ذكر نسب الربيع بن زياد

ذكر نسب الربيع بن زياد

وبعض أخباره، وقصة هذا الشعر، والسبب الذي قتل من أجله

نسبه

هو الربيع بن زياد بن عبد الله بن سفيان بن ناشب بن هدم بن عوذ بن غالب بن قطيعة بن عبس بن بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان بن مضر بن نزار؟.
وأمه فاطمة بنت الخرشب، واسم الخرشب عمرو بن النضر بن حارثة بن طريف بن أنمار بن بغيض بن ريث بن غطفان، وهي إحدى المنجبات، كان يقال لبنيها الكملة، وهم: الربيع، وعمارة، وأنس.

أمه إحدى المنجبات

ولما سال معاوية علماء العرب عن البيوتات والمنجبات، وحظر عليهم أن يتجاوزوا في البيوتات ثلاثة، وفي المنجبات ثلاثاً، عدوا فاطمة بنت الخرشب فيمن عدوا، وقبلها حيية بنت رباح الغنوية أم الأحوص وخالد ومالك وربيعة بني جعفر بن كلاب، وماوية بنت عبد مناة بن مالك بن زيد بن عبد الله بن دارم بن عمرو بن تميم، وهي أم لقيط وحاجب وعلقمة بني زرارة بن عدس بن زيد بن عبد الله بن دارم.

أخبرني محمد بن جعفر النحوي صهر المبرد، قال: حدثني محمد بن موسى اليزيدي، قال: حدثني محمد بن صالح بن النطاح، واللفظ له، وخبره أتم، وأخبرني به أبو الحسن الأسدي، قال: حدثنا محمد بن صالح بن النطاح، قال: ولدت فاطمة بنت الخرشب من زياد بن عبد الله العبسي سبعة؛ فعدت العرب المنجبين منهم ثلاثة، وهم خيارهم.

قال محمد بن موسى: قال محمد بن صالح: وحدثني موسى بن طلحة، والوليد بن هشام القحذمي بمثل ذلك، قال: فمنهم: الربيع ويقال له الكامل، وعمارة وهو الوهاب، وأنس وهو أنس الفوارس وهو الواقعة، وقيس وهو البرد، والحارث وهو الحرون، ومالك وهو لاحق، وعمرو وهو الدارك.

سئلت أمه عن بنيها فلم تدر أيهم أفضل

قال محمد بن موسى: قال ابن النطاح: وحدثني أبو عثمان العمري : أن عبد الله بن جدعان لقي فاطمة بنت الخرشب وهي تطوف بالكعبة فقال لها: نشدتك برب هذه البنية، أي بنيك أفضل؟ قالت: الربيع، لا بل عمارة، لا بل أنس، ثكلتهم إن كنت أدري أيهم أفضل.

قال ابن النطاح: وحدثني أبو اليقظان سحيم بن حفص العجيفي، قال: حدثني أبو الخنساء، قال: سئلت فاطمة عن بنيها أيهم أفضل؟ فقالت: الربيع، لا بل عمارة، لا بل أنس، لا بل قيس، وعيشي ما أدري، أما والله ما حملت واحداً منهم تضعاً، ولا ولدته يتناً، ولا أرضعته غيلاً، ولا منعته قيلاً، ولا أبته على ماقة .

قال أبو اليقظان: أما قولها ما حملت واحداً منهم تضعاً، فتقول: لم أحمله في دبر الطهر وقبل الحيض. وقولها: ولا ولدته يتناً، وهو أن تخرج رجلاه قبل رأسه. ولا أرضعته غيلاً، أي ما أرضعته قبل أن أحلب ثديي. ولا منعته قيلاً، أي لم أمنعه اللبن عند القائلة. ولا أبته على ماقة، أي وهو يبكي.

أمه تصفه وتصف إخوته

قال ابن النطاح: وحدثني أبو اليقظان، قال: حدثني أبو صالح الأسدي قال: سئلت فاطمة بنت الخرشب عن بنيها، فوصفتهم، وقالت في عمارة: لا ينام ليلة يخاف، ولا يشبع ليلة يضاف. وقالت في الربيع: لا تعد مآثره ولا تخشى في الجهل بوادره. وقالت في أنس: إذا عزم أمضى، وإذا سئل أرضى، وإذا قدر أغضى. وقالت في الآخرين اشياء لم يحفظها أبو اليقظان.

حكمته وبعد نظره

وقال ابن النطاح: وحدثني القحذمي، قال: حدثني أبي، قال: حدثني ابن عياش ، عن رجل من بني عبس، قال: ضاف فاطمة ضيف، فطرحت عليه شملة من خز وهي مسك كما هي، (فلما وجد رائحتها واعتم دنا منها، فصاحت به، فكف عنها، ثم إنه تحرك أيضاً فأرادها عن نفسها) ، فصاحت، فكف، ثم إنه لم يصبر فواثبها فبطشت به، فإذا هي من أشد الناس، فقبضت عليه ثم صاحت: يا قيس، فأتاها، فقالت: إن هذا أرادني عن نفسي، فما ترى فيه؟ فقال: أخي أكبر مني، فعليك به، فنادت: يا أنس، فأتاها، فقالت: إن هذا أرادني عن نفسي فما ترى فيه؟ فقال لها: أخي أكبر مني فسليه، فنادت: يا عمارة، فأتاها فذكرت ذلك له، فقال لها: السيف، وأراد قتله، فقالت له: يا بني، لو دعونا أخاك فهو أكبر منك، فدعت الربيع، فذكرت ذلك له، فقال: أفتطيعونني يا بني زياد؟ قالوا: نعم، قال: فلا تزنوا أمكم، ولا تقتلوا ضيفكم، وخلوه يذهب، فذهب.

شعر قيل في مدحه ومدح إخوته قال ابن النطاح: وقال بعض الشعراء يمدح بني زيادة من فاطمة، يقال: إنه قيس بن زهير، ويقال: حاتم طيىء :

بنو جنية ولدت سـيوفـاً

 

قواطع كلهم ذكر صنيع

وجارتهم حصان لم تزنـى

 

وطاغمة الشتاء فما تجوع

شرى ودي ومكرمتي جميعاً

 

طوال زمانه مني الربـيع

وقال سلمة ابن الخرشب خالهم فيهم يخاطب قوماً منهم أرادوا حربه:

أتيتم إلينا تـرجـفـون جـمـاعة

 

فأين أبـو قـيس وأين ربـــيع!

وذاك ابن أخت زانه ثوب خـالـه

 

وأعمامه الأعـمـام وهـو نـزيع

رفيق بداء الحرب طب بصعبـهـا

 

إذا شئت رأي القوم فهو جـمـيع

عطوف على المولى ثقيل على العدا

 

أصم عن العوراء وهـو سـمـيع

وقال رجل من طيىء، ويقال له الربيع بن عمارة:

فإن تكن الحوادث أفظعتني

 

فلم أر هالكاً كابنـي زياد

هما رمحان خطيان كانـا

 

من السمر المثقفة الجـياد

تهاب الأرض أن يطأ عليها

 

بمثلهما تسالم أو تـعـادي

أمه تقتل نفسها خوفاً من العار

وقال الأثرم: حدثني أبو عمرو الشيباني، قال: أغار حمل بن بدر أخو حذيفة بن بدر الفزاري على بني عبس، فظفر بفاطمة بنت الخرشب أم الربيع بن زياد وأخوته راكبة على جمل لها، فقادها بجملها، فقالت له: أي رجل ، ضل حلمك! والله لئن أخذتني فصارت هذه الأكمة بي وبك التي أمامنا وراءنا لا يكون بينك وبين بني زياد صلح أبداً؛ لأن الناس يقولون في هذه الحال ما شاءوه، وحسبك من شر سماعه. قال: فإني أذهب بك حتى ترعي علي إبلي. فلما أيقنت أنه ذاهب بها رمت بنفسها على رأسها من البعير، فماتت خوفاً من أن يلحق بنيها عار فيها.

لبيد يحاول الإيقاع بينه وبين النعمان

وحدثني محمد بن العباس اليزيدي، قال: حدثني عمي عبد الله بن محمد، قال: أخبرنا محمد بن حبيب، عن ابن الأعرابي، قال: وفد أبو براء ملاعب الأسنة – وهو عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب – وإخوته طفيل ومعاوية وعبيدة، ومعهم لبيد بن ربيعة بن مالك بن جعفر، وهو غلام، على النعمان بن المنذر، فوجدوا عنده الربيع بن زياد العبسي، وكان الربيع ينادم النعمان مع رجل من أهل الشام تاجر، يقال له: سرجون بن نوفل، وكان حريفاً للنعمان – يعني سرجون – يبايعه، وكان أديباً حسن الحديث والمنادمة، فاستخفه النعمان، وكان إذا أراد أن يخلو على شرابه بعث إليه وإلى النطاسي – متطبب كان له – وإلى الربيع بن زياد، وكان يدعى الكامل.
فلما قدم الجعفريون كانوا يحضرون النعمان لحاجتهم، فإذا خلا الربيع بالنعمان طعن فيهم، وذكر معايبهم، ففعل ذلك بهم مراراً، وكانت بنو جعفر له أعداء، فصده عنهم، فدخلوا عليه يوماً فرأوا منه تغيراً وجفاء، وقد كان يكرمهم قبل ذلك ويقرب مجلسهم، فخرجوا من عنده غضاباً، ولبيد في رحالهم يحفظ أمتعتهم، ويغدو بإبلهم كل صباح، فيرعاها، فإذا أمسى انصرف بإبلهم، فأتاهم ذات ليلة فألفاهم يتذاكرون أمر الربيع، وما يلقون منه؛ فسالهم فكتموه، فقال لهم: والله لا أحفظ لكم متاعاً، ولا أسرح لكم بعيراً أو تخبروني.

وكانت أم لبيد امرأة من بني عبس، وكانت يتيمة في حجر الربيع، فقالوا: خالك قد غلبنا على الملك، وصد عنا وجهه، فقال لهم لبيد: هل تقدرون على أن تجمعوا بينه وبيني فأزجره عنكم بقول ممض، ثم لا يلتف النعمان إليه بعده أبداً. فقالوا: وهل عندك من ذلك شيء؟ قال: نعم، قالوا: فإنا نبلوك بشتم هذه البقلة – لبقلة قدامهم دقيقة القضبان قليلة الورق لاصقة فروعها بالأرض، تدعى التربة – فقال: هذه التربة التي لا تذكى ناراً، ولا تؤهل داراً، ولا تسر جاراً، عودها ضئيل، وفرعها كليل، وخيرها قليل، بلدها شاسع، ونبتها خاشع، وآكلها جائع، والمقيم عليها ضائع، أقصر البقول فرعاً، وأخبثها مرعى، وأشدها قلعاً، فتعساً لها وجدعاً، القوا بي أخا بني عبس، أرجعه عنكم بتعس ونكس، وأتركه من أمره في لبس.

فقالوا: نصبح فنرى فيك رأينا. فقال لهم عامر: انظروا غلامكم؛ فإن رأيتموه نائماً فليس أمره بشيء، وإنما يتكلم بما جاء على لسانه، ويهذي بما يهجس في خاطره، وإذا رأيتموه ساهراً فهو صاحبكم. فرمقوه بأبصارهم، فوجدوه قد ركب رحلاً، فهو يكدم بأوسطه حتى أصبح. فلما اصبحوا قالوا: أنت والله صاحبنا، فحلقوا رأسه، وتركوا ذؤابتين، وألبسوه حلة، ثم غدوا به معهم على النعمان، فوجدوه يتغذى ومعه الربيع وهما يأكلان، ليس معه غيره، والدار والمجالس مملوءة من الوفود.

فلما فرغ من الغداء أذن للجعفريين فدخلوا عليه، وقد كان تقارب أمرهم، فذكروا للنعمان الذي قدموا له من حاجتهم، فاعترض الربيع في كلامهم، فقام لبيد يرتجز، ويقول :

يا رب هـيجـاً هـــي خـــير مـــن دعـــه

 

أكـل يوم هــامـــتـــي مـــقـــزعـــه

نحـن بـنـو أم الــبـــنـــين الأربـــعـــه

 

ومـن خـيار عـامـر بـن صـعــصـــعـــه

الـمـطـعـمـون الـجـفـنة الـمـدعـــدعـــه

 

والـضـاربـون الـهـام تـحـت الـخـيضـعـــه

يا واهـب الـخـير الـكـثـير مــن ســـعـــه

 

إلـيك جـاوزنـا بــلاداً مـــســـبـــعـــه

يخبر عن هذا خيبر فاسمعهمهلاً أبيت اللعن لا تأكل معه

 

 

إن استه من برص ملمعه

 

وإنـه يدخــل فـــيهـــا إصـــبـــعـــه

يدخـلـهـا حــتـــى يواري أشـــجـــعـــه

 

كأنـمـا يطـلــب شـــيئاً أطـــعـــمـــه

فلما فرغ من إنشاده التفت النعمان إلى الربيع شزراً يرمقه، فقال: أكذا أنت؟ قال: لا، والله، لقد كذب علي ابن الحمق اللئيم. فقال النعمان: أف لهذا الغلام، لقد خبث علي طعامي. فقال: أبيت اللعن، أما إني قد فعلت بأمه. فقال لبيد: أنت لهذا الكلام أهل، وهي من نساء غير فعل ، وأنت المرء فعل هذا بيتيمة في حجره.

فأمر النعمان ببني جعفر فأخرجوا. وقام الربيع فانصرف إلى منزله، فبعث إليه النعمان بضعف ما كان يحبوه به، وأمره بالانصراف إلى أهله.

وكتب إليه الربيع: إني قد تخوفت أن يكون قد وقر في صدرك ما قاله لبيد، ولست برائم حتى تبعث من يجردني فيعلم من حضرك من الناس أني لست كما قال. فأرسل إليه: إنك لست صانعاً بانتفائك مما قال لبيد شيئاً، ولا قادراً على ما زلت به الألسن، فالحق بأهلك. فقال الربيع :

لئن رحلت جمالي إن لي سـعة

 

ما مثلها سعة عرضاً ولا طـولا

بحيث لو وزنت لخم بأجمعـهـا

 

لم يعدلوا ريشة من ريش سمويلا

ترعى الروائم أحرار البقول بهـا

 

لا مثل رعيكم ملحاً وغـسـويلا

فابرق بأرضك يا نعمان متـكـئاً

 

مع النطاسي يومأً وابن توفـيلا

فكتب إليه النعمان :

شرد برحلك عـنـي حـيث شـئت ولا

 

تكثر علـي ودع عـنـك الأبـاطـيلا

فقد ذكرت بـه والـركـب حـامـلـه

 

ورداً يعلـل أهـل الـشـام والـنـيلا

فما انتفاؤك منه بـعـد مـا جـزعـت

 

هوج المطي بـه إبـراق شـمـلـيلا

قد قـيل ذلـك إن حـقـاً وإن كـذبـاً

 

فما اعتـذارك مـن شـيء إذا قـيلا

فالحق بـحـيث رأيت الأرض واسـعة

 

وانشر بها الطرف إن عرضاً وإن طولا

داحس والغبراء

وأما الشعر الذي فيه الغناء فإن الربيع بن زياد يقوله في مقتل مالك بن زهير. وكان قتله في بعض تلك الوقائع التي يعرف مبدؤها بداحس والغبراء.

حرب داحس والغبراء وكان السبب في ذلك، فيما أخبرني بن علي بن سليمان الأخفش، ومحمد بن العباس اليزيدي، قالا: حدثنا أبو سعيد السكري، عن محمد بن حبيب وأبي غسان دماذ، عن أبي عبيدة، وإبراهيم بن سعدان، عن أبيه، قال: كان من حديث داحس أن أمه فرس كانت لقرواش بن عوف بن عاصم بن عبيد بن ثعلبة بن يربوع يقال لها: جلوى، وكان أبوه يسمى ذا العقال، وكان لحوط بن أبي جابر بن أوس بن حميري بن رياح؛ وإنما سمي داحساً لأن بني يربوع احتملوا ذات يوم سائرين في نجعة، وكان ذو العقال مع ابنتي حوط بن أبي جابر بن أوس تجنبانه، فمرتا به على جلوى فرس قرواش وديقا ؛ فلما رآها الفرس ودى وصهل، فضحك شبان من الحي رأوه، فاستحيت الفتاتان فأرسلتاه فنزا على جلوى، فوافق قبولها فأقصت ، ثم أخذه لهما بعض الحي، فلحق بهما حوط، وكان رجلاً شريراً سيىء الخلق، فلما نظر إلى عين الفرس قال: والله لقد نزا فرسي؛ فأخبراني ما شأنه، فأخبرتاه الخبر، فقال: يا آل رياح، لا والله لا أرضى ابداً حتى أخرج ماء فرسي، فقال له بنو ثعلبة: والله ما استكرهنا فرسك؛ إنما كان منفلتاً، فلم يزل الشر بينهما حتى عظم. فلما رأى ذلك بنو ثعلبة قالوا: دونكم ماء فرسكم؛ فسطا عليها وأدخل يده في ماء وتراب، ثم أدخلها في رحمها حتى ظن أنه قد أخرج الماء، واشتملت الرحم على ما كان فيها، فنتجها قرواش مهراً، فسماه داحساً لذلك، وخرج كأنه أبوه ذو العقال. وفيه يقول جرير :

إن الجياد يبتن حول خبائنـا

 

من آل أعوج أو لذي العقال

وأعوج: فرس لبني هلال.
فلما تحرك المهر سام مع أمه وهو فلو يتبعها، وبنو ثعلبة سائرون، فرآه حوط فأخذه، فقالت بنو ثعلبة: يا بني رياح، ألم تفعلوا فيه أول مرة ما فعلتم ثم هذا الآن! فقالوا: هو فرسنا، ولن نترككم أو نقاتلكم عنه أو تدفعوه إلينا.

فلما رأى ذلك بنو ثعلبة قالوا: إذاً لا نقاتلكم عنه، أنتم أعز علينا، هو فداؤكم، ودفعوه إليهم.

فلما رأى ذلك بنو رياح قالوا: والله لقد ظلمنا إخوتنا مرتين، ولقد حلموا وكروموا، فأرسلوا به إليهم مع لقوحين.

فمكث عند قرواش ما شاء الله، وخرج أجود خيول العرب.

ثم إن قيس بن زهير بن جذيمة العبسي أغار على بني يربوع، فلم يصب أحداً غير ابنتي قرواش بن عوف ومائة من الإبل لقرواش، وأصاب الحي وهم خلوف، ولم يشهد من رجالهم غير غلامين من بني أزنم بن عبيد بن ثعلبة بن يربوع، فجالا في متن الفرس مرتدفيه وهو مقيد بقيد من حديد فأعجلهما القوم عن حل قيده، واتبعهما القوم، فضبر بالغلامين ضبراً حتى نجوا به، ونادتهما إحدى الجاريتين: إن مفتاح القيد مدفون في مذود الفرس بمكان كذا وكذا، أي بجنب مذود، وهو مكان، أي لا تنزلا عنه إلا في ذلك المكان، فسبقا إليه حتى أطلقاه ثم كرا راجعين.

فلما رأى ذلك قيس بن زهير رغب في الفرس، فقال لهما: لكما حكمكما، وادفعا إلي الفرس، فقالا: أو فاعل أنت؟ قال: نعم، فاستوثقا منه، على أن يرد ما أصاب من قليل وكثير، ثم يرجع عوده على بدئه ، ويطلق الفتاتين، ويخلي عن الإبل، وينصرف عنهم راجعاً. ففعل ذلك قيس، فدفعا إليه الفرس.

فلما رأى ذلك أصحاب قيس قالوا: لا نصالحك أبداً، أصبنا مائة من الإبل وامرأتين ، فعمدت إلى غنيمتنا فجعلتها في فرس لك تذهب به دوننا؛ فعظم في ذلك الشر حتى اشترى منهم غنيمتهم بمائة من الإبل.

فلما جاء قرواش قال للغلامين الأزنميين: أين فرسي؟ فأخبراه، فأبى أن يرضى إلا أن يدفع إليه فرسه، فعظم في ذلك الشر حتى تنافروا فيه، فقضي بينهم أن ترد الفتاتان والإبل إلى قيس بن زهير، ويرد عليه الفرس. فلما رأى ذلك قرواش رضي بعد شر، وانصرف قيس بن زهير، ومعه داحس، فمكث ما شاء الله.

وزعم بعضهم أن الرهان إنما هاجه بين قيس بنز هير وحذيفة بن بدر بن عمرو بن جوية بن لوذان بن عدي بن فزارة بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان بن مضر بن نزار – أن قيساً دخل على بعض الملوك وعنده قينة لحذيفة بن بدر تغنيه بقول امرىء القيس:

دار لهند والرباب وفرتني

 

ولميس قبل حوادث الأيام

وهن – فيما يذكر – نسوة من بني عبس، فغضب قيس بن زهير، وشق رداءها، وشتمها؛ فغضب حذيفة، فبلغ ذلك قيساً، فأتاه يسترضيه، فوقف عليه، فجعل يكلمه وهو لا يعرفه من الغضب، وعنده أفراس له، فعابها، وقال: ما يرتبط مثلك مثل هذه يا أبا مسهر! فقال حذيفة: أتعيبها؟ قال: نعم، فتجاريا حتى تراهنا.

وقال بعض الرواة: إن الذي هاج الرهان أن رجلاً من بني عبد الله بن غطفان ثم أحد بني جوشن – وهم أهل بيت شؤم، أتى حذيفة زائراً – (ويقال إن الذي أتاه الورد العبسي أبو عروة بن الورد) – قال: فعرض عليه حذيفة خيله، فقال: ما أرى فيها جواداً مبراً، والمبر؛ الغالب، قال ذو الرمة :

أبر على الخصوم فليس خصم

 

ولا خصمان يغلبـه جـدالا

فقال له حذيفة: فعند من الجواد المبر؟ فقال: عند قيس بن زهير فقال له: هل لك أن تراهنني عنه؟ قال: نعم، قد فعلت، فراهنه على ذكر من خيله وأنثى.

ثم إن العبدي أتى قيس بن زهير، وقال: إني قد راهنت عنك على فرسين من خيلك ذكر وأنثى وأوجبت الرهان.

فقال قيس: ما أبالي من راهنت غير حذيفة، فقال: ما راهنت غيره، فقال له قيس: إنك ما علمت لأنكد. ثم ركب قيس حتى أتى حذيفة، فوقف عليه، فقال له: ما غدا بك! قال: غدوت لأواضعك الرهان، قال: بل غدوت لتغلقه، قال: ما أردت ذلك. فأبى حذيفة إلا الرهان، فقال قيس: أخيرك ثلاث خلال، فإن بدأت فاخترت قبلي فلي خلتان، ولك الأولى، وإن بدأت فاخترت قبلك فلك خلتان ولي الأولى.

قال حذيفة: فابدأ، قال قيس: الغاية من مائة غلوة – والغلوة: الرمية بالنشابة – قال حذيفة: فالمضمار أربعون ليلة، والمجرى: من ذات الإصاد .

ففعلا ووضعا السبق على يدي غلاق أو ابن غلاق، أحد بني ثعلبة بن سعد بن ثعلبة.

فأما بنو عبس فزعموا أنه أجرى الخطار والحنفاء. وزعمت بنو فزارة أنه أجرى قرزلاً والحنفاء، وأجرى قيس داحساً والغبراء.

ويزعم بعضهم أن الذي هاج الرهان أن رجلاً من بني المعتمر بن قطيعة بن عبس يقال له سراقة راهن شاباً من بني بدر – وقيس غائب – على اربع جزائر من خمسين غلوة، فلما جاء قيس كره ذلك، وقال له: لم ينته رهان قط إلا إلى شر. ثم أتى بني بدر، فسألهم المواضعة، فقالوا: لا، حتى نعرف سبقنا؛ فإن أخذنا فحقنا، وإن تركنا فحقنا.

فغضب قيس ومحك ، وقال: أما إذ فعلتم فأعظموا الخطر، وأبعدوا الغاية، قالوا: فذلك لك. فجعلوا الغاية من واردات إلى ذات الإصاد، وذلك مائة غلوة، والثنية فيما بينهما، وجعلوا القصبة في يدي رجل من بني ثعلبة بن سعد، يقال له حصين، ويقال: رجل من بني العشراء من بني فزارة، وهو ابن أخت لبني عبس، وملئوا البركة ماء، وجعلوا السابق أول الخيل يكرع فيها.

ثم إن حذيفة بن بدر وقيس بن زهير أتيا المدى الذي أرسلن منه ينظران إلى الخيل كيف خروجها منه. فلما أرسلت عارضاها ، فقال حذيفة: خدعتك يا قيس، قال: ترك الخداع من أجرى من مائة؛ فأرسلها مثلاً.

ثم ركضا ساعة فجعلت خيل حذيفة تبر وخيل قيس تقصر، فقال حذيفة: سبقتك يا قيس، فقال: جري المذكيات غلاب ، فأرسلها مثلاً. ثم ركضا ساعة، فقال حذيفة: إنك لا تركض مركضاً، فأرسلها مثلاً. وقال: سبقت خيلك يا قيس، فقال قيس: رويداً يعلون الجدد، فأرسلها مثلاً.

قال: وقد جعل بنو فزارة كميناً بالثنية، فاستقبلوا داحساً فعرفوه فأمسكوه وهو السابق، ولم يعرفوا الغبراء وهي خلفه مصلية، حتى مضت الخيل واستهلت الثنية، ثم أرسلوه فتمطر في آثارها؛ أي أسرع، فجعل يبدرها فرساً فرساً حتى سبقها إلى الغاية مصلياً، وقد طرح الخيل غير الغبراء، ولو تباعدت الغاية لسبقها؛ فاستقبلها بنو فزارة فلطموها، ثم حلثوها عن البركة، ثم لطموا داحساً وقد جاءا متواليين. وكان الذي لطمه عمير بن نضلة، فجسأت يده؛ فسمي جاسئاً.

فجاء قيس وحذيفة في آخر الناس، وقد دفعتهم بنو فزارة عن سبقهم، ولطموا أفراسهم، ولم تطقهم بنو عبس يقاتلونهم، وإنما كان من شهد ذلك من بني عبس أبياتاً غير كثيرة، فقال قيس بن زهير: يا قوم، إنه لا يأتي قوم إلى قومهم شراً من الظلم، فأعطونا حقنا، فأبت بنو فزارة أن يعطوهم شيئاً – وكان الخطر عشرين من الإبل – فقالت بنو عبس: أعطونا بعض سبقنا، فأبوا، فقالوا: أعطونا جزوراً ننحرها نطعمها أهل الماء؛ فإنا نكره القالة في العرب. فقال رجل من بني فزارة: مائة جزور وجزور واحد سواء، والله ما كنا لنقر لكم بالسبق علينا، ولم نسبق.

فقام رجل من بني مازن بن فزارة فقال: يا قوم، إن قيساً كان كارهاً لأول هذا الرهان، وقد أحسن في آخره، وإن الظلم لا ينتهي إلا إلى الشر؛ فأعطوه جزوراً من نعمكم، فأبوا، فقام إلى جزور من إبله فعقلها ليعطيها قيساً ويرضيه، فقام ابنه فقال: إنك لكثير الخطأ؛ أتريد أن تخالف قومك وتلحق بهم خزاية بما ليس عليهم؟ فأطلق الغلام عقالها، فلحقت بالنعم. فلما رأى ذلك قيس بن زهير احتمل عنهم هو ومن معه من بني عبس، فاتى على ذلك ما شاء الله.

ثم إن قيساً أغار عليهم، فلقي عوف بن بدر فقتله وأخذ إبله، فبلغ ذلك بني فزارة، فهموا بالقتال، وغضبوا فحمل الربيع بن زياد أحد بني عوذ بن غالب بن قطيعة بن عبس دية عوف بن بدر مائة عشراء متلية.

(العشراء:لا التي أتى عليها من حملها عشرة أشهر من ملقحها. والمتالي: النتي نتج بعضها والباقي يتلوها في النتاج).

وأم عوف وأم حذيفة ابنة نضلة بن جوية بن لوذان بن ثعلبة بن عدي بن فزارة.

واصطلح الناسن فمكثوا ما شاء الله. ثم إن مالك بن زهير أتى امرأة يقال لها: مليكة بنت حارثة من بني عوذ بن فزارة، فابتنى بها باللقاطة قريباً من الحاجر، فبلغ ذلك حذيفة بن بدر، فدس له فرساناً على أفراس من مسان خيله، وقال: لا تنظروا مالكاً إن وجدتموه أن تقتلوه، والربيع بن زياد بن عبد الله بن سفيان بن ناشب العبسي مجاور حذيفة بن بدر، وكانت تحت الربيع بن زياد معاذة ابنة بدر، فانطلق القوم، فلقوا مالكاً فقتلوه، ثم انصرفوا عنه، فجاءوا عشية وقد جهدوا أفراسهم، فوقفوا على حذيفة ومعه الربيع بن زياد، فقال حذيفة: أقدرتم على حماركم! قالوا: نعم، وعقرناه.

فقال الربيع: ما رأيت كاليوم قط، أهلكت أفراسك من أجل حمار! فقال حذيفة لما أكثر عليه من الملامة، وهو يحسب أن الذي أصابوا حماراً: إنا لم نقتل حماراً، ولكنا قتلنا مالك بن زهير بعوف بن بدر. فقال الربيع: بئس لعمر الله القتيل قتلت ، أما والله إني لأظنه سيبلغ ما نكره .

الربيع يغضب لقتل مالك فتراجعا شيئاً من كلام ثم تفرقا، فقام الربيع يطأ الأرض وطأ شديداً، وأخذ يومئذ حمل بن بدر ذا النون، سيف مالك بن زهير.

قال أبو عبيدة: فزعموا أن حذيفة لما قام الربيع بن زياد أرسل إليه بمولدة له فقال لها: اذهبي إلى معاذة بنت بدر امرأة الربيع فانظري ما ترين الربيع يصنع. فانطلقت الجارية حتى دخلت البيت، فاندست بين الكفاء والنضد – والكفاء: شقة في آخر البيت، والنضد: متاع يجعل على حمار من خشب – فجاء الربيع فنفذ البيت حتى أتى فرسه فقبض بمعرفته، ثم مسح متنه حتى قبض بعكوة ذنبه – العكوة: أصل الذنب – ثم رجع إلى البيت ورمحه مركوز بفنائه، فهزه هزاً شديداً، ثم ركزه كما كان، ثم قال لامرأته: اطرحي لي شيئاً، فطرحت له شيئاً، فاضطجع عليه، وكانت قد طهرت تلك الليلة، فدنت منه، فقال: إليك! قد حدث أمر، ثم تغنى، وقال : الربيع يرثي مالكاً

نام الخلي ومـا أغـمـض حـار

 

من سيىء النبأ الجليل الـسـاري

من مثله تمسي النساء حـواسـراً

 

وتقوم معـولة مـع الأسـحـار

من كان مسروراً بمقتـل مـالـك

 

فليأت نسوتنـا بـوجـه نـهـار

يجد النساء حـواسـراً ينـدبـنـه

 

يبكين قبل تـبـلـج الأسـحـار

قد كن يخبأن الوجـوه تـسـتـراً

 

فاليوم حين بـدون لـلـنـظـار

يخمشن حرات الوجوه على امرىء

 

سهل الخلـيقة طـيب الأخـبـار

أفبعد مقتل مـالـك بـن زهـير

 

ترجو النساء عواقب الأطـهـار

ما إن أرى في قتله لذوي الحجـا

 

إلا المطـي تـشـد بـالأكـوار

ومجنـبـات مـا يذقـن عـذوفة

 

يقذفن بالمـهـرات والأمـهـار

العذوف والعدوف واحد، وهو ما أكلته.

ومساعراً صدأ الحديد عليهم

 

فكأنما طلي الوجوه بقـار

يا رب مسرور بمقتل مالك

 

ولسوف نصرفه بشر محار

فرجعت المرأة فأخبرت حذيفة الخبر، فقال: هذا حين اجتمع أمر إخوتكم، ووقعت الحرب.

وقال الربيع لحذيفة وهو يومئذ جاره: سيرني، فإني جاركم، فسيره ثلاث ليال، ومع الربيع فضلة من خمر، فلما سار الربيع دس حذيفة في أثره فوارس، فقال: اتبعوه، فإذا مضت ثلاث ليال فإن معه فضلة من خمر، فإن وجدتموه قد أهراقها فهو جاد وقد مضى، فانصرفوا، وإن لم تجدوه قد أراقها فاتبعوه؛ فإنكم تجدونه قد مال لأدنى منزل، فرتع وشرب فاقتلوه، فتبعوه فوجدوه قد شق الزق ومضى، فانصرفوا. فلما أتى الربيع قومه، وقد كان بينه وبين قيس بن زهير شحناء؛ وذلك أن الربيع ساوم قيس بن زهير في درع كانت عنده، فلما نظرإليها وهو راكب وضعها بين يديه، ثم ركض بها فلم يردها على قيس، فعرض قيس لفاطمة ابنة الخرشب الأنمارية – من أنمار بن بغيض، وهي إحدى منجبات قيس، وهي أم الربيع – وهي تسير في ظعائن من عبس، فاقتاد جملها، يريد أن يرتهنها بالدرع حتى يرد عليه، فقالت: ما رأيت كاليوم فعل رجل! أي قيس، ضل حلمك! أترجو أن تصطلح أنت وبنو زياد وقد أخذت أمهم! فذهبت بها يميناً وشمالاً! فقال الناس في ذلك ما شاءوا! وحسبك من شر سماعه، فأرسلتها مثلاً. فعرف قيس بن زهير ما قالت له، فخلى سبيلها، وأطرد إبلاً لبني زياد، فقدم بها مكة، فباعها من عبد الله بن جدعان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة القرشي، وقال في ذلك قيس بن زهير :

ألم يبلغك والأنباء تـنـمـي

 

بما لاقت لبون بـنـي زياد

ومحبسها على القرشي تشرى

 

بأدراع وأسـياف حـــداد

كما لاقيت من حمل بن بـدر

 

وإخوته على ذات الإصـاد

هم فخروا علي بغير فخـر

 

وذادوا دون غايتـه جـوادي

وكنت إذا منيت بخصم سـوء

 

دلفـت لـه بـداهـية نـاد

بداهية تدق الصلـب مـنـه

 

فتقصم أو تجوب عن الفؤاد

وكنت إذا أتاني الدهر ربـق

 

بداهية شددت لها نـجـادي

الربق: ما يتقلده.

ألم تعلم بنو الميقاب أنى

 

كريم غير منغلث الزناد

الوقب: الأحمق، والميقاب: التي تلد الحمقى، والمنغلث: الذي ليس بمنتقى.

أطوف ما أطوف ثم آوي

 

إلى جار كجار أبي داود

جاره: يعنيربيعة الخير بن قرط بن سلمة بن قشير، وجار أبي داود يقال له: الحارث بن همام بن مرة بن ذهل بن شيبان، وكان أبو داود في جواره، فخرج صبيان الحي يلعبون في غدير، فغمس الصبيان ابن أبي داود فيه فقتلوه، فخرج الحارث فقال: لا يبقى صبي في الحي إلا غرق في الغدير أو يرضى أبو داود، فودي ابن أبي داود عشر ديات فرضي، وهو قول أبي داود:

إبلي الإبل لا يحوزها الـرا

 

عون ومج الندى عليها المدام

قال أبو سعيد: حفظي: لا يحوزها الراعي ومج الندى.

إليك ربيعة الخير بن قـرط

 

وهوباً للطريف وللـتـلاد

كفاني ما أخاف أبو هـلال

 

ربيعة فانتهت عني الأعادي

تظل جياده يحدين حـولـي

 

بذات الرمث كالحدإ الغوادي

كأني إذ أنخت إلى ابن قرط

 

عقلت إلى يلملم أو نضـاد

وقال أيضاً قيس بن زهير:

إن تك حرب فلم أجـنـهـا

 

جنتهـا خـيارهـم أو هـم

حذار الردى إذ رأوا خيلنـا

 

مقدمـهـا سـابـح أدهـم

عليه كـمـي وسـربـالـه

 

مضاعفة نسجها مـحـكـم

فإن شمرت لك عن ساقهـا

 

فويهاً ربيع ولـم يسـأمـوا

نهيت ربيعاً فـلـم يزدجـر

 

كما انزجر الحارث الأضجم

قال أبو عبد الله: الحارث الأضجم: رجل من بين ضبيعة بن ربيعة بن نزار، وهو صاحب المرباع.

قال: فكانت تلك الشحناء بين بني زياد وبين بني زهير، فكان قيس يخاف خذلانهم إياه، فزعموا أن قيساً دس غلاماً له مولداً، فقال: انطلق كأنك تطلب إبلاً؛ فإنهم سيسألونك، فاذكر مقتل مالك، ثم احفظ ما يقولون: فأتاهم العبد، فسمع الربيع يتغنى بقوله:

أفبعد مقتل مالك بـن زهـير

 

ترجو النساء عواقب الأطهار

فلما رجع العبد إلى قيس فأخبره بما سمع من الربيع بن زياد، عرف قيس أن قد غضب، فاجتمعت بنو عبس على قتال بني فزارة، فأرسلوا إليهم أن ردوا علينا إبلنا التي ودينا بها عوفاً أخا حذيفة بن بدر لأمه، فقال: لا أعطيكم دية ابن أمي، وإنما قتل صاحبكم حمل بن بدر، وهو ابن الأسدية، وأنتم وهو أعلم. فزعم بعض الناس أنهم كانوا ودوا عوف بن بدر بمائة من الإبل متلية؛ أي قد دنا نتاجها، وأنه أتى على تلك الإبل أربع سنين، وأن حذيفة بن بدر أراد أن يردها بأعيانها، فقال له سنان بن خارجة المري: أتريد أن تلحق بنا خزاية فنعطيهم أكثر مما أعطونا، فتسبنا العرب بذلك؟ فأمسها حذيفة، وأبى بنو عبس أن يقبلوا إلا إبلهم بعينها فمكث القوم ما شاء الله أن يمكثوا.

جندب يقتل مالك بن بدر ثم إن مالك بن بدر خرج يطلب إبلاً له، فمر على بني رواحة، فرماه جندب – أحد بني رواحة – بسهم فقتله، فقالت ابنة مالك بن بدر في ذلك :

لله عيناً من رأى مثل مالـك

 

عقيرة قوم أن جرى فرسان

فليتهما لم يشربا قط قـطـرة

 

وليتهما لم يرسلا لـرهـان

أحل به من جندب أمس نذره

 

فأي قتيل كان في غطفـان

إذا سجعت بالرقمتين حمـامة

 

أو الرس تبكي فارس الكتفان

فرس له كانت تسمى الكتفان.

الأسلع بن عبد الله بن ناشب يمشي في الصلح بين عبس وذبيان ثم إن الأسلع بن عبد الله بن ناشب بن زيد بن هدم بن أد بن عوذ بن غالب بن قطيعة بن عبس مشى في الصلح، ورهن بني ذبيان ثلاثة من بنيه وأربعة من بني أخيه حتى يصطلحوا، جعلهم على يدي سبيع بن عمرو من بني ثعلبة بن سعد بن ذبيان. فمات سبيع وهم عنده.

سبيع بن عمرو يوصي مالكاً ابنه فلما حضرته الوفاة قال لابنه مالك بن سبيع: إن عندك مكرمة لا تبيد إن أنت احتفظت بهؤلاء الأغيلمة، وكأني بك لو قد مت قد أتاك حذيفة خالك – وكانت أم مالك هذا ابنة بدر – فعصر عينيه، وقال: هلك سيدنا، ثم خدعك عنهم حتى تدفعهم إليه فيقتلهم، فلا شرف بعدها فإن خفت ذلك فاذهب بهم إلى قومهم.

فلما ثقل جعل حذيفة يبكي ويقول: هلك سيدنا، فوقع ذلك له في قلب مالك.

مالك دفع الرهن إلى حذيفة فلما هلك سبيع أطاف بابنه مالك فأعظمه، ثم قال له: يا مالك، إني خالك، وإني أسن منك، فادفع إلي هؤلاء الصبيان ليكونوا عندي إلى أن ننظر في أمرنا. ولم يزل به حتى دفعهم إلى حذيفة باليعمرية، واليعمرية: ماء بواد من بطن نخل من الشربة لبني ثعلبة.

فلما دفع مالك إلى حذيفة الرهن جعل كل يوم يبرز غلاماً فينصبه غرضاً ويرمي بالنبل، ثم يقول: ناد أباك، فينادي أباه حتى يمزقه النبل، ويقول لواقد بن جنيدب: ناد أباك فجعل ينادي: يا عماه، خلافاً عليهم، ويكره أن يأبس أباه بذلك – والأبس: القهر والحمل على المكروه – وقال لابن جنيدب بن عمرو بن عبد الأسلع: ناد جنيبة وكان جنيبة لقب ابيه – فجعل ينادي: يا عمراه ، باسم أبيه حتى قتل. وقتل عتبة بن قيس بن زهير.

ثم إن بني فزارة اجتمعوا هم وبنو ثعلبة وبنو مرة، فالتقوا هم وبنو عبس، فقتلوا منهم مالك بن سبيع بن عمرو الثعلبي – قتله مروان بن زنباع العبسي – وعبد العزى بن حذار الثعلبي، والحارث بن بدر الفزاري، وهرم بن ضمضم المري – قتله ورد بن حابس العبسي، ولم يشهد ذلك اليوم حذيفة بن بدر، فقالت ناجية أخت هرم بن ضمضم المري :

يا لهف نفسي لهفة المفجوع

 

ألا أرى هرماً على مودوع

من أجل سيدنا ومصرع جنبه

 

علق الفؤاد بحنظل مجدوع

مودوع: فرسه.

بين ذبيان وعبس

ثم إن حذيفة بن بدر جمع وتأهب ، واجتمع معه بنو ذبيان بن بغيض فبلغ بني عبس أنهم قد ساروا إليهم، فقال قيس: أطيعوني، فوالله لئن لم تفعلوا لأتكئن على سيفي حتى يخرج من ظهري، قالوا: فإنا نطيعك، فأمرهم فسرحوا السوام والضعاف بليل وهو يريدون أن يظعنوا من منزلهم ذلك، ثم ارتحلوا في الصبح، وأصبحوا على ظهر العقبة، وقد مضى سوامهم وضعفاؤهم. فلما أصبحوا طلعت عليهم الخيل من الثنايا، فقال قيس: خذوا غير طريق المال؛ فإنه لا حاجة للقوم أن يقعوا في شوكتكم، ولا يريدون بكم في أنفسكم شراً من ذهاب أموالكم، فأخذوا غير طريق المال.

فلما أدرك حذيفة الأثر ورآه قال: أبعدهم الله! وما خيرهم بعد ذهاب أموالهم! فاتبع المال. وسارت ظعن بني عبس والمقاتلة من ورائهم، وتبع حذيفة وبنو ذبيان المال. فلما أدركوه ردوه أوله على آخره، ولم يفلت منهم شيء، وجعل الرجل يطرد ما قدر عليه من الإبل، فيذهب بها. وتفرقوا، واشتد الحر، فقال قيس بن زهير: يا قوم، إن القوم قد فرق بينهم المغنم، فاعطفوا الخيل في آثارهم، فلم تشعر بنو ذبيان إلا والخيل دوائس ، فلم يقاتلهم كبير أحد، وجعل بنو ذبيان إنما همة الرجل في غنيمته أن يحوزها، ويمضي بها.

فوضعت بنو عبس فيهم السلاح حتى ناشدتهم بنو ذبيان البقية، ولم يكن لهم هم غير حذيفة، فأرسلوا خيلهم مجتهدين في أثره، وأرسلوا خيلاً تقص الناس ويسألونهم، حتى سقط خبر حذيفة من الجانب الأيسر على شداد بن معاوية العبسي، وعمرو بن ذهل بن مرة بن مخزوم بن مالك بن غالب بن قطيعة العبسي، وعمرو بن الأسلع، والحارث بن زهير، وقرواش بن هني بن أسيد بن جذيمة، وجنيدب.

وكان حذيفة قد استرخى حزام فرسه، فنزل عنه فوضع رجله على حجر مخافة أن يقتص أثره، ثم شد الحزام فوقع صدر قدمه على الأرض فعرفوه، وعرفوا حنف فرسه – والحنف: أن تقبل إحدى اليدين على الأخرى، وفي الناس أن تقبل إحدى الرجلين على الأخرى، وأن يطأ الرجل وحشيهما ، وجمع الأحنف حنف – فاتبعوه، ومضى حتى استغاث بجفر الهباءة وقد اشتد الحر، فرمى بنفسه، ومعه حمل بن بدر، وحنش بن عمرو، ووقعوا في الماء، وتمعكت دوابهم، وقد بعثوا ربيئة فجعل يطلع فينظر، فإذا لم ير شيئاً رجع، فنظر نظرة فقال: إني قد رأيت شخصاً كالنعامة أو كالطائر فوق القتادة من قبل مجيئنا. فقال حذيفة: هنا وهنا، هذا شداد على جروة، وجروة: فرس شداد، والمعنى دع ذكر شداد عن يمينك وعن شمالك، واذكر غيره لما كان يخاف من شداد.

فبينا هم يتكلمون إذا هم بشداد بن معاوية واقفاً عليهم، فحال بينهم وبين الخيل، ثم جاء عمرو بن الأسلع، ثم جاء قرواش حتى تتاموا خمسة، فحمل جنيدب على خيلهم فاطردها، وحمل عمرو بن الأسلع، فاقتحم هو وشداد عليهم في الجفر، فقال حذيفة: يا بني عبس! فأين العقول والأحلام! فضربه أخوه حمل بن بدر بين كتفيه، وقال: اتق مأثور القول بعد اليوم، فأرسلها مثلاً.

وقتل قرواش بن هني حذيفة، وقتل الحارث بن زهير حمل بن بدر وأخذ منه ذا النون سيف مالك بن زهير، وكان حمل أخذه من مالك بن زهير يوم قتله، فقال الحارث بن زهير في ذلك :

تركت على الهباءة غير فخر

 

حذيفة حوله قصد العوالـي

سيخبر عنهم حنش بن عمرو

 

إذا لاقاهـم وابـنـا بـلال

ويخبرهم مكان النون منـي

 

وما أعطيته عرق الخـلال

العرق: المكافأة، والخلال: المودة، يقول: لم يعطوني السيف عن مكافأة ومودة، ولكني قتلت وأخذت.

فأجابه حنش بن عمرو أخو بني ثعلبة بن سعد بن ذبيان :

سيخبرك الحديث بن خـبـير

 

يجاهرك العداوة غيرى آلـي

بداءتها لقـرواش وعـمـرو

 

وأنت تجول جوبك في الشمال

الجوب: الترس، يقول: بداءة الأمر لقرواش وعمرو بن الأسلع، وهما اقتحما الجفر وقتلا من قتلا، وأنت ترسك في يدك يجول لم تغن شيئاً. ويقال: لك البداءة ولفلان العودة.

وقال قيس بن زهير :

تعلم أن خير الـنـاس مـيت

 

على جفر الهباءة مـا يريم

ولولا ظلمه مازلت أبـكـي

 

عليه الدهر ما طلع النجـوم

ولكن الفتى حمل بـن بـدر

 

بغى، والبغي مرتعه وخـيم

أظن الحلم دل علي قـومـي

 

وقد يستجهل الرجل الحلـيم

فلا تغش المظالم لـن تـراه

 

يمتع بالغنى الرجل الظلـوم

ولا تعجل بأمرك واستـدمـه

 

فما صلى عصاك كمستـديم

ألاقي من رجال منـكـرات

 

فأنكرها وما أنا بالغـشـوم

ولا يعيبك عرقـوب بـلأي

 

إذا لم يعطك النصف الخصيم

ومارست الرجال ومارسوني

 

فمعوج علي ومسـتـقـيم

قوله: فما صلى عصاك كمستديم، يقول: عليك بالتأني والرفق، وإياك والعجلة؛ فإن العجول لا يبرم أمراً أبداً، كما أن الذي يثقف العود إذا لم يجد تصليته على النار لم يستقم له.

وقال في ذلك شداد بن معاوية العبسي :

من يك سائلاً عني فإنـي

 

وجروة لا نرود ولا نعار

مقربة النساء ولا تـراهـا

 

أمام الحي يتبعها المهـار

لها في الصيف آصرة وجل

 

وست من كرائمها غـزار

آصرة: حشيش، وست: أي ست أينق تسقى لبنها.

ألا أبلغ بني العشراء عني

 

علانية وما يغني السـرار

قتلت سراتكم وحسلت منكم

 

حسيلاً مثل ما حسل الوبار

حسالة الناس وحفالتهم ورعاعهم وخمانهم وشرطهم وحثالتهم وخشارتهم وغثاؤهم واحد؛ وهم السفلة يقول: قتلت سراتكم وجعلتكم بعدهم حسالة، كما خلقت الوبار حسالة.

وكان ذلك اليوم يوم ذي حساً، ويزعم بعض بني فزارة أن حذيفة كان أصاب يومئذ فيمن أصاب من بني عبس تماضر ابنة الشريد السلمية أم قيس فقتلها، وكانت في المال، وقال:

ولم أقتلكم سراً ولـكـن

 

علانية وقد سطع الغبار

صوت

جاء البريد بقرطـاس يخـب بـه

 

فأوجس القلب من قرطاسه فزعا

قلنا: لك الويل، ماذا في صحيفتكم؟

 

قال: الخليفة أمسى مثبتاً وجـعـا

عروضه من الكامل . الشعر ليزيد بن معاوية، والغناء لابن محرز، هزج بالوسطى عن عمرو.

وهذا الشعر يقوله يزيد في علة أبيه التي مات فيها، وكان يزيد يومئذ غازياً غزاة الصائفة.