل شيبان وما عدلـت

 

في يوم ذي قار فرسان ابن سـيار

هم الذين أتوهم عن شـمـائلـهـم

 

كمـا تـلـبـس وراد بـصـدار

فأجابه الأعشى فقال:

أبلغ أبا كلبة التيمي مألكةًفأنت من معشر والله أشرار

 

شيبان تدفع عنك الحرب آونةً

 

وأنـت تـنـبـح نـبـح الـكـلـب فـي الـغـار

وقال بكير الأصم :

إن كنت ساقية المدامة أهلهـا

 

فاسقي على كرم بني همـام

وأبا ربيعة كلها ومـحـلـمـاً

 

سبقوا بـأنـجـد غـاية الأيام

زحفوا بجمع لا ترى أقطـاره

 

لقحت به حرب لغير تـمـام

عرب ثلاثة ألـف وكـتـيبة

 

ألفان عجم من بني الـفـدام

ضربوا بني الأحرار يوم لقوهم

 

بالمشرفي على شئون الهـام

وغدا ابن مسعود فأوقع وقـعةً

 

ذهبت لهم في معرق وشـآم

وقال الأعشى:

فدى لبني ذهل بن شيبان ناقتي

 

وراكبها يوم اللقاء وقـلـت

هم ضربوا بالحنو جنو قراقر

 

مقدمة الهامرز حتى تولـت

وقال بعض شعراء ربيعة في يوم ذي قار:

ألا من لليل لا تغور كواكبـه

 

وهم سري بين الجوانح جانبه

ألا هل أتاها أن جيشاً عرمرماً

 

بأسفل ذي قار أبيدت كتائبـه

فما حلقة النعمان يوم طلبتهـا

 

بأقرب من نجم السماء تراقبه

وقال الأعشى:

حلفت بالملح والرماد وبالعز

 

ى وباللات تسلم الحلـقـه

حتى يظل الهمام منـجـدلاً

 

ويقرع النبل طرة الدرقـه

وقال ابن قرد الخنزير التيمي :

ألا أبلغ بنـي ذهـل رسـولاً

 

فلا شتماً أردت ولا فـسـادا

هزرت الحاملين لكي يعودوا

 

إذا يوم من الحـدثـان عـادا

وجدت الرفد رفد بني لـجـيم

 

إذا ما قـلـت الأرفـاد زادا

هم ضربوا الكتائب يوم كسرى

 

أمام الناس إذ كرهوا الجلادا

وهم ضربوا القباب ببطن فلج

 

وذادوا عن محارمـنـا ذيادا

وقال الأعشى في ذلك:

لو أن كل معـد كـان شـاركـنـا

 

في يوم ذي قار ما أخطاهم الشرف

لما أتونا كان الـلـيل يقـدمـهـم

 

مطبق الأرض تغشاها لهم سدف

بطارق وبـنـو مـلـك مـرازبة

 

من الأعاجم في آذانها النـطـف

من كل مرجانة في البحر أحرزها

 

تيارها ووقاها طينها الـصـدف

وظعننا خلفنا تجري مدامـعـهـا

 

أكبادها وجلاً مما تـرى تـجـف

يحسرن عن أوجه قد عاينت عبـراً

 

ولاحها غبرة ألوانـهـا كـسـف

ما في الخدود صدود عن وجوههم

 

ولا عن الطعن في اللبات منحرف

عوداً على بدئهم ما إن يلبـثـهـم

 

كر الصقور بنات الماء تختطـف

لما أمالوا إلى الـنـشـاب أيديهـم

 

ملنا ببيض فظل الهام يقتـطـف

وخيل بكر فما تنفك تطحـنـهـم

 

حتى تولوا وكاد اليوم ينتـصـف

وقال حريم بن الحارث التيمي:

وإن لجيماً أهـل عـز وثـروة

 

وأهل أياد لا ينال قـديمـهـا

هم منعوا في يوم قار نسـاءنـا

 

كما منع الشول الهجان قرومها

إذا قيل يوماً أقدموا يتقـدمـوا

 

وهل يمنع المخزاة إلا صميمها

قال: ولم يزل قيس بن مسعود في سجن كسرى بساباط، حتى مات فيه.

خليلي ما صبري على الزفرات

 

وما طاقتي بالهم والعـبـرات

تساقط نفسي كـل يوم ولـيلة

 

على إثر ما قد فاتها حسـرات

الشعر: للقحيف العقيلي. والغناء: لإبراهيم الموصلي ، رمل بالوسطى ، عن عمرو بن بانة ، وذكر الهشامي أن الرمل لعلوية، وأن لحن إبراهيم من الثقيل الأول بالوسطى .