ذكر مخارق وأخباره

ذكر مخارق وأخباره

نسبه

هو مخارق بن يحيى بن ناووس الجزار مولى الرشيد بل ناووس لقب أبيه يحيى ويكنى أبا المهنأ كناه الرشيد بذلك.
وكان قبله لعاتكة بنت شهدة وهي من المغنيات المحسنات المتقدمات في الضرب ذكر ذلك مخارقٌ واعترف به. ونشأ بالمدينة وقيل: بل كان منشؤه بالكوفة.

بان طيب صوته فعلمته مولاته الغناء

وكان أبوه جزاراً مملوكاً وكان مخارق وهو صبي ينادي على ما يبيعه أبوه من اللحم فلما بان طيب صوته علمته مولاته من الغناء ثم أرادت بيعه فاشتراه إبراهيم الموصلي منها وأهداه للفضل بن يحيى فأخذه الرشيد منه ثم أعتقه.

اشتراه إبراهيم الموصلي ثم وهبه الفضل ابن يحيى ثم صار إلى الرشيد

أخبرني الحسين بن يحيى قال: قال حماد: حدثني زكريا مولاهم وأخبرني محمد بن يحيى الصولي قال: حدثني عبيد الله بن محمد بن عبد الملك قال: حدثنا حماد بن إسحاق عن زكريا مولاهم قال: قدمت مولاة مخارق به من الكوفة فنزلت المخرم وصار إبراهيم إلى جدي الأصبغ بن سنان المقين وسيرين بن طرخان النخاس فقالا له: إن ها هنا امرأةً من أهل الكوفة قد قدمت ومعها غلام يتغنى فأحب أن تنفعها فيه قال: فوجهني مع مولاته لأحمله فوجدته متمرغاً في رمل الجزيرة التي بإزاء المخرم وهو يلعب فحملته خلفي وأتيت به إبراهيم فتغنى بين يديه فقال لها: كم أمللك فيه قالت: عشرة آلاف درهم قال: قد أخذته بها وهو خيرٌ منها. فقالت: والله ما تطيب نفسي أن أمتنع من عشرين ألف درهم بكبدٍ رطبة فهل لك في خصلة تعطيني به ثلاثين ألف درهم ولا أستقيلك بعدها فقال: قد فعلت وهو خير منها فصفقت على يده وبايعته وأمر بالمال فأحضر وأمر بثلاثة آلاف درهم فزيدت عليه وقال: تكون هذه لهدية تهدينها أو كسوة تكتسينها ولا تثلمين المال.

وراح إلى الفضل بن يحيى فقال له: ما خبر غلامٍ بلغني أنك اشتريت قال: هو ما بلغك قال: فأرنيه فأحضره فلما تغنى بين يدي الفضل قال له: ما أرى فيه الذي رأيت قال: أنت تريد أن يكون في الغناء مثلي في ساعة واحدة ولم يكن مثله في الدنيا ولا يكون أبداً. فقال: بكم تبيعه فقال: اشتريته بثلاثة وثلاثين ألف درهم وهو حر لوجه الله تعالى إن بعته إلا بثلاثة وثلاثين ألف دينار فغضب الفضل وقال: إنما أردت أن تمنعنيه أو تجعله سبباً لأن تأخذ مني ثلاثةً وثلاثين ألف دينار فقال له: أنا أصنع بك خصلة أبيعك نصفه بنصف هذا المال وأكون شريكك في نصفه وأعلمه فإن أعجبك إذا علمته أتممت لي باقي المال. وإلا بعته بعد ذلك وكان الربح بيني وبينك. فقال له الفضل: إنما أردت أن تأخذ مني المال الذي قدمت ذكره فلما لم تقدر على ذلك أردت أن تأخذ نصفه.

وغضب فقال له إبراهيم: فأنا أهبه لك على أنه يساوي ثلاثةً وثلاثين آلف دينار قال: قد قبلته قال: قد وهبته لك وغدا إبراهيم على الرشيد فقال له: يا إبراهيم ما غلامٌ بلغني أنك وهبته للفضل قال: فقلت: غلام يا أمير المؤمنين لم تملك العرب ولا العجم مثله ولا يكون مثله أبداً قال: فوجه إلى الفضل فأمره بإحضاره فوجه به إليه فتغنى بين يديه فقال لي: كم يساوي قال: قلت: يساوي خراج مصر وضياعها.

فقال لي: ويلك أتدري ما تقول! مبلغ هذا المال كذا وكذا فقلت: وما مقدار هذا المال في شيء لم يملك أحدٌ مثله قط! قال: فالتفت إلى مسرور الكبير وقال: قد عرفت يميني ألا أسأل أحداً من البرامكة شيئاً بعد فنفنة فقال مسرور فأنا أمضي إلى الفضل فأستوهبه منه فإذا وهبه لي وكان عبدي فهو عبدك فقال له: شأنك. فمضى مسرور إلى الفضل فقال له: قد عرفتم ما وقعتم فيه من أمر فنفنة وإن منعتموه هذا الغلام قامت القيامة واستوهبه منه فوهبه له فبلغ ما رأيت. فكان علوية إذا غضب على مخارق يقول له – حيث يقول: أنا مولى أمير المؤمنين – متى كنت كذلك إنما أنت عبد الفضل بن يحيى أو مولى مسرور.

سبب تلقيب أبيه بناووس

أخبرني ابن أبي الأزهر قال: حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال: كان مخارق بن ناووس الجزار وإنما لقب بناووس لأنه بايع رجلاً أنه يمضي إلى ناووس الكوفة فيطبخ فيه قدراً بالليل حتى تنضج فطرح رهنه بذلك فدس الرجل الذي راهنه رجلاً فألقى في نفسه في الناووس بين الموتى فلما فرغ من الطبيخ مد الرجل يده من بين الموتى وقال له: أطعمني فغرف ملء المغرفة من المرقة فصبها في يد الرجل فأحرقها وضربها بالمغرفة وقال له:

اصبر حتى نطعم الأحياء أولاً ثم نتفرغ للموتى فلقب بناووس لذلك فنشأ ابنه مخارق وكان ينادي عليه إذا باع الجزور فخرج له صوتٌ عجيب فاشتراه أبي وأهداه للرشيد فأمره بتعليمهغنى لرشيد بعد ابن جامع ففاقه

وكان يقف بين يدي الرشيد مع الغلمان لا يجلس ويغني وهو واقف فغنى ابن جامع ذات يوم بين يدي الرشيد:

كأن نيراننا في جنب قلعتهم مصبغاتٌ على أرسان قصـار

هوت هرقلة لما أن رأت عجباً حوائماً ترتمي بالنفط والنار

فطرب الرشيد واستعاده عدة مرات وهو شعر مدح به الرشيد في فتح هرقلة وأقبل يومئذ على ابن جامع دون غيره فغمز مخارقٌ إبراهيم بعينه وتقدمه إلى الخلاء فلما جاءه قال له: ما لي أراك منكسراً قال: أما ترى إقبال أمير المؤمنين على ابن جامع بسبب هذا الصوت فقال:  قد والله أخذته فقال له: ويحك إنه الرشيد وابن جامع من تعلم ولا يمكن معارضته إلا بما يزيد على غنائه وإلا فهو الموت وقال: دعني وخلاك ذم وعرفه أني أغني به فإن أحسنت فإليك ينسب وإن أسأت فإلي يعود. فقال للرشيد: يا أمير المؤمنين أراك متعجباً من هذا الصوت بغير ما يستحقه وأكثر مما يستوجبه فقال: لقد أحسن ابن جامع ما شاء قال: أو لابن جامع هو قال: نعم كذا ذكر قال له: فإن عبدك مخارقاً يغنيه فنظر إلى مخارق فقال: نعم يا أمير المؤمنين فقال: هاته فغناه وتحفظ فيه فأتى بالعجائب فطرب الرشيد حتى كاد يطير فرحاً وشرب ثم أقبل على ابن جامع فقال له: ويلك ما هذا! فابتدأ يحلف له بالطلاق وكل محرجةٍ أنه لم يسمع ذلك الصوت قط إلا منه ولا صنعه غيره وأنها حيلةٌ جرت عليه فأقبل على إبراهيم وقال: أصدقني بحياتي فصدقه عن قصة مخارق فقال له: أكذلك هو يا مخارق قال: نعم يا مولاي فقال: اجلس إذن مع أصحابك فقد تجاوزت مرتبة من يقوم وأعتقه ووصله بثلاثة آلاف دينار وأقطعه ضيعةً ومنزلاً.

كان سبب عتقه لحناً غناه أمام الرشيد

أخبرني محمد بن خلف وكيع وحدثني محمد بن خلف بن المرزبان قال وكيع: حدثني هارون بن مخارق وقال ابن المرزبان: ذكر هارون بن مخارق قال: كان أبي إذا غنى هذا الصوت:

يا ربع سلمى لقد هيجت لي طرباً زدت الفؤاد على علاته وصبا

ربعٌ تبدل ممن كان يسكنه عفر الظباء وظلماناً بـه عـصـبـا

يبكي ويقول: أنا مولى هذا الصوت فقلت له: وكيف ذاك يا أبت فقال: غنيته مولاي الرشيد فبكى وشرب عليه رطلاً ثم قال: أحسنت يا مخارق فسلني حاجتك فقلت: أن تعتقني يا أمير المؤمنين أعتقك الله من النار فقال: أنت حرٌ لوجه الله فأعد الصوت فأعدته فبكى وقال: سل حاجتك فقلت: يا أمير المؤمنين تأمر لي بمنزل وفرش وخادم قال: ذلك لك أعد الصوت فأعدته فبكى وقال: سل حاجتك فقبلت الأرض بين يديه وقلت: حاجتي أن يطيل الله بقاءك ويديم عزك ويجعلني من كل سوءٍ فداءك فأنا مولى هذا الصوت بعد مولاي.

المأمون يسأل إسحاق عنه وعن ابن المهدي

وذكر محمد بن الحسن الكاتب أن أبان بن سعيد حدثه: أن المأمون سأل إسحاق عن إبراهيم بن المهدي وخارق فقال: يا أمير المؤمنين إذا تغنى إبراهيم بن المهدي بعلمه فضل مخارقاً وإذا تغنى مخارق بطبعه وفضل صوته فضل إبراهيم فقال له: صدقت.
أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال: حدثنا المبرد بهذا الخبر فقال: حدثني بعض حاشية السلطان: أن إبراهيم الموصلي غنى الرشيد يوماً هذا الصوت فأعجب به وطرب له واستعاده مراراً فقال له: فكيف و سمعته من عبدك مخارق فإنه أخذه عني وهو يفضل فيه الخلق جميعاً ويفضلني فدعا بمخارق فأمره أن يغنيه وذكر باقي الخبر مثل الذي تقدم.

كناه الرشيد أبا المهنأ لإحسانه في الغناء

أخبرني الحسن بن علي قال: حدثنا ابن أبي الدنيا عن إسحاق بن محمد النخعي عن الحسين بن الضحاك عن مخارق: أن الرشيد قال يوماً للمغنين وهو مصطبح من منكم يغني: يا ربع سلمى لقد هيجت لي طرباً فقمت فقلت: أنا يا أمير المؤمنين فقال: هاته فغنيته فطرب وشرب ثم قال: علي بهرثمة بن أعين فقلت في نفسي: ما يريد منه فجاءوا بهرثمة فأدخل إليه وهو يجر سيفه فقال له: يا هرثمة مخارق الشاري الذي قتلناه بناحية الموصل ما كانت كنيته فقال: أبو المهنأ فقال: انصرف فانصرف ثم أقبل علي وقال: قد كنيتك أبا المهنأ لإحسانك وأمر لي بمائة ألف درهم فانصرفت بها وبالكنية.

الواثق يعذر غلمانه تركوا قصره لسماعه

أخبرني جعفر بن قدامة قال: حدثني علي بن محمد بن نصر البسامي قال: حدثني خالي أبو عبد الله بن حمدون قال: رحنا إلى الواثق وأمه عليلة فلما صلى المغرب دخل إلى أمه وأمر بألا نبرح وكان في الصحن حصرٌ غير مفروشة. فقال لي مخارق: امض بنا حتى نفرش حصيراً من هذه الحصر فنجلس على بعضه ونتكىء على المدرج منه وكانت ليلةً مقمرةً فمضينا ففرشنا بعض تلك الحصر واستلقينا وتحدثنا وأبطأ الواثق عند أمه فاندفع مخارق فغنى:

أيا بيت ليلى إن ليلى عربيةٌ براذان لا خالٌ لديها ولا ابن عم

فاجتمع علينا الغلمان وخرج الواثق فصاح: يا غلام فلم يجبه أحدٌ ومشى من المجلس إلى أن توسط الدار فلما رأيته بادرت إليه فقال لي: ويلك هل حدث في داري شيء فقلت: لا يا سيدي فقال: فما لي أصيح فلا أجاب! فقلت: مخارق يغني والغلمان قد اجتمعوا عليه فليس فيهم فضلٌ لسماع غير ما يسمعونه منه فقال: عذرٌ والله لهم يابن حمدون وأي عذر! ثم جلس وجلسنا بين يديه إلى السحر.

الموصلي يعرف جودة طبعه فيخصه بالتعليم

وذكر هارون بن محمد بن عبد الملك أن مخارقاً كان ينادي على اللحم الذي يبيعه أبوه فيسمع له صوتٌ عجيب فاشترته عاتكة بنت شهدة وعلمته شيئاً من الغناء ليس بالكثير ثم باعته من آل الزبير فأخذه منهم الرشيد وسلمه إلى إبراهيم الموصلي فأخذ عنه وكان إبراهيم يقدمه ويؤثره ويخصه بالتعليم لما تبينه منه ومن جودة طبعه.

كان عبداً لعاتكة بنت شهدة الحاذقة بالغناء

أخبرني علي بن عبد العزيز الكاتب قال: حدثني ابن خرداذبه قال: كان مخارق بن يحيى بن ناووس الجزار وكان عبداً لعاتكة بنت شهدة وكانت عاتكة أحذق الناس بالغناء وكان ابن جامع يلوذ منها بالترجيع الكثير فتقول له: أين يذهب بك هلم إلى معظم الغناء ودعني من جنونك قال: فحدثني من حضرهما أن عاتكة أفرطت يوماً في الرد على ابن جامع بحضرة الرشيد فقال لها: أي أم العباس أنا – يشهد الله – أحب أن تحتك شعرتي بشعرتك فقالت له: اسكت قطع الله لسانك ولم تعاود بعد ذلك أذيته قال: وكانت شهدة أم عاتكة نائحة. هكذا ذكر ابن خرداذبه وليس الأمر في ذلك كما ذكره.

ابن داود يغني بلحن لشهدة فيفوق المغنين

حدثني محمد بن يحيى الصولي قال: حدثنا الغلابي قال: حدثني علي بن محمد النوفلي عن عبد الله بن العباس الربيعي أنه كان هو وابن جامع وإبراهيم الموصلي وإسماعيل بن علي عند الرشيد ومعهم محمد بن داود بن علي فغنى المغنون جميعاً ثم اندفع محمد بن داود فغناه: صوت

أم الوليد سلمتني حلمي وقتلتني فتحللي إثـمـي

بالله يا أم الوليد أما تخشين في عواقب الظلـم!

وتركتني أبغي الطبيب وما لطبيبنا بالداء من علم

قال: فاستحسنه الرشيد وكل من حضر وطربوا له فسأله الرشيد: عمن أخذته فقال: أخذته عن شهدة جارية الوليد بن يزيد قال عبد الله بن العباس وهي أم عاتكة بنت شهدة.
الأبيات المذكورة التي فيها الغناء لعبيد الله بن قيس الرقيات وتمامها:

لله درك في ابن عمك قد زودته سقماً على سقم

في وجهها ماء الشباب ولم تقبل بمكروهٍ ولا جهم

والغناء فيه لابن محرز لحنان كلاهما له أحدهما ثقيل الأول بالخنصر في مجرى الوسطى عن إسحاق والآخر خفيف ثقيل الأول بالبنصر عن عمرو بن بانة وفيه لمالك ثاني ثقيل عنالواثق يوزان بين جماعة من المغنين ويذكر أثر غناء مخارق

وقال هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات قال أبي: قال الواثق أمير المؤمنين: خطأ مخارق كصواب علوية وخطأ إسحاق كصواب مخارق وما غناني مخارق قط إلا قدرت أنه من قلبي خلق ولا غناني إسحاق إلا ظننت أنه قد زيد في ملكي ملكٌ آخر.
قال: وكان يقول: أتريدون أن تنظروا فضل مخارق على جميع أصحابه: انظروا إلى هؤلاء الغلمان الذين يقفون في السماط. فكانوا يتفقدونهم وهم وقوف فكلهم يسمع الغناء من المغنين جميعاً وهو واقف مكانه ضابط لنفسه فإذا تغنى مخارق خرجوا عن صورهم فتحركت أرجلهم ومناكبهم وبانت أسباب الطرب فيهم وازدحموا على الحبل الذي يقفون من ورائه.

يستوقف الناس بحسن صوته في الأذان

قال هارون: وحدثت أنه خرج مرة إلى باب الكناسة بمدينة السلام والناس يرتحلون للخروج إلى مكة فنظر غليهم واجتماعهم وازدحامهم فقال لأصحابه الذين خرجوا معه: قد جاء في الخبر أن ابن سريج كان يتغنى في أيام الحج والناس بمنى فيستوقفهم بغنائه وسأستوقف لكم هؤلاء الناس وأستلهيهم جميعاً لتعلموا أنه لم يكن ليفضلني إلا بصنعته دون صوته ثم اندفع يؤذن فاستوقف أولئك الخلق واستلهاهم حتى جعلت المحامل يغشى بعضها بعضاً وهو كالأعمى عنها لما خامر قلبه من الطرب لحسن ما يسمع.

أبو العتاهية يعجب بغنائه إعجاباً شديداً

أخبرني أحمد بن جعفر جحظة قال: حدثني ابن أخت الحاركي وأبو سعيد الرامهرمزي وأخبرني علي بن سليمان الأخفش قال: حدثنا محمد بن يزيد الأزدي عن أحمد بن عيسى الجلودي عن محمد بن سعيد الترمذي – وكان إسحاق إذا ذكر محمداً وصفه بحسن الصوت ثم قال: قد أفلتنا منه فلو كان يغني لتقدمنا جميعاً بصوته – قالوا: جاء أبو العتاهية إلى باب مخارق فطرقه واستفتح فإذا مخارق قد خرج إليه فقال له أبو العتاهية: يا حسان هذا الإقليم يا حكيم أرض بابل اصبب في أذني شيئاً يفرح به قلبي وتنعم به نفسي فقال: انزلوا فنزلنا فغنانا قال محمد بن سعيد: فكدت أسعى على وجهي طرباً. قال: وجعل أبو العتاهية يبكي ثم قال له: يا دواء المجانين لقد رققت حتى كدت أحسوك فلو كان الغناء طعاماً لكان غناؤك أدماً ولو كان شراباً لكان ماء الحياة.

أبو العتاهية يشتهي سماعه عند موته

نسخت من كتاب ابن أبي الدنيا حدثني بعض خدم السلطان قال: قال رجل لأبي العتاهية وقد حضرته الوفاة: هل في نفسك شيءٌ تشتهيه قال: أن يحضر مخارق الساعة فيغنيني:

سيعرض عن ذكري وتنسى مودتي ويحدث بعدي للخليل خليل

إذا ما انقضت عني من الدهر مدتي فإن غناء الباكيات قلـيل

سأل أبا العتاهية عن شعره

في تبخيل الناس

أخبرني عمي قال: حدثنا محمد بن علي بن حمزة العلوي قال: حدثنا علي بن الحسين بن الأعرابي قال: لقي مخارقٌ أبا العتاهية فقال له: يا أبا إسحاق أأنت القائل: قال له: نعم. قال: بخلت الناس جميعاً. قال: فاصرف بطرفك يا أبا المهنأ فانظر فإنك لن ترى إلا بخيلاً وإلا فأكذبني بجواد واحد فالتفت مخارقٌ يميناً وشمالاً ثم أقبل عليه فقال: صدقت يا أبا إسحاق فقال له أبو العتاهية: فديتك لو كنت مما يشرب لذررت على الماء وشربت.

غنى بين قبرين فترك الناس أعمالهم والتفوا حوله

أخبرني إسماعيل بن يونس الشيعي قال: حدثنا عمر بن شبة قال: حدثني بعض آل نوبخت قال: كان أبي وعبد الله بن أبي سهل وجماعةٌ من آل نوبخت وغيرهم وقوفاً بكتاسة الدواب في الجانب الغربي من بغداد يتحثون فإنهم لكذلك إذ أقبل مخارق على حمار أسود وعليه قميص رقيق ورداءٌ مسهم قال: فيمن كنتم فأخبروه فقال: دعوني من وسواسكم هذا أي شيء لي عليكم إن رميت بنفسي بين قبرين من هذه القبور وغطيت وجهي وغنيت صوتاً فلم يبق أحدٌ بهذه الكناسة ولا في الطريق من مشترٍ ولا بائعٍ ولا صادر ولا وارد إلا ترك عمله وقرب مني واتبع صوتي فقال له عبد الله: إني لأحب أن أرى هذا فقل ما شئت فقال: فرسك الأشقر الذي طلبته منك فمنعتنيه قال: هو لك إن فعلت ما قلت ثم دخلها ورمى بنفسه بين قبرين وتغطى بردائه ثم اندفع يغني فغنى في شعر أبي العتاهية:

نادت بوشك رحيلك الأيام أفلست تسمع أم بك استصمام!

قال: فرأيت الناس يتقوضون إلى المقبرة أرسالاً من بين راكب وراجل وصاحب شول وصاحب جدي ومار بالطريق حتى لم يبق بالطريق أحد ثم قال لنا من تحت ردائه: هل بقي أحد قلنا: لا وقد وجب الرهن فقام فركب حماره وعاد الناس إلى صنائعهم فقال لعبد الله: أحضر الفرس فقال: على أن تقيم اليوم عندي قال: نعم فانصرفنا معهما وسلم الفرس إليه وبره وأحسن إليه وأحسن رفده.

نسبة هذا الصوت صوت

نادت بوشك رحيلك الأيام أفلست تسمع أم بك استصمام!

ومض أمامك من رأيت وأنت لل باقين حتى يلحقوك إمام

ما لي أراك كأن عينك لاترى عبراً تمر كأنهن سـهـام

تمضي الخطوب وأنت منتبهٌ لها فإذا مضت فكأنها أحلام

الشعر لأبي العتاهية والغناء لإبراهيم ثقيل أول بالوسطى وفيه لمخارق هزج بالوسطى كلاهما عن عمرو وفيه رمل يقال: إنه لعلوية ويقال: إنه لمخارق عن الهشامي.

بكى أبو العتاهية حين سمع لحنه

أخبرني جحظة قال: ذكر ابن المكي المرتجل عن أبيه: أن أبا العتاهية دخل يوماً إلى صديق له وعنده جارية تغني فقال: يا أبا إسحاق إن هذه الجارية تغني صوتاً حسناً في شعر لك أفتنشط إلى سماعه قال: هاتيه فغنته لحناً لعمرو بن بانة في قوله: نادت بوشك رحيلك الأيام فعبس وبسر وقال: لا جزى الله خيراً من صنع هذه الصنعة في شعري قال: فإنها تغني فيه لحناً لمخارق قال: فلتغنه فغنته فأعجبه وطرب حتى بكى ثم قال: جزا الله هذا عني خيراً وقام فانصرف. وقد روى هذا الخبر هارون بن الزيات عن حماد بن إسحاق عن أبيه عن غزوان: أنه كان وعبيد الله بن أبي غسان وأبو العتاهية ومحمد بن عمر الرومي عند ابن مريم ومعهم مغنية نادت بوشك رحيلك الأيام فلم يستحسنه أبو العتاهية ثم غنى فيه لحناً لإبراهيم بن المهدي فأطربه وقال: جزى الله عني هذا خيراً.

أخبرني إسماعيل بن يونس الشيعي قال: حدثنا عمر بن شبة قال: بلغني أن المتوكل دخل إلى جارية من جواريه وهي تغني: صوت

أمن قطر الندى نظم ت ثغرك أم من الـبـرد!

وريقك من سلاف الكر م أم من صفوة الشهد!

أيا من قد جرى مني كمجرى الروح في الجسد

ضميرك شاهدي فيما أقاسيه مـن الـكـمـد

والغناء لمخارق رمل فقال لها: ويحك لمن هذا الغناء فقالت: أخذته من مخارق قال: فألقيه على الجواري جميعاً ففعلت فلما أخذته عنها أمر بإخراجهن إليه ودعا بالنبيذ وأمر بألا يغنيه غيره ثلاثة أيام متوالية وكان ذلك بعد وفاة مخارق.

أدخل أبا المضاء الأسدي بيته وسقاه وغناه وكساه فقال فيه شعراً سألت أبا المضا الأسدي أن ينشدني فقال: أنشدك من شعري شيئاً قلته لرجل لقيته على الجسر ببغداد فأعجبه مني ما يرى من دماثتي وأقبلت أحدثه وهو ينصت لي وأنشده وهو يحسن الإصغاء إلى إنشادي ويحدثني فيحسن الحديث حتى بلغنا منزله فأدخلني فغداني ثم لم يرم حتى كساني وسقاني فرواني ثم أسمعني والله شيئاً ما طار في مسامعي شيءٌ قط أحسن منه فلما خرجت سألت عنه فقال لي غلمانه: هذا أبو المهنأ مخارق فقلت فيه:

أعاد الله يوم أبي المهنأ علينـا إنـه يوم نـضـير

تغيب نحسه عنا وأرخى علينا وابلٌ جودٌ مـطـير

فلما أن رأيت القطر فوقي وأقداحاً يحث بها المدير

وأسعدنا بصوتٍ لو وعاه ولي العهد خف به السرير

تذكرت الحبيب وأهل نجدٍ وروضاً نبته غض نضير قال: فقلت له: ولم ذكرت نجداً مع ما كنت فيه وكان ينبغي لك أن تنساه قال: كلا إن المرء إذا كان فيما يحب تذكر أهله قلت: فما غناك قال: غناني:

وما روضةٌ جاد الربيع بهطله عليها فرواها ورقت غصونـهـا

وهبت عليه الريح حتى تبسمت وحتى بدت فوق الغصون عيونها

وقد أنطقته والشمال جريةٌ على عقد ما تلقي عليها يمـينـهـا

قال: فلم يزل يردده علي حتى قضيت وطري من لذتي وحفظته عنه.

غنى لإبراهيم الموصلي فنشج أحر نشيج

أخبرني جحظة قال: حدثني حماد بن إسحاق عن أبيه قال: دخلت على جدك إبراهيم وهو جالسٌ بين بابين له ومخارقٌ بين يديه يغنيه:

يا ربع بشرة إن أضربك البلى فلقد رأيتك آهلاً معمورا

قال: واللحن الذي كان يغنيه لمالك وفيه عدة ألحان مشتركة فرأيت دموع أبي تجري على خديه من أربعة أماكن وهو ينشج أحر نشيج فلما رآني قال: ياإسحاق هذا والله صاحب اللواء غداً إن مات أبوك.

رأى رؤيا فسرها إبراهيم الموصلي بأن إبليس قد عقد له لواء صنعة الغناء

أخبرني الحسن بن علي الخفاف قال: حدثني محمد بن القاسم بن مهرويه قال: حدثني هارون بن مخارق عن أبيه قال: رأيت وأنا حدثٌ كأن شيخاً جالساً على سرير في روضة حسنة قد دعاني فقال لي: غنني يا مخارق فقلت: أصوتاً تقترحه أم ما حضر فقال: ما حضر فغنيته بصنعتي في: صوت

دعي القلب لا يزدد خبالاً مع الذي به منك أو داوي جواه المكتما

وليس بتزويق اللسان وصوغه ولكنه قد خالط اللحـم والـدمـا

ولحن مخارق فيه ثقيلٌ أول وفيه لابن سريج رمل.

قال: فقال لي: أحسنت يا مخارق ثم أخذ وتراً من أوتار العود فلفه على المضراب ودفعه إلي فجعل المضراب يطول ويغلظ والوتر ينتشر ويعرض حتى صار المضراب كالرمح والوتر كالعذبة عليه وصار في يدي علماً ثم انتبهت فحدثت برؤياي إبراهيم الموصلي فقال لي: الشيخ بلا شك إبليس وقد عقد لك لواء صنعتك فأنت ما حييت رئيس أهلها.

قال مؤلف هذا الكتاب: وأظن أن الشاعر الذي مدح مخارقاً إنما عنى هذه الرؤيا بقوله:

لقد عقد الشيخ غر آدماً وأخرجـه مـن جـنةٍ وحـدائق

لواءي فنونٍ للقريض وللغنا وأقسم لا يعطيهما غير حاذق

وذكر محمد بن الحسن الكاتب أن هارون بن مخارق حدثه فقال: كان الواثق شديد الشغف بأبي وكان قد اقتطعه عنا وأمر له بحجرة في قصره وجعل له يوماً في الأسبوع لنوبته في منزله وكان جواريه يختلفن لذلك اليوم قال: فانصرف إلينا مرة في نوبته فصلى الغداة مع الفجر على أسرة في صحن الدار في يوم صائفٍ وجلس يسبح فما راعنا إلا خدمٌ بيضٌ قد دخلوا فسلموا عليه وقالوا: إن أمير المؤمنين قد دعا بنا في هذه الساعة فأعدنا عليه الصوت الذي طرحته علينا فلم يرضه من أحدٍ منا وأمرنا بالمصير إليك لنصححه عليك قال: فأمر غلمانه فطرحوا لهم عدة كراسي فجلسوا عليها ثم قال لهم: ردوا الصوت فردوه فلم يرضه من أحدٍ منهم فدعا بجاريته عميم فردته عليهم فلم يرضه منها قال: فتحول إليهم ثم اندفع فرد الصوت على الخدم فخرج الوصائف من حجر جواريه حتى وقفن حوالي الأسرة ودخل غلامٌ من غلمانه وكان يستقي الماء فهجم على الصحن بدلوه وجاءت جارية على كتفها جرة من جرار المزملات حتى وقفت بالقرب منه قال: وسبقتني عيناي فما كففت دموعها حتى فاضت.

ثم قطع الصوت حين استوفاه فرجع الوصائف الأصاغر سعياً إلى حجر الجواري وخرج الغلام السقاء يشتد إلى بغلة ورجعت الجارية الحاملة الجرة المزملة شداً إلى الموضع الذي خرجت منه فتبسم أبي وقال: ما شأنك يا هارون فقلت: يا أبت جعلني الله فداءك ما ملكت عيني قال: وأبوك أيضاً لم يملك عينه.

نام في بيت ابن المهدي وهو يغني ثم انتبه وأكمل الغناء

وذكر هارون بن الزيات عن أصحابه قال: جمع إبراهيم بن المهدي المغنين ذات يوم في منزله فأقاموا فلما دخلوا في الليل ثمل مخارق وسكر سكراً شديداً فسألوه أن يغني صوتاً فغنى هذا البيت من شعر عمر بن أبي ربيعة المخزومي:

قال: ساروا وأمعنوا واستقلوا وبرغمي لو استطعت سبيلا

فانتهى منه إلى قوله: واستقلوا. وانثنى نائماً فقال إبراهيم بن المهدي: مهدوه ولا تزعجوه فمهدوه ونام حتى مضى أكثر الليل ثم استقل من نومه فانتبه وهو يغني تمام البيت: وبرغمي لو استطعت سبيلا وهو تمام البيت من حيث قطعه وسكت عليه من صوته.

قال: فجعل إبراهيم يتعجب منه ويعجب منه من حضره من جودة طبعه وذكائه وصحة محمد بن الحسن بن مصعب يسأل إسحاق عنه وعن إبراهيم بن المهدي: أيهما أحذق غناء حدثنا يحيى بن علي بن يحيى المنجم قال: حدثنا حماد بن إسحاق قال: قال محمد بن الحسن بن مصعب: قلت لإسحاق يوماً: أسألك بالله إلا صدقتني في مخارق وإبراهيم بن المهدي أيهما أحذق وأحسن غناء فقال لي إسحاق: أجادٌ أنت والله ما تقاربا قط والدليل على فضل مخارق عليه أن إبراهيم لا يؤدي صوتاً قديماً ثقيلاً جيداً أبداً ولا يستوفيه وإنما يغني الأهزاج والغناء الخفيف وأما الذي فيه عمل شديد فلا يصيبه.

طلب منه سعيد بن سم الغناء في شعر ضعيف

أخبرني يحيى قال: حدثنا أبو أيوب المديني قال: حدثني بعض ولد سعيد بن سلم قال: دخل مخارقٌ على سعيد بن سلم فسأله حاجة فلما خرج قيل له: أما تعرف هذا هذا مخارق فقال ويحكم! دخل ولم نعرفه وخرج ولم نعرفه فردوه فقال له: دخلت علينا ولم نعرفك فلما عرفناك أحببنا إلا تخرج حتى نسمعك فقال له: أي شيء تشتهي أن أسمعك فقال:

يا ريح ما تصنعين بالدمن كم لك من محو منظرٍ حسن!

فغناه مخارق فلما خرج قال لبعض بنيه: أبوكم هذا نكس يتشهى على مثلي: يا ريح ما تصنعين بالدمن أخبرنا يحيى بن علي قال: حدثنا حماد بن إسحاق قال: حدثني عمي محمد قال: سمعت أبي يقول وقد غنى مخارق: نعم الفسيلة غرس إبليس في الأرض.

جاريته تغني صوتاً له بحضرته فتحسن

أخبرني عمي قال: حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال: حدثني محمد بن محمد قال: سمع محمد بن سعيد القارىء مهدية جارية يعقوب بن الساحر تغني صوتاً لمخارق بحضرته وقد كانت أخذته عنه وهو:

ما لقلبي يزداد في اللهو غياً والليالي قد أنضجتني كـيا

سهلت بعدك الحوادث حتى لست أخشى ولا أحاذر شيئا

فأحسنت فيه ما شاءت وانصرف محمد بن سعيد وقرأ على لحنه: ” يا يحيى خذ الكتاب بقوة “.

قصة رجل حلف بالطلاق أن يسمعه ثلاث مرات حدثني عمي قال: حدثنا عبد الله قال: حدثني محمد قال: كنت عند مخارق أنا وهارون بن أحمد بن هشام فلعب مع هارون بالنرد فقمره مخارق مائتي رطل باقلاً طرياً فقال مخارق: وأنتم عندي أطعمكم من لحم جزور من الصناعة يعني من صناعة أبيه يحيى بن ناووس الجزار. قال: ومر بهارون بن أحمد فصيلٌ ينادى عليه فاشتراه بأربعة دنانير ووجه به إلى مخارق وقال: يكون ما تطعمنا من هذا الفصيل فاجتمعنا وطبخ مخارق بيده جزوريةً وعمل من سنامه وكبده ولحمه غضائر شويت في التنور وعمل من لحمه لوناً يشبه الهريسة بشعير مقشر في نهاية الطيب فأكلنا وجلسنا نشرب فإذا نحن بامرأة تصيح من الشط: يا أبا المهنأ الله الله في حلف زوجي علي بالطلاق أن يسمع غناءك ويشرب عليه فقال: اذهبي وجيئي به فجاء فجلس فقال له: ما حملك على ما صنعت فقال له: يا سيدي كنت سمعت صوتاً من صنعتك فطربت عليه حتى استخفني الطرب فحلفت أن أسمعه منك ثقة بإيجابك حق زوجتي صوت

بكرت علي فهيجت وجدا هوج الرياح وأذكرت نجدا

أتحن من شوق إذا ذكرت نجدٌ وأنت تركتها عـمـدا

الشعر لحسين بن مطير والغناء لمخارق ثقيل أول وفيه لإسحاق ثقيل أول آخر فغناه إياه رطلاً وأمره بالانصراف ونهاه أن يعاود وخرج. فما لبثنا أن عادت المرأة تصرخ: الله الله في يا أبا المهنأ قد أعاد زوجي المشؤون اليمين أنك تغنيه صوتاً آخر فقال لها: أحضريه فأحضرته أيضاً فقال له: ويلك ما لي ولك! أي شيء قصتك! فقال له: يا سيدي أنا رجل طروب وكنت قد سمعت صوتاً لك آخر فاستفزني الطرب إلى أن حلفت بالطلاق ثلاثاً أني أسمعه منك قال: وما هو قال لحنك:

أبلغ سلامة أن البين قد أفدا وأن صحبك عنها رائحون غـدا

هذا الفراق يقينا إن صبرت له أو لا فإنك منها ميتٌ كـمـدا

لا شك أن الذي بي سوف يهلكني إن كان أهلك حب قبله أحدا

فغناه إياه مخارق وسقاه رطلاً وقال له: احذر ويلك أن تعاود فانصرف. ولم تلبث أن عاودت الصياح تصرخ: يا سيدي قد عاود اليمين ثلاثة الله الله في وفي أولادي قال: هاتيه فأحضرته فقال لها: انصرفي أنت فإن هذا كلما انصرف حلف وعاد فدعيه يقيم يومه كله فتركته وانصرفت فقال له مخارق: ما قصتك أيضاً قال: قد عرفتك يا سيدي أنني رجل طروبٌ وكنت سمعت صوتاً من صنعتك فاستخفني الطرب له فحلفت أني أسمعه منك قال: وما هو قال:

ألف الظبي بعادي ونفى الهـم رقـادي

وعدا الهجر على الوص ل بأسيافٍ حداد

قل لمن زيف ودي: لست أهلاً لـوادي

قال: فغناه إياه وسقاه رطلاً ثم قال: يا غلام مقارع فجيء بها فأمر به فبطح وأمر بضربه فضرب خمسين مقرعة وهو يستغيث فلا يكلمه ثم قال له: احلف بالطلاق أنك لا تذكرني أبداً وإلا كان هذا دأبك إلى الليل فحلف بالطلاق ثلاثاً على ما أمره به ثم أقيم فأخرج عن الدار فجعلنا نضحك بقية يومنا من حمقه.

أشرف من بيته على القبوروغنى باكياً أخبرني عمي قال: حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال: حدثنا أحمد بن محمد قال: حدثني إسحاق بن عمر بن بزيع قال: أتيت مخارقاً ذات يوم ومعي زرزورٌ الكبير لنقيم عنده فوجدته قد أخرج رأسه من جناح له وهو مشرف على المقابر يغني هذا البيت ويبكي: أين الملوك التي كانت مسلطة قال: فاستحسنا ما سمعناه منه استحسان من لم يسمع قط غناءً غيره فقال لنا: انصرفوا فليس في فضلٌ اليوم بعد ما رأيتم. قال محمد: وكان والله مخارق ممن لو تنفس لأطرب من يسمعه استماع نفسه.

سمعت الظباء غناءه فوقفت بالقرب منه مصغية

وذكر محمد بن الحسن الكاتب أن محمد بن أحمد بن يحيى المكي حدثه عن أبيه قال: خرج مخارق مع بعض إخوانه إلى بعض المتنزهات فنظر إلى قوس مذهبة مع أحد من خرج معه فسأله إياها فكأن المسؤول ضن بها. قال: وسنحت ظباء بالقرب منه فقال لصاحب القوس: أرأيت إن تغنيت صوتاً فعطفت عليك به خدود هذه الظباء أتدفع إلي هذه القوس قال: نعم فاندفع يغني.

ماذا تقول الظباء أفرقةٌ أم لقـاء!

أم عهدها بسليمى وفي البيان شفاء!

مرت بنا سانحاتٍ وقد دنا الإمسـاء

فما أحارت جواباً وطال فيها العناء

في هذه الأبيات ليحيى المكي ثقيل أول بالوسطى.
قال: فعطفت الظباء راجعةً إليه حتى وقفت بالقرب منه مستشرقةً تنظر إليه مصغية تسمع صوته فعجب من حضر من رجوعها ووقوفها وناوله الرجل القوس فأخذها وقطع الغناء فعاودت الظباء نفارها ومضت راجعةً على سننها.

غنى وسط دجلة فتسابق الناس لسماعه

قال ابن المكي: وحدثني رجلٌ من أهل البصرة كان يألف مخارقاً ويصحبه قال: كنت معه مرة في طيار ليلاً وهو سكران فلما توسط دجلة اندفع بأعلى صوته فغنى فما بقي أحدٌ في الطيار من ملاح ولا غلام ولا خادم إلا بكى من رقة صوته ورأيت الشمع والسرج من جانبي دجلة في صحون القصور والدور يتساعون بين يدي أهلها يستمعون غناءه.
حدثني الصولي قال: حدثني محمد بن عبد الله التميمي الحزنبل قال: كنا في مجلس ابن الأعرابي إذ أقبل رجلٌ من ولد سعيد بن سلم كان يلزم ابن الأعرابي وان يحبه ويأنس به فقال له: ما أخرك عني فاعتذر بأشياء منها أنه قال: كنت مع مخارق عند بعض بني الرشيد فوهب له مائة ألف درهم على صوت غناه إياه فاستكثر ابن الأعرابي ذلك واستهوله وعجب منه وقال له: بأي شيء غناه قال: غناه بشعر العباس بن الأحنف: صوت

بكت عيني لأنواع من الحزن وأوجـاع

وإني كل يوم عن دكم يحظى بي الساعي

فقال ابن الأعرابي: أما الغناء فما أدري ما هو ولكن هذا والله كلام قريب مليح.

لحن مخارق في هذين البيتين ثقيل أول من جامع صنعته وفيهما لإبراهيم الموصلي ثاني ثقيل بالوسطى عن عمرو بن بانة. وذكر حبش أن فيهما لإبراهيم بن المهدي لحناً ماخورياً.

نصح ابن المهدي شارية بألا تتشبه به في تزايده وإلا هلكت

غنت شارية يوماً بحضرة أبي صوتاً فأحد النظر إليها وصبر حتى قطعت نفسها ثم قال لها: أمسكي فأمسكت فقال لها: قد عرفت إلى أي شيء ذهبت أردت أن تتشبهي بمخارق في تزايده قالت: نعم يا سيدي.
قال: إياك ثم إياك أن تعودي فإن مخارقاً خلقه الله وحده في طبعه وصوته ونفسه يتصرف في ذلك أجمع كيف أحب ولا يلحقه في ذلك أحد وقد أراد غيرك أن يتشبه به في هذه الحال فهلك وافتضح ولم يلحقه فلا أسمعنك تتعرضين لمثل هذا بعد وقتك هذا

غلمان المعتصم يتركونه لسماع مخارق

أخبرني عمي قال: حدثني علي بن محمد بن نصر البسامي قال: حدثني خالي أبو عبد الله عن أبيه قال: كنا بين يدي المعتصم ذات ليلة نشرب إلى أن سكرنا جميعاً فقام فنام وتوسدنا بأيدينا ونمنا في مواضعنا ثم انتبه فصاح فلم يجبه أحد وسمعنا صياحه فتبادرنا نسأل عن الغلمان فإذا مخارق قد انتبه قبلنا فخرج إلى الشط يتنسم الهواء واندفع يغني فتلاحق به الغلمان جميعاً فجئت إلى المعتصم فأخبرته وقلت: مخارق على الشط يغني والغلمان قد اجتمعوا عليه فليس فيهم فضلٌ لشيء غير استماعه فقال لي: يابن حمدون عذرٌ والله وأي عذر! ثم جلس وجلسنا بين يديه إلى السحر.

المأمون يسأل إسحاق عن غناء مخارق وإبراهيم بن المهدي

وذكر محمد بن الحسن الكاتب أن أبان بن سعيد حدثه: أن المأمون سأل إسحاق بن إبراهيم المهدي ومخارق فقال: يا أمير المؤمنين إذا تغنى إبراهيم بعلمه فضل مخارقاً وإذا تغنى مخارقٌ بطبعه وفضل صوته فضل إبراهيم فقال له: صدقت.
غنى الأمين فخلع عليه جبة ثم ندم

حين رآها عليه

نسخت من كتاب هارون بن الزيات: حدثني هارون بن مخارق عن أبيه قال: دعاني محمدٌ الأمين يوماً وقد اصطبح فاقترح علي:

استقبلت ورق الريحان تقطفه وعنبر الهند والوردية الجددا

ألست تعرفني في الحي جاريةً ولم أخنك ولم ترفع إلي يدا

فغنيته إياه فطرب طرباً شديداً وشرب عليه ثلاثة أرطال ولاءً وأمر لي بألف دينار وخلع علي جبة وشي كانت عليه مذهبة ودراعةً مثلها وعمامة مثلها تكاد تعشي البصر من كثرة الذهب فلما لبست ذلك ورآه علي ندم وكن كثيراً ما يفعل ذلك فقال لبعض الخدم: قل للطباخ يأتينا بمصلية معقودة الساعة فأتى بها فقال لي: كل معي وكنت أعرف الناس بمذهبه وبكراهته لذلك فامتنعت. فحلف أن آكل معه فحين أدخلت يدي في الغضارة رفع يده ثم قال: أف نغصتها علي والله وقذرتها عندي بإدخالك يدك فيها ثم رفس القصعة رفسةً فإذا هي في حجري وودكها يسيل على الخلعة حتى نفذ إلى جلدي فقمت مبادراً فنزعتها وبعثت بها إلى منزلي وغيرت ثيابي وعدت وأنا مغمومٌ منها وهو يضحك فلما رجعت إلى منزلي جمعت كل صانع حاذق فجهدوا في إخراج ذلك الأثر منها فلم يخرج ولم أنتفع بها حتى أحرقتها فأخذت ذهبها وضرب الدهر بعد ذلك ضرباته.

يؤاكل المأمون ويغنيه فيعبس في وجهه ثم يدعوه ثانية ويكافئه ثم دعاني المأمون يوماً فدخلت إليه وهو جالس وبين يديه مائدةٌ عليها رغيفان ودجاجتان فقال لي: تعال فكل فامتنعت فقال لي: تعال ويلك فساعدني. فجلست فأكلت معه حتى أقول  

التماس العذر لما ظلمتني وحملتني ذنباً وما كنت مذنبا

فقلت: نعم يا سيدي قال: غنه فغنيته فعبس في وجهي ثم قال: قبحك الله أهكذا يغنى هذا! ثم أقبل على علوية فقال: أتغنيه قال: نعم يا سيدي قال: غنه فغناه فوالله ما قاربني فيه فقال: أحسنت والله وشرب رطلاًَ وأمر له بعشرة آلاف درهم واستعاده ثلاثاً وشرب عليه ثلاثة أرطال يعطيه مع كل عشرة آلاف درهم ثم خذف بإصبعه وقال: برقٌ يمانٍ وكان إذا أراد قطع الشراب فعل ذلك وقمنا فعلمت من أين أتيت.

فلما كان بعد أيام دعاني فدخلت إليه وهو جالس في ذلك الموضع بعينه يأكل هناك فقال لي: تعال ويلك فساعدني فقلت: الطلاق لي لازم إن فعلت فضحك ثم قال: ويلك أتراني بخيلاً على الطعام! لا والله ولكنني أردت أن أؤدبك إن السادة لا ينبغي لعبيدها أن تؤاكلها أفهمت فقلت: نعم قال: فتعال الآن فكل على الأمان فقلت: أكون إذاً أول من أضاع تأديبك إياه واستحق العقوبة من قريب فضحك حتى استغرب ثم أمر لي بألف دينار ومضيت إلى حجرتي المرسومة لي للخدمة وأتيت هناك بطعام فأكلت ووضع النبيذ ودعاني وبعلوية فلما جلسنا قال له: يا علي أتغني:

ألم تقولي: نعم قالت: أرى وهماً مني وهل يؤخذ الإنسان بالوهم!

فقال: نعم يا سيدي فقال: هاته فغناه فعبس في وجهه وبسر وقال: قبحك الله أتغني هذا هكذا! ثم أقبل علي فقال: أتغنيه يا مخارق فقلت: نعم يا سيدي وعلمت أنه أراد أن يستقيد لي من علوية ويرفع مني وإلا فما أتى علوية بما يعاب فيه فغنيته فطرب وشرب رطلاً وأمر لي بعشرة آلاف درهم وفعل ذلك ثلاث مرات كما فعل به.
ثم أمر بالانصراف فانصرفنا وما عاودت بعد ذلك مؤاكلة خليفة إلى وقتنا هذا.
نسبة ما في هذا الخبر من الغناء صوت

استقبلت ورق الريحان تقطفه وعنبر الهند والوردية الجددا

ألست تعرفني في الحي جاريةً ولم أخنك ولم تمدد إلي يدا

الشعر – فيما يقال – لعمر بن أبي ربيعة والغناء للغريض خفيف رمل بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق وأصله يماني وفيه لابن جامع هزج.
صوت

أقول التماس العذر لما ظلمتني وحملتني ذنباً وما كنت مذنبا

هبيني أمراً إما بريئاً ظلمته وإما مسيئاً قد أناب وأعـتـبـا

صوت

ألم تقولي: نعم قالت: أرى وهماً مني وهل يؤخذ الإنسان بالوهم!

قولي: نعم إن ” لا ” إن قلتقاتلتيماذا تريدين من قتلي بـغـير دم!

الغناء لسياط خفيف رمل بالبنصر عن عمرو ولم يقع إلي لمن الشعر.
يتنافس هو وعلوية في غناء صوت فيسبق علوية قال هارون: وحدثني أبو معاوية الباهلي قال: حضرت علوية ومخارقاً مجتمعين في مجلس فغنى علوية صوتاً فأحسن فيه وأجاده فأعاده مخارق وبرز عليه وزاد فرده عليوة وتعمل فيه واجتهد فزاد على مخارق فجثا مخارق على ركبتيه وغناه وصاح فيه حتى اهتز منكباه فما ظننا إلا أن الأرض قد زلزلت بنا وغلب والله ما سمعنا على عقولنا ونظرت إلى لون علوية وقد امتقع وطار دمه فلما فرغ مخارق توقعنا أن يغني علوية فما فعل ولا غنى بقية يومه. قال: وكان مخارق إذا صاح قطع أصحاب النايات.

سأله الأمين أن يغنيه أصواتاً فلم يحسن فأرسله إلى إسحاق ليعلمه أخبرني وسواسة بن الموصلي وهو أحمد بن إسماعيل بن إبراهيم قال: حدثنا حماد بن قال لي مخارق: دعاني يوماً محمد المخلوع فدخلت عليه وعنده إبراهيم بن المهدي فقال: غنني يا مخارق فغنيته أصواتاً عديدة فلم يطرب لها وقال: هذا كله معاد فغنني: قد أزمعت للبين هندٌ زيالها فقلت: لا والله ما أحسنه فقال: غنني: لا والذي نحرت له البدن فقلت: لا والله ما أحسنه فقال: غنني: يا دار سعدى سقى أطلالك الديما فقلت: لا والله لا أحسنه فغضب وقال: ويلك! أسألك عن ثلاثة أصوات فلا تحسن منها واحداً! فقال له إبراهيم بن المهدي: وما ذنبه إسحاق أستاذه وعليه يعتمد وهو يضايقه في صوت يعلمه إياه فقلت: قد والله صدق ما يعطيني شيئاً ولا يعلمنيه قال: فما دواؤه فقد والله أعياني فقال له إبراهيم: توكل به من يصب على رأسه العذاب حتى يعلمه مائة صوت قال: أما بعد فبعيد ولكن اذهب إيه عني فمره أن يعلمك هذه الثلاثة الأصوات فإن فعل وإلا فصب السوط على رأسه حتى يعلمك.

يذهب إلى إسحاق ليعلمه فيكله إلى جارية له فدخلت إلى إسحاق فجلست بغير أمره وسلمت سلاماً منكراً. ثم أقبلت عليه فقلت: يأمرك أمير المؤمنين أن تعلمني كذا وكذا قال: ما أحسنه فقلت: إني أنفذ فيك ما أمرني به فقال: تنفذ في ما أمرت به ألا تستحي ويحك مني ومن تربيتي إياك! قلت: فلا بد من أن تعلمني ما أمرك به أمير المؤمنين قال: فإني لست أحسنه ولكن فلانة تحسنه هاتوها. فجاءت وجعلت تطارحني حتى أخذت الأصوات الثلاثة وجعل كل من جاء يومئد لا يحجبه ليروني وجاريته تطارحني.

فلما أخذت الأصوات رجعت إلى محمد وأخبرته الخبر وحضر إسحاق فغنيته إياها فطرب وجعل إبراهيم بن المهدي يقول: أحسن والله أحسن والله فلما فرغت قال إسحاق: لا والله ما أحسن ولا أصاب هو ولا إبراهيم في استحسانه ولقد جهدت الجارية جهدها أن يأخذه عنها لفم يتوجه له ثم اندفع فغناها فكأني والله كنت ألعب عندما سمعت.

ثم أقبل على إبراهيم بن المهدي فقال له: كم أقول لك: ليس هذا من علمك ولا مما تحسنه وأنت تكابر وتدخل نفسك فيما لا تحسنه! فقال: ألا تراه يا أمير المؤمنين يصيرني مغنياً! فقال له إسحاق: ولم تجحد ذلك! أو أسررت إلي منه شيئاً لم تظهره للناس وتعلمهم إياه! ومتى صرت تأنف من هذا وأنت تتبحبح به! فليتك تحسنه والله ما تفرق بين الخطأ والصواب فيه وإن شئت الآن ألقيت عليك ثلاثين مسألة من أي علم شئت فإن أجبت واحدة منهن وإلا علمت أنك متكلف. فقال: يا أمير المؤمنين يستقبلني بهذا بين يديك! قال: وما هذا مما لا أستقبلك به فقال له محمد: نعم اختر ما شئت حتى نسألك عنه فقال: إنما يفعل هذا الصبيان وانكسر حتى رحمته فقلت لمحمد: يا أمير المؤمنين لعلك ترى مع هذا القول أنه لا يحسن بلى والله إنه ليحسن كل شيء ما يقدر أحدٌ أن يقول هذا غيري وإنه ليتقدم كثيراً من الناس في كل شيء فجعل محمد يضحك وهو يقول تشجه بيدٍ وتدهنه بيد وتجرحه بيد وتأسوه بيد!.
نسبة هذه الأصوات صوت

لقد أزمعت للبين هندٌ زيالها وزموا إلى أرض العراق جمالها

فما ظبيةٌ أدماء واضحة القرا تنص إلى برد الظلال غزالهـا

تحت بقرنيها برير أراكةٍ وتعطو بظلفيها إذا الغصن طالهـا

بأحسن منها مقلةً ومقلداً وجيداً إذا دنت تنـوط شـكـالـهـا

الشعر لكثير والغناء لمعبد خفيف ثقيل أول بالوسطى عن عمرو وفيه لابن سريج في الثالث والثاني ثقيل أول بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق ولإبراهيم ثقيل أول بالوسطى عن عمرو في الثاني ثم في الثالث وفي كتاب حكمٍ: لحكم فيه خفيف ثقيل وعن حبش لطويس فيه رمل بالوسطى وذكر أيضاً أن لحن معبد ثاني ثقيل.
صوت

يا دار سعدى سقى أطلالك الديما مسقي الروايا وإن هيجت لي سقما

دارٌ خلت وعفت منها معالمها إلا الثمام وإلا النؤي والـحـمـمـا

الغناء لقفا النجار ثقيل أول بالوسطى عن عمرو والهشامي وإبراهيم.
صوت

لا والذي نحرت له البدن وله بمكة قبل الـركـن

ما زلت يا سكني أخا أرقٍ متكنفاً بي الهم والحزن

أخشى عليك وبعضه شفقٌ أن يفتنوك وأنت مفتتن

الغناء لابن سريج رمل بإطلاق الوتر في مجرى البنصر عن إسحاق وذكر الهشامي أنه لسليمان الوادي أوله فيه لحن ونسبه إبراهيم إلى ابن عباد ولم يجنسه.

أخبرني عمي: حدثنا أحمد بن أبي طاهر قال: حدثني عبد الوهاب المؤذن قال: انحدرنا مع المعتصم من السن ونحن في حراقته وحضر وقت الأذان فأذنت فلما فرغت من الأذان اندفع مخارق بعدي فأذن وهو جاثٍ على ركبتيه فتمنيت والله أن دجلة أهرقت لي فغرقت فيها.
غضب عليه المعتصم ثم صالحه وأعاده إلى مرتبته أخبرني عمي قال: حدثني عبد الله بن عبد الله بن حمدون قال: حدثني أبي قال: غضب المعتصم على مخارق فأمر به أن يجعل في المؤذنين ويلزمهم ففعل ذلك وأمهل حتى علم أن المعتصم يشرب وأذنت العصر فدخل هو إلى الستر حيث يقف المؤذن للسلام ثم رفع صوته جهده وقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته الصلاة يرحمك الله فبكى حتى جرت دموعه وبكى كل من حضره ثم قال: أدخلوه إلي ثم أقبل علينا وقال: سمعتم هكذا قط! هذا الشيطان لا يترك أحداً يغضب عليه فأمر به فأدخل إليه فقبل الأرض بين يديه فدعاه المعتصم إليه وأعطاه يده فقبلها وأمره بإحضار عوده فأحضر فأعاده إلى مرتبته.
إسحاق الموصلي يبدي رأيه في علوية ومخارق وجدت في بعض الكتب عن علي بن محمد البسامي عن جده حمدون بن إسماعيل قال: غنى علوية يوماً بين يدي إسحاق الموصلي:

هجرتك إشفاقاً عليك من الأذى وخوف الأعادي واتقاء النمائم

فقال له إسحاق: أحسنت يا أبا الحسن أحسنت واستعاده ثلاثاً وشرب فقال له علوية: يا أستاذ أين أنا الآن من صاحبي – يعني مخارقاً – مع قولك هذا لي فقال: لا ترد أن تعرف هذا قال: بي والله إلى معرفته أعظم الحاجة فقال: إذا غنيتما ملكا اختاره عليك وأعطاه الجائزة دونك فضجر علوية وقال لإسحاق: أف من رضاك وغضبك!.
نسبة هذا الصوت صوت

هجرتك إشفاقاً عليك من الأذى وخوف الأعادي وإتقاء النمائم

وإني وذاك الهجر لو تعلمينه كساليةٍ عن طفلها وهـي رائم

الشعر لهلال بن عمرو الأسدي والغناء لعلوية ثقيل أول بالوسطى عن عمرو.

رأي الخريمي في علوية ومخارق

وقال الجاحظ: قال أبو يعقوب الخريمي: ما رأيت كثلاثة رجال كانوا يأكلون الناس أكلاً حتى إذا رأوا ثلاثة رجال ذابوا كما يذوب الرصاص على النار: كان هشام بن الكلبي علامةً نسابةً ورواية للمثالب عيابة فإذا رأى الهيثم بن عدي ذاب كما يذوب الرصاص وكان علي بن الهيثم جونقاً مفقعاً نياً صاحب تقعر يستولي على كل كلام لا يحفل بخطيب ولا شاعر فإذا رأى موسى الضبي ذاب كما يذوب الرصاص وكان علوية واحد الناس في الغناء روايةً وحكاية ودراية وصنعة وجودة ضربٍ وأضرابٍ وحسن خلق فإذا رأى مخارقاً ذاب كما يذوب الرصاص على النار.

حج سنة حجت أم جعفر بسبب جاريتها

أخبرني علي بن عبد العزيز الكاتب عن ابن خرداذبه قال: هوي مخارقٌ جارية لأم جعفر فحج في السنة التي حجت فيها أم جعفر بسبب الجارية فقال أحمد بن هشام فيه:

يحج الناس من بر وتقوى وحج أبي المهنا للتصابي

وهب المعتصم دار مخارق ليونازة خليفة الأفشين فقال عيسى ابن زينب شعراً في ذلك قال: وكان المعتصم قد وهب دار مخارق لما قدم بغداد ليونازة خليفة الأفشين فقال عيسى ابن زينب في ذلك:

يا دار غير رسمها يونازه وبقي مخارق قاعداً في فازه

أم جعفر تهب له جاريتها بهار أخبرني إسماعيل بن يونس الشيعي قال: حدثنا عمر بن شبة وحدثني محمد بن يحيى الصولي قال: وجدت بخط عبد الله بن الحسين: حدثني الحسن بن إبراهيم بن رياح قالا: كان مخارق يهوى جارية لأم جعفر يقال لها بهار ويستر ذلك عن أم جعفر حتى بلغها ذلك فأقصته ومنعته من المرور ببابها وكان بها كلفاً. قال الصولي في خبره: فلما علم أن الخبر قد بلغ أم جعفر قطعها وتجافاها إجلالاً لأم جعفر وطمعاً في السلو عنها وضاق ذرعه بذلك فبينا هو ذات ليلة في زلالٍ وقد انصرف من دار المأمون وأم جعفر تشرب على دجلة إذ حاذى دارها فرأى الشمع يزهر فيها فلما صار بمسمعٍ منها ومرأى اندفع فغنى: صوت

إن تمنعوني ممري قرب دارهم فسوف أنظر من بعد إلى الـدار

سيما الهوى شهرت حتى عرفت بها أني محب وما بالحب من عار

ما ضر جيرانكم والله يصلحهملولا شـقـائيإقـبـالـي وإدبـاري

لا يقدرون على منعي ولو جهدوا إذا مررت وتسليمي بإضمـاري

فقالت أم جعفر: مخارقٌ والله ردوه فصاحوا بملاحه: قدم فقدم وأمره الخدم بالصعود فصعد وأمرت له أم جعفر بكرسي وصينية فيها نبيذ فشرب وخلعت عليه وأمرت الجواري فغنين ثم ضربن عليه فغنى فكان أول ما غنى: صوت

أغيب عنك بود ما يغيره نأي المحل ولا صرفٌ مـن الـزمـن

فإن أعش فلعل الدهر يجمعنا وإن أمت فقتيل الهـم والـحـزن

قد حسن الله في عيني ما صنعت حتى أرى حسناً ما ليس بالحسن

الشعر للعباس بن الأحنف والغناء لمخارق رمل.
قال: فاندفعت بهار فغنت كأنها تباينه وإنما أجابته عن مغنى ما عرض لها به:

تعتل بالشغل عنا ما تلم بنا والشغل للقلب ليس الشغل للبدن

ففطنت أم جعفر أنها خاطبته في نفسها فضحكت وقالت: ما سمعنا بأملح مما صنعتما وقال إسماعيل بن يونس في خبره: ووهبتها له.

غنى المأمون حين قدم مكة أحدث صوت صنعه وقال هارون بن الزيات: حدثني هارون بن مخارق عن أبيه: أن المأمون سأله لما قدم مكة عن أحدث صوت صنعه فغناه: صوت

أقبلت تحصب الجمار وأقبل ت لرمي الجمار من عـرفـات

ليتني كنت في الجمار أنا المح صوب من كف زينبٍ حصيات

الشعر للنميري والغناء لمخارق خفيف رمل بالبنصر قال: فضحك ثم قال: لعمري إن هذا لأحدث ما صنعت ولقد قنعت بيسير وما أظن بهار كانت تبخل عليك بأن تحصبك بحصاة كما تحصب الجمار. واستعاده الصوت مرات. غنى بشعر للمأمون في جارية له فابكاه أخبرني جعفر بن قدامة قال: حدثني هارون بن مخارق قال: حدثني أبي قال: كنا عند المأمون يوماً فجاءه الخادم الحرمي فأسر إليه شيئاً فوثب فدخل معه ثم أبطأ علينا ساعة وعاود وعينه تذرف فقال لنا: دخلت الساعة إلى جارية لي كنت أتحظاها فوجدتها في الموت فسلمت عليها فلم تستطع رد السلام إلا إيماءً بإصبعها فقلت هذين البيتين:

فما اسطعت توديعاً له بسوى البكا وذلك جهد المستهام المعذب

ثم قال: إن فيها يا مخارق ففعلت فما استعادني ذلك الغناء قط إلا بكى.

حج رجل معه وغناه فوهب له حجته

أخبرني الحسين بن القاسم الكوكبي إجازةً قال: حدثني أحمد بن أبي العلاء قال: حدثني أبي قال: حج رجل مع مخارق فلما قضيا الحج وعادا قال له الرجل في بعض طريقه: بحقي عليك غنني صوتاً فغناه:

رحلنا فشرقنا وراحوا فغربوا ففاضت لروعات الفراق عيون

فرفع الرجل يده إلى السماء وقال: اللهم إني أشهدك أني قد وهبت حجتي له.

وفاته

وتوفي مخارق في أول خلافة المتوكل وقيل: بل في آخر خلافة الواثق وذكر ابن خرداذبه أن سبب وفاته أنه كان أكل قنبيطية باردةً فقتلته من فوره.

صوت

إذا مت فادفني إلى جنب كرمة تروي مشاشي بعد موتي عروقها

ولا تدفنني بالفلاة فإنني أخاف إذا ما مت ألا أذوقها

عروضه من الطويل ويروى: إذا رحت مدفوناً فلست أذوقها الشعر لأبي محجن الثقفي والغناء لإبراهيم الموصلي ثقيل أول بالوسطى عن عمرو وفيه لحنين لحنٌ ذكره إبراهيم ولم يجنسه.