ذكر نسب أبي العتاهية وأخباره

الجزء الرابع

بسم الله الرحمن الرحيم

ذكر نسب أبي العتاهية وأخباره

 

سوى ما كان منها مع عتبة، فإنه لكثرة الصنعة في تشبيبه بها، وأنها اتسعت جداً فلم يصلح ذكرها هنا، لئلا تنقطع المائة الصوت المختارة، وهي تذكر في موضع آخر إن شاء الله تعالى.

اسمه ولقبه وكنيته ونشأته

أبو العتاهية لقب غلب عليه. واسمه إسماعيل بن القاسم بن سويد بن كيسان، مولى عنزة، وكنيته أبو إسحاق، وأمه أم زيد بنت زياد المحاربي مولى بني زهرة؛ وفي ذلك يقول أبو قابوس النصراني وقد بلغه أن أبا العتاهية فضل عليه العتابي:

قل للمكني نفـسـه

 

متخيراً بعتـاهـية

والمرسل الكلم القبي

 

ح وعته أذن واعية

إن كنت سرا سؤتني

 

أو كان ذاك علانية

فعليك لعنة ذي الجلا

 

ل وأم زيد زانـية

مناحيه الشعرية

ومنشؤه بالكوفة. وكان في أول أمره يتخنث ويحمل زاملة المخنثين، ثم كان يبيع الفخار بالكوفة، ثم قال الشعر فبرع فيه وتقدم. ويقال: أطبع الناس بشار والسيد أبو العتاهية. وما قدر أحد على جمع شعر هؤلاء الثلاثة لكثرته. وكان غزير البحر، لطيف المعاني، سهل الألفاظ، كثير الافتتان، قليل التكلف، إلا إنه كثير الساقط المرذول مع ذلك. وأكثر شعره في الزهد والأمثال. وكان قوم من أهل عصره ينسبونه إلى الوقل بمذهب الفاسفة ممن لا يؤمن بالبعث، ويحتجون بأن شعره إنما هو في ذكر الموت والفناس دون ذكر النشور والمعاد. وله أوزان طريفة قالها مما لم يتقدمه الأوائل فيها. وكان أبخل الناس مع يساره وكثرة ما جمعه من الأموال.

سبب كنيته

حدثني محمد بن يحيى الصولي قال أخبرني محمد بن موسى بن حماد قال: قال المهدي بن يحيى الصولي قال أخبرني محمد بن موسى بن حماد قال: قال المهدي يوما” لأبي العتاهية: أنت إنسان متحذلق مهته. فاستوت له من ذلك كنية غلبت عليه دون اسمه وكنيته، وسارت له في الناس. قال: ويقال للرجل المتحذلق: عتاهية، كما يقال للرجل الطويل: شناحية. ويقال: أبو عتاهية، بإسقاط الألف واللام.

قال محمد بن يحيى وأخبرني محمد بن موسى قال أخبرني ميمون بن هارون عن بعض مشايخه قال: كني بأبي العتاهية إن كان يحب الشهرة والمجون والتعته.

وبلده الكوفة وبلد آبائه وبها مولده ومنشؤه وباديته.

يقول ابنه إنها من عنزة: قال محمد بن سلامك: وكان محمد بن أبي العتاهية يذكر أن أصلهم من عنزة، وأن جدهم كيسان كان من أهل عين التمر، فلما غزاها خالد نب الوليد كان كيسان جدهم هذا يتيما” صغيرا” يكفله قرابة له من نعنزة، فسباه خالد مع جماعة صبيان من أهلها، فوجه بهم إلى أبي بكر، فوصلوا إليه وبحضرته عباد بن رفاعة العنزي بن أسد بن ربيعة بن نزار، فجعل أبو بكر رضي الله عنه يسأل الصبيان عن أنسابهم فيخبره كل واحد بمبلغ معرفته، حتى سأل كيسان، فذكر له أنهخ من عنزة. فلما سمعه عبد يقول ذلك استوهبه من أبي بكر رضي الله عنه، وقد كان خالصا” له، فوهبه له؛ فأعتقه، فتولى عنزة.

استعداؤه مندل بن علي وأخاه علي سبه بأنه نبطي: أخبرني محمد بن عمران الصيرفي قال حدثنا الحسن بن عليل العنزي قال حدثنا أحمد بن الحجاج الجلاني الكوفي قال حدثني أبو دذيل مصعب بن دؤيل الجلاني، قال: لم أر قط مندل بن علي العنزي وأخاه حيان بن علي غضبا من شيء قط إلا يوما” واحدا”، دخل عليهما أبو العتاهية وهو مضمخ بالدماء. فقالا له: ويحك ما بالك؟ فقال لهما: من أنا؟ فقالا له: أنت أخونا وابن عمنا ومولانا. فقال: إن فلانا” الجزار قتلني وضربني وزعم أني نبطي، فإن كنت نبطيا” هربت على وجهي، وإلا فقوما فخذا لي بحقي. فقام معه مندل بن علي وما تعلق نعله غضبا”؛ وقال له: والله لو كان حقك على عيسى بن موسى لأخذته لك منه؛ ومر معه حافيا” حتى أخذ له بحقه.

أخبرني الصولي قال حدثنا محمد بن موسى عن الحسن بن علي عن عمر بن معاوية عن جبارة بن المغلي الحماني قال: أبو العتاهية مولى عطاء بن محجن العنزي.

أبو العتاهية وصنعة أهله أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهروية قال قال أبو عون أحمد بن المنجم أخبرني خيار الكاتب قال: كان أبو العتاهية وإبراهيم الموصلي من أهل المذار جميعا”، وكان أبو العتاهية وأهله يعملون الجرار الخضر، فقدما إلى بغداد ثم افترقا؛ فنزل إبراهيم الموصلي ببغداد، ونزل أبو العتاهية الحيرة. وذكر عن الرياشي أنه قال مثل ذلك، وأن أبا العتاهية نقله إلى الكوفة.

قال محمد بن موسى: فولاء أبي العتاهية من قبل أبيه لعنزة، ومن قبل أمه لبني زهرة، ثم لمحمد بن هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، وكانت أمه مولاة لهم، ثقال لها أم زيد.

أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن مهروية؛ قال قال الخليل بن أسد: كان أبو العتاهية يأتينا فيستأذن ويقول: أبو إسحاق الخزاف. وكان أبوه حجاما” من أهل ورجة؛ ولذلك يقول أبو العتاهية:

ألا إنما التقوى هو العز والـكـرم

 

وحبك للدنيا هو الفقـر والـعـدم

وليس على عبد قـتـي تـقـيصة

 

إذا صحح التقوى وإن حاك أو حجم

فاخره رجل من كنانة فقال شعرا”

حدثني محمد بن يحيى الصولي قال حدثنا الغلابي قال حدثنا محمد بن أبي العتاهية قال: جاذب رجل من كنانة أبا العتاهية في شيء، ففخر عليه الكناني واستطال بقوم من أهله؛ فقال أبو العتاهيه:

دعني مـن ذكـر أب وجـد

 

ونسبٍ يعليك سور المـجـد

ما الفخر إلا في التقى والزهد

 

وطاعة تعطى جنان الخلـد

لابد من ورد لأهـل الـورد

 

إما إلى ضحلٍ وغمـا عـد

آراؤه الدينية

حدثني الصولي قال حدثنا محمد بن موسى عن أحمد بن حرب قال: كان مذهب أبي العتاهية القول بالتوحيد، وأن الله خلق جوهرين متضادين لامن شيء، ثم إنه بني العالم هذه البنية منهما، وأن العالم حديث العين والصنعه لامحدث له إلا الله. وكان يزعم أن الله سيرد كل شيء إلى الجوهرين المتضادين قبل أن تفنى الأعيان جميعا”. وكان يذهب إلى أن المعارف واقعة بقدر الفكر والاستدلال والبحث طباعا”. وكان يقول بالوعيد وبتحريم المكاسب، ويتشيع بمذهب الزيدية البترية المبتدعة، لا ينتقص أحدا” ولا يرى مع ذلك الخروج على السلطان. وكان مجبرا” مناظرته لثمامة بن أشرس في العقائد بين يدي المأمون: قال الصولي: فحدثني يموت بن المزرع قال حدثني الجاحظ قال قال أبو العتاهية لثمامة بين يدي المأمون وكان كثيرا” ما يعارضه بقوله في الإجبار-: أسألك عن مسالة. فقال له المأمون: عليك بشعرك. فقال: إن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي في مسألته ويأمره بإجابتي! فقال له: أجبه إذا سألك. فقال: أنا أقول: إن كل ما فعله العباد من خير وشر فهو من الله، وأنت تأبى ذلك، فمن حرك يدي هذه؟ وجعل أبو العتاهية يحركها. فقال له ثمامة: حركها من أمه زانية. فقال: شتمني والله يا أمير المؤمنين. فقال ثمامة: ناقض الماص بظر أمه والله يا أمير المؤمنين! فضحك المأمون وقال له: ألم أقل لك أن تشتغل بشعرك وتدع ما ليس من عملك! قال ثمامة: فلقيني بعد ذلك فقال لي: يا أبا معن، أما أغناك الجواب عن السفه؟! فقلت: إن من أتم الكلام ما قطع الحجة، وعاقب على الإساءة وشفى من الغيظ، وانتصر من الجاهل.

قال محمد بن يحيى وحدثني عون بن محمد الكندي قال: سمعت العباس بن رستم يقول: كان أبو العتاهية مذبذبا” في مذهبه: يعتقد شيئا”، فإذا سمع طاعنا” عليه ترك اعتقاده إياه وأخذ غيره خبره مع المخنثين حدثني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثني ابن أبي الدنيا قال حدثني الحسين بن عبد ربه قال حدثني علي بن عبيدة الريحاني قال حدثني أبو الشمقمق: أنه رأس أبا العتاهية يحمل زاملة المخنثين، فقلت له: أمثلك يضع نفسه هذا الموضع مع سنك وشعرك وقدرك؟ فقال له: أريد أن أتعلم كيادهم، وأتحفظ كلامهم.

محاورته بشر بن المعتمر أخبرني عيسى بن الحسين الوراق قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال: ذكر أحمد بن إبراهيم ين إسماعيل أن بشر بن المعتمر قال يوما” لأبي العتاهية: بلغني أنك لما نسكت جلست تحجم اليتامى والفقراء للسبيل، أكذلك كان؟ قال نعم. قال له: فما أردت بذلك؟ قال: أردت أن أضع من نفسي حسبما رفعتني الدنيا، وأضع منها ليسقط عنها الكبر، واكتسب بما فعلته الثواب، وكنت أحجم اليتامى والفقراء خاصة. فقال له بشر: دعني من تذليلك نفسي بالحجامة؛ فإنه ليس بحجة لك أن تؤديها وتصلحها لما لعلك تفسد به أمر غيرك؛ أحب أن تخبرني هل كنت تعرف الوقت الذي كان يحتاج فيه من تحدجمه إلى إخراج الدم؟ قال: لا. قال: هل كنت تعرف مقدار ما يحتاج كل واحد منهم إلى أن يخرجه على قدر طبعه، مما إذا زدت فيه أو نقصت منه ضر المحجوم؟ قال لا. قال: فما أراك إلا أردت أن تتعلم الحجامة على أقفاء اليتامى والمساكين! أراد حمدوية صاحب الزنادقة أخذه فتستر بالحجامة: أخبرني محمد بن يحيى الصولي قال حدثنا أبو ذكوان قال حدثنا العباس بن رستم قال: كان حمدوية صاحب الزنادقة قد أراد أن يأخذ أبا العتاهية، ففزع من ذلك وقعد حجاما”.أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهروية قال قال أبو دعامة علي بن يزيد: أخبر يحيى بن خالد أن أبا العتاهية قد نسك، وأنه جلس بحجم الناس للأجر تواضعا” بذلك. فقال: ألم يكن يبيع الجرار قبل ذلك؟ فقيل له بلى. فقال: أما في بيع الجرار من الذل ما يكفيه يستغني به عن الحجامة! سئل عن خلق القرآن فأجاب أخبرني محمد بن يحيى قال حدثني شيخ من مشايخنا قال حدثني أبو شعيب صاحب ابن أبي دواد قال: قلت لأبي العتاهية: القرآن عندك مخلوق أم غير مخلوق؟ فقال: أسألتني عن الله أم عن غير الله؟ قلت: عن غير الله، فأمسك. وأعدت عليه فأجابني هذا الجواب، حتى فعل ذلك مرارا”. فقلت له: مالك لا تجيبني؟ قال: قد أجبتك ولكنك حمار

أوصافه وصناعته

أخبرني محمد بن يحيى قال حدثنا شيخ من مشايخنا قال حدثني محمد بن موسى قال: كان أبو العتاهية قضيفا”، أبيض اللون، أسود الشعر، له وفرة جعدة، وهيئة حسنة ولباقة وحصافة، وكان له عبيد من السودان، ولأخيه زيد أيضا” عبيد منهم يعملون الخزف في أتون لهم؛ فإذا اجتمع منه شيء ألقوه على أجبر لهم يقال له أبو عباد اليزيد من أهل طاق الجرار بالكوفة، فيبيعه على يديه ويرد فضله إليهم. وقيل: بل كان يفعل ذلك أخوه زيد لا هو؛ وشئل عن ذلك فقال: أنا جرار القوافي، وأخي جرار التجارة.

قال محمد بن موسى: وحدثني عبد الله بن محمد قال حدثني عبد الحميد بن سريع مولى بن عجل قال: أنا رأيت أبا العتاهية وهو جرار يأتيه الأحداث والمتأدبون فينشدهم أشعاره، فيأخذون ما تكسر من الخزف فيكتبونها فيها.

كان يشتم أبا قابوس ويفضل عليه العتابي

حدثني محمد بن يحيى الصولي قال حدثني عون بن محمد الكندي قال حدثني محمد بن عمر الجرجاني قال: لما هاجى أبو قابوس النصراني كلثوم بن عمرو العتابي، جعل أبو العتاهية يشتم أبا قابوس وضع منه؛ ويفضل العتابي عليه؛ فبلغه ذلك فقال فيه:

قل للكنى نـفـسـه

 

متخيرا” بعتـاهـية

والمرسل الكلم القبي

 

ح وعته أذن واعية

إن كنت سرا” سؤتني

 

أو كان ذاك علانيه

فعليك لعنة ذي الجلا

 

ل وأم زيد زانـية

-يعني أم أبي العتاهية، وهي أم زيد بنت زياد-فقيل له: أشتم مسلما”؟ فقال: لم أشتمه، وإنما قلت:

فعليك لعنة ذي الجلا

 

ل ومن عنينا زانية

هجاء والية بن الحباب: قال: وفيه يقول والية بن الحباب وكان يهاجي:

كان فينا يكنى أبا إسـحـاق

 

وبها الركب سار في الآفاق

فتكنى معتوهنـا بـعـتـاه

 

يالها كنية أنت بـاتـفـاق

خلق الله لحـية لـك لاتـن

 

فك معقودة بداء الـحـلاق

قصته مع النوشجاني

أخبرنا محمد بن مزيد بن أبي الأزهر قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثنا النوشجاني قال: أتاني البواب يوما” فقال لي: أبو إسحاق الخزاف بالباب؛ فقلت: ائذن له، فإذا أبو العتاهية قد دخل. فوضعت بين يديه قنو موز؛ فقال: قد صرت تقتل العلماء بالموز، قتلت أبا عبيدة بالموز، وتريد أن تقتلني به لا والله لا أذوقه. قال: فحدثني عروة بن وسف الثقفي قال: رأيت أبا عبيده قد خرج من دار النوشجاني في شق محمل مسجى، إلا أنه حي، وعند رأسه قنو موز وعند رجليه قنو موز آخر، يذهب به إلى أهله. فقال النوشجاني وغيره: لما دخلنا عليه نعوده قلنا: ما سبب علتك؟ قال: هذا النوشجاني جاءني بموز كأنه أيور المساكين، فأكثرت منه، فكان سبب علتي. قال: ومات في تلك العلة.

رأي مصعب بن عبد الله في شعره

أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن زهير قال: سمعت مصعب بن عبد الله يقول: أبو العتاهية أشعر الناس. فقلت له: بأي شيء استحق ذلك عندك؟ فقال: بقوله:

تعلـقـت بـآمـال

 

طوال أي آمــال

وأقبلت على الدنـيا

 

ملحـا أي إقـبـال

أيا هذا تجـهـز ل

 

فراق الأهل والمال

فلا بد من المـوت

 

على حال من الحال

ثم قال مصعب: هذا كلام سهل حق لا حشو فيه ولا نقصان، يعرفه العاقل ويقر به الجاهل.

استحسان الأصمعي لشعره أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا الرياشي قال: سمعت الأصمعي يستحسن قول أبي العتاهية:

أنت ما استغنيت عن صا

 

حبك الـدهـر أخـوه

فإذا احـتـجـت إلـيه

 

ساعة” مـجـك فـوه.

قول سلم الخاسر هو أشعر الجن والإنس حدثنا محمد بن العباس اليزيدي إملاء قال حدثني عمي الفضل بن محمد قال حدثني موسى بن صالح الشهرزوري قال: أتيت سلما الخاسر فقلت له: أنشدني لنفسك. قال: ولكن أنشدك لأشعر الجن والإنس، لأبي العتاهية، ثم أنشدني قوله: صوت

سكن يبقى له سـكـن

 

ما بهذا يؤذن الزمـن

نحن في دار يخبرنـا

 

ببلاها ناطق لـسـن

دار سوء لم يدم فـرح

 

لامرئٍ فيها ولا حزن

في سبيل الله أنفسـنـا

 

كلتا بالموت مرتهـن

كل نفس عند ميتتهـا

 

حظها من مالها الكفن

إن مال المرء ليس له

 

منه إلا ذكره الحسن

فأخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثني محمد بن القاسم قال حدثني رجل من أهل البصرة أنسيت اسمه، قال حدثني حمدون بن زيد قال حدثني رجاء بن مسلمة قال: قلت لسلم الخاسر: من أشعر الناس؟ فقال: إن شئت أخبرتك بأشعر الجن والإنس. فقلت: إنما أسألك عن الإنس، فإن زدتني الجن فقد أحسنت. فقال: أشعرهم الذي يقول:

سكن يبقى له سكن

 

ما بهذا يؤذن الزمن

قال: والشعر لأبي العتاهية.

ثناء جعفر بن يحيى على شعره حدثني اليزيدي قال حدثني محمد بن موسى قال حدثني جعفر بن النصر الواسطي الضرير قال حدثني محمد بن شيرويه الأنماطي قال: قلت لداود بن زيد بن زرين الشاعر: من أشعر هل زمانه؟ قال: أبو نواس. قلت: فما تقول في أبي العتاهية؟ فقال: أبو العتاهية أشعر الأنس والجن.

أخبرني الصولي قال حدثني محمد بن موسى قال قال الزبير بن بكار: أخبرني إبراهيم بن المنذر عن الضحاك، قال: قال عبد الله بن عبد العزيز العمري: أشعر الناس أبو العتاهية حيث يقول:

ماضر من جعل التراب مهاده

 

ألا ينام على الحرير إذا قنع

صدق والله وأحسن.

مهارته في الشعر وحديثه عن نفسه في ذلك حدثني الصولي قال حدثني محمد بن موسى قال حدثني أحمد بن حرب قال حدثني المعلى بن عثمان قال: قيل لأبي العتاهية: كيف تقول الشعر؟ قال: ما أردته قط إلا مثل لي، فأقول ما أريد وأترك ما لا أريد.

أخبرني ابن عمار قال حدثني ابن مهروية قال حدثني روح بن الفرج الرمازي قال: جلست إلى أبي العتاهية فسمعته يقول: لو شئت أن أجعل كلامي كله شعرا” لفعلت.

حدثنا الصولي قال حدثنا العنزي قال حدثنا أبو عكرمة قال: قال محمد بن أبي العتاهية: سئل أبي: هل تعرف العروض؟ فقال: أنات أكبر من العروض. وله أوزان لا تدخل في العروض.

نظم شعرا” للرشيد وهو مريض فأبلغه الفضل وقر به الرشيد: أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا العنزي. قال حدثنا أبو عكرمة قال: حم الرشيد، فصار أبو العتاهية إلى الفضل بن الربيع برقعة فيها:

لو عـلـم الـنـاس كـيف أنـت لـــهـــم

 

ماتـوا إذا مـا ألـمـت أجـمــعـــهـــم

خليفة الله أنت ترجح بالناس إذا ما وزنت أنت وهم

 

 

قد علم الناس أن وجهك يس

 

تغـنـي إذا مـا رآه مـعـــدمـــهـــم

فأنشدها الفضل بن الربيع الرشيد؛ فأمر بإحضار أبي العتاهية، فمازال يسامره ويحدثه إلى أن برى، ووصل إليه بذلك السبب مال جليل.

إعجاب ابن الأعرابي به وإفحامه من تنقص شعره: قال: ولم؟ قال: لأنه شعر ضعيف. فقال ابن الأعرابي – وكان أحد الناس-: الضعيف والله عقلك لا شعر أبي العتاهية، ألأبي العتاهية تقول: إنه ضعيف الشعر! فوا لله ما رأيت شاعرا” قط أطبع ولا أقدر على بيت منه، وما أحسب مذهبه إلا ضربا” من السحر، ثم أنشد له:

قطعت مـنـك حـبـائل الآمـال

 

وحططت عن ظهر المطي رحالي

ووجدت برد اليأس بين جوانـحـي

 

فأرحت من حل ومـن تـرحـال

يأيها البطر الـذي هـو مـن غـد

 

في قبره مـتـمـزق الأوصـال

حذف المنى عنه المشمر في الهى

 

وأرى مـنـاك طــويلة الأذيال

حيل ابن آدم في الأمـور كـثـيرة

 

و الوقت يقطع حيلة المـحـتـال

قست السؤال فكان أعظم قيمة”

 

من كل عافه جرت بسـؤال

 

فإذا ابتليت ببذل وجهك سائلا”

 

فابذله للمتكرم المـفـضـال

 

وإذا خشيت تعذرا” في بـلـدة

 

فاشدد يديك بعاجل الترحـال

 

واصبر على غير الزمان فإنما

 

فرج الشدائد فقال حل عقال.

             

ثم قال للرجل: هل تعرف أحدا” يحسن أن يقول مثل هذا الشعر؟ فقال له الرجل: يا أبا عبد الله، جعلني الله فداءك! إني لم أردد عليك ما قلت، ولكن الزهد مذهب أبي العتاهية، وشعره في المديح ليس كشعره في الزهد. فقال: أفليس الذي يقول في المديح:

وهارون ماء المزن يشفي به الصدى

 

إذا ما لصدى بالريق غصت حناجره

وأوسط بيت في قـريش لـبـيتـه

 

وأول عـز فـي قـريش وآخـره

وزحف له تحكي البروق سـيوفـه

 

وتحكي الرعود القاصفات حوافـره

إذا حميت شمس النهار تضاحـكـت

 

إلى الشمس فيه بيضة ومغـافـره

إذا نكب الإسـلام يومـا” بـنـكـبة

 

فهارون من بـين الـبـرية ثـائره

ومن ذا يفوت الموت والموت مدرك

 

كذا لم يفت هارون ضـد ينـافـره

قال: فتخلص الرجل من شر ابن الأعرابي بأن قال له: القول كما قلت، وما كنت سمعت له مثل هذين الشعرين، وكتبهما عنه.

قال أبو نواس لست أشعر الناس وهو حي حدثني محمد قال حدثني أحمد بن أبي طاهر قال حدثني ابن الأعرابي المنجم قال حدثني هارون بن سعدان بن الحارث مولى عبد قال: حضرت أبا نواس في مجلس وأنشد شعرا”. فقال له: من حضر في المجلس: أن أشعر الناس. قال: أما والشيخ حي فلا. (يعني أبا العتاهية)

أنشد لثمامة شعره في ذم البخل فاعترض على بخله فأجابه:

أخبرني يحيى بن علي إجازة قال حدثني علي بن مهدي قال حدثني الحسين بن أبي السري قال: قال ثمامة بن أشرس أنشدني أبو العتاهية:

إذا المرء لم يعتق من المال نفسه

 

تملكه المال الذي هو مالـكـه

ألا إنما مالي الذي أنا مـنـفـق

 

وليس لي المال الذي أنا تاركـه

إذا كنت ذا مال فبادر به الـذي

 

يحق وإلا استهلكته مهـالـكـه

فقلت له: من أين قضيت بهذا؟ فقال: من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” إنما لك من مالك ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت”. فقلت له: أتؤمن بأن هذا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه الحق؟ قال نعم. قلت: فلم تحبس عندك سبعا” وعشرين بدرة في دارك، ولا تأكل منها ولا تشرب ولا تزكي ولا تقدمها ذخرا” ليوم فقرك وفاقتك؟ فقال: يا أبا معن، والله إن ما قلت لهو الحق، ولكني أخاف الفقر والحاجة إلى الناس. فقلت: ويم تزيد حال من افتقر على حالك وأنت دائم الحرص دائم الجمع شحيح على نفسك لا تشتري اللحم إلا من عيد إلى عيد؟! فترك جواب كلامي كله، ثم قال لي: والله لقد اشتريت في ويم عاشوراء لحما” وتوابله ومايتبعه بخمسة دراهم. فلما قال لي هذا القول أضحكني حتى أذهلني عن جوابه ومعاتبته، فأمسكت عنه وعلمت أنه ليس ممن شرح الله صدره للإسلام.

بخله، ونوادر مختلفة في ذلك أخبرني يحيى بن علي إجازة قال حدثني علي بن المهدي قال قال الجاحظ: حدثني ثمامة قال: دخلت يوما” إلى أبي العتاهية فإذا هو يأكل خبزا” بلا شيء. فقلت: كأنك رأيته يأكل خبزا” وحده؛ قال: لا! ولكنه رأيته يتأدم بلا شيء. فقلت: وكيف ذلك؟ فقال: رأيت قدامه خبزا” يابسا” من رقاق فطير وقدحا” فيه لبن حليب، فكان يأخذ القطعة من الخبز فيغمسها من اللبن ويخرجها ولم تتعلق منه بقليل ولا كثير؛ فقلت له: كأنك اشتهيت أن تتأدم بلا شيء، وما رأين أحد قبلك تأدم بلا شيء. قال الجاحظ: وزعم لي بعض أصحابنا قال: دخلت على أبي العتاهية في بعض المنتزهات، وقد دعا عياشا” صاحب الجس وتهيأ له بطعام، وقال لغلامه: إذا وضعت قدامهم الغداء فقدم إلي ثريدة بخل وزيت. فدخلت عليه، وإذا هو يأكل منها أكل متكمش غير منكر لشيء. فدعاني فمددت يدي معه، فإذا بثريدة بخل وبزر بدلا” من الزيت، فقلت له: أتدري ما تأكل؟ قال: نعم ثريدة بخل وبزر. فقلت: وما دعاك إلى هذا؟ قال: غلط الغلام بين دبة الزيت ودبة البزر، فلما جاءني كرهت التجبر وقلت: دهن كدهن، فأكلت وما أنكرت شيئا” أخبرني يحيى بن علي قال حدثني علي بن مهدي قال حدثنا عبد والله بن عطية الكوفي قال حدثنا محمد بن عيسى الخزيمي، وكان جار أبي العتاهية، قال: كان لأبي العتاهية جار يلتقط النوى ضعيف سيء الحال متجمل عليه ثياب فكان يمر بأبي العتاهية طرفي النهار؛ فيقول أبو العتاهية: اللهم أغنه عما هو بسبيله، شيخ ضعيف سيء الحال عليه ثياب متجمل، اللهم أعنه، اصنع له، بارك فيه. فبقي على هذا إلى أن مات الشيخ نحوا” من عشرين سنة. ووالله إن تصدق عليه بدرهم ولا دانق قط، وما زاد على الدعاء شيئا”. فقلت له يوما”: يا أبا إسحاق إني أراك تطثر الدعاء لهذا الشيخ وتزعم أنه فقير مقل، فلم لا تتصدق عليه بشيء؟ فقال: أخشى أن يعتاد الصدقة، والصدقة آخر كسب العيد، وإن في الدعاء لخيرا” كثيرا” قال محمد بن عيسى الخزيمي هذا: وكان لأبي العتاهية خادم أسود طويل كأنه محراك أتو، وكان يجري عليه في كل يويم رغيفين. فجاءني الخادم يوما” فقال لي: والله مااشبع. فقلت: وكيف ذاك؟ قال: لأني ماأفتر من الكد وهو يجري على رغيفين بغير إدام. فإن رأيت أن تكلمه حتى يزيدني رغيفا” فتؤجر! فوعدته بذلك. فلما جلست معه مر بنا الخادم فكرهت إعلامه أنه شكاإلي ذلك، فقلت له: يا أباإسحاق، كم تجري على هذا الخادم في كل يوم؟ قال رغيفين. فقلت به: من لم يكفه القليل لم يكفه الكثير، وكل من أعطى نفسه شهوتها هلك، وهذا خادم يدخل إلى حرمي وبناتي، فإن لم أعوده القناعة والاقتصاد أهلكني وأهلك عيالي ومالي. فمات الخادم بع ذلك فكفته في إزار وفراش له خلق. فقلت له: سبحان اله! خادم قديم الحرمة طويل الخدمة وأجب الحق، تكفنه في خلق، وإنما يكفيك له كفن بدينارين! فقال: غنه يصير إلى البلى، والحي أولى بالجديد من الميت. فقلت له: يرحمك الله أبا إسحا! فلقد عودته الاقتصاد حيا” وميتا”.

قال محمد بن عيسى هذا: وقف عليه ذات يوم سائل من العيارين الظرفاء وجماعة من جيرانه حوله، فسأله من بين الجيران؛ فقال: صنع الله لك! فأعاد السؤال فأعاد عليه ثانية، فأعاد عليه ثالثة فرد عليه مثل ذلك، فغضب وقال له: ألست القائل:

كل حي عند ميتتـه

 

حظه من ماله الكفن

ثم قال: فبالله عليك أرتيد أن تعد مالك كله لثمن كفنك؟ قاللا. قال: فبالله كم قدرت لكفنك؟ قال خمسة دنانير. قال: فهي إذا” حظك من مالك كله. قال نعم. قال: فتصدق علي من غير حظك بدرهم واحد. قال: لو تصدقت عليك لكان حظي. قال: فاعمل على أن دينارا” من الخمسة الدنانير وضيعة قيراط، وادفع إلي قيراطا” واحدا”، وإلا فواحدة أخرى. قال: وماهي؟ قال: القبور تحفر بثلاثة دراهم، فأعطني درهما” وأقيم لك كفيلا” بأني أحفر لك قبرك به متى مت، وتربح درهمين لم يكونا في حسبانك، فإن لم أحتفر رددته على ورثتك أو رده كفيلي عليهم. فخجل أبو العتاهية وقال: اعزب لعنك الله وغضب عليك! فضحك جميع من حضر. ومر السائل يضحك؛ فالتفت إلينا أبو العتاهية فقال: من أجل هذا وأمثاله حرمت الصدقة. فقلنا له: ومن حرمها ومتى حرمت! فما رأينا أحدا” أدعى أن الصدقة حرمت قبله ولابعده.

قال نحمد بن عيسى هذا: وقلت لأبي العتاهية: أتزكي مالك؟ فقال: والله ماأنفق علي عيالي إلا من زكاة مالي. فقلت: سبحان اللهّ! غنما ينبغي أن تخرج زكاة مالك إلى الفقراء والمساكين. فقال: لو انقطعت عن عيالي زكاة مالي لم يكن في الأرض أفقر منهم.

سئل عن أحكم شعره فأجاب

أخبرني عيسى بن الحسين الوراق قال حدثنا الزبير بن بكار قال: قال سليمان بن أبي شيخ قلت لأبي العتاهيى: أي شعر قلته أحكم؟ قال قولي:

علمت يامجائع بن مسعـدة

 

أن الشباب والفراع والجدة

مفسدة للمرء أي مفسدة

 

 

معاتبته عمرو بن مسعدة

أخبرني عيسى قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثنا أبو غزية قال: كان مجاشع بن مسعدة أخو عمرو بن مسعدة صديقا” لأبي العتاهية، فكان يقوم بحوائجه كلها ويخلث مودته، فمات، وعرضت لأبي العتاهية حاجة إلى أخيه عمرو بن مسعدة فتباطأ فيها؛ فكتب إليه أبو العاهية:

غنيت عن العهد القديم غنـيتـا

 

وضيعت ودا” بيننا ونـسـيتـا

ومن عجب الأيام أن مات مألفي

 

ومن كنت تغشاني به وبقـيتـا

فقال عمرو: استطال أبو إسحاق إعمارنا وتوعدنا، مابعد هذا خير، ثم قضى حاجته.
فارق أبا غزية في المدينة وأنشده شعرا”: أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير قال حدثنا أبو غزيةقال: كان أبو العتاهية إذا قدم من المدينة يجلس إلي؛ فأراد مرة الخروج من المدينة فودعني ثم قال:

لإن نعش نجتمع وإلا فما أش

 

غل من مات عن جميع الأنام

طالبه غلام من التجار بمال فقال فيه شعرا” أخجله:

أخبرني أحمد بن العباس العسكري قال حدثنا الحسن بن عليل العنزي قال حدثني عبد الرحمن بن إسحاق العذري قال: كان لبعض التجار من أهل باب الطاق على أبي العتاهية ثمن ثياب أخذها منه. فمربه يوما”، فقال صاحب الدكان لغلام ممن يخدمه حسن الوجه: أدرك أبا العتاهية فلا تفارقه حتى تأخذ منه مالنا؟ عنده؛ فأدركه على رأس الجسر، فأخذ بعنان حماره ووقفه. فقال له: ماحاجتك ياغلام؟ قال: أنا رسول فلان، بعثني إليك لآخذ ماله عليك. فأمسك عنه أبو العتاهية؛ وكان كل من مر فرأى الغلام متعلقا” به وقف ينظر، حتى رضي أبوالعتاهية جمع الناس وحفلهم، ثم أنشأ يقول:

والللـه ربـك إنـنـي

 

لأجل وجهك عن فعالك

لوكان فعلك مثـل وج

 

هك كنت مكتفيا” بذلك

فخجل الغلام وأرسل عنان الحمار، ورجع إلى صاحبه، وقال: بعثتني إلي شيطان جمع علي الناس في الشعر حتى أخجلني فهربت منه.

حجبه حاجب عمرو بن مسعدة فقال فيه شعرا”:

أخبرني أحمد بن العباس قال حدثنا العنزي قال قال إبارهيم بن إسحاق بن إبارهيم التيمي: حدثني إبراهيم بن حكيم قال: كان أبو العتاهية يختلف إلى عمرو بن مسعدة لود كان بينه وبين أخيه مجاشع. فاستأذن عليه يوما” فحجب عنه، فلزم منزله. فاستبطأه عمرو؛ فكتي إليه: إن الكسل يمنعني من لقائك؛ وكتب في أسفل رقعته:

كسلني اليأس منك عنك فما

 

أرفع طرفي إليك من كسل

إني إذا لم يكن أخـي ثـقة

 

قطعت منه حبائل الأمـل

حدثني علي بن سليمان الأخفش قال حدثني محمد بن يزيد النحوي قال: استأذن أبو العاهية على عمرو بن مسعدة فحجب عنه؛ فكتب إليه:

مالك قد حلت عن إخـائك واس

 

تبدلت ياعمرو شـيمة كـدره

إني إذا الباب تـاه حـاجـبـه

 

لم يك عندي في هجره نظـره

لستم ترجون كالظل بهجتـهـا

 

سريعة الانقضاء منـشـمـرة

قد كان وجهي لديك مـعـرفة”

 

فاليوم أضحى حرفا” من النكرة

قصيدته في هجو عبد الله بن معن وما كان بينهما:

أخبرني محمد بن القاسم الأنباري قال حدثنا أبو عكرمة قال: كان الرشيد إذا رأى عبد الله بن معن بن زائدة تمثل قول أبي العتاهية:

أخت بني شيبان مرت بنـا

 

ممشوطة كورا” على بغل

وأول هذه الأبيات

ياصـاحـبـي رحـلـي لاتـكـــثـــرا

 

في شـتـم عـبـد الـلـلـه مـن عــذل

سبـحـان مـن خـص ابـن مـعـن بـمـا

 

أرى بـه مـن قـلة الـــعـــقـــل

قال ابـن مـعـن وجـلا نــفـــســـه

 

علـى مـن الـجـلــوة ياأهـــلـــي

أنـا فـتــاة الـــحـــي مـــن وائل

 

في الـشـرف الـشـامـخ والـنـبـــل

مافي بني شيبان أهل الحجا جارية واحدة مثلي

 

 

ويلي ويالهفي على أمرد

 

يلـصـق مـنـي الـقـرط بـالـحـجـل

صافـحـتـه يومـا” عـلـى خــلـــوة

 

فقـال دع كـفـي وخـذ بـرجــلـــي

أخـت بـنـي شـيبـان مـرت بــنـــا

 

ممـشـوطة كـورا” عـلـى بــغـــل

تكـنـى أبـا الـفـضــل ويامـــن رأى

 

جارية تـكـنـى أبـا الــفـــضـــل

قد نـقـطـت فـي وجـهـهـا نـقـــطة

 

مخـافة الـعـين مـن الــكـــحـــل

إن زرتموها قال حجابهـا

 

نحن عن الزوار في شغل

 

مولاتنا مشغولة عنـدهـا

 

بغل ولا إذن على البعـل

 

يابنت معن الخير لاتجهلي

 

وأين إقصار عن الجهـل

 

أتجلد الناس وأنـت امـرؤ

 

تجلد في الدبر وفي القبل

 

ماينبغي للناس أن ينسبـوا

 

من كان ذا جود إلى البخل

 

يبذل مايمنع أهل الـمـدى

 

هذا لعمري منتهى البـذل

 

ماقلت هذا فـيك إلا وقـد

 

جفت به الأقلام من قبلي

             

قال: فبعث إليه عبد الله بن معن، فأتي به؛ فدعا بغلمان له ثم أمرهم أن يرتكيبوا منه الفاشحة، ففعلوا ذلك، ثم أجلسه وقال له: قد جربتك على قولك في، فهل لك في الصلح ومعه مركب وعشرة آلاف درهم أو تقيم على الحرب؟ قال: بل الصلح. قال: فأسمعني ماتقوله في الصلح؛ فقال:

يالعـذالـي ومـالـي

 

أمروني بالـضـلال

عذلوني في اغتفـاري

 

لابن معن واحتمالـي

إن يكن ما كان مـنـه

 

فبجرمي وفـعـالـي

أنا منه كـنـت أسـوأ

 

عشرة في كل حـال

قل لمن يعجب من حس

 

ن رجوعي ومقالـي

رب ود بـعـد صـد

 

وهوى بعد تـقـالـي

قد رأينـا ذا كـثـيرة

 

جاريا” بين الـرجـال

إنما كـانـت يمـينـي

 

لطمت مني شمـالـي

خبره مع سعدى حدثني محمد بن يحيةى الصولي قال حدثنا محمد بن موسى اليزيدي قال حدثنا أبو سويد عبد القوي محمد بن أبي العتاهية ومحمد بن سعد قالا: كان أبو العاهية يهوى في حداثته امرأة نائحة من أهل الحيرة لها حسن وجمال يقال لها سعدى، وكان عبد الله بن معن بن زائدة المكنى بأبي الفضل يهواها أيضا”، وكانت مولاة لهم، ثم اتهمها أبو العتاهية بالنساء، فقال فيها:

ألا ياذوات السحق في الغرب والشرق

 

أفقن فإن النيك أشفى من السـحـق

أفقن فإن الخبـز بـالأدم يشـتـهـي

 

وليس يسوغ الخبز بالخبز في الحلق

أراكن ترقعن الخروق بمـثـلـهـا

 

وأي لبيب يرقع الخرق بـالـخـرق

وهل يصلح المهـراس إلا بـعـوده

 

إذا احتيج منه ذات يوم إلـى الـدق

حدثني الصولي قال حدثني الغلابي قال حدثني مهدي بن سابق قال: تهدد عبد الله بن معن أبا العتاهية وخوفه ونهاه أن يعرض لمولاته سعدى؛ فقال أبو العتاهية:

ألا قل لابن معن ذا الذي في الود قد حالا

 

لقدبلغت ماقال

 

فمـا بـــالـــيت مـــاقـــالا

ولـــوكـــان مـــن الأســــد

 

لمـــاصـــال ولاهـــــــالا

فصـغ مـا كـنــت حـــلـــيت

 

به سـيفـــك خـــلـــخـــالا

ومـاتـصـنـع بـــالـــســـيف

 

إذا لـــم تـــك قـــتـــــالا

ولـــو مـــد إلـــى أذنــــي

 

ه كــفـــيه لـــمـــا نـــالا

قصـير الـطــول والـــطـــيل

 

ة لاشــــــب ولاطـــــــالا

أرى قـــومـــك أبـــطـــالا

 

وقـد اصـبـحــت بـــطـــالا

ضربه عبد الله بن معن فهجاه

حدثنا الصولي قال حدثنا محمد بن موسى قال حدثني سليمان المدائني قال: احتال عبد الله بن معن على أبي العتاهية حتى أخذ في مكان فضربه مائة سوط ضربا” ليس بالمبرح غيظا” عليه، وإنما يعنف في ضربه خوفا” من يعنى به؛ فقال أبو العاهية يهجوه:

جلـدتـنـي بـكـــفـــهـــا

 

بنـت مــعـــن بـــن زائدة

جلـدتـنـي فــأزجـــعـــت

 

بأبـي تـلـــك جـــالـــدة

وتراها مع الخصي على الباب قاعدة

 

 

تتكنى كنى الرجا

 

ل بـعــمـــد مـــكـــايدة

جلـدتـنـي وبـــالـــغـــت

 

مائة غــــير واحـــــــدة

أجـلـدينـــي واجـــلـــدي

 

إنـــمـــا أنـــت والـــدة

وقال أيضا”:

ضربتني بكفها بنت معـن

 

أوجعت كفها وماأوجعتني

ولعمري لولا أذى كفها إذ

 

ضربتني بالشوط ماتركتني

تواعده يزيد بن معن لهجائه أخاه فهجاه

قال الصولي: حدثنا عن بن محمد ومحمد بن موسى قالا: لما اتصل هجاء أبي العتاهية بعبد الله بن معن وكثر، غضب أخوهو بن معن من ذلك وتوعد أبا العتاهية؛ فقال فيه قصيدته التي أولها:

بني معن ويهدمه يزيد

 

كذاك الله يفعل مايريد

فمعن كان للحسـاد غـمـا

 

وهذا قد يسر به الحسـود

يزيد يزيد في منع وبـخـل

 

وينقص في العطاء ولايزيد          

مصالحته أولاد معن

حدثني الصولي قال حدثني جبلى بن محمد قال حدثني أبي قال: مضى بنو معن إلى مندل وحيان ابن على العنزيين الفقيهين- وهما من بني عمرو بن عامر بطن من يقدم بن عنزة، وكانا من سادات أهل الكوفة- فقالوا لهم: نحن بيت واحد وأهل، ولافرق بيننا، وقد أتانا من مولاكم هذا مالو أتانا من بعيد الولاء لوجب أن تردعاه.؟ فأحضرا أبا العتاهية، ولم يكن بمكنه الخلاف عليهما، فأصلحا بينه بين عبد الله ويزيد ابني معن، وضكنا عنه خلوص النية، وعنهما ألا يتبعاه بسوء، وكانا ممن لايمكن خلافهما، فرجعت الحال إلى المودة والصفاء. فجعل الناس يعذلون أبا العتاهية، ولم يكن يمكنه الخلاف عليهما، فأصلحا بينه وبين عبد الله ويزيد ابني معن، وضمعنه خلوص النية، وعنهما ألا يتبعاه بسوء، وكانا ممن لايمكن خلافهما، فرجعت الحال إلى المودة والصفاء. فجعل الناس يذلون أبا العتاهية على مافرط منه، ولامه آخرون في صلحه لهما؛ فقال:

مالعذالي ومالـي

 

أمروني بالضلال

وقد كتبت متقدمة.

رثاؤه زائدة بن معن

حدثني الصولي قال حدثنا محمد بن موسى قال: كان زائدة بن معن صديقا” لأبي العتاهية ولم يعن إخوته عليه، فمات؛ فقال أبو العتاهية يرثيه:

حزنت لموت زائدة بن معن

 

حقيق أن يطول عليه حزين

فتى الفتيان زائدة المصفـى

 

أبو العباس كان أخي وخدني

فتى قوم وأي فتى تـوارت

 

به الأكفان تحت ثرى ولبن

ألا ياقبر زائدة بـن مـعـن

 

دعوتك كي تجيب فيم تجبني

سل الأيام عن أركان قومـي

 

أصبن بهن ركنا” بعد ركـن

فكان ابن معن يخجل إذا لبس السيف

أخبرني الصولي قال حدثنا الحسن بن علي الرازي القارىء قال حدثني أحمد بن أبي فنن قال: كنا عند الأعرابي، فذكروا قول ابن نوفل في عبد الملك بن عمير:

إذا ذات دل كلمته لـحـاجة

 

فهم بأن يقضي تنحنح أوسعل

وأن عبد الملك قال: تركني والله وإن السعلة لتعرض لي في الخلاء، فأذكر قوله فأخاب أن أسعل. قال: فقلت لأبن الأعرابي: فهذا أبو العتاهية قال في عبد الله بن معن بن زائدة:

فصغ ما كنت حليت

 

به سيفك خلخـالا”

وماتصنع بالسـيف

 

إذا لم تك قـتـالا

فقال عبد الله بن معن: مالبست سيفي قط فرأيت إنسانا” يلمحني إلا ظننت أنه يحفظ قول أبي العتاهية في، فلذلك يتأملني فأخجل. فقال ابن الأعرابي: اعجبوا لعبد يهجو مولاه. قال: وكان ابن الأعرابي مولى بن شيبان

مناظرته مسلم بن الوليد قي قول الشعر

نسخت من كتاب هلارون بن علي بن يحيى: حدثني علي بن مهدي قالحدثني الحسين بن أبي السري قال: اجتمع أبو العتاهية ومسلم بن الوليد الأنصاري في بعض المجالس، فجرى بينهما الكلام؛ فقال له مسلم: والله لو كنت أرضى أن أقول مثل قولك:

الحمد والنعمة لـك

 

والملك لاشريك لك

لبيك إن الملك لك

 

 

لقلت في اليوم عشرة آلاف بيت، ولكني أقول:

موف على مهج في يوم ذي رهج

 

كأنه أجل يسـعـى إلـى أمـل

ينال بالرفق مايعيا الـرجـال بـه

 

كالموت مستعجلا” يأتي على مهل

يكسو السيوف نفوس الناكثين بـه

 

ويجعل الهام تيجان القنا الـذبـل

لله من هاشم في أرضـه جـبـل

 

وأنت وابنك ركنا ذلك الـحـبـل

فقال له أبو العتاهية: قل مثل قولي: ” الحمد والنعمة لك أقل مثل قولك: ” كأنه أجل يسعى إلى أمل تقارض هو وبشار الثناء على شعريهما حدثني الصولي قال حدثنا الغلابي قال حدثنا مهدي بن سابق قال: قال بشار لأبي العتاهية: أنا والله استحسن اعتذارك من دمعك حيث تقول:

كم من صديق لي أسا

 

رقه البكاء من الحياء

فإذا تأمـل لامـنـي

 

فأقول مابي من بكاء

لكني ذهبت لأرتـدي

 

فطرفت عيني بالرداء

فقال له أبو العاتاهية: لاوالله يا أبا معاذ، مالذت إلا بمعناك ولااجتنيت إلا من غرسك حيث تقول: صوت

شكوت إلى الغواني ماألاقي

 

وقلت لهن مايومي بعـيد

فقلن بكيت قلت لهن كـلا”

 

وقد يبكي من الشوق الجليد

ولكني أصاب سزواد عيني

 

عويد قدى له طرف حديد

فقلن فما لدمعـهـا سـواءٍ

 

أكلتا مقلتيك أصاب عـود

لأبراهيم الموصلي في هذه الأبيات لحن من الثقيل الأول بالوسطى مطلق.

مع محمد بن الفضل الهاشمي

أخبرني الحسن بن علي الخفاف قال حدثما محمد بن القاسم بن مهروية قال حدثني محمد بن هارون الأزرقي مولى بن هاشم عن ابن عائشة عن ابن لمحمد بن الفضل الهشمي قال: جاء أبو العتاهية إلى أبي فتحدثا ساعة، وجعل أبي يشكو إليه تخلف الصنعة وجفاء السلطان. فقال لي أبو العتاهية: اكتب:

كل على الدنيا له حـرص

 

والحادثات أناتها غـفـص

وكأن من واوه في جـدث

 

لم يبد منه لناظر شخـص

تبغي من الدنـيا زيادتـهـا

 

وزيادة الدنيا هي النقـص

ليد المنية في تلطـفـهـا

 

عن ذخر كل شفيقة فحص

حبسه الرشيد ثم عفا عنه وأجازه

حدثني عمرو قال حدثني علي بن محمد الهشامي عن جده ابن حمدون قال أخبرني مخارق قال: لما تنسك أبو العتاهية ولبس الصوف، أمره الرشيد أن يقول شعرا” في الغزل، فامتنع؛ فضربه الرشيد ستين عصا”، وحلف ألا يخرج من حبسه حتى يقول شعرا” في الغزل. فلما رفعت المقارع عنه قال أبو العتاهية: كل مملوك له حر وامرأته طالق إن تكلم سنة أو بلا إله إلا الله محمد رسول الله. فكأن الرشيد تحزن مما فعله، فأمر أن يحبس في دار ويوسع عليه، ولايمنع من دخول من يريد إليه، قال مخارق: وكانت الحال بينه وبين إبراهيم الموصلي لطيفة، فكان يبعثني إليه في الأيام أتعرف خبره. فإذا دخلت وجدت بين يديه ظهرا” ودواة، فيكتب إلي مايريد، وأكلمه. فمكث هكذا سنة. واتفق أن إبراهيم صنع صوته:

صوت

أعرفت دار الحي بالحجر

 

فشدوريان فقنة الغمـر

وهجرتنا وألفت رسم بلى

 

والرسم كان أحق بالهجر

-لحن إبراهيم في هذا الشعر خفيف رمل بالوسطى. وفيه لإسحاق رمل بالوسطى -قال مخارق: فقال لي إبراهيم: اذهب إلى أبي العتاهية حتى تغنيه هذا الصوت. فأتيته في اليوم الذي انقضت فيه يمينه، فغنيته إياه. فكتب إلي بعد أن غنيته: هذا اليوم تنقضي فيه يميني، فأحب أن تقيم عندي إلى الليل؛ فأقمت عنده نهاري كله، حتى إذا أذن الناس المغرب كلمني، فقال: يامخارق. قلت: لبيك. قال: قل لصاحبك: يابن الزانية! أما والله لقد أبقيت للناس فتنة إلى يوم القيامة، فانظر أين أنت من الله غدا”! قال مخارق: فكنت أول من أفطر على كلامه؛ فقلت: دعني من هذا، هل قلت شييئا” للتخلص من هذا الموضع؟ فقال: نعم، وقد قلت في امرأتي شعرا”. قلت: هاته؛ فأنشدني

صوت

من لقلب مـيتـم مـشـتـاق

 

شفه شوقه وطول الـفـراق

طال شوقي إلى قعيدة بـيتـي

 

ليت شعري فهل لنا من تلاقي

هي حظي قد اقتصرت عليها

 

من ذوات العقود والأطـواق

جمع الله عاجلا”بك شمـلـي

 

عن قريب وفكني من وثاقـي

قال: فكتبتها وصرت إلى إبراهيم؛ فصنع فيها لحنا”، ودخل بها على الرشيد؛ فكان أول صوت غناه إياه في ذلك المجلس؛ وسأله: لمن الشعر والغناء؟ فقال إبارهيم: أما الغناء فلي، وأما الشعر فلسيرك أبي العتاهية. فقال: أو قد فعل؟ قال: نعم قد كان كذلك. فدعابه، ثم قال لمسرور الخادم: كم ضربنا أبا العتاهية؟ قال: ستين عصا”، فأمر له بستين ألف درهم وخلع عليه وأطلقه.

غضب عليه الرشيد وترضاه له الفضل نسخت من كتاب هارون بن علي بن يحيى: حدثني علي بن مهدي قال حدثنا الحسين بن أبي السري قال: قال لي الفضل بن العباس: وجد الرشيد وهو بالرقة على أبي العتاهية وهو بمدينة السلام، فكان أبو العتاهية يرجو أن يتكلم الفضل بن الربيع في أمره، فأبطأ عليه بذلك؛ فكتب إليه أبو العتاهية:

أجفوتني فيمن جـفـانـي

 

وجعلت شأنك غيرشأنـي

ولطالـمـا أمـنـتـنـي

 

ممـا أرى كـل الأمـان

حتى إذا انقلـب الـزمـا

 

ن علي صرت مع الزمان

فكلم الفضل فيه الرشيد فرضي عنه. وأرسل إليه الفضل يأمره بالشخوص. ويذكر له أن أمير المؤمنين قد رضي عنه؛ فشخص إليه. فلما دخل إلى الفضل أنشده قوله فيه:

قد دعوناه نائيا” فوجدنـا

 

ه على نأيه قريبا” سميعا

فأدخله إلى الرشيد، فرجع إلى حالته الأولى

كان يزيد بن منصور يحبه ويقربه فرثاه عند موته:

أخبرنا يحيى بن علي بن يحيى إجازة قال حدثني علي بن مهدي قال حدثني الحسين بن أبي السري قال: كان يزيد بن منصور خال المهدي يتعصب لأبي العتاهية؛ لأنه كان يمدح اليمانية أخوال المهدي فس شعره؛ فمن ذلك قوله:

صوت

سقيت الغيث ياقصر السلام

 

فنعم محلةو الملك الهمام

لقد نشر الإله عليك نـورا”

 

وحفك بالملائكة الكـرام

سأشكر نعمة المهدي حتى

 

تدور علي دائرة الحمـام

له بيتان بـيت تـبـعـي

 

وبيت حل بالبلد الـحـرام

قال: وكان أبو العتاهية طول حياة يزيد بن منصور يدعي أنه مولى لليمن وينتفي من عنزة؛ فلما مات يزيد رجع إلى ولائه الأول. فحدثني الفضل بن العباس قال: قلت له: ألم تكن تزعم أن ولاءك لليمن؟! قال: ذلك شيء احتجنا إليه في ذلك الزمن، ومافي واحد ممن انتميت إليه خير، ولكن الحق أحق أن يتبع. وكان ادعى ولاء اللخميين. قال: وكان يزيد بن منصور من أكرم الناس وأحفظهم لحرمة، وأرعاهم لعهدٍ، وكان بارا” بأبي العتاهية، كثيرا” فضله عليه؛ وكان أبو العتاهية منه في منعة وحصن حصين مع كثرة مايدفعه إليه ويمنعه من المكاره. فلما مات قال أبو العتاهية يرثيه:

أنعى يزيد بن منصور إلى البـشـر

 

أنعى يزيد لأهل البدو و الحـضـر

ياساكن الحفرة المهجور ساكـنـهـا

 

بعد الماقصر والأبواب والحـجـر

وجدت فقدك في مالي وفي نشـبـي

 

وجدت فقدك في شعري وفي بشري

فلست أدري جزاك اللـه صـالـحة

 

أمنظري اليوم أسوأ فيك أم خبـري

استحسن شعره بشار وقد اجتمعا عند المهدي:

حدثنا ابن عمار قال حدثنا محمد بن إبراهيم بن خلف قال حدثني أبي قال: حدثت أن المهدي جلس للشعراء يوما”، فأذن لهم وفيهم بشار وأشجع، وكان أشجع يأخذ عن بشار ويعظمه، وغير هذين، وكان في القوم أبو العتاهية. قال أشجع: فلما سمع بشار كلامه قال: ياأخا سليم، أهذا ذلك الكوفي الملقب؟ قلت نعم. قال: لاجزى الله خيرا” من جمعنا معه. ثم قال المهدي: أنشد؛ فقال: ويحك! أو يبدأ فيستنشد أيضا” قبلنا؟! فقلت: قد ترى. فأنشد:

ألا مالسـيدتـي مـالـهـا

 

أدلا” فأحـمـل إدلالـهـا

وإلا ففيم تـجـنـت ومـا

 

جنيت سقى الله أطلالـهـا

ألا إن جـارية لـلإمـــا

 

م قد أسكن الحب سربالهـا

مشت بين حورٍ قصار الخطا

 

تجاذب في المشي أكفالهـا

وقد أتعب الله نفسي بـهـا

 

وأتعب باللـوم عـذالـهـا

قال أشجع: فقال لي بشار: ويحك ياأخا سليم! ماأدري من أي أمريه أعجب: أمن ضعف شعره، أم من تشبيه بجارية الخليفة، يسمع ذلك بأذنه! حتى أتى على قوله:

أتته الخلافة مـنـقـادة”

 

إليه تـجـرر أذيالـهـا

ولم تك تصـلـح إلا لـه

 

ولم يك يصلح إلا لـهـا

ولو رامها أحـد غـيره

 

تزلزلت الأرض زلزالها

ولو لم تطعه بنات القلوب

 

لما قبل الله أعمـالـهـا

وإن الخليفة من بغض لا

 

إليه ليبغض من قالـهـا

قال أشجع: فقال لي بشار وقد اهتز طربا”: ويحك يا أخا سليم! أترى الخليفة لم يطر عن فرشه طربا” لما يأتي به هذا الكوفي؟

منصور بن عمار يرميه بالزندقة

أخبرني يحيى بن علي إجازة قال حدثني ابن مهروية فال حدثني العباس بن ميمون قال حدثني رجاء بن سلمة قال: سمعت أبا العتاهية يقول: قرأت البارحة “عم يتساءلون “، ثم قلت قصيدة أحسن منها. قال: وقد قيل: إن منصور بن عمار شنع عليه بهذا.

قال يحيى بن علي حدثنا ابن مهروية قال دثني أبو عمر القرشي قال: لما قص منصور بن عمار على الناس مجلس البعوضة قال أبو العتاهية: إنما سرق منصور هذا الكلام من رجل كوفي. فبلغ قوله منصورا” فقال: أبو العتاهية زنديق، أما ترونه لايذكر في شعره الجنة ولاالنار، وإنما يذكر الموت فقط! فبلغ ذلك أبا العتاهية، فقال فيه:

ياواعظ الناس قد أصبحت متهما”

 

إذ عبت منهم أمورا” أنت اتيهـا

كالملبس الثوب من عري وعورته

 

للنـاس بـادية مـا إن يواريهـا

فأعظم الإثم بعد الشرك نعلـمـه

 

في كل نفس عماها عن مساويها

عرفانها بعيوب الناس تبصرهـا

 

منهم ولاتبصر العيب الذي فيهـا

فلم تمض إلا أيام يسيرة حتى مات حتى مات منصور بن عمار، فوقف أبو العتاهية على قبره وقال: يغفر الله لك أبا السري ما كنت رميتني به.

الوشاية به إلى حمدوية صاحب الزنادقة أخبرني محمد بن يحيى قال حدثنا محمد بن موسى قال اخبرني النسائي عن محمد بن أبي العتاهية قال: كانت لأبي العتاهية جارة تشرف عليه، فرأته ليلة يقنت، فروت عنه أنه يكلم القمر، واتصل الخبر بحمدوية صاحب الزنادقة، فصار إلى منزلها وبات واشرف على أبي العتاهية ورآه يصلي، ولم يزل يرقبه حتى قنت وانصرف إلى مضجعه، وانصرف حمدويه خاسئا” قال شعرا” يدل على توحيده ليتناقله الناس حدثنا محمد بن يحيى قال حدثنا محمد بن الرياشي قال حدثنا الخليل بن أسد النوشجاني قال: جاءنا أبو العتاهية إلى منزلنا فقال: زعم الناس أني زنديق، والله ماديني إلى الله إلى التوحيد. فقلنا له: فقل شيئا” نتحدث به عنك؛ فقال:

ألا إنـنـا كـلـنـا بـائد

 

واي بـنـي آدم خـالـد

وبؤهم كـان نـم ربـهـم

 

وكـل إلـى ره عــائد

فيا عجبا” كيف يعصي الإل

 

ه أم كيف يجحده الجاحـد

وفي كـل شـيء لـه آية

 

تدل عـلـى أنـه واحـد

أرجوزته المشهورة وقوة شعرها

أخبرني أبو دلف هاشم بن محمد الخزاع قال: تذاكروا يوما” شعر أبي العتاهية بحضرة الجاحظ؛ إلى أن جرى ذكر أرجوزته المزدوجة التي سماها ” ذات الأمثال”؛ فأخذ بعض من حضر ينشدها حتى أتى على قوله:

ياللشباب المرح التصابي

 

روائح الجنة في الشباب

فقال الجاحظ للمنشد: قف: ثمن قال: انظروا إلى قوله: ” روائح الجنة في الشباب فإن له معنى كمعنى الطرب الذي لايقدر على معرفته إلا القلوب، وتعجز عن ترجمته الألسنة إلا بعد التطويل وإدامة التفكير. وخير الماعني ما كان القلب إلى قبوله أسرع من اللسان إلى وصفه.

وهذه الأرجوزة من بدائع أبي العتاهية ويقال: إن ” له” فيها أربعة آلاف مثل. منها قوله:

حسبك مما تبتـغـيه الـقـوت

 

ماأكثر القوت لـمـن يمـوت

الفقر فيما جـاوز الـكـفـافـا

 

من اتقر اللـه رجـا وخـافـا

هي المقادير فلمـنـي أو فـذر

 

إن كنت أخطأت فما أخطأ القدر

لكـل مـايؤدي وإن قـل ألـم

 

ماأطول الليل على من لم ينـم

ماانتفع المرء بمثـل عـقـلـه

 

وخير ذخر المرء حسن فعلـه

إن الفسـاد ضـده الـصـلاح

 

ورب جـد جـره الـمـزاح

من جعل النمام عينا” هـلـكـا

 

مبلغك الشر كبـاغـيه لـكـا

إن الشباب والفـراغ والـجـده

 

مفسدة للمكرء أي مـفـسـدة

يغنيك عن كل قـبـيح تـركـه

 

يرتهن عيشا” كـلـه فـنـاؤه

ماعيش مـن آفـتـه بـقـاؤه

 

نغص عيشـا” كـلـه فـنـاؤه

يا رب من أسخطنا بـجـهـده

 

قد سرنا الله بـغـير حـمـده

ماتطلع الشـمـس ولاتـغـيب

 

إلا لأمـر شـأنـه عـجـيب

لكل شيء مـعـدن وجـوهـر

 

وأوسط وأصـغـر وأكـبـر

من لك بالمحض وكل ممتـزج

 

وساوس في الصدر منه تعتلـج

وكل شيء لاحق بـجـوهـره

 

أصغر متـصـل بـأكـبـره

مازالت الـدنـيا لـنـا دار أذى

 

ممزوجة الصفو بألوان القـذى

الخير والـشـر بـهـا أزواج

 

لذا نـتـج ولـذا نـتـــاج

من لك بالمحض وليس محض

 

يخبث بعض ويطيب بعـض

لكل إنـسـان طـبـيعـتـان

 

خير وشـر هـمـا ضـدان

إنك لو تستنشق الـشـحـيحـا

 

وجدته أنـتـن شـيءٍ ريحـا

والخير والـشـر إذا مـاعـدا

 

بينهمـا بـون بـعـيد جـدا

عجبت حتى غمني السـكـوت

 

صرت كأني حائر مبـهـوت

كذا قضى الله فكيف أصـنـع

 

الصمت إن ضاق الكلام أوسع          

وهي طويلة جدا”، وإنما ذكرت هذا القدر منها حسب مااستاق الكلام من صفتها.

برمه بالناس وذمهم في شعره

أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا ابن مهروية عن روح بن الفرج قال: شاور رجل أبا العتاهية فيما ينقشه على خاتمه؛ فقال: انقش عليه: لعنة الله على لناس: وأنشد:

برمت بالناس وأخلاقهـم

 

فصرت استأنس بالوحدة

ماأكثر الناس لعمري وما

 

أقلهم في حاصل العـدة

مدح عمرو بن العلاء فأجازه وفضله على الشعراء:

حدثنا الصولي قالحدثنا لغلابي قال حدثنا عبد الله بن الضحاك: أن عمر بن العلاء مولى عمرو بن حريث صاحب المهدي كان ممدحا”، فمدحه أبو العتاهية، فأمر له بسبعين ألف درهم؛ فأنكر ذلك بعض الشعراء وقال: كيف فعل هذا بهذا الكوفي! واي شيء مقدار شعره! فبلغه ذلك، فأحضر الرجل وقال له: والله إن الواحد منكم ليدور على المعنى فلا ييبه، ويتعاطاه فلا يحسنه، حتى يشبب بخمسين بيتا”، ثم يمدحنا ببعضها، وهذا كأن المعاني تجمع له، مدحني فقصر التشبيب، وقال:

إني أمنت من الزمان وريبه

 

لما علقت من الأمير حبالا”

لو يتطيع الناس من إجلاله

 

لحذوا له حر الوجوه نعالا

صوت

إن المطايا تشتكيك لأنـهـا

 

قطعت إليك سباسبا” ورمالا

فإذا وردن بنا وردن مخـفة

 

وإذا رجعن بنا رجعن ثقالا

أخذ المعنى من قول نصيب:

فعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهلـه

 

ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب

راي العتابي فيه

حدثنا الصولي قال حدثنا محمد بن عون قال حدثني محمد بن النصر كاتب غسان بن عبد الله قال: أخرجت رسولا” إللى عبد الله بن طاهر وهو يريد مصر، فنزلت على العتابي، وكان بي صديقا”، فقال: أنشدني لشاعر العراق-يعني أبا نواس، وكان قد مات-فأنشدته ما كنت أحفظ من ملحه، وقلت له: ظننتك تقول هذا لأبي العتاهية. فقال: لو أردت أبا العتاهية لقلت لك: أنشدني لأشعر للناس، ولم اقتصر على العراق

ملاحظته على سهولة الشعر لمن يعالجه

أخبرني عمي قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثني هارون بن سعدان عن شيخ من أهل بغداد قال: قال أبو العتاهية: أكثر الناس يتكلمون بالشعر وهم لايعلمون، ولوأحسنوا تأليفه كانوا شعراء كلهم. قال: فينما نحن كذلك إذ قال رجل لآخر عليه مسح: ” ياصاحب المسح تبيع المسحا قد قال شعرا” وهو لايعلم. ثم قال الرجل: ” تعال إن كنت تردي الربح ” فقال أبو العتاهية: وقد أجاز المصراع بمصراع آخر وهو لايعلم، قال له: ” تعال إن كنت تريد الربحا

وصف الأصمعي شعره

حدثنا الصولي قال حدثنا محمد بن موسى قال حدثنا أحمد بن بشير أبو طاهر الحلبي قال حدثنا مزيد الهاشمي عن السدري قال: سمعت الأصمعي يقول: شعر أبي العتاهية كساحة الملوك يقع فيها الجوهر والذهب والتراب والخزف والنوى.

مدح يزيد بن منصور لشفاعته فيه لدى المهدي:

أخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر قال حدثنا الزبي ربن بكار قال:

ماقلت في فضله شـيئا” لأمـدحـه

 

إلا وفضل يزيد فـوق مـاقـلـت

مازلت من ريب دهري خائفا” وجلا”

 

فقد كفاني بعد الـلـه مـاخـفـت

قدرته على ارتجال الشعر

أخبرني يحيى بن علي إجازة قال حدثني علي بن مهدي قال حدثني محمد بن يحيى قال حدثني عبد الله بن الحسن قال: جاءني أبو العاهية وأنا في الديوان فجلس إلي. فقلت: يا أبا إسحاق، أمايصعب عليك شيء من الألفاظ فتحتاج فيه إلى استعمال الغريب كما يحتاج إليه سائر من يقول الشعر، أو إلى ألفاظ مستكرهة؟ قال لا. فقلت “له”: إني لأحسب ذلك من كثرة ركوبك القوافي السهلة. قال: فاعرض علي ماشئت من القوافي الصعبة. فقلت: قل أبياتا” على مثل البلاغ. فقال نم ساعته:

أي عيش يكون أبلغ من عي

 

ش كفاف قوت بقدر البلاغ

صاحب البغي ليس يسلم منه

 

وعلى نفسه بغي كل باغي

رب ذي نعمة تعرض منها

 

حائل بينه وبين المـسـاغ

أبلغ الدهر في مواعظه بل

 

زاد فيهن لي على الإبلاغ

غبنتني الأيام عقلي ومالـي

 

وشبابي وصحتي وفراغي

رأي مسلم بن الوليد بشعره

أخبرنا يحيى إجازة قال حدثنا علي بن مهدي قال حدثني أبو علي اليقطيني قال حدثني أبو خارجة بن مسلم قال: كان مسلم بن الوليد يستخف به فلما أنشده من غزله أكبره: قال مسلم ين الوليد: كنمت مستخفا” بشعر أبي العتاهية، فلقيني يوما” فسألني أن اصير أليه فصرت غليه فجاءني بلون واحد فأكلناه، وأحضرني تمرا” فأكلناه، وجلسنا نتحدث، وأنشدته أشعارا” لي في الغزل، وسألته أن ينشدني؛ فأنشدني قوله:

بالله ياقرة العينـين زورينـي

 

قبل الممات وإلا فاستزيريني

إني لأعجب من حب يقربنـي

 

ممن يباعدني منه ويقصينـي

أنا الكثير فما أرجوه منك ولو

 

أطمعتني في قليل كان يكفيني

ثم أنشدني أيضا”:

رأيت الهوى جمر الغضى غير أنه

 

على حره في صدر صاحبه حلو

صوت

أخلاني بي شجو وليس بكم شجـو

 

وكل امرىء عن شجو صاحبه خلو

ومامن محب نانال ممـن يحـبـه

 

هوى صادقا” إلا سيدخلـه زهـو

بليت وكان المزح بـدء بـلـيتـي

 

فأحببت حقا” والـبـلاء لـه بـدو

وعلقت من يزهو علي تـجـبـرا”

 

وإني في كل الخصال له كـفـو

رأيت الهوى جمر الغضى غير أنه

 

على كل حال عند صاحبه حـلـو

-الغناء لأبراهيم ثقيل أول مطلق في مجرى الوسطى عن إسحاق، وله فيه أيضا” خفيف ثقيل أول بالوسطى عن عمرو. ولعمرو بن بانة رمل بالوسطى من كتابه. ولعريب فيه خفيف ثقيل من كتاب ابن المعتز-قال مسلم: ثم أنشدني أبو العتاهية:

صوت

خيلي مالـي لاتـزال مـضـرتـي

 

تكون على الأقدار حتما” من الحـتـم

يصاب فؤادي حين أرمي ورمـيتـي

 

تعود إلى نحري ويسلم مـن أرمـي

صبرت ولا والـلـه مـالـي جـلادة

 

علىالصبر لكني صبرت على رغمي

ألا في سبيل الله جسـمـي وقـوتـي

 

ألا مسعد حتى أنوح على جسـمـي

تعد عظامـي واحـدا” بـعـد واحـد

 

بمنحى من العذال عظما” على عظـم

كفاك بحق الله ماقد ظـلـمـتـنـي

 

فهذا مقام المستجير مـن الـظـلـم

-الغناء لسياط هذه الأبيات، وإيقاعه من خفيف الثقيل الأول بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق-قال مسلم: فقلت له: لاوالله يا أبا إسحاق مايبالي من أحسن أن يقول مثل هذا الشعر مافاته من الدنيا! فقال: يابن أخي، لاتقولن مثل هذا؛ فإن الشعر أيضا” من بعض مصايد الدنيا

وفد مع الشعراء على الرشيد ومدحه فلم يجز غيره:

أخبرنا يحيى إجازة قال حدثني علي بن مهدي قال حدثني عبد الرحمن بن الفضل قال حدثني ابن الأعرابي قال: اجتمعت الشعارء على باب الرشيد، فأذن لهم فدخلوا وأنشدوا؛ فأنشد أبوالعتاهية:

يامن تبغي زمنا” صـالـحـا”

 

صلاح هارون صلاح الزمن

كل لسان هو فـي مـلـكـه

 

بالشكر في عحسانه مرتهـن

قال: فاهتز له الرشيد، وقال له: أحسنت والله! ماخرج في ذلك اليوم أحد من الشعارء بصلة غيره.

قال شعرا” في المشمر فرس الرشي فأجازه:

أخبرني يحيى بن علي غجازة قال حدثنا علي بن مهدي قال حدثنا عامر بن عمران الضبي قال حدثني ابن الأعرابي قال: أجرى هارون الرشيد الخيل، فجاءه فرس يقال له المشمر سابقا”، وكان الرشيد معجبا” بذلك الفرس، فأمر الشعراء، يقولوا فيه؛ فبدرهم أبو العتاهية فقال:

جاء المشمر والأفراس يقدمـهـا

 

هونا” على رسله وما انبـهـرا

وخلف الريح حسرى وهي جاهدة

 

ومر يختطف الأبصار والنظـرا

فأجزل صلته، وما جسر أحد بعد أبي العتاهية أن يقول فيه شيئا”.

رثاؤه صديقه علي بن ثابت

أخبرني يحيى إجازة قال حدثني الفضل بن عباس بن عقبة بن حعفر قال: كان علي بن ثابت صديقا” لأبي العتاهية وبينهما مجاوبات كثيرة من الزهد والحكمة، فتوفي علي بن ثابت قبله، فقال يرثيه:

مؤنس كان لي هلك

 

والسبيل التي سلك

ياعلي بـن ثـابـت

 

غفر الله لي ولـك

كل حي مـمـلـك

 

سوف يفنى وماملك

قال الفضل: وحضر أبوالعتاهيةعلي بن ثابت وهو يجود نفسه، فلم يزل ملتزمه حتى فاض؛ فلما شد لحياه بكى طويلا”، ثم أنشد يقول:

ياشريكي في الخير قربـك الـل

 

ه فنعم الشريك في الخير كنـتـا

قد لعمري حكيت لي غصص المو

 

ت فحركتني لهـا وسـكـنـتـا

قال: ولما دفن وقف على قبره يبكي طويلا” أحر بكاء، ويردد هذه الأبيات:

ألا من لي بـأنـسـك يااخـيا

 

ومن لي أن أبثـك مـالـديا

طوتك خطوب دهرك بعد نشر

 

كذاك خطوبه نشـزا” وطـيا

فلو نشرت قواك لي المـنـايا

 

شكوت إليك ماصنعـت إلـيا

بكيتك ياعلي بدمـع عـينـي

 

فما أغنى البكاء علـيك شـيا

وكانت في حياتك لي عظـات

 

وأنت اليوم أوعظ منك حـيا

اشتمال مرثيته على أقوال الفلاسفة في موت الإسكندر: قال علي بن الحسين مؤلف هذا الكتاب: هذه المعاني أخذها كلها أبو العتاهية من كلام الفلاسفة لما حضروا تابوت الإسكندر، وقد أخرج الإسكندر ليدفن: قال بعضهم: كان الملك أمس أهيب منه اليوم، وهو اليوم أوعظ منه أمس. وقال آخر: سكنت حركة الملك في لذاته، وقد حركنا اليوم في سكونه جزعا” لفقده. وهذان المعنيان هما اللذان ذكرهما أبو العتاهية في هذه الأشعار.

سأله جعفر بن السحين عن أشعر الناس فأنشده من شعره:

أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني حعفر بن الحسين المهلبيقال: لقينا أبو العتاهية فقلنا له: يا أبا إسحاق، من أشعر الناس؟ قال: الذي يقول:

الله أنجح ماطلبـت بـه

 

والبر خير حقيبة الرحل

فقلت: أنشدني شيئا” من شعرك؛ فأنشدني:

ياصاحب الروح ذي الأنفاس في البدن

 

بين النهار وبين اللـيل مـرتـهـن

لقلما يتخـطـاك اخـتـلافـهـمـا

 

حتى يفرق بـين الـروح والـبـدن

لتجذبـنـي يد الـنـيا بـقـوتـهـا

 

قد ارتعوا فيرياض الغي والفـتـن

كسائمات رتاع تبتـغـي سـمـنـا”

 

وحتفها لو درت في ذلك السـمـن

قال: فكتبتها، ثم قلت له: أنشدني شيئا” من شعرك في الغزل؛ فقال: ياابن أخير، إن العزل يسرع إلى مثلك. فقلت له: أرجوعصمة الله جل وعز. فاشندين:

كأنها من حسـنـهـا درة

 

أخرجها اليم إلى الساحـل

كأن من فيها وفي طرفها

 

سواخرا” أقبلن من بابـل

لم يبق مني حبها مـاخـلا

 

حشاشة في لدن نـاحـل

يامن رأى قبلي قتيلا” بكى

 

من شدة الوجد على القاتي

فقلت له: يا أبا إسحاق، هذا قول صاحبنا جميل:

خليلي فيما عشتما هل رأيتمـا

 

قتيلا” بكى من حب قاتله قبلي

فقال: هو ذاك يابن أخير وتبسم

شعره في التحسر على الشباب

أخبرني محمد بن القاسم الأنباري قال حدثني أبو عكرمة عن شيخ له من أهل الكوفة قال: دخلت مسجد المدينة ببغداد بعد أن بويع الأمين محمد بسنة، فإذا شيخ عليه جماعة وهو ينشد:

لهـفـي عـلـى ورق الـشــبـــاب

 

وغـصـونـه الـخـضـر الـرطـاب

ذهب الشباب وبان عني غير منتظر الإياب

 

 

فلأبكين على الشبا

 

ب وطـيب أيام الـتــصـــابـــي

ولأبـكـين مــن الـــبـــلـــى

 

ولأبـكـين مـن الــخـــضـــاب

إني لآمل أن أخلد والمنية في طلابي

         

قال: فجعلها ينشدها وإن دموعه لتسيل على خدثه. فما رأيت ذلك لم أصبر أن ملت فكتبتها. وسألت عن الشيخ فقيل لي: هو أبو العاتهية.

كان ابن الأعرابي يعيب شعره

أخبرني محمد بن عمران الصيرفي قال حدثنا الحسن بن عليل العنزي قال حدثني أبو العباس محم بن لأحمد قال: كان ابن الأعرابي يعيب أبا العتاهية ويثلبه، فأنشدته:

كم من سفيه غاظني سفهـا”

 

فشفيت نفسي منه بالحلـم

وكفيت نفسي ظلم عاديتـي

 

ومنحت صفو مودتي سلمي

ولقد رزقت لظالمي غلظا”

 

ورحمته إذ لج في ظلمـي

أحب شعره إليه

أخبرني محمد بن عمران قال حدثني العنزي قال حدثني محمد بن إسحاق قالحدثني محمد بن أحمد الأزدي قال: قال لي أبو العاتهية: لم اقل شيئا” قط أحب إلي من هذين البيتين” في ” معناهما:

ليت شعري فإنني لست أدري

 

أي يوم يكون آخر عمـري

وبأي البلاد يقبـض روحـي

 

وبأي البقاع يحفر قـبـري

راهن جماعة على قول الشعر فغلبهم

أخبرني محمد بن العباس اليزيدي قال حدثني محمد بن الفضل قال حدثني محمد بن عبد الجبار الفزاري قال: اجتاز أبو العاتهية في أول أمره وعلى ظهر قفص فيه فخار يدور في الكوفة ويبيع منه، فمر بفتيان جلوس يتذاكرون الشعر ويتناشدونه، فسلم ووضع القفص على ظهره، ثم قال: يافتيان أراكم تذاكرون الشعر، فأقول شيئا” منه فتجيرونه، لإان فعلتم فلكم عشرة دراهم، وإن لم تفعلوا فعليكم عشرة دراهم؛ فهزئوا منه وشخروا وقالوا نعم. قال: لابد أن يشتري بأحد القمارين رطب يؤكل فإنه قمار حاصل، وجعل رهنه تحت يد أحدهم، ففعلوا. فقال: أجيزوا: ” ساكني الأجداث أنتم وجعل بينه وبينهم وقتا” في ذلك الموضع إذا بلغته الشمس ولم يجيزوا البيت، غرموا الخطر؛ وجعل يهزأ لهم وتممه:

………………

 

مثلنا بالأمس كنتـم

ليت شعري ماصنعتم

 

أربحتم أم حسرتـم

وهي قصدة طويلة ف يشعره.

هجاه أبو حبش وذم شعره

أخبرني عمي قال حدثنا عبد الله عن أبي خيثم العنزي قال: لما حبس الرشيد أبا العتاهية وحلف ألا يطلقه أو يقول شعرا”، قال لي أبو حبش: أسمعت بأعجب من هذا الأمر، تقول الشعراء الشعر الجيد النادر فلا يسمع منهم، ويقول هذا المخنث المفكك تلك الأشعار بالشفاعة! ثم أنشدني:

أبا إسحاق راجعت الجمـاعة

 

وعدت إلى القوافي والصناعة

وكنت كجامح في الغي عاصٍ

 

وأنت اليوم ذو سمع وطـاعة

فجر الخز مما كنت تكـسـى

 

ودع عنك التقشف والبشـاعة

وشبب بالتي تهـوى وخـبـر

 

بأنك ميت فـي كـل سـاعة

كسدنا مـانـراه وإن أجـدنـا

 

وأنت تقول شعرك بالشفـاعة

خروجه مع المهدي في الصيد

أخبرني أحمد بن العباس العسكري قال حدثنا العنزي قال حدثنا محمد بن عبد الله قال حدثني أبو خيم العنزي، وكان صديقا” لأبي العتاهية، قال حدثني أبو العتاهية قال: أخرجني المهدي معه إلى الصيد، فوقعنا منه على شيء كثير، فتفرق أصحابه في طلبه وأخذ هو في طريق غير طريقهم فلم يلتقوا، وعرض لما وادٍ جرار وتغيمت السماء وبدأت تمطر فتحيرنا، وأشرفنا على الوادي فإذا فيه ملاح يعبر الناس، فلجأنا إليه فسألناه عن الطريق، فجعل يضعف رأينا ويعجزنا في بذلنا أنفسنا في ذلك الغيم للصيد حتى أبعدنا، ثم أجخلنا كوخا” له. وكاد المهدي يموت بردا”؛ فقال له: أغطيك بجبتي هذه الصوف؟ فقال نعم؛ فغطاه بها، فتماسك قليلا”ونام. فافتقده غلمانه وتبعوا أثره حتى جاءونا. فلما رأى الملاح كثرتهم علم أنه الخليفة فهرب، وتبادر الغلمان فنحوا الجبة عنه وألقوا عليه الخز والوشي. فملا انتبه قاللي: ويحك! مافعل الملاح؟ فقد والله وجب حقه علينا. فقلت: هرب والله خوفا” من قبح ماخاطبنا به. قال: إنا لله! والله لقد أردت أن أغنيه، وبأي شيء خاطبنا! نحن والله مستحقون لأقبح مما خاطبنا به! بحياتي عليك إلا ماهجوتني. فقلت: ياأمير المؤمنين، كيف تطيب نفسي بأن أهجوك! قال: والله لتفعلن؛ فإني ضعيف الرأي مغرم بالصيد. فقلت:

يالابس الوشي على ثوبه

 

ماأقبح الأشيب في الراح

فقال: زدني بحياتي؛ فقلت:

لو شئت أيضا” جلت في خامه

 

وفي وشـاحـين وأوشـاح

فقال: ويلك! هذا معنى سوء يرويه عنك الناس، وأنا استأهل. زدني شيئا”آخر. فقلت: أخاف أن تغضب. قال: لاوالله. فقلت:

كم من عظيم القدر في نفسه

 

قد نام فـي جـبة مـلاح

فقال: معنى سوء عليك لعنة الله! وقمنا وركبنا وانصرفنا.

في عسكر المأمون

أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال حدثنا محمد بن يزيد قال حدثنا جماعة من كتاب الحسن بن سهل قالوا: وقعت رقعة فيها بيتا شعر في عسكر المأمون؛ فجيء بها إلى مجاشع بن مسعدة، فقال: هذا كلام أبي العتاهية، وهو صديقي، وليست المخاطبة لي ولكنها للأمير الفضل بن سهل. فذهبوا بها، فقرأها وقال: ماأعرف هذه العلامة. فبلغ المأمون خبرها فقال: هذه إلي وأنا أعرف العلامة. والبيتان:

صوت

ما على ذا كنا افترقنا بسـنـدا

 

ن وماهكذا عهـدنـا الإخـاء

تضرب الناس بالمهندة الـبـي

 

ض على غدرهم وتنسى الوفاء

قال: فبعث إلى المأمون بمال.
في هذين البيتين لأبي عيسى بن المتوكل رمل من رواية ابن المعتز

برابن يقطين له

قال: وكان علي بن يقطين صديقا” لأبي العتاهية، وكان يبره في كل سنة ببر واسع، فأبطأ عليه بالبر في سنة من السنين، وكان يبره في كل سنة ببر واسع، فأبطأ عليه بالبر في سنة من السنين، وكان إذا لقيه أبو العتاهيةأو دخل عليه يسر به ويرفهع مجلسه ولايزيده على ذلك. فلقيه ذات يوم وهو يريد دار الخليفة، فاستوقفه فوقف له، فأنشده:

حتى متى ليت شعري يابن يقطين

 

أثني عليك بما لامنك تولـينـي

إن السلام وإن البشر من رجـل

 

في مثل ماأنت فيه ليس يكفيني

هذا زمان ألح الناس فيه عـلـى

 

تيه الملوك وأخلاق المساكـين

أما علمت جزاك الله صـالـحة

 

وزادك الله فضلا” يابن اليقطين

أني أريدك للدنيا وعـاجـلـهـا

 

ولاأريدك يوم الـدين لـلــدين

فقال علي بن يقطين: لست والله أبرح ولاتبرح من موضعنا هذا إلا راضيا”، وأمر له بكما كان يبعث به إليه في كل سنة، فحمل من وقته وعلي واقف إلى أن تسلمه.

من شعره في الحبس

وأخبرني محمد بن جعفر النحوي صهر المبرد قال حدثنا محمد بن يزيد قال: بلغني من غير وجه: أن الرشيد لما ضرب أبا العتاهية وحبسه، وكل به صاحب خبر يكتب إليه بكل ما يسمعه. فكتب إليه أنه سمعه ينشد:

أما والله إن الظـلـم لـوم

 

ومازال المسيء هو الظلوم

إلى ديان يوم الدين نمضـي

 

وعند الله تجتمع الخصـوم

قال: فيكى الرشيد، وأمر بإحضار أبي العتاهية وإطلاقه، وأمر بألفي دينار.

المنصور بن عمار يرميه بالزندقة

أخبنري محمد بن جعفر قال حدثني محمد بن موسى عن أحمد بن حرب عن محمد بن أبي العتاهية قال: لما قال أبي في عتبة:

كأن عتابة من حسـنـهـا

 

دمية قس فتنت قـسـهـا

يارب لو أنسيتنيهـا لـمـا

 

في جنة الفردوس لم أنسها

شنع عليه منصور بن عمار بالزندقة، وقال: يتهاون بالجنة ويبتذل ذكرها في شعره بمثل هذا التهاون! وشنع عليه أيضا” بقوله:

إن الـمـلـيك رآك أح

 

سن خلقه وراى جمالك

فحذا بقـدرة نـفـسـه

 

حور الجنان على مثالك

وقال: أيصور الحور على مثال امرأة آدمية لايحتاج إلى مثال! وأوقع له هذا على ألسنة العامة؛ فلقي منهم بلاء.

سأله الباذغيسي عن أحسن شعره فأجابه

حدثي هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا خليل بن أسد قال حدثني أبو سلمة الباذغيسي قال: قلت لأبي العتاهية: في أي شعر أنت أشعر؟ قال: قولي:

الناس في غفلاتهم

 

ورحا المنية تطحن

أنشد المأمون شعره في الموت فوصله

أخبرني محمد بن عمران الصيرفي قال حدثنا الحسن بن عليل العنزي قال حدثني بحيى بن عبد الل القرشي قال حدثني المعلى بن أيوب قال: دخلت على المأمون يوما” وهو مقبل على شيخ حسن اللحية خضيب شديد بياض الثياب على رأسه لاطئة، فقلت للحسن بن أبي سعيد-قال: وهو ابن خالة المعلى بن أيوب. وكان الحسن كاتب المأمون على العامة-: من هذا؟ فقال: أما تعرفه؟ فقلت: لوعرفته ما سألتك عنه. فقال: هذا أبوالعتاهية. فسمعت المأمون يقول له: أنشدني أحسن ماقلت في الموت؛ فانشده:

أنساك محياك الممـاتـا

 

فطلبت في الدنيا الثباتا

أوثقت بـالـدنـيا وأن

 

ت ترى جماعتها شتاتا

وعزمت منك على الحيا

 

ة وطولها عزما” بتاتـا

يامن رأى أبـويه فـي

 

من قد رأى كانا فماتـا

هل فيهما لك عـبـرة

 

أم خلت أن لك انفلاتـا

ومن الذي طلب التفـل

 

ت من منيته فـفـاتـا

كل تصبحـه الـمـن

 

ية أو تبـييتـه بـيتـا

قال: فلما نهض تبعته فقبضت عليه في الصحن أو في الدهليز، فكتبتها عنه.

نسخت من كتاب هارون بن علي بن يحيى قال حدثني علي بن مهدي قال حدثني الجاحظ عن ثمامة قال: دخل أبو العتاهية على المأمون فانشده:

ماأحسن الدنيا وإقـبـالـهـا

 

إذا أطاع الله من نـالـهـا

من لم يواس الناس من فضلها

 

عرض للإدبار إقبـالـهـا

فقال له المأمون: ماأجود البيت الأول! فأما الثاني فما صنعت فيه شيئا”، الدنيا تدبر عمن واسى منها أو ضن بها، وإنما يوجب السماحة بها الأجر، والضن بها الوزر. فقال: صدقت ياأمير المؤمنين، أهل الفضل أولى بالفضل، وأهل النقصأولى بالنقص. فقال المأمون: ادفع إليه عشرة آلاف درهم لاعترافه بالحق. فلما كان بعد أيام عاد فامشده:

كم غافل أودى به الموت

 

لم يأخذ الأهبة للفـوت

من لم تزل نعمته قبلـه

 

زال عن النعمة بالموت

فاقل له: أحسنت! الآن طيبت المعنى؛ وأمر له بعشرين ألف درهم.

تأخرت عنه عادة المأمون سنة فقال أخبرني أحمد بن العباس العسكري قال حدثنا الحسن بن عليل العنزي قال حدثني ابن سنان العجلي عن الحسن بن عائذ قال: كان أبو العتاهية يحج في كل سنة، فإذا قدم أهدى إلى المأمون بردا” ومطرقا” ونعلا” سوداء ومساويك أراك، فيبعث إليه بعشرين ألف درهم. ” وكان” يوصل الهدية من جهته منجاب مولى المأمون ويجيئه بالمال. فأهدى مرة له كما كان يهدي كل سنة إذا قدم، فلم يبثه ولابعث إليه بالوظيفة. فكتب إليه أبو العتاهية:

خبروني أن من ضرب السنة

 

جددا” بيضا” وصفرا” حسنة

أحدثت لكنـنـي لـم أرهـا

 

مثل ما كنت أرى كل سـنة

فأمر المأمون بحمل العشرين آلاف درهم، وقال: أغفلناه حتى ذكرنا

كان الهادي واجدا” عليه فلما تولى استعطفه

حدثنا محمد بن يحيى الصولي قال حدثنا المغيرة بن محمد المهلبي قال حدثنا الزبير بن بكار قال أخبرني عروة بن يوسف الثقفي قال: لما ولي الهادي الخلافة كان واجدا” على ابي العتاهية لملازمته أخاه هارون وانقكطاعه إليه وتركه موسى، وكان أيضا” قد أمر أن يخرج معه إلى الري فأبى ذلك؛ فخافه وقال يستعطفه:

ألا شافع عند الخـلـيفة يشـفـع

 

فيدفع عـنـا شـر مـايتـوقـع

وإني على عظم الرجاء لـخـائف

 

كأن على رأسي الأسنة تـشـرع

يروعني موسى على غير عـثـرة

 

ومالي أرى موسى من العفو أوسع

وماآمن يمسـي ويصـبـح عـائدا”

 

يعفو أمي رالـمـؤمـنـين يروع

مدح الهادي فأمر خازنه بإعطائه فمطله فقال شعرا” في ابن عقال فعجلها له: حدثني الصولي قال حدثني علي بن الصباح قال حدثني محمد بن أبي العتاهية قال: دخل أبي علي الهادي فأنشده:

ياأمين الـلـه مـالـي

 

لست أدري اليوم مالي

لم أنل منك الـذي قـد

 

نال غيري من نـوال

تبذل الحق وتعـطـي

 

عن يمين وشـمـال

وأنا الـبـائس لاتـن

 

ظر في رقة حالـي

قال: فأمر المعلى الخازن أن يعطيه عشرة آلاف درهم. قال أبو العتاهية: فأتيته فأبى أن يعطيها. ذلك أن الهادي امتحنني في شيء من الشعر، وكان مهيبا”، فكنت أخافه فلم يطعني طبعي، فأمر لي بهذا المال، فخرجت. فلما منعنيه المعلى صرت إلى ابي الوليد أحمد بن عقال، وكان يجالس الهادي، فقلت له:

أبلغ سلمت أبا الوليد سـلامـي

 

عني أمير الؤمنـين إمـامـي

وإذا فرغت من السلام فقل لـه

 

قد كان ماشاهدت من إفحامـي

وإذا حصرت فليس ذاك بمبطـل

 

ماقد مضى من حرمتي وذمامي

ولطالما وفدت إليك مـدائحـي

 

مخطوطة فلـيأت كـل مـلام

أيام لـي لـسـن ورقة جــدة

 

والمرء قد يبـلـي مـع الأيام

قال: فاستخرج لي الراهم وأنفذها إلي: كان الهادي واجدا” عليه فلما تولى استعطفه ومدحه فأجازه: حدثني الصولي ومحمد بن عمران الصيرفي قالا حدثنا محمد بن أحمد بن سليمان قال: ولهد للهادي ولد في أول يوم ولي الخلافة؛ فدخل أبو العتاهية فأنشده:

أكثر موسى غيظ حساده

 

وزين الأرض بـأولاده

وجاءنا من صلبـه سـيد

 

أصيد في تقطيع أجداده

فاكتست الأرص به بهجة

 

واستبشر الملك بمـيلاده

وابتسم المنبر عن فرحة

 

عليت بها ذروة أعـواده

كأنني بعـد قـلـيل بـه

 

بين مـوالـيه وقـواده

في محفل تخفق راياتـه

 

قد طبق الأرض بأجناده

قال: فأمر له موسى بألف دينار وطيبٍ كثيرٍ، وكان ساخطا” عليه فرضب عنه.

حضر غضب المهدي على أبي عبيد الله وترضاه عنه بشعر فرضي عنه:

أخبرني يحيى بن علي بن يحيى قال حدثني علي بن مهدي قال حدثني علي بن يزيد الخزرجي الشاعر عن يحيى بن الربيع قال: دخل أبو عبيد الله علي المهدي، وكان قد وجد عليه في أمر بلغه عنه، وأبو العتاهية حاضر المجلس، فجعل المهدي يشتم أبا عبيد الله وبتغيظ عليه، ثم أمر به فجر برجله وحبس، ثم أطرق المهدي طويلا”. فلما سكن أنشده أبوالعتاهية:

أرى الدنيا لمن هي في يديه

 

عذابا” كلما كثـرت لـديه

تهين المكرمين لها بصغـر

 

وتكرم كل من هانت عليه

إذا استغنيت عن شيء فدعه

 

وخذه ماأنت محتاج إلـيه

فتبسم المهدي وقال لأبي العتاهية: أحسنت! فقام أبو العتاهية ثم قال: والله ياأمير المؤمنين، مارأيت أحدا” أشد إكراما” للدنيا ولاأصون لها ولاأشح عليها من هذا الذي جر برجله الساعة. ولقد دخلت إلى أمير المؤمنين ودخل هو وهو أعز الناس، فما برحت حتى رأيته أذل الناس، ولو رضي من الدنيا بما يكفيه لاستوت أحواله ولم تتفاوت. فتبسم المهدي ودعا بأبي عبيد الله فرضي عنه. فكان أبو عبيد الله يشكر ذلك لأبي العتاهية.

روحانيان يطيران بين السماء والأرض

أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهروية قال حدثني محمد بن الحسن قالحدثني إسحاق بن حفص قال: أنشدني هارون بن مخلد الرازي لأبي العتاهية:

ما إن يطيب لذي الرعاية لل

 

أيام ولالـعـب ولالـهـو

إذ كان يطرب في مسرتـه

 

فيموت من أجزائه جـزو

فقلت: ماأحسنهما! فقال: أهكذا تقول! والله لهما روحانيان يطيران بين السماء والأرض

فضله ابن مناذر على جميع المحدثين

أخبرني محمد بن القاسم الأنباري قال حدثني أبي عن ابن عكرمة عن مسعود بن بشر المازني قال: لقيت ابن مناذر بمكة، فقلت له: من أشعر أهل الإسلام؟ فقال: أترى من إذا شئت هزل، وإذا شئت جد؟ قالت: من؟ قال: مثل جرير حين يقول في النسيب:

إن الذين غدوا بلبك غـادروا

 

وشلا” بعينك مايزال معينـا

غيضن من عبراتهن وقلن لي

 

ماذا لقيت من الهوى ولقينـا

ثم قال حين جد:

إن الذي حرم المكارم تغلـبـا”

 

جعل النبوة والخـلافة فـينـا

مضر أبي وأبو الملوك فهل لكم

 

ياآل تغلب منـأب كـأبـينـا

هذا ابن عمي في دمشق خليفة

 

لو شئت ساقكم إلي قـطـينـا

ومن المحدثين هذا الخبيث الذي يتناول شعره في كمه. فقلت: من؟ قال: أبو العتاهية. قلت: في ماذا؟ قال: قوله:

الله بيني وبين مـولاتـي

 

أبدت لي الصد والملالات

لاتغفر الذنب إن أسأت ولا

 

تقبل عذري ولامواتاتـي

منحتها مهجتي وخالصتي

 

فكان هجرانها مكافاتـي

أقلقني حبها وصـيرنـي

 

أحدوثة في جميع جاراتي

ثم قال حين جد:

ومهمه قد قطعت طامـسـه

 

قفر على الهول والمحـامـاة

بحـرة جـسة عـذافـــرة

 

خوصاء عـيرانة عـلـنـداة

تبادر الشمس كلما طـلـعـت

 

بالسير تبغي بذاك كرضاتـي

ياناق خبي بـنـا ولاتـعـدي

 

نفسك ممـا تـرين راحـات

حتىتناخي بنـا إلـى مـلـك

 

توجه الله بـالـمـهـابـات

عليه تاجان فوق مـفـرقـه

 

تاج جلال وتـاج إخـبـات

يقول للريح كلما عـصـفـت

 

هل لك ياريح في مبـاراتـي

من مثل من عمه الرسول ومن

 

أخواله أكـرم الـخـؤولات

إسحاق بن وعبادة معشوقته

أخبرني وكيع قال: قال الزبير بن بكار حدثني أبو غزية، وكان قاضيا” على المدينة، قال: كان اسحاق بن عزيز يتعشق عبادة جارية المهلبية، وكانت المهلبية منقطعة إلى الخيرزان. فركب إسحاق يوما” ومعه عبد الله بن مصعب يريديان المهدي، فلقيا عبادة؛ فقال إسحاق: يا أبا بكر، هذه عبادة، وحرك دابته حتى سبقها فنظر إليها، فجعل عبد الله بن مصعب يتعجب من فعله. ومضيا فدخلا على المهدي، فحدثه عبد الله بن مصعب بحديث إسحاق ومات فعل. فقال: أنا اشتريها لك ياإسحاق. ودخل علىالخيرزان فدعا بالمهلبية. فحضرت، فأعطاها بعبادة خمسين ألف درهم. لإسحاق بن عزيز. فبكت وقالت: أتؤثر علي إسحاق بن عزيز وهي يدي ورجلي ولساني في جميع حوائجي! فقالت لها الخيرزان عند ذلك: ما يبكيك؟ والله لاوصل إليها ابن عزيز أبدا”، صار يتعشق جواري الناس! فخرج المهدي فأخبر ابن عزيز بما جرى، وقال له: الخمسون ألف درهم لك مكانها، وأمر له بها، فأخذها عن عبادة. فقال أبو العتاهية يعيره بذلك:

من صدق الحـب لأحـبـابـه

 

فإن حب ابن عـزيز غـرور

أنساه عـبـادة ذات الـهـوى

 

وأذهب الحب الذي في اضلمير

خسمون ألفا” كـلـهـا راجـح

 

حسنا” لها في كل كيس صرير

وقال أبو العتاهية في ذلك ايضا”:

حبك للمال لاكحبك عـب

 

ادة يافاضح المحـبـينـا

لو كنت أصفيتها الوداد كما

 

قلت لما بعتها بخمسـينـا

طال وجع عينه فقال شعرا”

حدثني الصولي قال حدثني جبلة بن محمد قال حدثني أبي قال: رأيت أبا العتاهية بعدما تخلص من حبس المهدي وهويلزم طبيبا” على بابنا ليكحل عينه. فقيل له: قد طال وجع عينيك؛ فأنشأ يقول:

صوت

أيا ويح نفسي ويحها ثم ويحـهـا

 

أمامن خلاص من شباك الحبائل

أيا ويح عيني قد اضر بها البكـا

 

فلم يغن عنها طب مافي المكاحل

في هذين البيتين لإبراهيم الموصلي لحن من الثقيل الأول.

كان الهادي واجدا” عليه لاتصاله بهارون فلما ولي الخلافة مدحه فأجزل صلته:

أخبرني عيسى بن الحسين قال حدثنا عمر بن شبة قال: كان الهادي واجدا” علي أبي العتاهية لملازمته أخاه هارون في خلافة المهدي، فلما ولي موسى الخلافة، قال أبو العتاهية يمدحه:

صوت

يضطرب الخوف والرجاء إذا

 

حرك موسى القضيب أو فكر

ماأبين الفضل في مغيب مـا

 

أورد من رأيه ومـاأصـدر

في هذين البيتين لأبي عيسى بن المتوكل لحن من الثقيل الأول في نهاية الجودة، ومابان به فضله في الصناعة-:

فكم ترى عز عند ذلـك مـن

 

معشر قوم وذل من معشـر

يثمر من مسه القضيب ولـو

 

يمسه غيره لـمـا أثـمـر

من مثل موسى ومثل والده ال

 

مهدي أو جده أبي جعـفـر

قال: فرضي عنه. فلما دخل عليه أنشده:

لهفي على الزمن القصير

 

بين الخورنق والسـدير

إذ نـحـن فـي غـرف الــجـــنـــا

 

ن نـعـوم فـي بـحـر الــســـرور

 

في فـتـية مـلــكـــو عـــنـــا

 

ن الـدهـر أمـثـال الـصـــقـــور

 

مامـنــهـــم إلا الـــجـــســـو

 

ر عـلـى الـهـوى غـير الـحـصـور

 

يتـــعـــــاورون مـــــــدامة

 

صهـبـاء مـن حـلـب الـعـصـــير

 

عذراء رابـــهـــا شـــعــــــا

 

ع الـشـمـس فـي حـر الـهـجـــير

 

لم تـــدن مـــن نـــار ولـــــم

 

يعـلـق بـهـا وضـر الـــقـــدور

 

ومـقـرطــق يمـــشـــي أمـــا

 

م الـقـوم كـالـرشــأ الـــغـــرير

 

بزجاجة تستخرج السر الدفين من الضمـير

 

 

 

زهراء مثل الكوكب الدري في كف المدير

 

 

 

تدع الكريم وليس يد

 

ري مـاقـــبـــيل مـــن دبـــي

 

ومــخـــصـــرات زرنـــنـــا

 

بعـد الـهـدو مـــن الـــخـــدور

 

ريا روادفـــــــهــــــــن يل

 

بسـن الـخـواتـم فـي الـخـصـــور

 

غر الـوجـوه مـــحـــجـــبـــا

 

ت قـاصـرات الـطـــرف حـــور

 

متـنـعـمـات فـي الـــنـــعـــي

 

م مـضـمـخـات بـالــعـــبـــير

 

يرفـلـن فـي حـلـل الــمـــحـــا

 

سن والـمـجـاســد والـــحـــرير

 

ماإن يرين الشمس إلا الفرط من خلل الستور

 

 

 

وإلى أمين الله مه

 

ر بـنـا مـن الـدهـر الـعــثـــور

 

وإلـيه أتـعـبـنــا الـــمـــطـــا

 

يا بـالـرواح وبــالـــبـــكـــور

 

ضغـر الـخـــدود كـــأنـــمـــا

 

جنـحـن أجـنـحة الــنـــســـور

 

متـسـربـــلات بـــالـــظـــلا

 

م عـلـى الـسـهـولة والــوعـــور

 

حتـى وصـلـــن بـــنـــا إلـــى

 

رب الـمــدائن والـــقـــصـــور

 

مازال قــبـــل فـــطـــامـــه

 

في سـن مـكـتـهـــل كـــبـــير

             

-قال: قيل لو كان جزل اللفظ لكان أشعر الناس – فأجزل صلته. وعاد إلى أفضل ما كان له عليه.

في خلافة المأمون

أخبرن يعمي الحسن بن محمد قال حدثني الكراني عن أبي حاتم قال: قدم علينا ابو العتاهية في خلافة المأمون. فصار إليه أصحابنا فاستنشدوه، فكان أول ماأنشدهم:

ألم تر ريب الدهر في كل سـاعة

 

له عارض فيه المنـية تـلـمـع

أيا باني الدنيا لغـيرك تـنـتـنـي

 

وياجامع الدنيا لغيرك تـجـمـع

أرى المرء وثابا” على كل فـرصة

 

وللمرء يوما” لامحالة مـصـرع

تبارك من لايملك المـلـك غـيره

 

متى تنقضي حاجات من ليس يشبع

وأي امرىء في غاية ليس نفسـه

 

إلى غاية أخرى سواها تـطـلـع

قال: وكان أصحابنا يقولون: لو أن طبع أبي العتاهية بجزالة لفظ لكان أشعر الناس.

تمثل الفضل بشعر له حين انحطت مرتبته في دار المأمون:

أخبرني السحن بن علي قال حدثنا ابن مهروية قال حدثني سليمان بن جعفر الجزري قال حدثني أحمد بن عبد الله قال: كانت مرتبة أبي العتاهية مع الفضل بن الربيع في موضع واحد في دار المأمون. فقال الفضل لأبي العتاهية: يا أبا إسحاق، ماأحسن بيتين لك وأصدقهما! قال: وماهما؟ قال: قولك:

ماالناس إلا للكثير المـال أو

 

لمسلط مادام في سلطـانـه

فإذا الزمان وماهما ببـلـية

 

كان الثقات هناك من أعوانه

يعني: من أعوان الزمان. قال: وإنما تمثل الفضل بن الربيع بهذين البيتين لانحطاط مرتبته في دار المأمون وتقدم غيره. وكان المأمون أمر بذلك لتحريره مع اخيه.

كان ملازما” للرشيد فلماتنسك حبسه ولما استعطفه أطلقه:

أخبرني عمي الحسن بن محمد قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال: قال لي محمد بن أبي العتاهية: كان لأبي لايفارق الرشيد في سفر ولاحضر إلا في طريق الحج، وكان يجري عليه في كل سنة خمسين ألف درهم سوى الجوائز والمعاون. فلما قدم الرشيد الرقة، لبس أبي الصوف وتزهد وترك حضور المنادمة والقول في الغزل، وأمر الرشيد بحبسه فحبس؛ فكتب إليه من وقته:

صوت

أنا اليوم لي والحمد لله أشهـر

 

يروح علي الهم منكم ويبكـر

تذكر أمين الله حقي وحرمتـي

 

وماكنت توليني لعلك تـذكـر

ليالي تدني منك بالقرب مجلسي

 

ووجهك من ماء البشاشة يقطر

فمن لي بالعين التي كنت مـرة

 

إلي بها في سالف الدهر تنظر

قال: فلما قرأ الرشيد الأبيات قال: قولوا له: لابأس عليك. فكتب غليه:

صوت

أرقت وطار عن عيني النعاس

 

ونام السامرون ولم يواسـوا

أمين الله أمنـك خـير أمـن

 

عليك من التقى فيه لـبـاس

تساس من السماء بكـل بـر

 

وأنت به تسوس كما تسـاس

كأن الخلق ركب فـيه روح

 

له جسد وأنت عـلـيه رأس

أمين الله إن الحـبـس بـأس

 

وقد أرسلت: ليس عليك باس

-غنى في هذه الأبيات إبراهيم، ولحنه ثقيل بإطلاق الوتر في مجرى الوسكى. وفيهأيضا” ثقيل أول عن الهشامي-قال: وكتب عليه أيضا” في الحبس:

وكلفتني ماحلت بيني وبـينـه

 

وقلت سأبغي ماتريد وماتهوى

فلو كان لي قلبان كلفت واحدا”

 

هواك وكلفت الخلي لما يهوى

قال: فأمر بإطلاقه.
حدثني عمي قال حدثني هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات قال حدثني الزبير بن بكار قال حدثني ثابت بن الزبير بن حبيب قال حدثني ابن أخت أبي خالد الحربي قال: قال لي الرشيد: احبس أباالعتاهية وضيق عليه حتى يقول الشعر الرقيق في الغزل كما كان يقول. فحبسته في بيت خمسة أشبار في مثلها؛ فصاح: الموت، أخرجوني، فأنا أقول كل ماشئتم. فقلت: قل. فقال: حتى أتنفس. فأخرجته وأعطيته دواة” وقرطاسا”؛ فقالأبياته اللتي أولها:

من لعبد أذلـه مـولاه

 

ماله شافع إليه سـواه

يشتكي مابه إليه ويخشا

 

ه ويرجوه مثل مايخشاه

قال: فدفعتها إلي مسرور الخادم فأوصلها، وتقدم الرشيد إلى إبراهيم الموصلي فغنى فيها، وأمر بإحذار ابي العتاهية فأحضر. فلما أحضر قال له: أنشدني قولك:

صوت

ياعتب سـيدتـي أمـالـك دين

 

حتىمتى قلبي لـديك رهـين

وأنا الذلول لكل ماحملـتـنـي

 

وأنا الشقي البائس المسـكـين

وأنا الغداة لكل باك مـسـعـد

 

ولكل صب صاحـب وخـدين

لابأس إن لذاك عـنـدي راحة

 

للصب أن يلقى الحزين حزين

ياعتب أيين أفر منك أمـيرتـي

 

وعلي حصن من هواك حصين

-لإبراهيم في هذه الأبيات هزج عن الهشامي -فأمر له الرشيد بخمسن ألف درهم وله في الرشيد لما حبسه أشعار كثيرة منها قوله:

يارشيد الأمر أرشدني إلـيى

 

وجه نجحي لاعدمت الرشدا

لاأراك اللـه سـوءا” أبـدا”

 

مارأت مثلك عـين أحـدا

أعن الخائف وارحم صوتـه

 

رافعا” نحـوك يدعـوك يدا

وابلائي من دعـاوى أمـل

 

كلما قلت تـدانـي بـعـدا

كم أمني بغـد بـعـد غـد

 

ينفذ العمر ولم ألـق غـدا

هجا القاسم بن الرشيد فشربه وحبسه ولما اشتكى إلى زبيدة بره الرشيد وأجازه: نسخت من كتاب هارون بن علي بن يحيى: حدثني علي بن مهدي قال حدثني الحسين بن أبي السري قال: مر القاسم بن الرشيد في موكب عظيم وكان من أتيه الناس، وأبو العتاهية جالس مع قوم على ظهر الطريق، فقام أبو العتاهية حين رآه إعظاما” له، فلم يزل قائما” حتى جاز، فأجازه ولم يلتفت إليه؛ فقال أبو العتاهية:

يتيه ابن آدم من جهـلـه

 

كأن رحا الموت لاتطحنه

فسمع بعض من في موكبه ذلك فأخبر به القاسم؛ فيعث إلى أبي العتاهية وضربه مائة مقرعةٍ، وقال له: يا ابن الفاعلة? أتعرض لي في مثل ذلك الموضع? وحبسه في داره. فدس أبو العتاهية إلى زبيدة بنت جفعر، وكانت تزجب له” حفه”، هذه الأبيات:

حتى متى ذو التيه في تيهه

 

أصلحه الـلـه ةعـافـاه

يتيه أهل التيه من جهلهـم

 

وهم يموتون وإن تاهـوا

من طلب العو ليبقى بـه

 

فإن عز المرء تـقـواه

لم يعتصم بالله منخلـقـه

 

من ليس يرجوه ويخشـاه

وكتب إليها بحالة وضيق حبسه، وكانت مائلة إليه، فرثت له وأخبرت الرشيد بأمره وكلمته فيه؛ فأحضره وكساه ووصله، ولمك يرض عن القاسم حتى بر أبا العتاهية وأدناه واعتذر إليه.

ونسخت من كتاب هارون بن علي: قال حدثني علي بن مهدي قال حدثني محمد بن سهل عن خالد بن أبي الأزهر قال: بعث الرشيد بالحرشي إلى ناحيى الموصل، فجبى له منها مالا” عظيما” من بقايا الخراج، فوافى به باب الرشيد، فأمر بصرف المال أجمع إلى بعض جواريه، فاستعظم الناس ذلك وتحدثوا به؛ فرأيت أبا العتاهية وقد أخذه شبه الجنون، فقلت له: مالك ويحك؟? فقال لي: سبحان الله أيدفع هذا المال الجليل إلى امرأة، ولاتتعلق كفي بشيء منه ثم دخل إلى الرشيد بعد أيام فأنشده:

الله هون عندك الدنيا وبغضها إليكا

 

فأبيت إلا تصغر كل شيء في يديكا

 

ماهانت الدني على

 

أحد كـمـا هـانـت عـلـيكـا

فقال له الفضل بن الربيع: ياأمير المؤمنين، مامدحت الخلفاء بأصدق من هذا المدح. فقال: يافضل، أعطه عشرين ألف درهم. فغدا أبو العتاهية على الفضل فأنشده:

إذا ما كنت متخذا” خـلـيلا

 

فمثل الفضل فاتخذ الخلـيلا

يرى الشكر القليل له عظيما”

 

ويعطي من مواهبه الجزيلا

أراني حيثما يممت طرفـي

 

وجدت على مكارمه دلـيلا

فقال له الفضل: والله لولا أن اساوي أمير المؤمنين لأعطيتك مثلها، ولكن سأوصلها إليك في دفعات، ثم أعطاه ما أمر به الرشيد، وزاد له خمسة آلاف درهم من عنده.

أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال حدثنا المبرد قال حدثني عبد الصمد بن المعذل قال: سمعت الأمير علي بن عيسى بن جعفر يقول: كنت صبيا” في دار الرشيد، فراست شيخا” ينشد والناس حوله:

ليس للإنسان إلا مـارزق

 

أستعين الله بالـلـه أثـق

علق الهم بقلـبـي كـلـه

 

وإذا ماعلق الهم عـلـق

بأبي من كان لي من قلبـه

 

مرة ود قلـيل فـسـرق

يابني الإسلام فيكم مـلـك

 

جامع الإسلام عنه يفترق

لندى هارون فيكـم ولـه

 

فيكم صوب هطول وورق

لم يزل هارون خيرا” كلـه

 

قتل الشر به يوم خـلـق

فقلت لبعض الهاشميين: أما ترى إعجاب الناس بشعر هذا الرجل؟ فقال: يابني، إن الأعناق لتقطع دون هذا الطبع. قال: ثم كان الشيخ أبا العتاهية، والذي سأله إبارهيم بن المهدي استعطف الرشيد وهو محبوس فأطلقه حدثنا الصولي قال حدثنا أحمد بن محمد بن إسحاق قال حدثني عبد القوي بن محمد بن أبي العتاهية عن أبيه قال: لبس أبو العتاهية كساء صوف ودراعة صوف، وآلى على نفسه ألا يقول شعرا” في الغزل، وأمر الرشيد بحبسه والتضييق عليه؛ فقال:

صوت

يابن عم النبي سمعـا” وطـاعة

 

قد خلعنا الكسـاء والـدراعة

ورجعنا إلى الصنـاعة لـمـا

 

كان سخط الإمام ترك الصناعة

وقال أيضا”:

أما رحمتني يوم ولت فأسرعت

 

وقد تركتني واقفا” أتـلـفـت

أقلب طرفي كي أراها فلا أرى

 

وأحلب عيني درها وأصـوت

فلم يزل الرشيد متوانيا” في إخراجه إلى أن قال:

أما والله إن الظـلـم لـوم

 

ومازال المسيء هو الظلوم

إلى ديان يوم الدين نمضـي

 

وعند الله تجتمع الخصـوم

لأمر ماتصرفت اللـيالـي

 

وأمر ماتوليت الـنـجـوم

تموت غدا” وأنت قرير عين

 

من الغفلات في لجج تعوم

تنام ولم تنم عنك الـمـنـايا

 

تنبه لـلـمـنـية يانـؤوم

سل الأيام عن أمم تقضـت

 

سنخبرك المعالم والرسـوم

تروم الخلد في دار المنـايا

 

وكم قد رام غيرك ماتروم

ألا يا أيها الملك المـرجـى

 

عليه نواهض الدنيا تحـوم

أقلني زلة لم أجر مـنـهـا

 

إلى لوم ومامثلي مـلـوم

وخلصني تخلص يوم بعـث

 

لإذا للناس برزت الجحـيم

فرق له وأمر بإطلاقه.

حديثه عن شعره ورأى أبي نواس فيه

نسخت من كتبا هارون بن علي: قال حدثني علي بن مهدي قال حدثني ابن أبي الأبيض قال: أيتيت أبا العتاهية فقلت له: إني رجل أقول الشعر في الزهد، ولي فيه أشعار كثيرة، وهو مذهب أستحسنه؛ لأني أرجو ألا آثم فيه، وسمعت شعرك في هذا المعنى فأحببت أن أستزيد منه، فأحب أن تنشدني من جيد ماقلت؛ فقال: أعلم أن ماقلته رديء. قلت: وكيف؟ قال: لأن الشعر ينبغي أن يكون مثل أشعار الفحول المتقدمين أو مثل شعر بشار وابن هرمة، فإن لم يكن كذلك فالصواب لقائله أن تكون ألفاظه مما لا تخفى علي جمهور الناس مثل شعري، ولا سيما الأشعار التي في الزهد؛ فإن الزهد ليس من مذاهب الملوك ولا من مذاهب رواة الشعر ولا طلاب الغريب، وهو مذهب أشغف الناس به الزهاد وأصحاب الحديث والفقهاء وأصحاب الرياء والعامة، وأعجب الأشياء إليهم ما فهموه. فقلت: صدقت. ثم أنشدني قصيدته:

لدوا الموت وابنوا للـخـراب

 

فكلكم يصير إلـى تـبـاب

ألا يا موت لم أر منـك بـدا

 

أتيت وما تحيف وما تحابـي

كأنك قد هجمت على مشيبي

 

كما هجم المشيب على شبابي

قال: فصرت إلى أبي نواس فأعلمته ما دار بيننا؛ فقال: والله ما أحسب في شعره مثل ما أنشدك بيتا” آخر. فصرت غليه فأخبرته بقول أبي نواس؛ فأنشدني قصيدته التي يقول فيها:

طول النعاشر بين الناس ممـلـول

 

ما لابن آدم إن فتشت مـعـقـول

يا راعي الشاء لا تغفل رعايتـهـا

 

فأنت عن كل ما استرعيت مسؤول

إني لفي منزل مازلـت أعـمـره

 

على يقين بأني عنـه مـنـقـول

وليس في موضع يأتيه ذو نـفـس

 

إلا وللموت سيف فيه مـسـلـل

لم يشغل الموت عنا مذ أعج لـنـا

 

وكلنا عنه باللـذات مـشـغـول

ومن يمت فهو مقطوع ومجتـنـب

 

والحي ماعاش مغشي وموصـول

كل مابدا لـك فـالآكـال فـانـية

 

وكـل ذي أكـل لابـد مـأكـول

قال: ثم أنشدني عدة قصائد ما هي بدون هذه، فصرت إلى أبي نواس فأخبرته؛ فتغير لونه وقال: لم خبرته بما قلت! قد والله أجاد! ولم يقل فيه سوءا”.

كان أبو نواس يجله ويعظمه أخبرن يالحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهروية قال حدثني علي بن عبد الله بن سعد قال حدثني هارون بن سعدان وملى البجليين قال: كنت مع ابو نواس قريبا” من دور بين نيبخت بنهر طابق وعنده جماعة، فجعل يمر به القواد والكتاب وبنو هاشم فيسلمون عليه وهو متكىء ممدود الرجل لايتحرك أحد منهم، حتى نظرنا إليه قد قبض رجليه ووثب وقام إلى شيخ قد أقبل علي حمار له، فاعتنق أبا نواس ووقف أبو نواس يحادثه، فلم يزل واقفا” معه يروح بين رجليه يرفع رجلا” ويضع أخرى، ثم مضى الشيخ ورجع إلينا أبو نواس وهو يتأوه. فقال له بعض من حضر: والله لأنت أشعر منه. فقال: والله مارأيته قط إلا ظننت أنه سماء وأنا أرض

رأي بشار فيه

قال محمد بن القاسم حدثني علي بن محمد بن عبد الله الكوفي قال حدثني السري بن الصباح مولى ثوبان بن علي قال: كنت عند بشار فقلت له: من أشعر أهل زماننا؟ فقال: مخنث أهل بغداد (يعني أبا العتاهية)

عزى المهدي في وفاة ابنته فأجازه

أخبرني يحيىبن علي المنجم إجازة: قال حدثني علي بن مهدي قال حدثني الخزجي الشاعر قال حدثني عبد الله بن أيوب الأنصاري قال حدثني أبو العتاهية قال: ماتت بنت المهدي فحزن عليها حزنا” شديدا” حتى امتنع من الطعام والشراب، فقلت أبياتا” أعزيه بها؛ فوافيته وقد سلا وضحك وأكل وهويقول: لابد من الصبر على مالابد منه، ولئن سلونا عمن فقدنا ليسلون عنا من يفقدنا، ومايأتي الليل والنهار على شيء إلا أبليه. فلما سمعت هذا منه قلت: ياأمير المؤمنين، أتأذن لي أن أنشدك؟ قال هات؛ فأنشدته:

ما للجديدين لايبلى اختلافـهـمـا