ذكر مسافر ونسبه

ذكر مسافر ونسبه

نسبه وهو أحد السادات المعروفين بأزواد الركب: مسافر بن أبي عمرو بن أمية، ويكنى أبا أمية. وقد تقدم نسبه وأنساب أهله. وأمه آمنة بنت أبان بن كليب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، وهي أم أبي معيط أبان بن عمرو بن أمية. وأبو معيط ومسافر أخوان لأب وأم، وهما أخوا عمومتهما أبي العاصي وأخويه من بني أمية الذين أمهم آمنة، لأن أبا عمرو تزوجها بعد أبيه. وكان سيداً جواداً، وهو أحد أزواد الركب، وإنما سموا بذلك لأنهم كانوا لا يدعون غريباً ولا مار طريقٍ ولا محتاجاً يجتاز بهم إلا أنزلوه وتكفلوا به حتى يظعن.
مناقضاته عمارة بن الوليد: وهو أحد شعراء قريش، وكان يناقض عمارة بن الوليد الذي أمر النجاشي السواحر فسحرته. فمن ذلك قول عمارة:

خلق البيض الحسان لـنـا

 

وجـياد الـريط والأزر

كابراً كـنـا أحـق بـه

 

حين صيغ الشمس والقمر

وقال مسافر يرد عليه:

أعمار بن الولـيد وقـد

 

يذكر الشاعر من ذكره

هل أخو كأس محققهـا

 

وموق صحبه سكـرة

ومحييهم إذا شـربـوا

 

ومقل فـيهـم هـذره

خلق البيض الحسان لنا

 

وجياد الريط والحبـره

كابراً كنـا أحـق بـه

 

كل حي تابـع آثـره

خطب هندا بنت عتبة ولما تزوجت أبا سفيان مرض واعتل حتى مات: وله شعر ليس بالكثير. والأبيات التي فيها الغناء يقولها في هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، وكان يهواها. فخطبها إلى أبيها بعد فراقها الفاكه بن المغيرة، فلم ترض ثروته وماله. فوفد على النعمان يستعينه على أمره ثم عاد، فكان أول ما لقيه أبو سفيان، فأعلمه بتزويجه من هند. فأخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثني عمر بن محمد بن عبد الملك الزيات قال حدثني ابن أبي سلمة عن هشام، قال ابن عمار وقد حدثناه ابن أبي سعد عن علي بن الصباح عن هشام، قال ابن عمار وحدثنيه علي بن محمد بن سليمان النوفلي عن أبيه دخل حديث بعضهم في بعض: أن مسافر بن أبي عمرو بن أمية كان من فتيان قريش جمالاً وشعراً وسخاء. قالوا: فعشق هنداً بنت عتبة بن ربيعة وعشقته، فاتهم بها وحملت منه. قال بعض الرواة: فقال معروف بن خربوذ: فلما بان حملها أو كاد قالت له: اخرج، فخرج حتى أتى الحيرة، فأتى عمرو بن هند فكان ينادمه. وأقبل أبو سفيان بن حرب إلى الحيرة في بعض ما كان يأتيها، فلقي مسافراً، فسأله عن حال قريش والناس، فأخبره وقال له فيما يقول: وتزوجت هنداً بنت عتبة. فدخله من ذلك ما اعتل معه حتى استسقى بطنه. قال ابن خربوذ: قال مسافر في ذلك:

ألا إن هنداً أصبحت منك محرماً

 

وأصبحت من أدنى حموتها حما

وأصبحت كالمقمور جفن سلاحه

 

يقلب بالكفين قوساً وأسهـمـا

فدعا له عمرو بن هند الأطباء، فقالوا: لا دواء له إلا الكي. فقال له: ما ترى؟ قال: افعل. فدعا له الذي يعالجه فأحمى مكاويه، فلما صارت كالنار قال: ادع أقواماً يمسكونه. فقال لهم مسافر: لست أحتاج إلى ذلك. فجعل يضع المكاوي عليه. فلما رأى صبره ضرط الطبيب، فقال مسافر:

قد يضرط العير والمكواة في النار

لما مات رثاه أبو طالب: فجرت مثلاً فلم يزده إلا ثقلاً. فخرج يريد مكة. فلما انتهى إلى موضع يقال له هبالة مات فدفن بها، ونعي إلى قريش. فقال أبو طالب بن عبد المطلب يرثيه:

ليت شعري مسافر بن أبي عم

 

روٍ وليت يقولها المحـزون

رجع الركب سالمين جميعـاً

 

وخليلي في مرمسٍ مدفـون

بورك الميت الغريب كما بـو

 

رك نضر الريحان والزيتون

بيت صدق على هبالة قد حـا

 

لت فيافٍ من دونه وحـزون

مدرةٌ يدفع الخصوم بـأيدٍ

 

وبوجهٍ يزينه العـرنـين

كم خليلٍ رزئته وابن عـمٍ

 

وحميمٍ قضت عليه المنون

فتعزيت بالتأسي وبالصب

 

ر وإني بصاحبي لضنين

غنى في هذين البيتين يحيى المكي ثاني ثقيلٍ بالوسطى من رواية ابنه والهشامي.
وأنشدنا الحرمي قال أنشدنا الزبير لأبي طالب بن عبد المطلب في مسافر بن أبي عمرو:

ألا إن خير الناس غـير مـدافـعٍ

 

بسرو سحيمٍ غيبتـه الـمـقـابـر

تبكي أباهـا أم وهـبٍ وقـد نـأى

 

وريسان أمسـى دونـه ويحـابـر

على خير حافٍ من معدٍ ونـاعـلٍ

 

إذا الخير يرجى أو إذا الشر حاضر

تنـادوا ولا أبـو أمـية فـيهــم

 

لقد بلغت كظ النفوس الحنـاجـر

قال وقال النوفلي: إن البيتين:

ألا إن هنداً أصبحت منك محرماً

والذي بعده لهشام بن المغيرة، وكانت عنده أسماء بنت مخرمة النهشلية، فولدت له أبا جهل وأخاه الحارث، ثم غضب عليها فجعلها مثل ظهر أمه وكان أول ظهار كان فجعلته قريشٌ طلاقاً. فأرادت أسماء الانصراف إلى أهلها، فقال لها هشام: وأين الموعد؟ قالت: الموسم. فقال لها ابناها: أقيمي معنا فأقامت معهما. فقال المغيرة بن عبد الله وهو أبو زوجها: أما والله لأزوجنك غلاماً ليس بدون هشام، فزوجها أبا ربيعة ولده الآخر، فولدت له عياشاً وعبد الله. فذلك قول هشام:

تحدثنا أسماء أن سوف نلتقي

 

أحاديث طسمٍ ، إنما أنت حالم

وقوله:

ألا أصبحت أسماء حجراً محرماً

 

وأصبحت من أدنى حموتها حما

قال النوفلي في خبره وحدثني أبي: أنه إنما كان مسافر خرج إلى النعمان بن المنذر يتعرض لإصابة مال ينكح به هنداً، فأكرمه النعمان واستظرفه ونادمه وضرب عليه قبةً من أدمٍ حمراء. وكان الملك إذا فعل ذلك برجل عرف قدره منه ومكانه عنده. وقدم أبو سفيان بن حرب في بعض تجاراته، فسأله مسافر عن حال الناس بمكة، فذكر له أنه تزوج هنداً؛ فاضطرب مسافر حتى مات. وقال بعض الناس: إنه استسقى بطنه فكوي فمات بهذا السبب. قال النوفلي: فهو أحد من قتله العشق.

خبر طلاق هند بنت عتبة من الفاكه بن المغيرة: فأما خبر هند وطلاق الفاكه بن المغيرة إياها، فأخبرني به أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثني ابن أبي سعد قال حدثني أبو السكين زكريا بن يحيى بن عمرو بن حصن بن حميد بن حارثة الطائي قال حدثني عمي زحر بن حصن عن جده حميد بن حارثة قال: كانت هند بنت عتبة عند الفاكه بن المغيرة، وكان الفاكه من فتيان قريش، وكان له بيتٌ للضيافة بارزٌ من البيوت يغشاه الناس من غير إذن. فخلا البيت ذات يوم، فاضطجع هو وهند فيه ثم نهض لبعض حاجته. وأقبل رجلٌ ممن كان يغشى البيت فولجه، فلما رآها رجع هارباً، وأبصره الفاكه فأقبل إليها فضربها برجله وقال: من هذا الذي خرج من عندك !؟ قالت: ما رأيت أحداً ولا أنتبهت حتى أنبهتني. فقال لها: ارجعي إلى أمك. وتكلم الناس فيها، وقال لها أبوها: يا بنية إن الناس قد أكثروا فيك، فأنبئيني نبأك، فإن يكن الرجل عليك صادقاً دسست عليه من يقتله فتنقطع عنك المقالة، وإن يك كاذباً حاكمته إلى بعض كهان اليمن. فقالت: لا والله ما هو علي بصادق. فقال له: يا فاكه، إنك قد رميت بنتي بأمرٍ عظيم، فحاكمني إلى بعض كهان اليمن. فخرج الفاكه في جماعة من بني مخزوم وخرج عتبة في جماعة من عبد مناف ومعهم هند ونسوة. فلما شارفوا البلاد وقالوا غداً نرد على الرجل تنكرت حال هند. فقال لها عتبة: إني أرى ما حل بك من تنكر الحال، وما ذاك إلا لمكروهٍ عندك. قالت: لا والله يا أبتاه ما ذاك لمكروه، ولكني أعرف أنكم تأتون بشراً يخطئ ويصيب، ولا آمنه أن يسمني ميسماً يكون علي سبةً. فقال لها: إني سوف أختبره لك، فصفر بفرسه حتى أدلى ، ثم أدخل في إحليله حبة بر وأوكأ عليها بسير. فلما أصبحوا قدموا على الرجل فأكرمهم ونحر لهم. فلما قعدوا قال له عتبة: جئناك في أمرٍ وقد خبأت لك خبئاً أختبرك به فانظر ما هو؟ قال: ثمرةٌ في كمرة . قال: إني أريد أبين من هذا. قال: حبة بر في إحليل مهر. قال: صدقت، أنظر في أمر هؤلاء النسوة. فجعل يدنو من إحداهن فيضرب بيده على كتفها ويقول: انهضي، حتى دنا من هند فقال لها: انهضي غير رسحاء ولا زانية، ولتلدن ملكاً يقال له معاوية. فنهض إليها الفاكه فأخذ بيدها، فنثرت يدها من يده وقالت: إليك عني ! فوالله لأحرص أن يكون ذلك من غيرك، فتزوجها أبو سفيان.
وقد قيل: إن بيتي مسافر بن أبي عمرو أعني:

ألا أن هنداً أصبحت منك محرما

لابن عجلان .
أخبرني محمد بن خلف وكيع قال حدثني عبد الله بن علي بن الحسن عن أبي نصر عن الأصمعي عن عبد الله بن أبي سلمة عن أيوب عن ابن سيرين قال: خرج عبد الله بن العجلان في الجاهلية فقال:

ألا إن هنداً أصبحت منك محرما

 

وأصبحت من أدنى حموتها حما

فأصبحت كالمقمور جفن سلاحه

 

يقلب بالكفين قوساً وأسهـمـا

شعر لمسافر في الفخر: ثم مد بهما صوته فمات. قال ابن سيرين: فما سمعت أن أحداً مات عشقاً غير هذا. ومما يغني فيه من شعر مسافر بن أبي عمرو وهو من جيد شعره قوله يفتخر: صوت

ألم نسق الحجيج ونن

 

حر المذلاقة الرفدا

وزمزم من أرومتنـا

 

ونفقأعين من حسدا

وإن مناقب الخـيرا

 

ت لم نسبق بها عددا

فإن نهلك فلم نملـك

 

وهل من خالدٍ خلدا

غناه ابن سريج رملاً في الخنصر في مجرى البنصر عن إسحاق. وفيه لسائب خاثر لحن من خفيف الثقيل الأول بالوسطى من رواية حماد. وفيه للزف ثقيل بالوسطى.

فأما خبر عمارة بن الوليد والسبب الذي من أجله أمر النجاشي السواحر فسحرته ما كان بين عمرو وعمارة لدى النجاشي: فإن الواقدي ذكره عن عبد الله بن جعفر بن أبي عون قال: كان عمارة بن الوليد المخزومي بعدما مشت قريش بعمارة إلى أبي طالب خرج هو وعمرو بن العاص بن وائل السهمي، وكانا كلاهما تاجرين، إلى النجاشي، وكانت أرض الحبشة لقريش متجراً ووهجاً، وكلاهما مشركٌ شاعرٌ فاتكٌ وهما في جاهليتهما، وكان عمارة معجباً بالنساء صاحب محادثة ؛ فركبا في السفينة ليالي فأصابا من خمر معهما. فلما انتشى عمارة قال لامرأة عمرو بن العاص: قبليني. فقال لها عمرو: قبلي ابن عمك فقبلته. فحذر عمرو على زوجته فرصدها ورصدته، فجعل إذا شرب معه أقل عمروٌ من الشراب وأرق لنفسه بالماء مخافة أن يسكر فيغلبه عمارة على أهله. وجعل عمارة يراودها على نفسها فامتنعت منه. ثم إن عمراً جلس إلى ناحية السفينة يبول، فدفعه عمارة في البحر. فلما وقع فيه سبح حتى أخذ بالقلس فارتفع فظهر على السفينة. فقال له عمارة: أما والله لو علمت يا عمرو أنك تحسن السباحة ما فعلت. فاضطغنها عمرو وعلم أنه أراد قتله. فمضينا على وجههما ذلك حتى قدما أرض الحبشة ونزلاها. وكتب عمرو بن العاص إلى أبيه العاص أن اخلعني وتبرأ من جريرتي إلى بني المغيرة وجميع بني مخزوم. وذلك أنه خشي على أبيه أن يتبع بجريرته وهو يرصد لعمارة ما يرصد. فلما ورد الكتاب على العاص بن وائل مشى في رجال من قومه منهم نبيه ومنبه ابنا الحجاج إلى بني المغيرة وغيرهم من بني مخزوم فقال: إن هذين الرجلين قد خرجا حيث علمتم، وكلاهما فاتكٌ صاحب شر، وهما غير مأمونين على أنفسهما ولا ندري ما يكون. وإني أبرأ إليكما من عمرو ومن جريرته وقد خلعته. فقالت بنو المغيرة وبنو مخزوم: أنت تخاف عمراً على عمارة ! وقد خلعنا نحن عمارة وتبرأنا إليك من جريرته، فخل بين الرجلين. فقال السهميون : قد قبلنا، فابعثوا منادياً بمكة أنا قد خلعناهما. وتبرأ كل قوم من صاحبهم ومما جر عليهم، فبعثوا منادياً ينادي بمكة بذلك. فقال الأسود بن المطلب: بطل والله دم عمارة بن الوليد آخر الدهر !. فلما اطمأنا بأرض الحبشة لم يلبث عمارة أن دب لامرأة النجاشي فأدخلته فاختلف إليها. فجعل إذا رجع من مدخله يخبر عمرو بن العاص بما كان من أمره. فجعل عمرو يقول: ما أصدقك أنك قدرت على هذا الشأن، إن المرأة أرفع من ذلك. فلما أكثر على عمرو مما كان يخبره، وقد كان صدقه ولكن أحب التثبت، وكان عمرو يغيب عنه حتى يأتيه في السحر، وكان في منزل واحد معه، وجعل عمارة يدعوه إلى أن يشرب معه فيأبى عمرو ويقول: إن هذا يشغلك عن مدخلك، وكان عمرو يريد أن يأتيه بشيء لا يستطيع دفعه إن هو رفعه إلى النجاشي. فقال له في بعض ما يذكر له من أمرها: إن كنت صادقاً فقل لها تدهنك من دهن النجاشي الذي لا يدهن به غيره فإني أعرفه، لو أتيتني به لصدقتك. ففعل عمارة ” فجاء ” بقارورة من دهنه، فلما شمه عرفه. فقال له عمرو عند ذلك: أنت صادقٌ ! لقد أصبت شيئاً ما أصاب أحدٌ مثله قط من العرب ونلت من امرأة الملك شيئاً ما سمعنا بمثل هذا وكانوا أهل جاهلية ثم سكت عنه، حتى إذا اطمأن دخل على النجاشي فقال: أيها الملك ! إن ابن عمي سفيهٌ، وقد خشيت أن يعرني عندك أمره، وقد أردت أن أعلمك شأنه ولم أفعل حتى استثبت أنه قد دخل على بعض نسائك فأكثر. وهذا من دهنك قد أعطيه ودهنني منه. فلما شم النجاشي الدهن قال: صدقت، هذا دهني الذي لايكون إلا عند نسائي. ثم دعا بعمارة ودعا بالسواحر، فجردوه من ثيابه فنفخن في إحليله، ثم خلى سبيله فخرج هارباً. فلم يزل بأرض الحبشة حتى كانت خلافة عمر بن الخطاب. فخرج إليه عبد الله بن أبي ربيعة وكان اسمه قبل أن يسلم بحيراً فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله فرصده على ماء بأرض الحبشة، وكان يرده مع الوحش، فورد، فلما وجد ريح الإنس هرب، حتى إذا أجهده العطش ورد فشرب حتى تملأ وخرجوا في طلبه. فقال عبد الله بن أبي ربيعة: فسعيت إليه فالتزمته، فجعل يقول لي: يا بحير أرسلني ! يا بحير أرسلني ! إني أموت إن أمسكتموني. قال عبد الله: وضغطته فمات في يدي مكانه. فواراه ثم انصرف. وكان شعره قد غطى على كل شيء منه.

قال الواقدي عن ابن أبي الزناد: وقال عمرو لعمارة: يا فائد، إن كنت تحب أن أصدقك بهذا أو أقبله منك فأتني بثوبين أصفرين. فلما رأى النجاشي الثوبين قال له عمرو: أتعرف الثوبين؟ قال نعم. وقال الواقدي عن ابن أبي الزناد عن أبيه، قال النجاشي لعمارة: إني أكره أن أقتل قرشياً، ولو قتلت قرشياً لقتلتك، فدعا بالسواحر.

شعر عمرو بن العاص في عمارة: فقال عمرو بن العاص يذكر عمارة وما صنع به قال الواقدي أخبرني ابن أبي الزناد أنه سمع ذلك من ابن ابنه عمرو بن شعيب بن عبد الله بن عمرو يذكر لحده:

تعلم عمار أن من شـر شـيمة

 

لمثلك أن يدعى ابن عمٍ له ابنما

وإن كنت ذا بردين أحوى مرجلا

 

فلست براعٍ لابن عمك محرمـا

إذا المرء لم يترك طعاماً يحبـه

 

ولم ينه قلباً غاوياً حيث يمـمـا

قضى وطراً منه يسيراً وأصبحت

 

إذا ذكرت أمثالها تملأ الفـمـا

فليس الفتى ولو أتمت عـروقـه

 

بذي كرمٍ إلا بـأن يتـكـرمـا

صحبت من الأمر الرفيق طريقه

 

ووليت غي الأمر من قد تلومـا

من الآن فانزع عن مطاعم جمةٍ

 

وعالج أمور المجد لا تتنـدمـا

شعر خولة بنت ثابت في عمارة: قال إسحاق وحدثني الأصمعي: أن خولة بنت ثابت أخت حسان قالت في عمارة لما سحر:

يا ليلتـي لـم أنـم ولـم أكـد

 

أقطعها بالبكـاء والـسـهـد

أبكي على فـتـيةٍ رزئتـهـم

 

كانوا جبالي فأوهنوا عضـدي

كانوا جمالي ونصرتي وبهـم

 

أمنع ضيمي وكل مضطهـد

فبعدهم أرقب الـنـجـوم وأذ

 

ري الدمع والحزن والجٌ كبدي

قال الأصمعي واجتاز ابن سريج بطويس ومعه فتيةٌ من قريش وهو يغنيهم في هذا الصوت، فوقف حتى سمعه، ثم أقبل عليهم فقال: هذا والله سيد من غناه.

هذه الأصوات التي ذكرتها الجامعة للنغم العشر والثماني النغم منها هي المشهورة المعروفة عند الرواة وفي روايات الرواة وعند المغنين.

كان عبيد الله يراسل المعتضد على لسان جواريه: وكان عبيد الله بن عبد الله بن طاهر يراسل المعتضد بالله إذا استزار جواريه على ألسنتهم ومع ذوي الأنس عنده من رسله: مع أحمد بن الطيب وثابت بن قرة الطائي، يذكر النغم وتفصيل مجاريها ومعانيها حتى فهم ذلك. فصنع لحناً فجمع النغم العشر في قول دريد بن الصمة:

يا ليتني فيها جذع

 

أخب فيها وأضع

كان المكتفي يراسله في الغناء: وصنع صنعةً متقنة جيدة، منها ما سمعناه من المحسنين والمحسنات ومنها ما لم نسمعه، يكون مبلغها نحو خمسين صوتاً. وقد ذكرت من ذلك ما صلح في أغاني الخلفاء. ثم صنع مثل ذلك للمكتفي بالله لرغبته في هذه الصناعة. فوجدت رقعةً بخطه كتب بها إلى المكتفي نسختها: قال إسحاق بن إبراهيم حين صاغ عند أبي العباس عبد الله بن طاهر بأمره لحنه في:

يوم تـبـدي لـنـا قـتـيلة عـــن جـــي

 

دٍ تــلـــيعٍ تـــزينـــه الأطـــواق

وشتيتٍ كالأقحوان جلاه الطل فيه عذوبةٌ واتساق

 

 

إني نظرت مع إبراهيم وتصفحت غناء العرب كله، فلم نجد في جميع غناء العرب صوتاً أطول إيقاعاً من:

عادك الهـم لـيلة الإيجـاف

 

من غزال مخضب الأطراف

ولحنه خفيف ثقيلٍ لابن محرز؛ فإن إيقاعة ستة وخمسون دوراً. ثم لحن معبد:

هريرة ودعها وإن لام لائم

 

غداة غدٍ أم أنت للبين واجم

وهو أحد سبعته . ولحنه خفيف ثقيلٍ، ودور إيقاعه ستةٌ وخمسون دوراً، إلا أن صوت ابن محرز سداسيٌ في العروض من الخفيف، وصوت معبد ثمانيٌ من الطويل؛ فصوت ابن محرز أعجب لأنه أقصر. وما زلنا حتى تهيأ لنا شعرٌ رباعيٌ في سيدنا أمير المؤمنين أطال الله بقاءه، دور إيقاعه ستة وخمسون دوراً، وهو يجمع من النغم العشر ثمانياً؛ وهذا ظريف جداً بديع لم يكن مثله. وأما الصوت الذي في تهنئة النوروز فلأنفسنا عملناه؛ إذ لم يكن لنا من يدبر مثل هذا معه غيره. وقد كتبنا شعره وشعر الآخر، وإيقاع كل واحد منهما خفيفٌ ثقيل، والصنعة فيهما تستظرف:

جمع الخلائف كلهم لجمـيع مـا

 

بلغوا وأعطوا في الإمام المكتفي

وله الهـدايا ألـف نـوروزٍ وه

 

ذا الشعر منها لحنه لم يعـرف

والآخر:

دولة المكتفي الخلي

 

فة تفنى مدى الدول

يوم عيدٍ ويوم عـر

 

سٍ فما بعدها أمل

الصنعة في البيت الأول خاصةً تدور على ستة وخمسين إيقاعاً.

هكذا وجدت في الرقعة بخط عبيد الله. وما سمعت أحداً يغني هذين الصوتين. وقد عرضتهما على غير واحد من المتقدمين ومن مغنيات القصور فما عرفهما أحدٌ منهن. وذكرتهما في الكتاب لأن شريطته توجب ذكرهما.

الأرمال الثلاثة المختارة

الأرمال المختارة والكلام عنها: أخبرني يحيى بن علي ومحمد بن خلف وكيع والحسين بن يحيى قالوا حدثنا حماد بن إسحاق قال حدثني أبي، قال أبو أحمد رحمه الله وأخبرني أبي أيضاً عن إسحاق، وأخبرنا علي بن عبد العزيز قال حدثنا عبيد الله بن خرداذبة قال قال إسحاق: أجمع العلماء بالغناء أن أحسن رملٍ غني رمل:

فلم أر كالتجمير منظر ناظرٍ

ثم رمل:

أفاطم مهلاً بعض هذا التدلل

ولو عاش ابن سريج حتى يسمع لحني الرمل:

لعلك إن طالت حياتك أن ترى

لاستحيا أن يصنع بعده شيئاً. وفي روايتي وكيع وعلي بن يحيى ولعلم أني نعم الشاهد له.
نسبة الأصوات وأخبارها: صوت الصوت الأول من هذه الأرمال في شعر ابن أبي ربيعة:

فلم أر كالتجمير منـظـر نـاظـرٍ

 

ولا كليالي الحج أفلتـن ذا هـوى

فكم من قـتـيلٍ مـا يبـاء بـه دمٌ

 

ومن غلقٍ رهناً إذا لـفـه مـنـى

ومن مالئ عينيه من شـيء غـيره

 

إذا راح نحو الجمرة البيض كالدمى

يسحبن أذيال الـمـروط بـأسـؤقٍ

 

خدال وأعجازٍ مـآكـمـهـا روا

عروضه من الطويل. الشعر لعمر بن أبي ربيعة. والغناء لابن سريج رملٌ بالبنصر. وقد كان علويه فيما بلغنا صنع فيه رملاً، وفي أفاطم مهلاً خفيف رملٍ، وفي لعلك إن طالت حياتك رملاً آخر، ولم يصنع شيئاً وسقطت ألحانه فيها فما تكاد تعرف. وهذه الأبيات يقولها عمر بن أبي ربيعة في بنت مروان بن الحكم. ابن أبي ربيعة وأم عمرو بنت مروان

أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثنا ابن كناسة عن أبي بكر بن عياش قال: حجت أم عمرو بنت مروان، فلما قضت نسكها أتت عمر بن أبي ربيعة وقد أخفت نفسها في نساءٍ معها، فحادثته ثم انصرفت، وعادت إليه منصرفها من عرفات وقد أثبتها. فقالت له: لا تذكرني في شعرك، وبعثت إليه بألف دينار. فقبلها واشترى بها ثياباً من ثياب اليمن وطيباً فأهداه إليها فردته. فقال: إذاً والله أنهبه الناس فيكون مشهوراً؛ فقبلته. وقال فيها:

أيها الرائح المجد ابـتـكـارا

 

قد قضى من تهامة الأوطارا

من يكن قلبه الغـداة خـلـياً

 

ففؤادي بالخيف أمسى مطارا

ليت ذا الدهر كان حتماً علينا

 

كل يومين حجة واعتـمـارا

قال ابن كناسة قال ابن عياش: فلما وجهت منصرفةً قال فيها:

فكم من قتيلٍ ما يباء بـه دمٌ

 

ومن غلقٍ رهناً إذا لفه منى

قال: ويروى ومن غلقٍ رهنٍ كأنه قال ومن رهنٍ غلقٍ؛ لا يجعل من نعت الرهن. كأنه جعل الإنسان غلقاً وجعله رهناً؛ كما يقال: كم من عاشقٍ مدنفٍ، ومن كلفٍ صبٍ.
قال الزبير وحدثني مسلم بن عبد الله بن مسلم بن جندب عن أبيه قال: أنشده ابن أبي عتيق فقال: إن في نفس الجمل ما ليس في نفس الجمال.
قال: وقال عبد الله بن عمر، وقد أنشده عمر بن أبي ربيعة شعره هذا: يابن أخي ! أما اتقيت الله حيث تقول:

ليت ذا الدهر كان حتماً علينا

 

كل يومين حجةً واعتمـارا

فقال له عمر بن أبي ربيعة: بأبي أنت وأمي ! إني وضعت ليتاً حيث لا تغنى.

أمر عمر بن عبد العزيز بنفيه ثم خلاه لما تاب: أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه، وأخبرني علي بن عبد العزيز عن عبيد الله بن عبد الله عن إسحاق، وأخبرني ببعض هذا الخبر الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثنا مصعب بن عثمان: أن عمر بن عبد العزيز لما ولي الخلافة لم تكن له همةٌ إلا عمر بن أبي ربيعة والأحوص. فكتب إلى عامله على المدينة: قد عرفت عمر والأحوص بالخبث والشر. فإذا أتاك كتابي هذا فاشددهما واحملهما إلي. فلما أتاه الكتاب حملهما إليه. فأقبل على عمر فقال له هيه!

فلم أر كالتجمير منظر ناظـرٍ

 

ولا كليالي الحج أفلتن ذا هوى

وكم ماليءٍ عينيه من شـيءٍ غـيره

 

إذا راح نحو الجمرة البيض كالدمى

فإذا لم يفلت الناس منك في هذه الأيام فمتى يفلتون! أما والله لو اهتممت بأمر حجك لم تنظر إلى شيء غيرك! ثم أمر بنفيه. فقال يا أمير المؤمنين، أو خير من ذلك؟ قال: وما هو؟ قال: أعاهد الله ألا أعود إلى مثل هذا الشعر ولا أذكر النساء في شعرٍ أبداً وأجدد توبةً على يديك. قال: أو تفعل؟ قال نعم. فعاهد الله على توبةٍ وخلاه. ثم دعا بالأحوص فقال هيه! نفى الأحوص ولم يطلقه إلا يزيد بن عبد الملك:

الله بيني وبين قيمهـا

 

يهرب مني بها وأتبع

با الله بين قيمها وبينك ! ثم أمر بنفيه إلى بيش ، وقيل إلى دهلك وهو الصحيح، فنفي إليها، فلم يزل بها. فرحل إلى عمر عدةٌ من الأنصار فكلموه في أمره وسألوه أن يقدمه وقالوا له: قد عرفت نسبه وقدمه وموضعه وقد أخرج إلى بلاد الشرك، فنطلب إليك أن ترده إلى حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودار قومه. فقال لهم عمر: من الذي يقول:

فما هو إلا أن أراها فجاءةً

 

فأبهت حتى ما أكاد أحير

– وفي رواية الزبير أجيب مكان أخير قالوا: الأحوص . قال: فمن الذي يقول:

أدور ولولا أن أرى أم جعفـرٍ

 

بأبياتكم ما درت حـيث أدور

وما كنت زواراً ولكن ذا الهوى

 

إذا لم يزر لا بد أن سـيزور

قالوا: الأحوص. قال: فمن الذي يقول:

كأن لبنى صبير غـاديةٍ

 

أو دميةٌ زينت بها البيع

الله بيني وبين قيمـهـا

 

يهرب مني بها وأتبـع

قالوا: الأحوص. قال: إن الفاسق عنها يومئذٍ لمشغول، والله لا أرده ما كان لي سلطان. فمكث هناك بعد ولاية عمر صادراً من ولاية يزيد بن عبد الملك ثم خلاه.

قال: وكتب إلى عمر بن عبد العزيز من موضعه قال الزبير: أنشدنيها عبد الملك بن عبد العزيز ابن بنت الماجشون قال أنشدنيها يوسف بن الماجشون يعني هذه الأبيات:

أيا راكباً إما عرضت فـبـلـغـن

 

هديت أمير المؤمنين رسـائلـي

وقل لأبي حفصٍ إذا ما لـقـيتـه

 

لقد كنت نفاعاً قلـيل الـغـوائل

أفي الله أن تدنوا ابن حزم وتقطعوا

 

قوى حرماتٍ بينـنـا ووصـائل

فكيف ترى للعيش طـيبـاً ولـذةً

 

وخالك أمسى موثقاً في الحبـائل

وما طمع الحزمي في الجاه قبلهـا

 

إلى أحدٍ من آل مـروان عـادل

وشى وأطاعـوه بـنـا وأعـانـه

 

على أمرنا من ليس عنا بغـافـل

وكنت أرى أن القـرابة لـم تـدع

 

ولا الحرمات في العصور الأوائل

إلى أحد من آل مروان ذي حجـىً

 

بأمرٍ كرهنـاه مـقـالاً لـقـائل

يسر بما أنـهـى الـعـدو وإنـه

 

كنافلةٍ لي من خيار الـنـوافـل

فهل ينقصني القوم أن كنت مسلماً

 

بريئاً بـلائي فـي لـيالٍ قـلائل

ألا رب مسرورٍ بنا سـيغـيظـه

 

لدي غب أمر عضه بـالأنـامـل

رجا الصلح مني آل حزم بن فرتنى

 

على دينهم جهلاً ولست بفـاعـل

ألا قد يرجون الهـوان فـإنـهـم

 

بنو حبقٍ ناء عن الـخـير فـائل

على حين حل القول بي وتنظـرت

 

عقوبتهم مني رؤوس الـقـبـائل

فمن يك أمسى سائلاً بـشـمـاتةٍ

 

بما حل بي أو شامتاً غـير سـائل

فقد عجمت مني العواجم ما جـداً

 

صبوراً على عضات تلك التلاتـل

إذا نال لم يفرح ولـيس لـنـكـبةٍ

 

إذا حدثت بالخاضع المتـضـائل

قال الزبير: وقال الأحوص أيضاً:

هل أنت أمير المؤمنين فإنني

 

بودك من ود العباد لقـانـع

متمم أجرٍ قد مضى وصنـيعةٍ

 

لكم عندنا أو ما تعد الصنـائع

فكم من عدوٍ سائل ذي كشاحةٍ

 

ومنتظرٍ بالغيب ما أنت صانع

فلم يغن عنه ذلك ولم يخل سبيل عمر، حتى ولي يزيد بن عبد الملك فأقدمه وقد غنته حبابة بصوت في شعره.
أخبرنا إسماعيل بن يونس قال حدثنا عمر بن شبة قال قال هشام بن حسان: كان السبب في رد يزيد بن عبد الملك الأحوص أن جميلة غنته يوماً:

كريم قريشٍ حين ينسب والذي

 

أقرت له بالملك كهلاً وأمردا

فطرب يزيد وقال: ويحك! من كريم قريشٍ هذا؟ قالت: أنت يا أمير المؤمنين، ومن عسى أن يكون ذلك غيرك ! قال: ومن قائل هذا الشعر في؟ قالت: الأحوص وهو منفي. فكتب برده وحمله إليه وأنفذ إليه صلاتٍ سنية. فلما قدم إليه أدناه وقربه وأكرمه. وقال له يوماً في مجلس حافل: والله لو لم تمت إلينا بحقٍ ولا صهرٍ ولا رحمٍ إلا بقولك:

وإني لأستحـييكـم أن يقـودنـي

 

إلى غيركم من سائر الناس مطمع

لكفاك ذلك عندنا. قال: ولم يزل ينادمه وينافس به حتى مات. وأخبار الأحوص في هذا السبب وغيره قد مضت مشروحةً في أول ما مضى من ذكره وأخباره؛ لأن الغرض ها هنا ذكر بقية خبره مع عمر بن أبي ربيعة في الشعرين اللذين أنكرهما عليهما عمر بن عبد العزيز وأشخصا من أجلهما.

سليمان بن عبد الملك ونفيه ابن أبي ربيعة إلى الطائف: أخبرنا محمد بن خلف وكيع قال حدثنا أحمد بن زهير قال: مصعب بن عبد الله قال: حج سليمان بن عبد الملك وهو خليفة، فأرسل إلى عمر بن أبي ربيعة فقال له: ألست القائل:

فكم من قـتـيلٍ مـا يبـاء بـه دمٌ

 

ومن غلقٍ رهناً إذا لـفـه مـنـى

ومن مالئٍ عينيه من شـيء غـيره

 

إذا راح نحو الجمرة البيض كالدمى

يسحبن أذيال الـمـروط بـأسـؤقٍ

 

خدالٍ وأعجاز مـآكـمـهـا روا

أوانس يسلـبـن الـحـلـيم فـؤاده

 

فيا طول ما شوقٍ ويا طول مجتلى

قال نعم. قال لا جرم والله لا تحضر الحج العام مع الناس ! فأخرجه إلى الطائف. ابن أبي عتيق وغناء ابن سريج

أخبرنا الحسين بن يحيى قال قال حماد قرأت على أبي حدثني أبن الكلبي عن أبي مسكين وعن صالح بن حسان قال: قدم ابن أبي عتيق إلى مكة فسمع غناء ابن سريج:

فلم أر كالتجمير منظر ناظٍـر

 

ولا كليالي الحج أفلتن ذا هوى

فقال: ما سمعت كاليوم قط، وما كنت أحسب أن مثل هذا بمكة، وأمر له بمال وحدره معه إلى المدينة، وقال: لأصغرن إلى معبد نفسه ولأهدين إلى المدينة شيئاً لم ير أهلها مثله حسناً وظرفاً وطيب مجلس ودماثة خلق ورقة منظر ومقةً عند كل أحد. فقدم به المدينة وجمع بينه وبين معبد. فقال لابن سريج: ما تقول فيه؟ قال: إن عاش كان مغني بلاده.

أبو السائب وابن سريج

وقال إسحاق وحدثني المدائني عن جرير قال: قال لي أبو السائب يوماً ما معك من مرقصات ابن سريج؟ فغنيته:

فلم أر كالتجمير منظر ناظر

فقال: كما أنت حتى أنحرم لهذا بركعتين.
الوليد بن عبد الملك يأمر والي المدينة أن يشخص إليه ابن سريج: حدثني الحسين قال قال حماد قرأت على أبي وحدثني أبو عبد الله الزبيري قال: كتب الوليد بن عبد الملك إلى عامل مكة أن أشخص إلي ابن سريج. فورد الرسول إلى الوالي، فمر في بعض طريقه على ابن سريج وهو جالس بين قرني بئر وهو يغني:

فلم أر كالتجمير منظر ناظر

فقال له الرسول: تالله ما رأيت كاليوم قط ولا رأيت أحمق ممن يتركك ويبعث إلى غيرك. فقال له ابن سريج: أما والله ما هو بقدمٍ ولا ساق، ولكنه بقسمٍ وأرزاق. ثم مضى الرسول فأوصل الكتاب، وبعث الولي إلى ابن سريج فأحضره. فلما رآه الرسول قال: قد عجبت أن يكون المطلوب غيرك.

عبد الله بن الزبير يعجب لسماع غناء ابن سريج: أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عمي قال رقي عبد الله بن أبا قبيس ليلاً، فسمع غناء فنزل هو وأصحابه يتعجبون وقال: لقد سمعت صوتاً إن كان من الإنس إنه لعجب، وإن كان من الجن لقد أعطوا شيئاً كثيراً. فاتبعوا الصوت فإذا ابن سريج يتغنى في شعر عمر:

فلم أر كالتجمير منظر ناظر

ومن هذه الأرمال الثلاثة:

ثاني الأرمال الثلاثة في شعر امرئ القيس:

صوت

أفاطم مهلاً بعـض هـذا الـتـدلـل

 

وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي

أغرك منـي أن حـبـك قـاتـلـي

 

وإنك مهما تأمري القلـب يفـعـل

الشعر لامرئ القيس. والغناء في هذين البيتين من الرمل المختار لإسحاق بالبنصر. وفي هذين البيتين مع أبيات أخرى من هذه القصيدة ألحانٌ شتى لجماعة نذكرها ها هنا ومن غنى فيها، ثم نتبع ما يحتاج إلى ذكره منها، وقد يجمع سائر ما يغنى فيه من القصيدة معه: شيء من معلقته وشرحه

قفا نبك من ذكرى حبـيبٍ ومـنـزل

 

بسقط اللوى بين الدخول فحـومـل

فتوضخ فالمقراة لمن يعف رسمـهـا

 

لما نسجتها من جـنـوبٍ وشـمـأل

أفاطم مهلاً بعـض هـذا الـتـدلـل

 

وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي

وإن كنت قد ساءتك منـي خـلـيفةٌ

 

فسلي ثيابي من ثـيابـك تـنـسـل

أغرك منـي أن حـبـك قـاتـلـي

 

وإنك مهما تأمري القلـب يفـعـل

وما ذرفت عيناك إلا لـتـضـربـي

 

بسهميك في أعشار قلبٍ مـقـتـل

تسلت عمايات الرجال عن الـصـبـا

 

وليس فؤادي عن هواك بمنـسـلـي

ألا أيها الليل الـطـويل ألا انـجـل

 

بصبح وما الإصباح فيك بـأمـثـل

وبـيض خـدرٍ لا يرام خـبـاؤهـا

 

تمتعت من لهوٍ بها غير مـعـجـل

تجاوزت أحراساً إليهـا ومـعـشـراً

 

علي حراصاً لو يسرون مقـتـلـي

ألا رب يوم صالح لـك مـنـهـمـا

 

ولا سـيمـا يومٌ بـدارة جـلـجـل

ويومٌ عقرت للعـذارى مـطـيتـي

 

فواعجبي من رحلها المـتـحـمـل

وقد أغتدي والطير في وكـنـاتـهـا

 

بمنـجـردٍ قـيد الأوابـد هـيكـل

مكرً مفًر مقـبـلٍ مـدبٍـر مـعـاً

 

كجملود صخر حطه السيل من عـلٍ

فقلت لها سيري وأرخـي زمـامـه

 

ولا تبعدين من جنـاك الـمـعـلـل

عروضه من الطويل. وسقط اللوى منقطعه. واللوى: المستدق من الرمل حيث يستدق فيخرج منه إلى اللوى.
والدخول وحوملٌ وتوضح والمقراة: مواضع ما بين إمرة إلى أسود العين. وقال أبو عبيدة في سقط اللوى وسقط الولد وسقط النار سَقط وسُقط وسٍقط ثلاث لغات. وقال أبو زيد: اللوى: أرض تكون بين الحزن والرمل فصلاً بينهما. وقال الأصمعي: قوله بين الدخول فحومل خطأ ولا يجوز إلا بواو وحومل؛ لأنه لا يجوز أن يقال: رأيت فلاناً بين زيد فعمرو، إنما يقال وعمرو؛ ويقال: رأيت زيداً فعمراً إذا رأى كل واحد منهما بعد صاحبه. وقال غيره: يجوز فحومل كما يقال: مطرنا بين الكوفة فالبصرة، كأنه قال: من الكوفة إلى البصرة، يريد أن المطر لم يتجاوز ما بين هاتين الناحيتين؛ وليس هذا مثل بين زيد فعمرو. ويعف رسمها: يدرس. ونسجتها: ضربتها مقبلة و مدبرة فعفتها. يعني أن الجنوب تعفي هذا الرسم إذا هبت وتجيء الشمأل فتكشفه. وقال غير أبي عبيدة: المقراة ليس اسم موضع إنما هو الحوض الذي يجمع فيه الماء. والرسم: الأثر الذي لا شخص له. ويروي لما نسجته يعني الرسم. ويقال عفا يعفو عفواً وعفاءً؛ قال الشاعر:

على أثار من ذهب العفاء

يعني محو الأثر. وفاطمة التي خاطبها فقال أفاطم مهلاً بنت العبيد بن ثعلبة بن عامر بن عوف بن كنانة بن عوف بن عذرة، وهي التي يقول فيها:

لا وأبيك ابنة العامري

وأزمعت صرمي، يقال أزمعت وأجمعت وعزمت وكله سواء. يقول: إن كنت عزمت على الهجر فأجملي. ويقول الأسير: أجملوا في قتلي، قتلةً أحسن من هذه، أي على رفق وجميل. والصرم: القطيعة والصرم المصدر؛ يقال: صرمته أصرمه صرماً مفتوحٌ إذا قطعته، ومنه سيف صارم أي قاطع، ومنه الصرام ، ومنه الصرائم وهي القطع من الرمل تنقطع من معظمه. قوله: سلي ثيابي من ثيابك كناية، أي اقطعي أمري من أمرك. وقوله تنسل: تبني عنها ويقال للسن إذا بانت فسقطت والنصل إذا سقط: نسل ينسل، وهو النسيل والنسال.
وقال قوم: الثياب: القلب. وقوله: وما ذرفت عيناك أي ما بكيت إلا لتضربي بسهميك في أعشار قلب مقتل. قال الأصمعي: يعني أنك ما بكيت إلا لتخرقي قلباً معشراً، أي مكسرا شبهه بالبرمة إذا كانت قطعا، ويقال: برمة أعشار. قال: ولم أسمع للأعشار واحداً. يقول: لتضربي بسهميك أي بعينيك فتجعلي قلبي مخرقاً فاسداً كما يخرق الجابر أعشار البرمة؛ فالبرمة تنجبر إذا أخرقت وأصلحت، والقلب لا ينجبر. قال: ومثله قوله:

رمتك أبنة البكري عن فرع ضالةٍ

أي نظرت إليك فأفرحت قلبك. وقال غير الأصمعي وهو قول الكوفيين: إنما هذا مثل أعشار الجزور وهي تنقسم على عشر انصباء، فضربت فيها بسهميك المعلي وله سبعة انصباء والرقيب وله ثلاثة انصباء، فأراد أنها ذهبت بقلبه كله. مقتل أي مذلل، يقال بعير مقتل أي مذلل، تسلت: ذهبت. يقال: سلوت عنه وسليت عنه إذا طابت نفسك بتركه. وقال: رؤية:

لو أشرب السلوان ما سليت

والعمايات: الجهالات. عد الجهل عمي. والصبا: اللعب. قال ابن السكيت: صبا يصبو صبواً وصبو وصباءً وصباً. انجل: انكشف. والأمر الجلي المنكشف. وقوله: أنا ابن جلا أي أنا ابن المكشوف الأمر المشهور غير المستور، ومنه جلاء العروس وجلاء السيف. وقوله فيك بأمثل ” يقول: إذا جاءني الصباح وأنا فيك فليس ذلك بأمثل لأن الصبح قد يجيء والليل مظلم بعد. يقول: ليس الصبح بأمثل وهو فيك، أي يريد أن يجيء منكشفاً منجلياً لا سواد فيه ولو أراد أن الصباح فيك أمثل من الليل لقال: منك بأمثل ومثله قول حميد بن ثور في ذكر مجيء الصبح والليل باق:

فلما تجلى الصبح عنها وأبصـرت

 

وفي غبش الليل الشخوص الأباعد

غبش الليل: بقيته. هذا قول يعقوب بن السكيت. وبيضة خدرٍ شبه المرأة بالبيضة لصفائها ورقتها. غير معجل أي لم يعجلني أحد عما أريده منها. والخباء: ما كان على عمودين أو ثلاثة. البيت: ما كان على ستة أعمدة إلى تسعة. والخيمة: من الشعر. وقوله: يسرون مقتلي قال الأصمعي: يسرون، وروى غيره: يشرون بالشين المعجمة أي يظهرونه، وقال الشاعر:

فما برحوا حتى أتى الله نصره

 

وحتى أشرت بالأكف الأصابع

أي أظهرت. وقال غيرهما: لو يسرون من الإسرار أي لويستطيعون قتلي لأسروه من الناس وقتلوني. قال أبو عبيدة: دارة جلجل في الحمى، وقال ابن الكلبي: هي عند عين كندة. ويروى سيماً مخففا وسيما مشدده ويقال: رب رجل ورب رجل وربت رجل. ومن القراء من يقرأ ” ربما يود الذين كفروا ” مخففة. وقرأ عليه رجل ربما فقال له: أظنك يعجبك الرب .
ويروى:

فيا عجبا من رحلها المحتمل

أي يا عجبا لسفه وسبابي يومئذ ويروي:

وقد أغتدي والطير في وكراتها

بالراء. قال أبو عبيدة: والأكنات في الجبال كالتماريد في السهل، والواحدة أكنة وهي الوقنات، والواحدة أقنة، وقد وقن يقن. وقال الأصمعي: إذا أوى الطير إلى وكره قيل وكر يكر ووكن يكن، ويقال: إنه جاءنا والطير وكن ما خرجنا. والمنجرد: القصير الشعرة، وذلك من العتق. والأوابد: الوحش، وتأبدت: توحشت، وتأبد الموضع إذا توحش وقيد الأوابد: يعني الفرس. يقول: هو قيدٌ لها لأنها لا تفوته كأنها مقيدة. والهيكل: العظيم من الخيل ومن الشجر؛ ومنه سمي بيت النصارى الهيكل. وقال أبو عبيدة يقال: قيد الأوابد وقيد الرهن، وهو الذي كأن طريدة في قيد له إذا طلبها، وكأن مسابقه في الرهان مقيد. قال أبو عبيدة: وأول من قيدها: امرئ القيس. والمنجرد: القصير الشعرة الصافي الأديم. والهيكل الذكر، والأنثى هيكلة، والجمع هياكل وهو العظيم العبل الكثيف اللين. وقوله مكر مفر يقول: إذا شئت أن أكر عليه وجدته، وكذلك إذا أردت أن أفر عليه أو أقبل أو أدبر. والجلمود الصخرة. ووصفها بأن السيل حطها من علٍ لأنها إذا كانت في أعلى الجبل كان أصلب لها. من علٍ: من فوق.

 

ويقال من علِ علُ ومن علوا ومن عالِ ومن علوٍ ومن معالٍ. وقوله سيري وأرخي زمامه أي هوني عليك الأمر ولا تبالي اعقر أم سلم. وجناك كل شيء اجتنيتيه من قبلة وما أشبه ذلك من الجنى، وهو من الإنسان مثل الجنى من الشجر أي ما أجتني من ثمره. هو المعلل: الملهي.

غنى في قفا نبك، وأفاطم مهلاً، وأغرك و وما ذرفت عيناك معبد لحناً من الثقيل الأول بالسبابة في مجرى الوسطى. وغنى معبد أيضاً في الأول من هذه الأبيات خفيف رمل بالوسطى وغنى سعيد بن جابر في الأربعة الأبيات رملاً وغنت عريب في:

أغرك مني أن حبك قاتلي

وبعده شعر ليس منه وهو:

فلا تحرجي من سفك مهجة عاشقٍ

 

بلى فاقتلي ثم اقتلي ثم فاقتـلـي

فلا تدعي أن تفعلـي مـا أردتـه

 

بنا، ما أراك الله من ذاك فافعلـي

ولحنها فيها خفيف رمل. وغنى ابن محرز في تسلت عمايات الرجال وبعده ألا أيها الليل الطويل ثاني ثقيل بالوسطى. وغنى فيهما عبد الله بن العباس الربيعي ثاني ثقيل آخر بالسبابة في مجرى البنصر. وغنت جميلة ” تسلت عمايات الرجال وبعده ألا رب يوم لك لحناً من الثقيل الأول عن الهشامي. وغنت عزة الميلاء في تسلت عاميات الرجال وبعده ويوم عقرت للعذارى مطيتي ثقيلاً أول عن الهشامي. وغنت حميدة جارية ابن تفاحة في ” وبيضة خدرٍ وتجاوزت أحراساً لحناً من الثقيل الأول بالوسطى. ولطويس في قفا نبك وبعده فتوضح فالمقراة ثقيل أول أخر. وفي وأفاطم مهلاً و أغرك مني أن حبك قاتلي ليزيد بن الرحال هزج. ولأبي عيسى بن الرشيد في وقد أغتدي و مكر مفر أول ثقيل. ولفليح في قفا نبك وبعده أغرك مني رمل.

وقيل: إن لمعبد في وبيضة خدرٍ لحناً من الثقيل ألاول، وقيل: هو لحن حميدة. ولعريب في هذين البيتين خفيف ثقيل، من رواية أبي العبيس. وغنى سلام بن الغسال وقيل بل عبيدة أخوه في وقد كنت قد ساءتك مني و أغرك مني رملاً بالوسطى. وغنى في فقلت لها سيري وأرخي زمامه سعدويه بالنصر ثاني ثقيل. وغنى في قفا نبك وبعده فتوضح فالمقراة إبراهيم الموصلي فقيل الأول بإطلاق الوتر في مجرى الوسطى عن ابن المكي. وزعم حبش إن لإسحاق فيهما ثقيلاً. وغنى في أغرك مني و وما ذرفت ابن سريج خفيف رمل بالوسطى من رواية ابن المكي، وقيل: بل هو من منحوله. وغنى بديح مولى ابن جعفر فيه ” وما ذرفت عيناك ” بيتاً واحداً ثقيلاً أول مطلقاً في مجرى الوسطى عن ابن المكي. فجميع ما جمع في هذه المواضع مما وجد في شعر ” فقا نبك ” من الأغاني صحيحها والمشكوك فيه منها اثنان وعشرون لحناً: منها في الثقيل الأول تسعة أصوات، وفي الثقيل الثاني ثلاثة أصوات، وفي الرمل أربعة أصوات، وفي خفيف الرمل صوتان، وفي الهزج صوت، وفي خفيف الثقيل ثلاثة أصوات.