ذكر معبد وبعض أخباره

ذكر معبد وبعض أخباره

نسب معبد ونشأته ووفاته

 

هو معبد بن وهب، وقيل ابن قطني مولى ابن قطر، وقيل ابن قطن مولى العاص بن وابصة المخزومي، وقيل بل مولى معاوية بن أبي سفيان.

 

أخبرني الحرمي بن أبي العلاء، قال: حدثنا الزبير بن بكار، قال: حدثني عبد الرحمن بن عبد الله الزهري، قال: معبدٌ المغني ابن وهب مولى عبد الرحمن بن قطر.
وأخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه، قال: قال ابن الكلبي: معبدٌ مولى ابن قطر، والقطريون موالي معاوية بن أبي سفيان.

وأخبرني إسماعيل بن يونس، قال: حدثنا عمر بن شبة، قال: حدثنا أبو غسان، قال: معبد بن وهب مولى ابن قطن وهم موالي آل وابصة من بني مخزوم، وكان أبوه أسود وكان هو خلاسياً مديد القامة أحول.

وذكر ابن خرداذبه أنه غنى في أول دولة بني أمية، وأدرك دولة بني العباس، وقد أصابه الفالج وارتعش وبطل، فكان إذا غنى يضحك منه ويهزأ به. وابن خرداذبه قليل التصحيح لما يرويه ويضمنه كتبه. والصحيح أن معبداً مات في أيام الوليد بن يزيد بدمشق وهو عنده. وقد قيل: إنه أصابه الفالج قبل موته وارتعش وبطل صوته.

فأما إدراكه دولة بني العباس فلم يروه أحد سوى ابن خرداذبه ولا قاله ولا رواه عن أحد، وإنما جاء به مجازفةً.

أخبرني محمد بن العباس اليزيدي، قال: حدثنا عمر بن شبة، قال: حدثني أيوب بن عمر أبو سلمة المديني قال حدثنا عبد الله بن عمران بن أبي فروة، قال: حدثني كردم بن معبد المغني مولى ابن قطنٍ، قال: مات أبي وهو في عسكر الوليد بن يزيد وأنا معه، فنظرت حين أخرج نعشه إلى سلامة القس (جارية يزيد بن عبد الملك) وقد أضرب الناس عنه ينظرون إليها وهي آخذة بعمود السرير، وهي تبكي أبي وتقول:

قد لعمري بت لـيلـي

 

كأخي الداء الوجـيع

ونجي الـهـم مـنـي

 

بات أدنى من ضجيعي

كلما أبصـرت ربـع

 

خالياً فاضت دموعـي

قد خلا من سـيدٍ كـا

 

ن لنا غير مـضـيع

لا تلمنا إن خشـعـنـا

 

أو هممنا بخـشـوع

قال كردم: وكان يزيد أمر أبي أن يعلمها هذا الصوت، فعلمها إياه فندبته به يومئذٍ. قال: فلقد رأيت الوليد بن يزيد والغمر أخاه متجردين في قميصين ورداءين يمشيان بين يدي سريره حتى أخرج من دار الوليد، لأنه تولى أمره وأخرجه من داره إلى موضع قبره.
فأما نسبة هذا الصوت، فإن الشعر للأحوص، والغناء لمعبد، ذكره يونس ولم يجنسه. وذكر الهشامي أنه ثاني ثقيل بالوسطى، قال: وفيه لحبابة خفيف ثقيل، ولابن المكي ثقيلٌ أول نشيد. وفيه لسلامة القس عن إسحاق لحنٌ من القدر الأوسط من الثقيل الأول بالوسطى في مجراها.

أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه، قال قال أبو عبيدة: ذكر مولىً لآل الزبير – وكان منقطعاً إلى جعفرٍ ومحمد ابني سليمان بن علي -: أن معبداً عاش حتى كبر وانقطع صوته، فدعاه رجل من ولد عثمان، فلما غنى الشيخ لم يطرب القوم، وكان فيهم فتيان نزولٌ من ولد أسيد بن أبي العيص بن أمية، فضحكوا منه وهزئوا به، فأنشأ يغني:  

فضحتم قريشاً بالفـرار وأنـتـم

 

قمدون سودانٌ عظام المنـاكـب

فأما القتـال لا قـتـال لـديكـم

 

ولكن سيراً في عراض المواكب

– وهذا شعرٌ هجوا به قديماً – فقاموا إليه ليتناولوه؛ فمنعهم العثماني من ذلك وقال: ضحكتم منه حتى إذا أحفظتموه أردتم أن تتناولوه، لا والله لا يكون ذلك! قال إسحاق: فحدثني ابن سلام قال: أخبرني من رآه على هذه الحال فقال له: أصرت إلى ما أرى؟ فأشار إلى حلقه وقال: إنما كان هذا؛ فلما ذهب ذهب كل شيء.

اعتراف المغنين لمعبد بالتفوق

والسبق في صناعة الغناء قال إسحاق: كان معبد من أحسن الناس غناء، وأجودهم صنعةً، وأحسنهم حلقاً؛ وهو فحل المغنين وإمام أهل المدينة في الغناء، وأخذ عن سائب خاثرٍ، ونشيطٍ مولى عبد الله بن جعفر، وعن جميلة مولاة بهزٍ “بطنٍ من سليم”، وكان زوجها مولىً لبني الحارث بن الخزرج؛ فقيل لها مولاة الأنصار لذلك. وفي معبد يقول الشعر:

أجاد طويسٌ والسريجي بعده

 

وما قصبات السبق إلا لمعب

قال إسحاق قال ابن الكلبي عن أبيه: كان ابن أبي عتيقٍ خرج إلى مكة فجاء معه ابن سريج إلى المدينة، فأسمعوه غناء معبد وهو غلام، وذلك في أيام مسلم بن عقبة المري، وقالوا: ما تقول فيه؟ فقال: إن عاش كان مغني بلاده. ولمعبدٍ صنعةٌ لم يسبقه إليها من تقدم، ولا زاد عليه فيها من تأخر. وكانت صناعته التجارة في أكثر أيام رقه، وربما رعى الغنم لمواليه، وهو مع ذلك يختلف إلى نشيطٍ الفارسي وسائب خاثرٍ مولى عبد الله بن جعفر، حتى اشتهر بالحذق وحسن الغناء وطيب الصوت. وصنع الألحان فأجاد واعترف له بالتقدم على أهل عصره.

أخبرني الحسين بن يحيى، قال قال حماد قرأت على أبي: قال الجمحي: بلغني أن معبداً قال: والله لقد صنعت ألحاناً لا يقدر شبعان ممتلىء ولا سقاءٌ يحمل قربةً على الترنم بها ولقد صنعت ألحاناً لا يقدر المتكىء أن يترنم بها حتى يقعد مستوفزاً، ولا القاعد حتى يقوم.

قال إسحاق: وبلغني أن معبداً أتى ابن سريج وابن سريج لا يعرفه، فسمع منه ما شاء، ثم عرض نفسه عليه وغناه وقال له: كيف كنت تسمع جعلت فداءك؟ فقال له: لو شئت كنت قد كفيت بنفسك الطلب من غيرك. قال: وسمعت من لا أحصي من أهل العلم بالغناء يقولون: لم يكن فيمن غنى أحدٌ أعلم بالغناء من معبد. قال: وحدثني أيوب بن عباية قال: دخلت على الحسن بن مسلمٍ أبي العراقيب وعنده جاريته عاتكة، فتحدث فذكر معبداً فقال: أدركته يلبس ثوبين ممشقين، وكان إذا غنى علا منخراه. فقالت عاتكة: يا سيدي أو أدركت معبداً؟ قال: إي والله وأقدم من معبد. فقالت: استحييت لك من هذا الكبر.

علو كعبه في صناعة الغناء

أخبرني الحسين بن يحيى قال نسخت من كتاب حماد: قرأت على أبي أخبرني محمد بن سلام، قال: حدثني جرير، قال: قال معبد: قدمت مكة فقيل لي: إن ابن صفوان قد سبق بين المغنين جائزةً، فأتيت بابه فطلبت الدخول، فقال لي آذنه: قد تقدم إلي ألا آذن لأحدٍ عليه ولا أؤذنه به. قال فقلت: دعوني أدنو من الباب فأغني صوتاً. قال: أما هذا فنعم. فدنوت من الباب، فغنيت “صوتاً”، فقالوا: معبد! وفتحوا لي، فأخذت الجائزة يومئذٍ.

أخبرني الحسين قال نسخت من كتاب حماد: قال أبي: وذكر عوركٌ – وهو الحسن بن عتبة اللهبي – أن الوليد بن يزيد كان يقول: ما أقدر على الحج. فقيل له: وكيف ذاك؟ قال: يستقبلني أهل المدينة بصوتي معبد:

القصر فالنخل فالجماء بينهما

و “قتيلة” يعني لحنه:

يوم تبدي لنا قتيلة عن جي

 

دٍ تليعٍ تزينه الأطـواق

قال إسحاق: قيل لمعبد: كيف تصنع إذا أردت أن تصوغ الغناء؟ قال: أرتحل قعودي وأوقع بالقضيب على رحلي وأترنم عليه بالشعر حتى يستوي لي الصوت. فقيل له: ما أبين ذلك في غنائك! قال إسحاق: وقال مصعبٌ الزبيري قال يحيى بن عباد بن حمزة بن عبد الله بن الزبير حدثني أبي قال: قال معبد: كنت غلاماً مملوكاً لآل قطن مولى بني مخزوم، وكنت أتلقى الغنم بظهر الحرة، وكانوا تجاراً أعالج لهم التجارة في ذلك، فآرتي صخرةً بالحرة ملقاةً بالليل فأستند إليها، فأسمع وأنا نائم صوتاً يججري في مسامعي، فأقوم من النوم فأحكيه، فهذا كان مبدأ غنائي.

اعتراف مالك بن أبي السمح لمعبد بالتفوق

عليه في صنعة الغناء  أخبرني الحسين بن يحيى قال: نسخت من كتاب حماد: قال أبي قال محمد بن سعيد الدوسي عن أبيه ومحمد بن يزيد عن سعيد الدوسي عن الربيع بن أبي الهيثم قال: كنا جلوساً مع عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، فقال إنسانٌ لمالك: أنشدك الله، أنت أحسن غناءً أم معبدٌ؟ فقال مالك: والله ما بلغت شراكه قط، والله لو لم يغن معبدٌ إلا قوله:

لعمر أبيها لا تقول حـلـيلـتـي

 

ألا فر عني مالك بن أبي كعـب

وهم يضربون الكبش تبرق بيضـه

 

ترى حوله الأبطال في حلقٍ شهب

لكان حسبه!. قال: وكان مالك إذا غنى غناء معبدٍ يخفف منه، ثم يقول: أطال الشعر معبدٌ ومططه، وحذفته أنا. وتمام هذا الصوت:

صوت من غير المائة المختارة

لعمر أبيها لا تقول حـلـيلـتـي

 

ألا فر عني مالك بن أبي كعـب

وهم يضربون الكبش تبرق بيضـه

 

ترى حوله الأبطال في حلق شهب

إذا أنفدوا الزق الروي وصرعـوا

 

نشاوى فلم أقطع بقولي لهم حسبي

بعثت إلى حانوتها فـسـبـأتـهـا

 

بغير مكاسٍ في السوام ولا غصب

عروضه من الطويل. والشعر لمالك بن أبي كعب بن القين الخزرجي أحد بني سلمة. هكذا ذكر إسحاق، وغيره يذكر أنه من مرادٍ. ولهذا الشعر خبرٌ طويل يذكر بعد هذا. والغناء في البيتين الأولين لمعبد ثقيلٌ أول بالوسطى، ومن الناس من ينسبه إلى ابن سريج. ولمالكٍ في الثالث والرابع من الأبيات لحنٌ من الثقيل الأول بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق، ومن الناس من ينسب هذا اللحن إلى معبد ويقول: إن مالكاً أخذ لحنه فيه فحذف بعض نغمه وانتحله، وإن اللحن لمعبد في الأبيات الأربعة. وقد ذكر أن هذا الشعر لرجل من مرادٍ، وروي له فيه حديثٌ طويل. وقد أخرج خبره في ذلك وخبر مالك بن أبي كعب الخزرجي أبي كعب بن مالك صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله في موضع آخر أفرد له، إذ كانت له أخبارٌ كثيرة، ولأجله لا تصلح أن تذكر ها هنا.
رجع الخبر إلى معبد – أخبرني إسماعيل بن يونس قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا أبو غسان عن يونس الكاتب قال:

معبد وابن محرز

أقبلت من عند معبد، فلقيني ابن محرز ببطحان، فقال: من أين أقبلت؟ قلت: من عند أبي عباد. فقال: ما أخذت عنه؟ قلت: غنى صوتاً فأخذته. قال: وما هو؟ قلت:

ماذا تأمل واقفٌ جمـلاً

 

في ربع دارٍ عابه قدمه

– الشعر لخالد بن المهاجر بن خالد بن الوليد – فقال لي: ادخل معي دار ابن هرمة وألقه علي، فدخلت معه، فما زلت أردده عليه حتى غناه، ثم قال: ارجع معي إلى أبي عباد، فرجعنا فسمعه منه، ثم لم نفترق حتى صنع فيه ابن محرز لحناً آخر.

نسبة هذا الصوت

صوت

ماذا تأمل واقف جمـلاً

 

في ربع دارٍ عابه قدمه

أقوى وأقفر غير منتصبٍ

 

لبد الرمادة ناصعٍ حممه

غناه معبدٌ، ولحنه ثقيلٌ أول بالسبابة في مجرى الوسطى. وفيه خفيف ثقيلٍ أول بالوسطى ينسب إلى الغريض وإلى ابن محرز. وذكر عمرو بن بانة أن الثقيل الأول للغريض. وذكر حبش أن فيه لمالكٍ ثاني ثقيلٍ بالوسطى. وفيه رملٌ بالوسطى ينسب إلى سائب خاثرٍ، وذكر حبشٌ أنه لإسحاق.

قدوم ابن سريج والغريض المدينة

ثم ارتدادهما عنها بعد سماعهما صوت معبد أخبرني الحسين بن يحيى قال نسخت من كتاب حماد: قال أبي قال ابن الكلبي: قدم ابن سريج والغريض المدينة يتعرضان لمعروف أهلها، ويزوران من بها من صديقهما من قريشٍ وغيرهم. فلما شارفاها تقدما ثقلهما ليرتادا منزلاً، حتى إذا كانا بالمغسلة – وهي جبانةٌ على طرف المدينة يغسل فيها الثياب – إذا هما بغلامٍ ملتحفٍ بإزارٍ وطرفه على رأسه، بيده حبالةٌ يتصيد بها الطير وهو يتغنى ويقول:

القصر فالنخل فالجماء بينـهـمـا

 

أشهى إلى النفس من أبواب جيرون

وإذا الغلام معبد. قال: فلما سمع ابن سريج والغريض معبداً مالا إليه واستعاداه الصوت فأعاده، فسمعا شيئاً لم يسمعا بمثله قط. فأقبل أحدهما على صاحبه فقال: هل سمعت كاليوم قط؟ قال: لا والله! فما رأيك؟ قال ابن سريج: هذا غناء غلامٍ يصيد الطير، فكيف بمن في الجوبة! – يعني المدينة – قال: أما أنا فثكلته والدته إن لم أرجع. قال: فكرا راجعين. قدوم معبد مكة وما وقع له مع الغريض

قال: وقال معبد: قدمت مكة، فذهب بي بعض القرشيين إلى الغريض، فدخلنا عليه وهو متصبح، فانتبه من صبحته وقعد، فسلم عليه القرشي، وسأله فقال له: هذا معبدٌ قد أتيتك به، وأنا أحب أن تسمع منه. قال: هات، فغنيته أصواتاً. فقال بمدرى معه في رأسه، ثم قال: إنك يا معبد لمليح الغناء. قال: فأحفظني ذلك، فجثوت على ركبتي، ثم غنيته من صنعتي عشرين صوتاً لم يسمع بمثلها قط، وهو مطرقٌ واجمٌ قد تغير لونه حسداً وخجلاً.

ما وقع لمعبد مع حكم الوادي

قال إسحاق: وأخبرت عن حكمٍ الوادي قال: كنت أنا وجماعةٌ من المغنين نختلف إلى معبد نأخذ عنه ونتعلم منه، فغنانا يوماً صوتاً من صنعته وأعجب به، وهو:

القصر فالنخل فالجماء بينهما

فاستحسناه وعجبنا منه. وكنت في ذلك اليوم أول من أخذه عنه واستحسنه مني فأعجبتني نفسي. فلما انصرفت من عند معبد عملت فيه لحناً آخر وبكرت على معبد مع أصحابي وأنا معجبٌ بلحني. فلما تغنينا أصواتاً قلت له: إني قد عملت بعدك في الشعر الذي غنيتناه لحناً، واندفعت فغنيته صوتي، فوجم معبدٌ ساعةً يتعجب مني ثم قال: قد كنت أمس أرجى مني لك اليوم، وأنت اليوم عندي أبعد من الفلاح. قال حكمٌ: فأنسيت – يعلم الله – صوتي ذلك منذ تلك الساعة فما ذكرته إلى وقتي هذا.

ما وقع لمعبد مع العبد الأسود

وهو في طريقه إلى بعض أمراء الحجاز قال إسحاق: وقال معبد: بعث إلي بعض أمراء الحجاز – وقد كان جمع له الحرمان – أن اشخص إلى مكة، فشخصت. قال: فتقدمت غلامي في بعض تلك الأيام، واشتد علي الحر والعطش، فانتهيت إلى خباء فيه أسود وإذا حباب ماء قد بردت، فملت إليه فقلت: يا هذا، اسقني من هذا الماء. فقال لا. فقلت: فأذن لي في الكن ساعةً. قال لا. فأنخت ناقتي ولجأت إلى ظلها فاستترت به، وقلت: لو أحدثت لهذا الأمير شيئاً من الغناء أقدم به عليه، ولعلي إن حركت لساني أن يبل حلقي ريقي فيخفف عني بعض ما أجده من العطش! فترنمت بصوتي:

القصر فالنخل فالجماء بينهما

فلما سمعني الأسود، ما شعرت به إلا وقد احتملني حتى أدخلني خباءه، ثم قال: إي، بأبي أنت وأمي! هل لك في سويق السلت بهذا الماء البارد؟ فقلت: قد منعتني أقل من ذلك، وشربة ماءٍ تجزئني. قال: فسقاني حتى رويت، وجاء الغلام فأقمت عنده إلى وقت الرواح. فلما أردت الرحلة قال: إي، بأبي أنت وأمي! الحر شديدٌ ولا آمن عليك مثل الذي أصابك، فأذن لي “في” أن أحمل معك قربةً من ماء على عنقي وأسعى بها معك، فكلما عطشت سقيتك صحناً وغنيتني صوتاً! قال: قلت ذاك لك. فوالله ما فارقني يسقيني وأغنيه حتى بلغت المنزل.
نسخت من كتاب جعفر بن قدامة بخطه: حدثني حماد بن إسحاق عن أبيه عن الزبير عن جرير قال:

معبد وابن سريج والتقاؤهما

عفواً ببطن مر ثم تعارفهما بصوتيهما كان معبدٌ خارجاً إلى مكة في بعض أسفاره، فسمع في طريقه غناءً في “بطن مر” فقصد الموضع، فإذا رجلٌ جالسٌ على حرف بركةٍ فارقٌ شعره حسن الوجه، عليه دراعة قد صبغها بزعفرانٍ، وإذا هو يتغنى:

صوت

حن قلبي من بعد ما قد أنـابـا

 

ودعا الهم شجـوه فـأجـابـا

ذاك من منزلٍ لسلمـى خـلاءٍ

 

لابسٍ من خلائه جـلـبـابـا

عجت فيه وقلت للركب عوجوا

 

طمعـاً أن يرد ريعٌ جـوابـاً

فاستشار المنسي من لوعة الح

 

ب وأبدى الهموم والأوصابـا

فقرع معبدٌ بعصاه وغنى:

منع الحياة من الرجال ونفعها

 

حدقٌ تقلبها النساء مـراض

وكأن أفئدة الرجـال إذا رأوا

 

حدق النساء لنبلها أغـراض

فقال له ابن سريج: بالله أنت معبد؟ قال: نعم، وبالله أنت ابن سريج؟ قال: نعم، وواله لو عرفتك ما غنيت بين يديك.

نسبة هذين الصوتين وأخبارهما صوت

حن قلبي من بعد ما قد أنـابـا

 

ودعا الهم شجـوه فـأجـابـا

فاستثار المنسي من لوعة الـح

 

ب وأبدى الهموم والأوصابـا

ذاك من منزلٍ لسلمـى خـلاءٍ

 

مكتسٍ من عفائه جـلـبـابـا

عجت فيه وقلت للركب عوجوا

 

طمعاً أن يرد ربـعٌ جـوابـا

ثانياً من زمام وجناء عنسٍ

 

قانياً لونها يخال خضابـا

جدها الفالج الأشم من البخ

 

ت وخالاتها انتخبن عرابا

الشعر لعمر بن أبي ربعية. والغناء لابن سريج، وله فيه لحنان: رملٌ بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق، وخفيف ثقيل أول بالبنصر عن عمرو.

صوت

منع الحياة من الرجال ونفعها

 

حدقٌ تقلبها النساء مـراض

وكأن أفئدة الرجـال إذا رأوا

 

حدق النساء لنبلها أغـراض

الشعر للفرزدق، والغناء لمعبدٍ ثقيلٌ أول عن الهشامي: أخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن سياطٍ قال حدثني يونس الكاتب قال:

رحلة معبد إلى الأهواز

وما وقع بينه وبين الجواري المغنيات بالسفينة كان معبد قد علم جاريةً من جواري الحجاز الغناء – تدعى “ظبية: – وعني بتخريجها، فاشتراها رجلٌ من أهل العراق فأخرجها إلى البصرة وباعها هناك، فاشتراها رجلٌ من أهل الأهواز، فأعجب بها وذهبت به كل مذهب وغلبت عليه، ثم ماتت بعد أن أقامت عنده برهة من الزمان وأخذ جواريه أكثر غنائها عنها، فكان لمحبته إياها وأسفه عليها لا يزال يسأل عن أخبار معبدٍ وأين مستقره، ويظهر التعصب له والميل إليه والتقديم لغنائه على سائر أغاني أهل عصره إلى أن عرف ذلك منه. وبلغ معبداً خبره، فخرج من مكة حتى أتى البصرة، فلما وردها صادف الرجل قد خرج عنها في ذلك اليوم إلى الأهواز فاكترى سفينةً. وجاء معبدٌ يلتمس سفينةً ينحدر فيها إلى الأهواز، فلم يجد غير سفينة الرجل، وليس يعرف أحد منهما صاحبه، فأمر الرجل الملاح أن يجلسه معه في مؤخر السفينة ففعل وانحدروا. فلما صاروا في فم نهر الأبلة تغدوا وشربوا، وأمر جواريه فغنين، ومعبدٌ ساكتٌ وهو في ثياب السفر، وعليه فروٌ وخفان غليظان وزيٌ جافٍ من زي أهل الحجاز، إلى أن غنت إحدى الجواري:

صوت

بانت سعاد وأمسى حبلها انصرمـا

 

واحتلت الغور فالأجزاع من إضما

إحدى بليٍّ وما هام الفـؤاد بـهـا

 

إلا السفاه وإلا ذكـرةً حـلـمـا

– قال حماد: والشعر للنابغة الذبياني. والغناء لمعبد، خفيف ثقيل أول بالبنصر، وفيه لغيره ألحانٌ قديمة ومحدثة – فلم تجد أداءه، فصاح بها معبد: يا جارية، إن غناءك هذا ليس بمستقيم. قال: فقال له مولاها وقد غضب: وأنت ما يدريك الغناء ما هو؟ ألا تمسك وتلزم شأنك! فأمسك. ثم غنت أصواتاً من غناء غيره وهو ساكتٌ لا يتكلم، حتى غنت:

صوت

بابنة الأزدي قلبي كـئيب

 

مستهامٌ عندها ما ينـيب

ولقد لاموا فقلت دعونـي

 

إن من تنهون عنه حبيب

إنما أبلى عظامي وجسمي

 

حبها والحب شيء عجيب

أيها العائب عندي هواهـا

 

أنت تفدي من أراك تعيب

– والشعر لعبد الرحمن بن أبي بكر، والغناء لمعبد ثقيلٌ أول بالسبابة في مجرى البنصر – قال: فأخلت ببعضه. فقال لها معبدٌ: يا جارية، لقد أخللت بهذا الصوت إخلالاً شديداً. فغضب الرجل وقال له: ويلك! ما أنت والغناء! ألا تكف عن هذا الفضول! فأمسك. وغنى الجواري ملياً، ثم غنت إحداهن:

صوت

خليلي عوجا فابكيا ساعةً مـعـي

 

على الربع نقضي حاجةً ونـودع

ولا تعجلانـي أن ألـم بـدمـنةٍ

 

لعزة لاحت لي ببيداء بـلـقـع

وقولا لقلبٍ قد سلا: راجع الهوى

 

وللعين: أذري من دموعك أودعي

فلا عيش إلا مثل عيشٍ مضى لنا

 

مصيفاً أقمنا فيه من بعد مربـع

 

الشعر لكثير، والغناء لمعبد خفيف ثقيلٍ بالسبابة في مجرى الوسطى، وفيه رملٌ للغريض – قال: فلم تصنع فيه شيئاً. فقال لها معبد: يا هذه، أما تقوين على أداء صوت واحد؟ فغضب الرجل وقال له: ما أراك تدع هذا الفضول بوجهٍ ولا حيلةٍ! وأقسم بالله لئن عاودت لأخرجنك من السفينة، فأمسك معبدٌ، حتى إذا سكتت الجواري سكتةً اندفع يغني الصوت الأول حتى فرغ منه، فصاح الجواري: أحسنت والله يا رجل! فأعده. فقال: لا والله ولا كرامة. ثم اندفع يغني الثاني، فقلن لسيدهن: ويحك! هذا والله أحسن الناس غناءً، فسله أن يعيده علينا ولو مرةً واحددة لعلنا نأخذه عنه، فإنه إن فاتنا لم نجد مثله أبداً. فقال: قد سمعتن سوء رده عليكن وأنا خائف مثله منه، وقد أسلفنا الإساءة، فاصبرن حتى نداريه. ثم غنى الثالث، فزلزل عليهم الأرض. فوثب الرجل فخرج إليه وقبل رأسه وقال: يا سيدي أخطأنا عليك ولم نعرف موضعك. فقال له: فهبك لم تعرف موضعي، قد كان ينبغي لك أن تتثبت ولا تسرع إلي بسوء العشرة وجفاء القول. فقال له: قد أخطأت وأنا أعتذر إليك مما جرى، وأسألك أن تنزل إلي وتختلط بي. فقال: أما الآن فلا. فلم يزل يرفق به حتى نزل إليه. فقال له الرجل: ممن أخذت هذا الغناء؟ قال: من بعض أهل الحجاز، فمن أين أخذه جواريك؟ فقال: أخذنه من جارية كانت لي ابتاعها رجل من أهل البصرة من مكة، وكانت قد أخذت عن أبي عباد معبدٍ وعني بتخريجها، فكانت تحل مني محل الروح من الجسد، ثم استأثر الله عز وجل بها، وبقي هؤلاء الجواري وهن من تعليمها، فأنا إلى الآن أتعصب لمعبد وأفضله على المغنين جميعاً وأفضل صنعته على كل صنعة. فقال له معبد: أو إنك لأنت هو! أفتعرفني؟ قال: لا. قال: فصك معبدٌ بيده صلعته ثم قال: فأنا والله معبدٌ، وإليك قدمت من الحجاز، ووافيت البصرة ساعة نزلت السفينة لأقصدك بالأهواز، ووالله لا قصرت في جواريك هؤلاء، ولأجعلن لك في كل واحدة منهن خلفاً من الماضية. فأكب الرجل والجواري على يديه ورجليه يقبلونها ويقولون: كتمتنا نفسك طول هذا “اليوم” حتى جفوناك في المخاطبة، وأسأنا عشرتك، وأنت سيدنا ومن نتمنى على الله أن نلقاه. ثم غير الرجل زيه وحاله وخلع عليه عدة خلع، وأعطاه في وقته ثلثمائة دينار وطيباً وهدايا بمثلها، وانحدر معه إلى الأهواز، فأقام عنده حتى رضي حذق جواريه وما أخذته عنه، ثم ودعه وانصرف إلى الحجاز.

غناء معبد للوليد بن يزيد

أخبرني الحسن بن علي الخفاف وعبد الباقي بن قانع قالا: حدثنا محمد بن زكريا الغلابي قال حدثني مهدي بن سابق قال حدثني سليمان بن غزوان مولى هشام قال حدثني عمر القاري بن عيد قال: قال الوليد بن يزيد يوماً: لقد اشتقت إلى معبد، فوجه البريد إلى المدينة فأتى بمعبد، وأمر الوليد ببركةٍ قد هيئت له فملئت بالخمر والماء، وأتي بمعبد فأمر به فأجلس والبركة بينهما، وبينهما ستر قد أرخي، فقال له غنني يا معبد:

صوت

لهفي على فتية ذل الزمان لهم

 

فما أصابهم إلا بمـا شـاءوا

مازال يعدو عليهم ريب دهرهم

 

حتى تفانوا وريب الدهر عداء

أبكى فراقهم عيني وأرقـهـا

 

إن التفرق للأحبـاب بـكـاء

– الغناء لمعبد خفيف ثقيلٍ، وفيه ليحيى المكي رملٌ، ولسليمان هزجٌ، كلها رواية الهشامي – قال: فغناه إياه، فرفع الوليد الستر ونزع ملاءةً مطيبة كانت عليه وقذف نفسه في تلك البركة، فنهل فيها نهلةً، ثم أتي بأثوابٍ غيرها وتلقوه بالمجامر والطيب، ثم قال غنني:

صوت

يا ربع مالك لا تجيب متيمـا

 

قد عاج نحوك زائراً ومسلما

جادتك كل سحابةٍ هـطـالةٍ

 

حتى ترى عن زهرةٍ متبسما

– الغناء لمعبدٍ ثاني ثقيلٍ بالوسطى والخنصر عن ابن المكي. وفيه لعلوية ثاني ثقيلٍ آخر بالبنصر في مجراها عنه – قال: فغناه فدعا له بخمسة عشر ألف دينارٍ فصبها بين يديه، ثم قال: انصرف إلى أهلك واكتم ما رأيت.

وأخبرني بهذا الخبر عمي فجاء ببعض معانيه وزاد فيه ونقص، قال: حدثني هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات قال حدثني سليمان بن سعد الحلبي قال:  سمعت القاري بن عدي يقول: إشتاق الوليد بن يزيد إلى معبد، فوجه إليه إلى المدينة فأحضر. وبلغ الوليد قدومه، فأمر ببركةٍ بين يدي مجلسه فملئت ماء وردٍ قد خلط بمسك وزعفران، ثم فرش للوليد في داخل البيت على حافة البركة، وبسط لمعبد مقابله على حافة البركة، ليس معهما ثالثٌ، وجيء بمعبد فرأى ستراً مرخى ومجلس رجل واحد. فقال له الحجاب: يا معبد، سلم على أمير المؤمنين واجلس في هذا الموضع؛ فسلم فرد عليه الوليد السلام من خلف الستر، ثم قال له: حياك الله يا معبد! أتدري لم وجهت إليك؟ قال: الله أعلم وأمير المؤمنين. قال: ذكرتك فأحببت أن أسمع منك. قال معبد: أأغني ما حضر أم ما يقترحه أمير المؤمنين؟ قال: بل غنني:

مازال يعدو عليهم ريب دهرهم

 

حتى تافنوا وريب الدهر عداء

فغناه، فما فرغ منه حتى رفع الجواري السجف، ثم خرج الوليد فألقى نفسه في البركة فغاص فيها ثم خرج منها، فاستقبله الجواري بثيابٍ غير الثياب الأولى، ثم شرب وسقى معبداً، ثم قال له: غنني يا معبد:

يا ربع مالك لا تجيب متيمـا

 

قد عاج نحوك زائراً ومسلما

جادتك كل سحـابة هـطـالة

 

حتى ترى عن زهرةٍ متبسما

لو كنت تدري من دعاك أجبته

 

وبكيت من حرقٍ عليه إذاً دما

قال: فغناه، وأقبل الجواري فرفعن الستر، وخرج الوليد فالقى نفسه في البركة فغاص فيها ثم خرج، فلبس ثياباً غير تلك، ثم شرب وسقى معبداً، ثم قال له: غنني. فقال: بماذا يا أمير المؤمنين؟ قال غنني:

عجبت لما رأتـنـي

 

أندب الربع المحيلا

واقفاً في الدار أبكي

 

لا أرى إلا الطلولا

كيف تبكي لأنـاسٍ

 

لا يملون الذمـيلا؟

كلما قلت اطمأنـت

 

دارهم قالوا الرحيلا

قال: فلما غناه رمى نفسه في البركة ثم خرج، فردوا عليه ثيابه، ثم شرب وسقى معبداً، ثم أقبل عليه الوليد فقال له: يا معبد، من أراد أن يزداد عند الملوك حظوةً فليكتم أسرارهم. فقلت: ذلك ما لا يحتاج أمير المؤمنين إلى إيصائي به. فقال: يا غلام، احمل إلى معبدٍ عشرة آلاف دينار تحصل له في بلده وألفي دينار لنفقة طريقه، فحملت إليه كلها، وحمل على البريد من وقته إلى المدينة.

خبر معبد مع رجل لم يستحسن غناءه

قال إسحاق: وقال معبد: أرسل إلي الوليد بن يزيد فأشخصت إليه. فبينا أنا يوماً في بعض حمامات الشأم إذ دخل علي رجل له هيبة ومعه غلمانٌ له، فأطلى واشتغل به صاحب الحمام عن سائر الناس. فقلت: والله لئن لم أطلع هذا على بعض ما عندي لأكونن بمزجر الكلب؛ فاستدبرته حيث يراني ويسمع مني، ثم ترنمت، فالتفت إلي وقال للغلمان: قدموا إليه “جميع” ما ها هنا، فصار جميع ما كان بين يديه عندي. قال: ثم سألني أن أسير معه إلى منزله فأجبته، فلم يدع من البر والإكرام شيئاً إلا فعله، ثم وضع النبيذ، فجعلت لا آتي بحسنٍ إلا خرجت إلى ما هو أحسن منه وهو لا يرتاح ولا يحفل لما يرى مني. فلما طال عليه أمري قال: يا غلام، شيخنا شيخنا، فأتي بشيخ، فلما رآه هش إليه، فأخذ الشيخ العود ثم اندفع يغني:

سلور في القدر ويلي علوه

 

جاء القط أكله ويلي علوه

السلور: السمك الجري بلغة أهل الشأم – قال: فجعل صاحب المنزل يصفق ويضرب برجله طرباً وسروراً. قال: ثم غناه:

وترميني حبيبة بالدراقن

 

وتحسبني حبيبة لا أراها

– الدراقن: اسم الخوخ بلغة أهل الشأم – فكاد أن يخرج من جلده طرباً. قال: وانسللت منهم فانصرفت ولم يعلم بي. فما رأيت مثل ذلك اليوم غناءً أضيع، ولا شيخاً أجهل!

معبد وابن عائشة

قال إسحاق: وذكر لي شيخٌ من أهل المدينة عن هارون بن سعد: أن ابن عائشة كان يلقي عليه وعلى ربيحة الشماسية، فدخل معبدٌ فألقى عليهما صوتاً، فاندفع ابن عائشة يغنيه وقد أخذه منه؛ فغضب معبد وقال: أحسنت يابن عاهرة الدار، تفاخرني! فقال: لا والله – جعلني الله فداءك يا أبا عباد – ولكني أقتبس منك، وما أخذته إلا عنك، ثم قال: أنشدك الله يابن شماس، هل قلت لك: قد جاء أبو عباد فاجمع بيني وبينه أقتبس منه. قال: اللهم نعم.
أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه قال: قيل لابن عائشة، وقد غنى صوتاً أحسن فيه فقال: أصبحت أحسن الناس غناءً، فقيل له: وكيف أصبحت أحسن الناس غناءً؟ قال: وما يمنعني من ذلك وقد أخذت من أبي عباد أحد عشر صوتاً، وأبو عباد مغني أهل المدينة والمقدم فيهم! أخبرنا وكيعٌ قال حدثنا حماد بن إسحاق قال حدثني أبي قال حدثني أيوب بن عباية عن رجل من هذيل قال:

قدومه مكة والتقاؤه بالمغنين بها

قال معبد: غنيت فأعجبني غنائي وأعجب الناس وذهب لي به صيت وذكر، فقلت لآتين مكة فلأسمعن من المغنين بها ولأغنينهم ولأتعرفن إليهم، فابتعت حماراً فخرجت عليه إلى مكة. فلما قدمتها بعت حماري وسألت عن المغنين أين يجتمعون؟ فقيل: بقعيقعان في بيت فلان، فجئت إلى منزله بالغلس فقرعت الباب، فقال: من هذا. فقلت: انظر عافاك الله! فدنا وهو يسبح ويستعيد كأنه يخاف، ففتح فقال: من أنت عافاك الله؟ قلت: رجلٌ من أهل المدينة. قال: فما حاجتك؟ قلت: أنا رجلٌ أشتهي الغناء، وأزعم أني أعرف منه شيئاً، وقد بلغني أن القوم يجتمعون عندك، وقد أحببت أن تنزلني في جانب منزلك وتخلطني بهم، فإنه لا مئونة عليك ولا عليهم مني. فلوى شيئاً ثم قال: انزل على بركة الله. قال: فنقلت متاعي فنزلت في جانب حجرته. ثم جاء القوم حين أصبحوا واحداً بعد واحدٍ حتى اجتمعوا، فأنكروني وقالوا: من هذا الرجل؟ قال: رجلٌ من أهل المدينة خفيفٌ يشتهي الغناء ويطرب عليه، ليس عليكم منه عناءٌ ولا مكروه. فرحبوا بي وكلمتهم، ثم انبسطوا وشربوا وغنوا، فجعلت أعجب بغنائهم وأظهر ذلك لهم ويعجبهم مني، حتى أقمنا أياماً، وأخذت من غنائهم وهم لا يدرون أصواتاً وأصوتاً وأصواتاً. ثم قلت لابن سريجٍ: أي فديتك! أمسك علي صوتك:

قل لهندٍ وتـربـهـا

 

قبل شحط النوى غدا

قال: أو تحسن شيئاً؟ قلت: تنظر، وعسى أن أصنع شيئاً، واندفعت فيه فغنيته، فصاح وصاحوا وقالوا: أحسنت قاتلك الله! قلت: فأمسك علي صوت كذا فأمسكوه علي، فغنيته، فازدادوا عجباً وصياحاً.
فما تركت واحداً منهم إلا غنيته من غنائه أصواتاً قد تخيرتها. قال: فصاحوا حتى علت أصواتهم وهرفوا بي وقالوا: لأنت أحسن بأداءٍ غنائنا عنا منا. قال: قلت: فأمسكوا علي “ولا تضحكوا بي حتى تسمعوا من غنائي “، فأمسكوا علي؛ فغنيت صوتاً من غنائي فصاحوا بي، ثم غنيتهم آخر وآخر فوثبوا إلي وقالوا: نحلف بالله إن لك لصيتاً واسماً وذكراً، وإن لك فيما هاهنا لسهماً عظيماً، فمن أنت؟ قلت: أنا معبد. فقبلوا رأسي وقالوا: لفقت علينا وكنا نتهاون بك ولا نعدك شيئاً وأنت أنت. فأقمت عندهم شهراً آخذ منهم ويأخذون مني، ثم انصرفت إلى المدينة.
نسبة هذا الصوت صوت

قل لهندٍ وتـربـهـا

 

قبل شحط النوى غدا

إن تجوي فطالـمـا

 

بت ليلي مسـهـدا

أنت في ود بـينـنـا

 

خير ما عنـدنـا يدا

حين تدلي مضفـراً

 

حالك اللون أسـوادا

الشعر لعمر بن أبي ربيعة، والغناء لابن سريج عن حماد ولم يجنسه. وفيه لمالك خفيف ثقيلٍ أول بالبنصر في مجراها عن إسحاق. وقال الهشامي: فيه لابن محرز خفيف ثقيلٍ بالوسطى.