ذكر مالك بن أبي السمح وأخباره

ذكر مالك بن أبي السمح وأخباره

نسبه

هو مالك بن أبي السمح. واسم أبي السمح جابر بن ثعلبة الطائي أحد بني ثعل ثم أحد بني عمرو بن درماء. ويكنى أبا الوليد. وأمه قرشية من بني مخزوم، وقيل: بل أم أبيه منهم، وهو الصحيح. وقال ابن الكلبي: هو مالك بن أبي السمح بن سليمان بن أوس بن سماك بن سعد بن أوس بن عمرو بن درماء أحد بني ثعل. وأم أبيه بنت مدرك بن عوف بن عبيد بن عمرو بن مخزوم.

وكان أبوه منقطعاً إلى عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ويتيماً في حجره أوصى به أبوه إليه، فكان ابن جعفر يكفله ويمونه، وأدخله وسائر إخوته في دعوة بني هاشم، فهم معهم إلى اليوم. وكان أحول طويلاً أحنى. قال الوليد بن يزيد فيه يعارض الحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب في قوله فيه:

أبيض كالبدر أو كما يلمع آلي

 

سارق في حالكٍ من الظلـم

فقال له الوليد: بل أنت.

أحول كالقرد أو كما يرقب آلي

 

سارق في حالكٍ من الظـلـم

أساتذته في الغناء

وأخذ الغناء عن جميلة ومعبد وعمر حتى أدرك الدولة العباسة، وكان اقطعاً إلى بني سليمان بن علي، ومات في خلافة أبي جعفر المنصور.

السبب في انقطاع أبي السمح إلى ابن جعفر

أخبرني الحسين بن يحيى قال نسخت من كتاب حماد: قرأت على أبي: أن السبب في انقطاع أبي السمح إلى ابن جعفر أن السنة أقحمت بطيئاً، فكان ثعلبة جد مالك أحدهم، فولد أبو السمح بالمدينة؛ وكان صديقاً للحسين بن عبد الله الهاشمي، وكان سبب ذلك مودةً كانت بينه وبين آل شعيب السهميين؛ فلما تزوج حسين عابدة بنت شعيب السهمية خاصمهم بسببها؛ وكان جد مالك معه وعوناً له مع من عاونه، فنشبت بذلك حالٌ بينه وبين بني هاشم، حتى ولد مالك في دورهم، فصارت دعوته فيهم.
وعمر مالك حتى أدرك دولة بني العباسأخبرني الحسين بن يحيى قال قال حماد: قرأت على أبي:

عمّر حتى أدرك دولة بني العباس

وقدم على سليمان بن علي بالبصرة، فمت إليه بخؤولته في قريش، ودعوته لبني هاشم، وانقطاعه إلى ابن جعفر، فعجل له سليمان صلته وكساه وكتب له بأوساقٍ من تمر.

تعلمه الغناء على يد معبد

أخبرني جعفر بن قدامة قال حدثني ميمون بن هارون قال حدثني القاسم بن يوسف قال أخبرني الورداني قال: كان مالك بن أبي السمح المغني من طيء، فأصابتهم حطمةٌ في بلادهم بالجبلين، فقدمت به أمه وبإخوةٍ له وأخواتٍ أيتامٍ لا شيء لهم؛ فكان يسأل الناس على باب حمزة بن عبد الله بن الزبير، وكان معبدٌ منقطعاً إلى حمزة يكون عنده في كل يوم يغنيه؛ فسمع مالك غناءه فأعجبه واشتهاه، فكان لا يفارق باب حمزة يسمع غناء معبد إلى الليل، فلا يطوف بالمدينة ولا يطلب من أحد شيئاً ولا يريم موضعه، فينصرف إلى أمه ولم يكتسب شيئاً، فتضربه، وهو مع ذلك يترنم بألحان معبد ويؤديها دوراً دوراً في مواضع صيحاته وإسجاحاته ونبراته نغماً بغير لفظ ولا رواية شيء من الشعر؛ وجعل حمزة كلما غدا وراح رآه ملازماً لبابه؛ فقال لغلامه يوماً: أدخل هذا الغلام الأعرابي إلي؛ فأدخله؛ فقال له: من أنت؟ فقال: أنا غلام من طيء أصابتنا حطمةٌ بالجبلين فحطتنا إليكم ومعي أم لي وإخوةٌ، وإني لزمت بابك فسمعت من دارك صوتاً أعجبني، فلزمت بابك من أجله؛ قال: فهل تعرف منه شيئاً؟  

قال: أعرف لحنه كله ولا أعرف الشعر؛ فقال: إن كنت صادقاً إنك لفهمٌ. ودعا بمعبد فأمره أن يغني صوتاً فغناه، ثم قال لمالك: هل تستطيع أن تقوله؟ قال نعم، قال: هاته؛ فاندفع فغناه فأدى نغمه بغير شعر، يؤدي مداته ولياته وعطفاته ونبراته وتعليقاته لا يخرم حرفاً؛ فقال لمعبد: خذ هذا الغلام إليك وخرجه، فليكونن له شأن؛ قال معبد: ولم أفعل ذلك؟ قال: لتكون محاسنه منسوبة إليك، وإلا عدل إلى غيرك فكانت محاسنه منسوبة إليه؛ فقال: صدق الأمير، وأنا أفعل ما أمرتني به. ثم قال حمزة لمالكٍ: كيف وجدت ملازمتك لبابنا؟ قال أرأيت لو قلت فيك غير الذي أنت له مستحقٌ من الباطل أكنت ترضى بذلك؟ قال لا. قال: وكذلك لا يسرك أن تحمد بما لم تفعل؛ قال نعم؛ قال: فوالله ما شبعت على بابك شبعةً قط ولا انقلبت منه إلى أهلي بخير؛ فأمر له ولأمه ولإخوته بمنزل، وأجرى لهم رزقاً وكسوة، وأمر لهم بخادم يخدمهم وعبدٍ يسقيهم الماء، وأجلس مالكاً معه في مجالسه، وأمر معبداً أن يطارحه، فلم ينشب أن مهر وحذق؛ وكان ذلك بعقب مقتل هدبة بن خشرم فخرج مالك يوماً فسمع امرأة تنوح على زيادة الذي قتله هدبة بن خشرم بشعر أخي زيادة:

أبعد الذي بالنعف نعف كويكبٍ

 

رهينة رمسٍ في تراب وجندل

أذكر بالبقيا على من أصابنـي

 

وبقياي أني جاهدٌ غير مؤتلي

فلا يدعني قومي لزيد بن مالك

 

لئن لم أعجل ضربةً أو أعجل

وإلا أنل ثأري من اليوم أو غدٍ

 

بني عمنا فالدهر ذو متطـول

أتختم علينا كلكل الحرب مـرةً

 

فنحن منيخوها عليكم بكلكـل

فغنى في هذا الشعر لحنين، أحدهما نحا فيه نحو المرأة في نوحها ورققه وأصلحه وزاد فيه، والآخر نحا فيه نحو معبد في غنائه؛ ثم دخل على حمزة فقال له: أيها الأمير، إني قد صنعت غناءً في شعر سمعت بعض أهل المدينة ينشده وقد أعجبني، فإن أذن الأمير غنيته فيه؛ قال: هاته، فغناه اللحن الني نحا فيه نحو معبد؛ فطرب حمزة وقال له: أحسنت يا غلام، هذا الغناء غناء معبد وطريقته؛ فقال: لا تعجل أيها الأمير واسمع مني شيئاً ليس من غناء معبد ولا طريقته؛ قال: هات، فغناه اللحن الذي تشبه فيه بنوح المرأة، فطرب حمزة حتى ألقى عليه حلة كانت عليه قيمتها مائتا دينار؛ ودخل معبد فرأى حلة حمزة عليه فأنكرها؛ وعلم حمزة بذلك فأخبر معبداً بالسبب، وأمر مالكاً فغناه الصوتين؛ فغضب معبد لما سمع الصوت الأول وقال: قد كرهت أن آخذ هذا الغلام فيتعلم غنائي فيدعيه لنفسه؛ فقال له حمزة: لا تعجل واسمع غناءً صنعه ليس من شأنك ولا غنائك، وأمره أن يغني الصوت الآخر فغناه؛ فأطرق معبد؛ فقال له حمزة: والله لو انفرد بهذا لضاهاك ثم يتزايد على الأيام، وكلما كبر وزاد شخت أنت ونقصت، فلأن يكون منسوباً إليك أجمل؛ فقال له معبد وهو منكسر: صدق الأمير. فأمر حمزة لمعبدٍ بخلعةٍ من ثيابه وجائزةٍ حتى سكن وطابت نفسه؛ فقام مالك على رجله فقبل رأس معبد، وقال له: يا أبا عباد أساءك ما سمعت مني؟ والله لا أغتي لنفسي شيئاً أبداً ما دمت حياً، وإن غلبتنى نفسي فغنيت في شعر استحسنته لا نسبته إلا إليك، فطب نفساً وارض عني؛ فقال له معبد: أو تفعل هذا وتفي به؟ قال: إي والله وأزيد؛ فكان مالك بعد ذلك إذا غنى صوتاً وسئل عنه قال: هذا لمعبد، ما غنيت لنفسي شيئاً قط، وإنما آخذ غناء معبد فأنقله إلى الأشعار وأحسنه وأزيد فيه وأنقص منه.

الغناء ليلة الجمعة

أخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال حدثنا الحسن بت عتبة اللهبي عن عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله أحد بني الحارث بن عبد المطلب قال: خرجت من مكة أريد العراق، فحملت معي مالك بن أبي السمح من المدينة، وذلك في أيام أبي العباس السفاح، فكان إذا كانت عشية الخميس قال لنا: يا معشر الرفقة إن الليلة ليلة الجمعة وأنا أعلم أنكم تسألوني الغناء، وعلي وعلي إن غنيت ليلة الجمعة، فإن أردتم شيئاً فالساعة اقترحوا ما أحببتم؛ فنسأله فيغنينا، حتى إذا كادت الشمس أن تغيب طرب ثم صاح: الحريق في دار شلمغان، ثم يمر في الغناء فما يكون في ليلة أكثر غناءً منه في تلك الليلة بعد الأيمان المغلظة.

حسرة من لم يسمع غناءه

أخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال: كان سليمان بن علي يسمع من مالك بن أبي السمح بالسراة، لأنه كان إذا قدم الشأم على الوليد بن يزيد، عدل إليهم في بدأته وعودته لانقطاعه إليهم، فيبرونه ويصلونه. فلما أفصى إليهم الأمر رأى سليمان مالكاً على باب ابنه جعفر؛ فقال له: يا بني، لقد رأيت ببابك أشبه الناس بمالك؛ فقال له جعفر: ومن مالكٌ؟ – يوهمه أنه لا يعرفه – فتغافل عنه سليمان لئلا ينبهه عليه فيطلبه، وتوهم أنه لم يعرفه ولا سمع غناءه. قال حماد: وحدثني أبي عن جدي إبراهيم أنه أخبره أنه رأى مالكاً بالبصرة على باب جعفر بن سليمان، أو أخيه محمد، ولم يعرفه، فسأل عنه بعد ذلك فعرفه وقد كان خرج عن البصرة، قال: فمالي حسرةٌ مثل حسرتي بأني ماسمعت غناءه.

سبب دخوله في دعوة بني هاشم

أخبرني إسماعيل بن يونس قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا أبو غسان محمد بن يحيى قال: كان مالك بن أبي السمح يتيماً في حجر عبد الله بن جعفر، وكان أبوه أبو السمح صار إلى عبد الله بن جعفر وانقطع إليه، فلما احتضر أوصى بمالك إليه، فكفله وعاله ورباه، وأدخله في دعوة بني هاشم، فهو فيهم إلى اليوم. ثم خطب حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن العباس العابدة بنت شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، فمنعه بعض أهلها منها وخطبها لنفسه، فعاون مالكٌ حسيناً، وكانت العابدة تستنصحه، وكانت بين أبيها شعيب وبينه مودةٌ، فأجابت حسيناً وتزوجته، فانقطع مالكٌ إلى حسين؛ فلما أفضى الأمر إلى بني هاشم قدم البصرة على سليمان بن علي، فلما دخك إليه مت بصحبته عبد الله بن جعفر ودعوته في بني هاشم وانقطاعه إلى حسين، فقال له سليمان: أنا عارفٌ بكل ما قلته يا مالك، ولكنك كما تعلم، وأخاف أن تفسد علي أولادي، وأنا واصلك ومعطيك ما تريد وجاعل لك شيئاً أبعث به إليك ما دمت حيا في كل عام، على أن تخرج عن البصرة وترجع إلى بلدك، قال: أفعل جعلني الله فداك؛ فأمر له بجائزة وكسوة وحمله وزوده إلى المدينة.

مالك في حمام المدينة

أخبرني عمي الحسن بن محمد قال حدثنا هارون بن محمد بن عبد الملك قال حدثني محمد بن هارن بن جناح قال أخبرني يعقوب بن إبراهيم الكوفي عمن أخبره قال: دخلت المدينة حاجا فدخلت الحمام، فبينا أنا فيه إذ دخل صاحب الحمام فغسله ونظفه، ثم دخل شيخ أعمى له هيئةٌ، مؤتزرٌ بمنديل أبيض؛ فلما جلس خرجت إلى صاحب الحمام فقلت له: من هذا الشيخ؟ قال: هذا مالك بن أبي السمح المغني، فدخلت عليه فقلت له: يا عماه، من أحسن الناس غناءً؟ فقال: يابن أخي، “على الخبير سقطت”، أحسن الناس غناء أحسنهم صوتاً.

أخبرني عمي قال حدثني أبو أيوب المديني قال حدثني أبو يحيى العبادي عن إسحاق قال: كان فتيةٌ من قريش جلوساً في مجلس، فمر بهم مالك بن أبى السمح، فقال بعضهم لبعض: لو سألنا مالكاً فغنانا صوتاً فقام إليه بعضهم فسأله النزول عندهم، فعدل إليهم؛ فسألوه أن يغنيهم؛ فقال: نعم والله بالحب والكرامة، ثم اندفع يغني، وأوقع بالمقرعة على قربوس سرجه، فرفع صوته فلم يقدر، ثم خفضه فلم يقدر، فجعل يبكي ويقول: واشباباه.

أخبرني عمي قال حدثني هارون بن محمد عن الزبير بن بكار عن عمه عن جده أنه كان في هؤلاء الفتية الذين كانوا سألوه الغناء؛ وذكر باقي الخبر مثل ما ذكره إسحاق.

أخبرني عمي قال حدثني أبو أيوب المديني قال حدثني عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي عن عمه قال حدثني صالح بن أبي الصقر قال: قدم مالك بن أبي السمح المغني البصرة، فلقيه عجاجة المخنث، وكان أشهر من بها من المخنثين، وقال له: فديتك يا أبا الوليد، إني كنت أحب أن ألقاك وأن أعرض عليك صوتاً من غنائك أخذته عن بعض المخنثين، فإن رأيت أن تنزل عندي فعلت؛ فنزل مالك عنده فبسط له المخنث جزد قطيفةٍ كانت عنده فجلس، ثم أخذ عجاجة الدف فغنى:

حب إن الخمار كان عليهـا

 

شاهداً يوم زارت الجوشنيه

قد سبته بدلها حين جـاءت

 

تتهادى في مشيةٍ بختـريه

فجعل مالك يقول له: ويلك من قال هذا لعنه الله ويحك من غنى هذا قبحه الله ويحك من روى عني هذا أخزاه الله ثم قام فركب وهو يضحك عجباً من عجاجة.

أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال أخبرني حماد بن إسحاق عن أبيه عن ابن جناح قال حدثني مصعب بن عثمان قال حدثني عبد الله بن محمد بن يحيى بن عروة بن الزبير قال حدثني مالك بن أبي السمح قال: قدمنا على يزيد بن عبد الملك أول قدومنا عليه مع معبد وابن عائشة، فغنيناه ليلةً فأطربناه، فأمر لكل واحد منا بألف دينار وكتب لنا بها إلى كاتبه، فغدونا عليه بالكتاب؛ فلما رآه أنكره وقال: أيؤمر لمثلكم بألف دينار ألف دينار لا والله ولا حبا ولا كرامة. فرجعنا إلى يزيد فأخبرناه بمقالته وكررنا عليه؛ فقال: كأنه استنكر ذلك؟ فقلنا: نعم؛ فقال: مثله والله يستنكره ودعاه؛ فلما حضر ورآنا عنده استأمره فيها، فأطرق مستحيياً؛ وقال له: إني قد قلتها لهم ولا يجمل أن أرجع عما قلت، ولكن قطعها عليهم. قال مالك: فمات والله يزيد، وقد بقي لكل واحد منا أربعمائة دينار.

أخبرني الحسين بن يحيى قال نسخت من كتاب حماد قال قرأت على أبي، وحدثنا الحسن بن محمد قال: لما انهزم عبد الله بن علي من أبي مسلم قدم البصرة، وكان عند سليمان بن علي، وكان مالك بن أبي السمح يومئذ بها، فاستزاره جعفر ومحمد فزارهما، وغناهما مالك في جوف الليل في دار سليمان بن علي، وبلغ الخبر سليمان، فدخل عليهم فعذل جعفراً ومحمداً، وقال: نحن نتوقع الطامة الكبرى وأنتم تسمعون الغناء فقالا: ألا تجلس وتسمع ففعل، فغناهم مالك:

ما كنت أول من خاس الزمان به

 

قد منت ذا نجدةٍ أخشى وذا بأس

أنلغ أبا معبدٍ عنـي وإخـوتـه

 

شوقي إليهم وأحزاني ووسواسي

فخرج وتركهم ولم ينكر عليهم شيئاً.
وفي مالك بن أبي السمح يقول الحسين بن عبد الله، بن عبيد الله بن العباس:

لا عيش إلا بمالك بن أبـي ال

 

سسمح فلا تلحنـي ولا تـلـم

أبيض كالبدر أو كما يلمـع ال

 

بارق في حالك من الظـلـم

من ليس يعصيك إن رشدت ولا

 

يهتك حق الإسلام والـحـرم

يصيب من لـذة الـكـريم ولا

 

يجهل آي الترخيص في اللمم

يا رب ليلٍ لنا كـحـاشـية ال

 

برد ويومٍ كـذاك لـــم يدم

نعمت فيه ومالك بن أبـي ال

 

سمح الكريم الأخلاق والشـيم

غناه مالكٌ في الأول والثاني والثالث رملا بالبنصر في مجراها – فيقال: إن مالكاً قال له: لا والله ولا إن غويت أيضاً أعصيك؛ ذكر ذلك الزبير عن عمه مصعب. ويقال: إنه قال هذه المقالة للوليد بن يزيد، فسر بذلك وأجزل صلته.

أخبرني الحسين بن يحيى قال نسخت من كتاب حماد قال حدثني أبي قال قال ابن الكلبي: قال الوليد بن يزيد لمعبد قد آذتني ولولتك هذه، وقال لابن عائشة: قد آذاني استهلالك هذا، فانظرا لي رجلاً يكون مذهبه متوسطاً بين مذهبيك؛ فقالا له: مالك بن أبي السمح؛ فكتب في إشخاصه إليه وسائر مغني الحجاز المذكورين؛ فلما قدم مالك على الوليد بن يزيد فيمن معه من المغنين نزل على الغمر بن يزيد، فأدخله على الوليد فغناه فلم يعجبه؛ فلما انصرف الغمر قال له: إن أمير المؤمنين لم يعجبه شيء من غنائك؛ فقال له: جعلني الله فداك؛ اطلب لي الإذن عليه مرةً واحدة، فإن أعجبه شيء مما أغنيه وإلا انصرفت إلى بلادي. فلما جلس الوليد في مجلس اللهو ذكره الغمر وطلب له الإذن، وقال له: إنه هابك فحصر؛ قال: فأذن له، فبعث إليه؛ فأمر مالكٌ الغلام فسقاه ثلاث صراحيات صرفاً؛ فخرج حتى دخل عليه يخطر في مشيته. وقال غير ابن الكلبي: إنه قال لفراش للوليد: اسقني عسا من شراب ولك دينار، فسقاه إياه وأعطاه الدينار؛ ثم قال له: زدني آخر فأزيدك آخر، ففعل حتى شرب ثلاثة، ثم دخل على الوليد يخطر في مشيته، فلما بلغ باب المجلس وقف ولم يسلم، وأخذ بحلقة الباب فقعقعها، ثم رفع صوته فغنى:

لا عيش إلا بمالك بن أبي السمح فلا تلحني ولا تلم

فطرب الوليد، ورفع يديه، حتى بدا إبطاه إليه مادا لهما، وقام فاعتنقه قائماً، وقال له: أدن بابن أخي، فدنا حتى اعتنقه؛ ثم أخذ في صوته ذلك، فلم يزالوا فيه أياماً، وأجزل صلته حين أراد الانصراف. قال: ولما أتى مالكٌ على قوله:

أبيض كالسيف أو كما يلمع ال

 

بارق في حالكٍ من الظـلـم

قال له الوليد:  

أحول كالقرد أو كما يرقب السارق في حالكٍ من الظلم

وكان مالك طويلاً أجنى فيه حولٌ. وقد قال قوم: إن مالكاً لم يصنع لحناً قط غير هذا – أعني: لا عيش إلا بمالك بن أبي السمح” – وإنه كان يأخذ غناء الناس فيزيد فيه وينقص منه وينسبه الناس إليه، وكان إسحاق ينكر ذلك غاية الإنكار، ويقول: غناء مالكٍ كله مذهبٌ واحد لا تباين فيه، ولو كان كما يقول الناس لاختلاف غناؤه، وإنما كان إذا غنى ألحان معبدٍ الطوال خففها وحذف بعض نغمها، وقال: أطاله معبد ومططه، وحذفته أنا وحسنته، فأما ألا يكون صنع شيئاً فلا.

أخبرني الحسين بن يحيى قال نسخت من كتاب حماد: قرأت على أبي وذكر بكار بن النبال: أن الوليد قال لمالك: هل تصنع الغناء؟ قال: لا، ولكني أزيد فيه وأنقص منه؛ فقال له: فأنت المحلي إذاً. قال إسحاق وذكر الحسن بن عتبة اللهبي عن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله الهاشمي الحارثي الذي يقال له سنابل – وفيه يقول الشاعر:

فإن هي ضنت عنك أو حيل دونها

 

فدعها وقل في ابن الكرام سنابل

– قال: خرجت من مكة أريد أبا العباس أمير المؤمنين، فمررت على المدينة فحملت معي مالك بن أبي السمح، فسألته يوماً عن بعض ما ينسب إليه من الغناء؛ فقال: يا أبا الفضل، عليه وعليه إن كان غنى صوتاً قط، ولكني آخذه وأحسنه وأهيئه وأطيبه، فأصيب ويخطئون فينسب إلي. قال إسحاق: وليس الأمر هكذا، لمالكٍ صنعةٌ كثيرة حسنة، وصنعته تجري في أسلوب واحد، ويشبه بعضها بعضاً، ولو كان كما قيل لاختلف غناؤه. وقد قيل: إن مالكاً كان ينتفي من الصنعة لأن أكثر الأشراف هناك كانوا ينكرون عليه، فكان يتبدل به عند من يراه، وينكره عند من يذمه، لمحله في بني هاشم.

وأخبرني بخبر سنابل هذا محمد بن مزيد قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني حمزة بن عتبة اللهبي عن سنابل، فذكر الخبر وخالف ما رواه إسحاق أن الحسن بن عتبة حدثه وحكاه عن حمزة بن عتبة أخيه.

أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن هشام بن الكلبي عن أبيه عن محمد بن يزيد الليثي قال: سئل مالك بن أبي السمح عن صنعته في:

لاح بالدير من أمامة نار

فقال: أخذته والله من خربنده بالشأم يسوق أحمرةً، فكان يترنم بهذا اللحن بلا كلام، فأخذته فكسوته هذا الشعر.

أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه قال: نزل مالك بن أبي السمح عند رجل بمكة مخزومي، وكان له غلامٌ حائك، فأتاه آتٍ فقال: أما سمعت غناء غلامك الحائك؟ قال: لا أو يغني؟ قال: نعم بشعر لأبي دهبل الجمحي؛ فبعث إليه فأتاه، فقال: تغنه؛ فقال: ما أحسن ذاك إلا على حفي؛ فخرج مولاه ومعه مالكٌ إلى بيته، فلما جلس على حفه تغنى:

تطاول هذا الليل ما يتبلج

فأخذه مالكٌ عنه وغناه فنسبه الناس إليه؛ وكان يقول: والله ما غنيته قط ولا غناه إلا الحائك.

لاح بالدير من أمـامة نـار

 

لمحب لـه بـيثـرب دار

قد تراها ولو تشاء من القـر

 

ب لأغناك عن نداها الشرار

الشعر للأحوص، ويقال: إنه لعبد الرحمن بن حسان بن ثابت. والغناء لمالك بن أبي السمح ثقيل أول بإطلاق الوتر في مجرى البنصر. وفيه لحن لمعبد ذكره إسحاق.

تطاول هذا اللـيل مـا يتـبـلـج

 

وأعيت غواشي سكرتي ما تفرج

أبيت بهـم مـا أنـام كـأنـمـا

 

خلال ضلوعي جمرةٌ تتـوهـج

فطوراً أمني النفس من يكتم المنى

 

وطوراً إذا ما لج بي الحمب أنشج

عروضه من الطويل، الشعر لأبي دهبل، والغناء لمالك بن أبي السمح ثقيل أول بالبنصر على مذهب إسحاق من رواية عمرو بن بانة.

أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن جده قال: قال ابن عائشة: حضرت الوليد بن يزيد يوم قتل، وكان معنا مالك بن أبي السمح وكان من أحمق الناس، فلما قتل الوليد قال: اهرب بنا؛ فقلت: وما يريدون منا؟ قال: وما يؤمنك أن يأخذوا رأسينا فيجعلوا رأسه بينهما ليحسنوا أمرهم بذلك؛ قال ابن عائشة: فما رأيت منه عقلاً قط قبل ذلك اليوم.
لما كبر كان يعلم ابنه الغناء: أخبرني محمد بن خلف وكيع قال قال الزبير بن بكار حدثتني ظبية قالت: رأيت مالك بن أبي السمح وهو على منامته يلقى على ابنه وقد كبر وانقطع:

اعتاد هذا القلب بلباله

 

إذ قربت للبين أجماله

خودٌ إذا قامت إلى خـدرهـا

 

قامت قطوف المشي مكساله

تفتر عـن ذي أشـرٍ بـاردٍ

 

عذبٍ إذا ما ذيق سلسـالـه

الشعر لعمر بن أبي ربيعة، ولمالك بن أبي السمح فيه ثلاثة ألحان: خفيف ثقيل مطلق في مجرى الوسطى، وثقيل أول بالوسطى مجراها جميعاً عن إسحاق، وخفيف رمل بالوسطى عن عمرو بن بانة، وقيل: إنه لابن سريج، وفيه رملٌ ينسب إلى ابن جامع وابن سريج.

أخبرني وكيع قال حدثني حماد بن إسحاق عن أبيه قال قال أبو عبيدة: سمعت منشداً ينشد لنفسه يرثي مالكاً بهذه القصيدة:

يا مال إني قضت نفسي عليك وما

 

بيني وبينك من قربى ولا رحـم

إلا الذي لك في قلبي خصصت به

 

من المودة في سترٍ وفي كـرم

قال إسحاق قال أبو عبيدة: هو مالك بن أبي السمح. – انقضت أخباره -.
من رواية هارون بن الحسن بن سهل وابن المكي وأبي العبيس ومن روى جحظة عنه:

فإلا تجللها يعالـوك فـوقـهـا

 

وكيف توقى ظهر ما أنت راكبه

هم قتلوه كي يكونوا مـكـانـه

 

كما غدرت يوماً بكسرى مرازبه

بني هاشم ردوا سلاح ابن أختكم

 

ولا تنهبوه لا تحل مـنـاهـبـه

عروضه من الطويل. البيت الأول من الشعر لرجلٍ من بني نهد جاهلي، وباقي الأبيات للوليد بن عقبة بن أبي معيط. والغناء لابن محرز، ولحنه من الثقيل الأول بإطلاق الوتر في مجرى البنصر عن يونس وإسحاق، وهو اللحن المختار. وفيه للغريض ثقيل أول بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق. وفيه لمعبد ثقيل أول آخر مطلق في مجرى الوسطى عن عمرو وعن الهشامي. وفيه لسلسل في الثاني والثالث ثقيل أول بالبنصر عن حبش، وفيه لعطرد خفيف ثقيل.

خبر الهندي في هذا الشعر

وخبر الوليد بن عقبة وقد مضى نسبه في أول الكتاب اخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال أخبرني عمي عن ابن الكلبي عن أبيه عن عبد الرحمن المدائني، وكان عالماً بأخبار قومه، قال وحدثنيه أبو ممسكين أيضاً، قالا: كان الحارث بن مارية الغساني الجفني مكرماً لزهير بن جناب الكلبي ينادمه ويحادثه، فقدم على الملك رجلان من بني نهد بن زيد يقال لهما حزنٌ وسهلٌ ابنا رزاح، وكان عندهما حديث من أحاديث العرب، فاجتباهما الملك ونزلا بالمكان الأثير منه، فحسدهما زهير بن جناب، فقال: أيها الملك، هما والله عينٌ لذي القرنين عليك “يعني المنذر الأكبر جد النعمان بن المنذر”، وهما يكتبان إليه بعورتك وخلل ما يريان منك؛ قال: كلا فلم يزل به زهير حتى أوغر صدره، وكان إذا ركب يبعث إليهما ببعيرين يركبان معه، فبعث إليهما بناقة واحدة؛ فعرفا الشر فلم يركب أحدهما وتوقف؛ فقاله له الآخر:

فإلا تجللها يعالـوك فـوقـهـا

 

وكيف توقى ظهر ما أنت راكبة

فركبها مع أخيه، ومضى بهما فقتلا، ثم بحث عن أمرهما بعد ذلك فوجده باطلاً فشتم زهيراً وطرده، فانصرف إلى بلاد قومه؛ وقدم رزاحٌ أبو الغلامين إلى الملك، وكان شيخاً عالماً مجرباً، فأكرمه الملك وأعطاه دية ابنيه؛ وبلغ زهيراً مكانه، فدعا ابناً له يقال له عامر، وكان من فتيان العرب لساناً وبياناً، فقال له: إن رزاحاً قد قدم على الملك، فالحق به واحتل في أن تكفينيه، وقال له: اذممني عند الملك ونل مني، وأثر به آثاراً فخرج الغلام حتى قدم الشأم، فتلطف للدخول على الملك حتى وصل إليه؛ فأعجبه ما رأى منه؛ فقال له: من أنت. قال: أنا عامر بن زهير بن جناب؛ قال: فلا حياك الله ولا حيا أباك الغادر الكذوب الساعي؛ فقال الغلام: نعم، فلا حياه الله؛ انظر أيها الملك ما صنع بظهري وأراه آثار الضرب؛ فقبل ذلك منه وأدخله في ندمائه؛ فبينا هو يحدثه يوماً إذ قال له: أيها الملك، إن أبي وإن كان مسيئاً فلست أدع أن أقول الحق، قد والله نصحك أبي، ثم أنشأ يقول:

فيا لك نصحةً لما نذقـهـا

 

أراها نصحةً ذهبت ضلالا

ثم تركه أياماً، وقال له بعد ذلك: أيها الملك، ما تقول في حية قد قطع ذنبها وبقي رأسها. قال: ذاك أبوك وصنيعه بالرجلين ما صنع؛ قال: أبيت اللعن والله ما قدم رزاحٌ إلا ليثأر بهما؛ فقال له: وما آية ذلك؟ قال: اسقه الخمر ثم ابعث إليه عيناً يأتك بخبره؛ فلما انتشى صرفه إلى قبته ومعه بنت له، وبعث عليه عيوناً؛ فلما دخل قبته قامت إليه اينته تسانده فقال:

دعيني من سنادك إن حزنـاً

 

وسهلاً ليس بعدهما رقـود

ألا تسلين عن شبلـي مـاذا

 

أصابهما إذا اهترش الأسود

فإني لو ثأرت المرء حزنـاً

 

وسهلاً قد بدا لك مـا أريد

فرجع القوم. إلى الملك فأخبروه بما سمعوا، فأمر بقتل النهدي رزاحٍ، ورد زهيراً إلى موضعه.
وقد أنشدني محمد بن العباس اليزيدي قال: أنشدنا محمد بن حبيب أبيات الوليد هذه على الولاء، وهي:

ألا من لليل لا تـغـور كـواكـبـه

 

إذا لاح نجمٌ لاح نـجـم يراقـبـه

بني هاشم ردوا سلاح ابن أخـتـكـم

 

ولا تنهبوه لا تـحـل مـنـاهـبـه

بني هاشم لا تـعـجـلـوا بـإقـادةٍ

 

سواءٌ علينا قـاتـلـوه وسـالـبـه

فقد يجبر العظم الكسـير وينـبـري

 

لذي الحق يوماً حقه فـيطـالـبـه

وإنا وإياكـم ومـا كـان مـنـكـم

 

كصدع الصفا لا يرأب الصدع شاعبه

بني هاشم كيف التعـاقـد بـينـنـا

 

وعند عـلـي سـيفـه وحـرائبـه

لعمرك لا أنسى ابن أروى وقتـلـه

 

وهل ينسين الماء ما عاش شـاربـه

هم قتلوه كـي يكـونـوا مـكـانـه

 

كما غدرت يوماً بكسرى مـرازبـه

وإني لمجتابٌ إلـيكـم بـجـحـفـل

 

يصم السميع جـرسـه وجـلائبـه

وقد أجاب الفضل بن عباس بن عتبة بن أبي لهب الوليد عن هذه الأبيات، وقيل: بل أبوه العباس بن عتبة المجيب له أيضاً. والجواب:

فلا تسألونا بالـسـلاح فـإنـه

 

أضيع وألقاه لدى الروع صاحبه

وشبهته كسرى وقد كان مثـلـه

 

شبيهاً بكسرى هديه وعصائبـه

ذكر أحمد بن المكي أن لابن مسجح فيه لحناً وأن لحنه من الثقيل الأول بالسبابة في مجرى الوسطى، وقال كغيره: إنه من منحول أبيه يحيى إلى ابن مسجح.

ذكر باقي خبر الوليد بن عقبة ونسبه

الوليد بن عقبة بن أبي معيط، وقد مضى نسبه مع أخبار ابنه أبي قطيفة. ويكنى الوليد أبا وهب. وهو أخو عثمان بن عفان لأمه، أمهما أروى بنت كريز، وأمها البيضاء بنت عبد المطلب. وكان من فتيان قريش وشعرائهم وشجعانهم وأجوادهم، وكان فاسقًا، وولي لعثمان رضي الله عنه الكوفة بعد سعد بن أبي وقاص، فشرب الخمر وشهد عليه بذلك، فحده وعزله. وهو الذي يقول يرثي عثمان رضي الله عنه ويحرض معاوية:

والله ما هندٌ بأمك إن مضى النهار ولم يثأر بعثمان ثائر

 

أيقتل عبد القوم سيد أهله

 

ولـم تـقـتـلـوه لـيت أمـــك عـــاقـــر

وإنـا مـتـى نـقـتـلـهـم لايقــد بـــهـــم

 

مقـيدٌ فـقــد دارت عـــلـــيك الـــدوائر

أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا عبد الله بن محمد بن حكيم عن خالد بن سعيد بن عمرو بن سعيد عن أبيه قال: لم يكن يجلس مع عثمان رضي الله عنه على سريره إلا العباس بن عبد المطلب وأبو سفيان بن حرب والحكم بن أبي العاصي والوليد بن عقبة، فأقبل الوليد يوماً فجلس، ثم أقبل الحكم، فلما رآه عثمان زحل له عن مجلسه، فلما قام الحكم قال له الوليد: والله يا أمير المؤمنين، لقد تلخلج في صمري بيتان قلتهما حين رأيتك آثرت عمك على ابن أمك؛ فقال له عثمان رضي الله تعالى عنه: إنه شيخ قريش، فما البيتان اللذان قلتهما؟ قال قلت:

رأيت لعم المرء زلفى قـرابةٍ

 

دوين أخيه حادثاً لم يكن قدمـا

فأملت عمراً أن يشب وخالـدا

 

لكي يدعواني يوم مزحمةٍ عما

يعني عمراً وخالداً ابني عثمان. قال: فرق له عثمان، وقال له: قد وليتك العراق يعني الكوفة.
أخبرني أحمد قال حدثني عمر بن شبة قال حدثني بعض أصحابنا عن ابن دأب قال:  لما ولي عثمان رضي الله عنه الوليد بن عقبة الكوفة قدمها وعليها سعد بن أبي وقاص، فأخبر بقدومه؛ فقال: وما صنع؟ قال: وقف في السوق فهو يحدث الناس هناك ولسنا ننكر شيئاً من شأنه؛ فلم يلبث أن جاءه نصف النهار، فاستأذن على سعد فأذن له، فسلم عليه بالإمرة وجلس معه؛ فقال له سعد: ما أقدمك أبا وهب؟ قال: أحببت زيارتك؛ قال: وعلى ذلك أجئت بريداً؟ قال: أنا أرزن من ذلك، ولكن القوم احتاجوا إلى عملهم فسرحوني إليه، وقد استعملني أمير المؤمنين على الكوفة؛ فمكث طويلاً ثم قال: لا والله ما أدري أصلحت بعدنا أم فسدنا بعدك ثم قال:

خذيني فجريني ضباع وأبـشـري

 

بلحم امرىءٍ لم يشهد اليوم ناصره

فقال: أما والله لأنا أقول للشعر وأروى له منك، ولو شئت لأجبتك، ولكني أدع ذلك لما تعلم؛ نعم والله قد امرت بمحاسبتك والنظر في أمر عمالك؛ ثم بعث إلى عماله فحبسهم وضيق عليهم، فكتبوا إلى سعد يستغيثون، فكلمه فيهم؛ فقال له: أو للمعروف عندك موضع؟ قال: نعم والله فخلي سبيلهم.

أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثني عمر قال حدثنا جناد بن بشر قال: حدثني جرير عن مغيرة بنحوه.

قال أبو زيد عمر بن شبة أخبرنا أبو بكر الباهلي قال حدثنا هشيم عن العوام بن حوشب: أنه لما قدم على سعد قال له سعد: ما أدري أكست بعدنا أم حمقنا بعدك؟ فقال: لا تخزعن أبا إسحاق، فإنما هو الملك يتغداه قومٌ ويتعشاه آخرون؛ فقال له سعد: أراكم والله ستجعلونه ملكاً.

أخبرني أحمد قال حدثني عمر قال حدثني المدائني عن بشر بن عاصم عن الأعمش عن شقيق بن سلمة قال: قدم الوليد بن عقبة عاملاً لعثمان على الكوفة وعبد الله بن مسعود على بيت المال، وكان سعد قد أخذ مالاً، فقال الوليد لعبد الله: خذه بالمال، فكلمه عبد الله بمحضر من الوليد في ذلك؛ فقال سعد: آتى أمير المؤمنين، فإن أخذني به أديته. فغمز الوليد عبد الله، ونظر إليهما سعد فنهض وقال: فعلتماها ودعا الله أن يغري بينهما وأدى المال.

أخبرني أحمد قال حدثني عمر بن شبة قال حدثنا هارون بن معروف قال حدثنا ضمرة بن ربيعة عن ابن شوذب قال: صلى الوليد بن عقبة بأهل الكوفة الغداة أربع ركعات، ثم التفت إليهم فقال: أأزيدكم؟ فقال عبد الله بن مسعود: ما زلنا معك في زيادة منذ اليوم.

أخبرني أحمد قال حدثني عمر بن شبة قال حدثنا محمد بن حميد قال حدثنا جرير عن الأجلح عن الشعبي في حديث الوليد بن عقبة حين شهدوا عليه قال: قال الحطيئة:

شهـد الـحـطـيئة يوم يلـقـــى ربـــه

 

أن الـولـيد أحـــق بـــالـــعـــذر

نادى وقد تمت صلاتهمأأزيدكم شكراً ومايدري

 

 

فأبوا أبا وهب ولو أذنوا

 

لقـرنـت بـين الـشـفـع والـــوتـــر

كفـوا عـنـانـــك إذ جـــريت ولـــو

 

تركـوا عـنـانـك لـم تـزل تــجـــري

وقال الحطيئة أيضاً:

تكلم في الصلاة وزاد فيهـا

 

علانيةً وجاهر بالـنـفـاق

ومج الخمر في سنن المصلي

 

ونادى والجميع إلى افتراق

أزيدكم على أن تحمـدونـي

 

ومالكم ومالي مـن خـلاق

أخبرني محمد بن خلف وكيع قال قال حماد بن إسحاق حدثني أبي قال ذكر أبو عبيدة وهشام بن الكلبي والأصمعي قالوا: كان الوليد بن عقبة زانياً شريب حمر، فشرب الخمر بالكوفة وقام ليصلي بهم الصبح في المسجد الجامع، فصلى بهم أربع ركعات، ثم التفت إليهم وقال لهم: أزيدكم؟ وتقيأ في المحراب، وقرأ بهم في الصلاة وهو رافع صوته:

علق القلب الزبابـا

 

بعد ما شابت وشابا

فشخص أهل الكوفة إلى عثمان، فأخبروه خبره وشهدوا عليه بشربه الخمر، فأتي به، فأمر رجلاً بضربه الحد؛ فلما دنا منه قال له: نشدتك الله وقرابتي من أمير المؤمنين فتركه؛ فخاف علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن يعطل الحد، فقام إليه فحده؛ فقال له الوليد: نشدتك بالله وبالقرابة؛ فقال له علي: اسكت أبا وهب فإنما هلكت بنو إسرائيل بتعطيلهم الحدود، فضربه وقال: لتدعوني قريشٌ بعد هذا جلادها. قال إسحاق: فأخبرني مصعب الزبيري قال: قال الوليد بن عقبة بعد ما جلد: اللهم إنهم شهدوا علي بزور، فلا ترضهم عن أمير ولا ترض عنهم أميراً. فقال الحطيئة يكذب عنه:

شهد الحطيئة يوم يلقى ربه

 

أن الوليد أحق بالـعـذر

خلعوا عنانك إذ جريت ولـو

 

تركوا عنانك لم تزل تجري

ورأوا شمائل مـاجـدٍ أنـفٍ

 

يعطي على الميسور والعسر

فنزعت مكذوباً علـيك ولـم

 

تنزع إلى طمـع ولافـقـر

فقال رجل من بني عجل يرد على الحطيئة:

نادى وقد تمت صلاتهمأأزيدكم ثملاً وما يدري

 

ليزيدهم خيراً ولو قبلوا

 

لقـرنـت بـين الـشـفـع والـــوتـــر

فأبـوا أبـا وهـب ولـو فــعـــلـــوا

 

وصـلـت صـلاتـهـم إلـى الـعـشــر

وروى العباس ميمون طائع عن ابن عائشة قاد حدثني أبي قال: لما أحضر عثمان رضي الله عنه الوليد لأهل الكوفة في شرب الخمر، حضر الحطيئة فاستأذن على عثمان وعنده بنو أمية متوافرون، فطمعوا أن يأتي الوليد بعذر، فقال:

شهد الحطيئة يوم يلقى ربـه

 

أن الوليد أحـق بـالـعـذر

خلعوا عنانك إذ جريت ولـو

 

تركوا عنانك لم تزل تجري

ورأوا شمائل مـاجـدٍ أنـف

 

يعطي على الميسور والعسر

فنزعت مكذوباً علـيك ولـم

 

تنزع إلى طمع ولا فـقـر

قال: فسروا بذلك وظنوا أن قد تام بعذره؛ فقال رجل من بني عجل يرد على الحطيئة:

نادى وقد تمت صلاتهمأأزيدكم ثملاً وما يدري

 

فأبوا أبا وهبٍ ولو فعلوا

 

وصـلـت صـلاتـهـم إلـى الـعـشــر

في فوجم القوم وأطرقوا، فأمر به عثمان رضي الله تعالى عنه فحد.
أخبرني محمد بن يحيى الصولي ال حدثني محمد بن الفضل من حفظه قال حدثنا عمر بن شبة من حفظه، ونسخت من كتاب لهارون ابن الزيات بخطه عن عمر بن شبة، وروايته أتم، فحكيت لفظه، قال: شهد رجل عند أبي العجاج، وكان على البصرة، على رجل من المعيطيين شهادة، وكان الرجل الشاهد سكران؛ فقال المشهود عليه وهو المعيطي: أعزك الله إنه لا يحسن أن يقرأ من السكر؛ فقال الشاهد: بلى إني لأحسن؛ فقال: اقرأ؛ فقال:

علق القلب الربابـا

 

بعد ما شابت وشابا

قال: وإنما تماجن بذلك على المعيطي، ليحكى به ما صنع الوليد بن عقبة في محراب الكوفة وقد تقدم للصلاة وهو سكران، فأنشد في صلاته هذا الشعر؛ وكان أبو العجاج محمقاً فظن أن هذا قرآن، فقال: صدق الله ورسوله، ويلكم؛ فلم تعلمون ولا تعملون. ولقد روي أيضاً في الشهادة على الوليد في الشكر غير ما ذكر من زيادته في الصلاة.

أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر بن شبة قال عرضت على المدائني عن مبارك بن سلام عن فطر بن خليفة عن أبي الضحى قال: كان أبو زينب الأزدي وأبو مورع يطلبان عثرة الوليد بن عقبة، فجاءا يوماً فلم يحضر الصلاة، فسألا عنه وتلطفا حتى علما أنه يشرب، فاقتحما عليه الدار فرجداه تقيء، فاحتملاه وهو سكران فوضعاه على سريره وأخذا خاتمه من يده، فأفاق فافتقد خاتمه فسأل عنه؛ فقالوا: لا ندري وقد رأينا رجلين دخلا الدار فاحتملاك فوضعاك على سريرك؛ فقال: صفوهما لي؛ فقالوا: أحدهما آدم طويلٌ حسن الوجه، والآخر عريض مربوع عليه خميصة؛ فقال: هذا أبو زينب وأبو موزع. ولقي أبو زينب وصاحبه عبد الله بن حبيش الأسدي وعلقمة بن يزيد البكري وغيرهما فأخبراهم، فقالوا: اشخصوا إلى أمير المؤمنين فأعلموه ة فقال بعضهم: لا يقبل قولنا في أخيه؛ فشخصوا إليه وقالوا: إنما جئناك في أمر ونحن مخرجوه إليك من أعناقنا، وقد قلنا: إنك لا تقبله، قال: وما هو؟ قالوا: رأينا الوليد وهو سكران من خمر قد شربها وهذا خاتمه أخذناه وهو لا يعقل؛ فأرسل إلى علي رضي الله تعالى عنه فشاوره؛ فقال: أرى أن تشخصه، فإن شهموا عليه بمخضرٍ منه حددته؛ فكتب عثمان رضي الله تعالى عنه إلى الوليد بن عقبة فقدم عليه، فشهد عليه أبو زينب وأبو مورع وجتدب الأسدي وسعد بن مالك الأشعري، ولم يشهد عليه إلا يمانٍ؛ فقال عثمان لعلي: قم فاضربه؛ فقال علي للحسن: قم فاضربه؛ فقال الحسن: مالك ولهذا يكفيك غيرك؛ فقال علي لعبد الله بن جعفر: قم فاضربه، فضربه بمخصرة فيها سيرٌ له رأسان، فلما بلغ أربعين قال له عليٌ: حسبك. أخبرنا أحمد قال حدثنا عمر قال حدثنا المدائني عن الوقاصي عن الزهري قال: خرج رهطٌ من أهل الكوفة إلى عثمان في أمر الوليد، فقال: أكلما غضب رجل منكم على أميره رماه بالباطل لئن أصبحت لكم لأنكلن بكم؛ فاستجاروا بعائشة؛ وأصبح عثمان فسمع من حجرتها صوتاً وكلاماً فيه بعض الغلظة، فقال: أما يجد مراق أهل العراق وفساقهم ملجأ إلا بيت عائشة؛ فسمعت فرفعت نعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت: تركت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم صاحب هذه النعل؛ فتسامع الناس فجاؤوا حتى ملؤوا المسجد، فمن قائل: أحسنت، ومن قائل: ما للنساء وهذا حتى تحاصبوا وتضاربوا بالنعال؛ ودخل رهطٌ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على عثمان، فقالوا له: اتق الله ولا تعطل الحد، واعزل أخاك عنهم؛ فعزله عنهم.

أخبرني أحمد قال حدثنا عمر قال حدثنا المدائني عن أبي محمد الناجي عن مطر الوراق قال: قدم رجل المدينة فقال لعثمان رضي الله عنه: إني صليت الغداة خلف الوليد بن عقبة، فالتفت إلينا فقال: أأزيدكم؟ إني أجد اليوم نشاطاً، وأنا أشم منه رائحة الخم؛ فضرب عثمان الرجل؛ فقال الناس: عطلت الحدود وضربت الشهود.
أخبرني أحمد قال حدثني عمر قال حدثنا أبو بكر الباهلي عن بعض من حدثه قال: لما شهد على الوليد عند عثمان بشرب الخمر كتب إليه يأمره بالشخوص، فخرج وخرج معه قوم يعذرونه، فيهم عدي بن حاتم، فنزل الوليد يوماً يسوق بهم، فقال يرتجز:

لا تحسبنا قد نسينـا الإيجـاف

 

والنشوات من عتيق أو صاف

وعزف قيناتٍ علينا عزاف

 

 

فقال عدي: إلى أين تذهب بنا أقم.

أخبرني أحمد قال حدثنا عمر قال عرضت على المدائني عن قيس بن الربيع عن الأجلح عن الشعبي عن جندب قال: كنت فيمن شهد على الوليد، فلما استتممنا عليه الشهادة حبسه عثمان، ثم ذكر باقي خبره وضرب علي عليه السلام إياه، وقول الحسن: ما لك ولهذا، فزاد فيه: فقال له علي: لست إذا مسلماً، أو من المسلمين. حدثنا إبراهيم بن عبد الله المخزومي قال حدثنا سعيد بن محمد المخزومي قال حدثنا ابن علية قال حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن عبد الله الداناج قال سمعت الحضين بن المنذر أبا ساسان يحدث، وأخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا محمد بن حاتم قال حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن علية قال حدثنا سعيد بن أبي عروبة قال حدثنا عبد الله الداناج عن حضين أبي ساسان قال: لما جيء بالوليد بن عقبة إلى عثمان بن عفان وقد شهدوا عليه بشرب الخمر، قال لعلي: دونك ابن عمك فأقم عليه الحد؛ فأمر به فجلد أربعين. ثم ذكر نحو هذا الحديث وقال فيه: فقال علي للحسن: بل ضعفت ووهنت، وعجزت، قم يا عبد الله بن جعفر، فقام فجلده وعلي يعد حتى بلغ أربعين، فقال علي: أمسك، جلد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين، وجلد أبو بكر أربعين، وأتمها عمر ثمانين، وكلٌ سنة.

أخبرنا أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر قال حدثنا عبد الله بن محمد بن حكيم عن خالد بن سعيد قال: لما ضرب عثمان الوليد الحد قال: إنك لتضربني اليوم بشهادة قوم ليقتلنك عاماً قابلاً.

أخبرني محمد بن العباس اليزيدي عن عمه عبيد الله قال أخبرني محمد بن حبيب عن ابن الاعرابي قال وأخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا عبد الله بن محمد بن حكيم عن خالد بن سعيد، وأخبرني إبراهيم بن محمد بن أيوب قال حدثنا عبد الله بن مسلم، قالوا جميعاً: كان أبو زبيد الطائي نديماً للوليد بن عقبة ألام ولايته الكوفة، فلما شهد عليه بالسكر من الخمر وخرح من الكوفة قال أبو زبيد – واللفظ في القصيدة لليزيدي لأنها في روايته أتم -:

من يرى الـعـير لابـن أروى عـلـــى ظـــه

 

ر الـمـروري حـداتــهـــن عـــجـــال

مصـعـداتٍ والـــبـــيت بـــيت أبـــي وه

 

بٍ خـلاءٌ تـحـن فـــيه الـــشـــمـــال

يعرف الجاهل المضلل أن الدهر فيه النكراء والزلزال

 

 

ليت شعري كذاكم العهد أم كا

 

نوا أنـاسـاً كـــمـــن يزول فـــزالـــوا

بعــد مـــا تـــعـــلـــمـــين يا أم زيدٍ

 

كان فـيهـم عــزٌ لـــنـــا وجـــمـــال

ووجــوهٌ بـــودنـــا مـــشـــرقـــاتٌ

 

ونـــوالٌ إذا أريد الـــــــنـــــــوال

أصبح البيت قد تبدل بالحي وجوهاً كأنـهـا الأقـتـال

 

 

كل شـيء يحـتـــال فـــيه الـــرجـــال

 

غير أن لـيس لـلـمــنـــايا احـــتـــيال

ولـعـمـر الإلـه لـو كـان لـــلـــســـي

 

ف مـصـالٌ أو لـلـــســـان مـــقـــال

ما تـنـاسـيتـك الـصـــفـــاء ولا الـــود

 

ولاحـــال دونـــك الأشـــغـــــــال

ولحرمت لحمك المتعضى ضلةً ضل حلمهم ما اغتالوا

 

 

قولهم شربلث الحرام وقد كا

 

ن شـرابٌ ســـوى الـــحـــرام حـــلال

وأبـى الـــظـــاهـــر الـــعـــداوة إلا

 

شنـــآنـــاً وقـــول مـــالا يقـــــال

من رجـالٍ تـقـارضــوا مـــنـــكـــراتٍ

 

لينـالــوا الـــذي أرادوا فـــنـــالـــوا

غير مـا طـالـبـــين ذحـــلاً ولـــكـــن

 

قال دهـر عـلـى أنــاس فـــمـــالـــوا

من يخـنـك الـصـــفـــاء أو يتـــبـــدل

 

أو يزل مـثـل مــا تـــزول الـــظـــلال

فاعلمن أنني أخوك أخو الود حياتي حتى تزول الجبال

 

 

ليس بخلاً عليك عندي بمالٍ

 

أبـداً مـا أقـــل نـــعـــلاً قـــبـــال

ولك النصر باللسان وبالكف إذا كان لليدين مـصـال

 

 

من يرى العير لابن أروى على ظه

 

ر الـمـروري حـداتــهـــن عـــجـــال

مصـعـداتٍ والــبـــيت بـــيت أبـــي وه

 

بٍ خـلاءٌ تـحـن فـــيه الـــشـــمـــال

عروضه من الخفيف. المروري: جمع مروراة وهي الصحراء. غنى الدلال فيه خفيف ثقيل بإطلاق الوتر في مجرى البنصر عن إسحاق وغيره.

أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر بن شبة قال: لما قدم الوليد بن عقبة الكوفة قدم عليه أبو زبيد، فأنزله دار عقيل بن أبي طالب على باب المسجد وهي دار القبطي، فكان مما احتج به عليه أهل الكوفة أن أبا زبيد كان يخرج إليه من داره يخترق المسجد وهو نصراني فيجعله طريقاً.

أخبرني محمد بن العباس اليزيدي قال “حدثني عمي عبيد الله عن أبي حبيب بن جبلة عن ابن الأعرابي: أن أبا زبيد وفد على الوليد حين استعمله عثمان على الكوفة، فأنزله الوليد داراً لعقيل بن أبي طالب على باب المسجد، فاستوهبها منه فوهبها له، فكان ذلك أول الطعن عليه من أهل الكوفة؛ لأن أبا زبيد كان يخرج من منزله حتى يشق الجامع إلى الوليد، فيسمر عنه ويشرب معه ويخرج فيشق المسجد وهو سكران، فذلك نبههم عليه.

قال: وقد كان عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ولي الوليد بن عقبة صدقات بني تغلب، فبلغه عنه بيتٌ قاله وهو:

إذا ما شددت الرأس مني بمشوذٍ

 

فغيك مني تغلـب بـنة وائل

وكان أبو زبيد قد استودع بني كنانة بن تيم بن أسامة بن مالك بن بكر بن حبيب بن غنم بن تغلب إبلاُ فلم يردوها عليه حين طلبها، وكانت بنو تغلب أخوال أبي زبيد، فوجد الوليد بني تغلب ظالمين لأبي زبيد، فأخذ له الوليد بحقه؛ فقال يمدح الوليد:

يا ليت شعري بأنباءٍ أنـبـؤهـا

 

قد كان يعيا بها صدري وتقديري

عن امرىء مايزده الله من شرفٍ

 

أفرخ به ومري غير مسـرور

يعني مري بن أوس بن حارثة بن لأم. وهي طويلة يقول فيها:

إن الوليد له عنـدي وحـق لـه

 

ود الخليل ونصحٌ غير مذخـور

لقد رعاني وأدناني وأظهـرنـي

 

على الأعادي بنصرٍ غير تعذير

فشذب القوم عني غير مكتـرثٍ

 

حتى تناهوا على رغم وتصغير

نفسي فداء أبي وهبٍ وقـل لـه

 

يا أم عمرو فحلي اليوم أو سيري

وفي رواية ابن حبيب: “يا أم زيد”، يعني: يا أم أبي زبيد.
أخبرني محمد بن العباس عن عمه عن محمد بن حبيب عن ابن الأعرابي قال: كان الوليد بن عقبة قد استعمل الزبيع بن مري بن أوس بن حارثة بن لأم الطائي على الحمى فيما بين الجزيرة وظفر الحيرة، فأنجدبت الجزيرة، وكان أبو زبيد في تغلب، فخرج بهم ليرعيهم؛ فأبى عليه الأوسي وقال: إن شئت أن ارعيك وحدك فعلت وإلا فلا؛ فأتى أبو زبيد الوليد بن عقبة، فأعطاه ما بين القصور الحمر من الشأم إلى القصور الحمر من الحيرة وجعله له حمى، وأخذها من الآخر. هكذا روى ابن حبيب. وأخبرنا أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر بن شبة قال: كانت الجنينة في يد مري بن أوس، فلما قدم الوليد بن عقبة الكوفة انتزعها منه ودفعها إلى أبي زبيد. والقول الأول أصح، وشعر أبي زبيد يدل عليه في قوله في الوليد بن عقبة يمدحه:

لعمر أبيك يابن أبي مـري

 

لغيرك من أباح لها الديارا

أباح لها أبـارق ذات نـور

 

ترعى القف منها والعرارا

بحمد الله ثم فـتـى قـريشٍ

 

أبي وهبٍ غدت بطناً غزارا

أياح لها ول ايحمى علـيهـا

 

إذا ما كنتـم سـنةً جـزارا

يريد جزراً من الجدب والشدة.

فتى طالت يداه إلى المعالـي

 

وطحطحتا المقطعة القصارا

وهي أبيات.
قال عمر بن شبة في خبره خاصة: فلما عزل الوليد ووليها سعيد انتزعها منه وأخرجها من يده؛ فقال:

ولـــقـــد مـــت غـــير أنـــي حـــــيٌ

 

يوم بــانـــت بـــودهـــا خـــنـــســـاء

من بـنـي عـامـر لـهـا شــق نـــفـــســـي

 

قســـمةً مـــثـــل مـــا يشـــق الـــرداء

أشـربـت لـــون صـــفـــرةٍ فـــي بـــياضٍ

 

وهـــي فـــي ذاك لــــــدنةٌ غـــــــيداء

كل عـينٍ مــمـــن يراهـــا مـــن الـــنـــا

 

س إلـــيهـــا مـــــــديمةٌ حـــــــولاء

فانــتـــهـــوا إن لـــلـــشـــدائد أهـــلاً

 

وذروا مـــــا تـــــــزين الأهـــــــواء

ليت شـــعـــري وأبـــن مـــنـــي لـــيتٌ

 

إن لـــيتـــاً وإن لـــوًا عـــــنـــــــاء

أي سـاعٍ سـعـى لـــيقـــطـــع شـــربـــي

 

حين لاحـت لـلـــصـــابـــح الـــجـــوزاء

واستظل العصفور كرهاً مع الضب وأوفى في عوده الحرباء

 

 

ونفى الجندب الحصا بكراعي

 

ه وأذكـت نـــيرانـــهـــا الـــمـــعـــزاء

من ســمـــوم كـــأنـــهـــا حـــر نـــارٍ

 

سفـــعـــتـــهـــا ظـــهـــيرةٌ غـــراء

وإذا أهـــل بـــلـــدةٍ أنـــكـــرونـــــي

 

عرفـتـنـــي الـــدوية الـــمـــلـــســـاء

عرفـت نـاقـتـي الــشـــمـــائل مـــنـــي

 

فهــي إلا بـــغـــامـــهـــا خـــرســـاء

عرفـت لـيلـهـــا الـــطـــويل ولـــيلـــي

 

إن ذا الـلـــيل لـــلـــعـــيون غـــطـــاء

أي سـاع سـعـى لـــيقـــطـــع شـــربـــي

 

حين لاحـت لـلـــصـــابـــح الـــجـــوزاء

واستكن العصفور كرهاً مع الضب وأوفى في عوده الحرباء

 

 

وإذا الدار أهلها أنكروني

 

عرفـتـنـــي الـــدوية الـــمـــلـــســـاء

عرفـت نـاقـتـي الــشـــمـــائل مـــنـــي

 

فهـي إل ابـــغـــامـــهـــا خـــرســـاء

عرفـت لـيلـهـــا الـــطـــويل ولـــيلـــي

 

إن ذا الـلـــيل لـــلـــعـــيون غـــطـــاء

عروضه من الخفيف. غناه ابن سريج خفيف رمل مطلق في مجرى البنصر عن إسحاق، وغنى داود بن العباس الهاشمي في الخامس ثم الثالث خفيف ثقيل أول بالوسطى عن عمرو.

قال ابن حبيب في خبره: وقال أبو زبيد يثشوق إلى الوليد لما خرج عن الكوفة:

لعمري لئن أمسى الوليد ببلـدةٍ

 

سواي لقد أمسيت للدهر معورا

قال ابن حبي: “ويروي سوي لقد” وهي لغة طيء.

خلا أن رزق الـلـه غـادٍ ورائحٌ

 

وأني له راجٍ وإن سرت أشهـرا

وكان هو الحصن الذي ليس مسلمي

 

إذا أن ابالنكراء هيجت معـشـرا

إذا صادفوا دوني الوليد كـأنـمـا

 

يرون بوادي ذي حماسٍ مزعفـرا

خضيب بنان مـا يزال بـراكـب

 

يخب وضاحي جلده قد تقـشـرا

وهي طويلة.
حدثني إسحاق بن بنان الأنماطي قال حدثنا حبيش بن مبشر قال حدثنا عبيد الله بن موسى قال حدثنا ابن أبي ليلى عن الحكم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال الوليد بن عقبة لعلي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: أنا أحد منك سناناً، وأبسط منك لساناً، وأملأ للكتيبة طعاناً، فقال له علي رضي الله تعالى عنه: اسكت فإنما أنت فاسق، فنزل القرآن: “أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً لا يستوون” أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني محمد بن حاتم قال حدثنا يونس بن محمد قال حدثنا شيبان عن قتادة في قوله تعالى: “إن جاءكم فاسقٌ بنبإٍ” قال: هذا ابن أبي معيط الوليد بن عقبة، بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى بني المصطلق مصدقاً، فلما رأوه أقبلوا نحوه فهابهم؛ فرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره أنهم قد ارتدوا عن الإسلام فبعث النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد وأمره أن يتثبت ولا يعجل؛ فانطلق حتى أتاهم ليلاً فبعث عيونه؛ فلما جاؤوه أخبروه بآنهم متمسكون بالإسلام وسمعوا أذانهم وصلاتهم؛ فلما أصبحوا أتاهم خالد فرأى ما يغجبه، فرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره.

أخبرنا أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا عبيد الله بن موسى قال حدثنا نعيم بن حكيم عن أبي مريم عن علي:  أن امرأة الوليد بن عقبة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم تشتكي الوليد وقالت: إنه يضربها؛ فقال لها: “ارجعي وقولي إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أجارني”، فانطلقت فمكثت ساعة، ثم رجعت فقالت: ما أقلع عني؟ فقطع رسول الله صلى الله عليه وسلم هدبةً من ثوبه ثم قال: “امضي بهذا ثم قولي إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أجارني”؛ فانطلقت فمكثت ساعة ثم رجعت فقالت: يا رسول الله ما زادني إلا ضرباً؛ فرفع يديه وقال: لا اللهم عليك الوليد” مرتين أو ثلاثاً.

أخبرنا أحمد قال حدثنا عمر بن شثة، وحدثني أبو عبيد الصيرفي قال حدثني الفضل بن الحسن البصري قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا أيوب بن عمر قال حدثنا عمر بن أيوب قال حدثنا جعفر بن برقان عن ثابت بن الحجاج عن أبي موسى عبد الله الهمداني: أن الوليد بن عقبة قال: لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، جعل أهل مكة يأتونه بصبيانهم فيدعو لهم بالبركة ويمسح على رؤوسهم، فجيء بي إليه وأنا مخلق فلم يمسسني، وما منعه إلا أن أمي خلقتني بخلوق فلم يمسسني من أجل الخلوق.

أخبرنا أحمد قال حدثنا عمر قال حدثنا خلف بن الوليد قال حدثنا المبارك بن فضالة عن الحسن: أن الوليد بن عقبة كان عنده ساحرٌ يريه كتيبتين تقتتلان، فتحمل إحداهما على الأخرى فتهزمها؛ فقال له الساحر: أيسرك أن أريك هذه المنهزمة تغلب الغالبة فتهزمها؟ قال: نعم؛ وأخبر جندبٌ بذلك، فاشتمل على السيف ثم جاء فقال: أفرجوا، فضربه حتى قتله، ففزع الناس وخرجوا؛ فقال: يا أيها الناس لا عليكم، إنما قتلت هذا الساحر لئلا يفتنكم في دينكم، فحبسه قليلاً ثم تركه.

أخبرنا أحمد قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا عمر بن سعيد الدمشقي، وحدثنا سعيد بن عبد العزيز عن الزهري: أن رجلاً من الأنصار نظر إلى رجل يستعلن بالسحر، فقال: أو إن السحر ليعلن به في دين محمد فقتله؛ فأتي به الوليد بن عقبة فحبسه؛ فقال له دينار بن دينار: فيم حبست؟ فأخبره فخلي سبيله؛ فأرسل الوليد إلى دينار فقتله.

أخبرنا أحمد قال حدثنا عمر قال حدثنا موسى بن إسماعيل قال حدثنا حماد بن سلمة قال حدثنا أبو عمران الجونى: أن ساحراً كان عند الوليد بن عقبة، فجعل يدخل في جوف بقرة ويخرج منه؛ فرآه جندبٌ، فذهب إلى بيته فاشتمل على سيف، فلما دخل الساحر في جوف البقرة، قال: أتأتون السحر وأنتم تبصرون، ثم ضرب وسط البقرة فقطعها وقطع الساحر في البقرة قانذعر الناس، فسجنه الوليد وكتب بذلك إلى عثمان رضي الله عنه؛ وكان السخان يفتح له الباب بالليل فيذهب إلى أهله فإذا أصبح دخل السجن.

أخبرنى أحمد قال حدثنا عمر قال حدثنا حجاج بن نصير قال حدثنا قزة عن محمد بن سيرين قال: انطلق بجتدب بن كعب إلى سجني خارج من الكوفة وعلى السجن رجلٌ نصراني، فلما رأى جندب بن كعب يصوم النهار ويقوم الليل، قال النصراني: والله إن قوماً هذا شرهم لقوم صدقٍ؛ فوكل بالسجن رجلاً ودخل الكوفة فسأل عن أفضل أهل الكوفة، فقالوا: الأشعث بن قيس فاستضافه، فجعل يرى أبا محمد ينام الليل ثم يصبح فيدعو بغدائه؛ فخرج من عنده فسأل: أي أهل الكوفة أفضل. فقالوا: جرير بن عبد الله، فوجده ينام الليل ثم يصبح فيدعو بغدائه، فاستقبل القبلة ثم قال: ربي رب جندب وديني على دين جندب، وأسلم.

حدثني عمي الحسن بن محمد قال حدثنا الخزاز عن المدائني عن علي بن مجاهد عن محمد بن إسحاق عن يزيد بن رومان عن الزهري وغيره، قالوا:  لما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة بني المصطلق، نزل رجلٌ فساق بالقوم ورجز، ثم نزل آخر فساق بالقوم ورجز، ثم بدا لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يواسي أصحابه، فنزل فجعل يقول: “جندبٌ وما جندب والأقطع الخير زيد”؛ فدنا منه أصحابه وقالوا: يا رسول الله ما ينفعنا مشيك مخافة أن تلسعك دابة الأرض أو تصيبك نكبةٌ فركب ودنوا منه فقالوا: لقد قلت قولاً ما ندري ما هو؟ قال: “وما ذاك”؟: قالوا: قولك “جندب وما جندب والأقطع الخير زيد”؛ فقال: “رجلان يكونان في هذه الأمة يضرب أحدهما ضربة يفرق بين الحق والباطل وتقطع يد الآخر في سبيل الله فيتبع الله آخر جسده بأوله”؛ فكان زيد بن صوحان، قطعت يده يوم جلولاء وقتل يوم الجمل مع علي. وأما جندب فإنه رجل دخل على الوليد بن عقبة وعنده ساحرٌ يكنى أبا شيبان يأخذ أعين الناس فيخرج مصارين بطنه ثم يعيدها فيه؛ فجاء من خلفه فقتله، وقال:

العن وليداً وأبـا شـيبـان

 

وابن حبيش راكب الشيطان

رسول فرعون إلى هامان

 

 

أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي قال حدثني ابن وهب عن يونس عن الزهري قال: نزع عثمان بن عفان الوليد بن عقبة عن الكوفة وأمر عليها سعيد بن العاص. قال أبو زيد: فحدثني عبد الله بن عبد الرحمن قال حدثنا سعيد بن جامع الهجيمي قال: لما أقبل سعيد من المدينة عامداً للكوفة بعد ما خرج والياً لعثمان جعل يرتجز في طريقه:

ويل نسيات العراق مني

 

كأنني سمعمعٌ من جن

أخبرني أحمد قال حدثني عمر قال حدثني المدائني عن أبي علقمة عن سعيد بن أشوع قال قال عدي بن حاتم: قدم سعيد بن العاص الكوفة فقال: اغسلوا هذا المنبر، فإن الوليد كان رجساً نجساً؛ فلم يصعده حتى غسل، عيباً على الوليد. وكان الوليد أسن منه وأسخى نفساً وألين جانباً وأرضى عندهم، فقال بعض شعرائهم:

يا ويلنا قد ذهـب الـولـيد

 

وجاءنا من بعـده سـعـيد

ينقص في الصاع ولا يزيد

 

 

وقال آخر:

فررت من الوليد إلى سـعـيدٍ

 

كأهل الحجر إذ جزعوا فباروا

يلينا مـن قـريش كـل عـام

 

أميرٌ محدثٌ أو مسـتـشـار

لنا نارٌ تحرقنـا فـنـخـشـى

 

وليس لهم فلا يخشـون نـار

أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر قال حدثنا المدائني قال: قدم الوليد بن عقبة الكوفة زائراً للمغيرة بن شعبة، فأتاه أشراف أهل الكوفة يسلمون عليه، فقالوا: والله ما رأينا بعدك مثلك؛ فقال: أخيراً أم شراً؟ فقالوا: بل خيراً؛ قال: ولكني والله ما رأيت بعدكم شراً منكم، فأعادوا الثناء عليه، فقال: بعض ما تثنون به، فوالله إن بغضكم لتلف، وإن حبكم لصلف.

قال أبو زيد: وذكروا أن قبيصة بن جابر كان ممن كثر على الوليدة فقال معاوية يوماً والوليد وقبيصة عنده: يا قبيصة، ما كان شأنك وشأن الوليد. فقال: خيراً يا أمير المؤمنين، في أولٍ وصل الرحم وأحسن الكلام فلا تسألن عن الشكر وحسن الثناء، ثم غضب على الناس وغضبوا عليه وكنا منهم، فإما ظالمون فنستغفر الله، وإما مظلومون فغفر الله له، وخذ في غير هذا يا أمير المؤمنين، فإن الحديث ينسي القديم؛ قال: ولم. فوالله لقد أحسن السيرة وبسط الخير وكف الش؛ قال: فأنت أقدر على ذلك يا أمير المؤمنين منه فافعل؛ قال: اسكت لا سكت، فسكت وسكت القوم؛ فقال له: مالك لا تتحدث؟ قال: نهيتني عما كنت أحب فسكت عما أكره.

أخبرني أحمد قال حدثني عمر قال حدثني المدائني قال: مات الوليد بن عقبة فويق الرقة، ومات أبو زبيد، فدفنا جميعاً في موضع واحد. فقال في ذلك أشجع السلمي وقد مر بقبريهما:

مررت على عظام أبي زبيدٍ

 

وقد لاحت ببلقعةٍ صلـود

وكان له الوليد نديم صـدقٍ

 

فنادم قبره قبـر الـولـيد

وما أدري بمن تبدا المنـايا

 

بأحمد أو بأشجـع أو يزيد

أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن ابن الكلبي عن أبيه قال:  خرج الوليد بن عقبة غازياً للروم وعلى مقدمته عتبة بن فرقد، فلقيه الروم فقاتلوه ة فقال له رجلٌ من العرب نصرانيٌ: لست على دينكم ولكني أنصحكم للنسب، فالقوم مقاتلوكم إلى نصف النهار، فإن رأوكم ضعفاءً أفنوكم وإن صبرتم هربوا وتركوكم؛ فقال سلمان بن ربيعة: يا معشر المسملمين، ما عذركم عند الله غداً إن أصيب عتبة بن فرقد وأصحابه ولم يعنهم أحدٌ منكم؛ فركب معه ثلاثة آلاف رجل على البغال يجنبون الخيل، فلحقوا عتبة وأصحابه، فقاتلوا معهم قتالاً شديداً حتى هزم الله الروم. فقال الوليد بن عقبة:

أتاني من الفج الذي كنت آمناً

 

بقية شذاذٍ من الخيل ظـلـع

عليها العبيد يضربون جنوبها

 

ونازل منا كل خرقٍ سميذع

فإني زعيمٌ أن تصيح نساؤهم

 

صياح دجاج المرية المتوزع

وقال الحطيئة يمدح الوليد بذلك، وكان قد وصله وكان الوليد جواداً:

أرى لابن أروى خلتين اصطفاهما

 

قتالٌ إذا يلقى الـعـدو ونـائلـه

فتىً يملأ الشيزى ويروى بكفـه

 

سنان الرديني الأصم وعامـلـه

يؤم العدو حيث كان بجـحـفـلٍ

 

يصم السميع جرسه وصواهلـه

إذا حان منه منزل الليل أو قـدت

 

لأخراه في أعلى اليفاع أوائلـه

نفيت الجعاد البيض عن حردارهم

 

فلم يبق إلاحيةٌ أنـت قـاتـلـه

فقال الحليس بن نعيم النهدي يكذب الحطيئة:

وأبلغ أبا وهبٍ إذا ما لـقـيتـه

 

فقد حاربتك الروم فيمن تحارب

وفي الأرض حياتٌ وأسدٌ كثيرةٌ

 

عدوٌ ولكن الحـطـيئة كـاذب

أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمربن شبة قال حدثنا علي بن محمد عن أبي مخنف عن خالد بن قطن عن أبيه قال: لما قتل عثمان أرسل علي فأخذ كل ما كان في داره من السلاح وإبلاً من إبل الصدقة، فلذلك قال الوليد بن عقبة:

بني هاشم ردوا سلاح ابن أختكم

 

ولا تنهبوه لا تحل منـاهـبـه

و يروى:

ولا تهبوه لا تحل مواهـبـه

 

بني هاشم كيف الهوادة بيننا

 

وعند علي سيفه ونـجـائبـه

قتلتم أخي كيما تكونوا مكـانـه

 

كما فعلت يوماً بكسرى مرازبه

هكذا في الخبر:

ولا تهبوه لا تحل مواهبه

أخبرني الطوسي قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عبد الله بن إسحاق الجعفرفي: أن الوليد بن عقبة بن أبي معيط لقي بجاداً مولى عثمان، فأخبره أن عثمان قد قتل؛ فقال:

ليت أني هلكت قبل حـديثٍ

 

سل جسمي وريع منه فؤادي

يوم لاقيت بالبـلاط بـجـاداً

 

ليت أني هلكت قبل بـجـاد

وقد زيد في هذا الشعر بيتٌ ونقص منه آخر مكانه وغني فيه، وهو:

طال ليلي وملنـي عـوادي

 

وتجافى عن الضلوع مهادي

من حديثٍ نمي إلي فمـا ير

 

قأ دمعي ولا أحس رقـادي

يوم لاقيت بالبلاط بـجـاداً

 

ليت أني هلكت قبل بجـاد

وبنفسي التي أحب وأهلـي

 

وبمالي وطارفي وتـلادي

قلت لاتغضبي فذلك قولـي

 

بلساني وما يجـن فـؤادي

غنى فيه ابن عباد ثاني ثقيل مطلق في مجرى البنصر في الأول والرابع من الأبيات، وذكر عمرو بن بانة أنه لابن محرز، ومن الناس من ينسبه إلى ابن سريج في هذه الطريقة في الأول والثاني، وذكر ابن المكي أنه للغريض ثاني فيل بالخنصر في مجرى البنصر، ووافقه يونس. وذكر أن في هذا الشعر لابن سريج والغريض لحنين في الخمسة الأبيات. وذكر حبش أن فيها لمعبد ثقيلاً أول بالوسطى، ولعبد الله بن العباس الربيعي ثاني قيلٍ بالوسطى، وللغريض خفيف رمل بالوسطى، ولسليم ثقيلٌ أول بالوسطى. وذكر أحمد بن عبيد أن فيه رملاً لابن جامع في البيت الأول وحده، وأن فيه هزجاً لا يعرف صانعه.

أخبرني أحمد بن جعفر جحظة قال حدثني هبة الله بن إبراهيم بن المهدي قال حدثني أبي قال:  أرسل إلي محمد بن زبيدة في ليلةٍ من ليالي الصيف مقمرة: يا عم إن الجرب بيني وبين طاهر بن الحسين قد سكنت، فصر إلي فإني إليك مشتاقٌ؛ فجئته وقد بسط له على سطح زبيدة، وعنده سليمان بن جعفر عليه كساءٌ روذباري وقلنسوةٌ طويلة، وجواريه بين يديه، وضعف جاريته عنده، فقال لها: غنيني فقد سررت بعمومتي؛ فاندفعت تغنيه:

هم قتلوه كي يكونوا مـكـانـه

 

كما فعلت يوماً بكسرى مرازبه

بني هاشم كيف التواصل بيننـا

 

وعند أخيه سيفه ونـجـائبـه

هكذا غنت؛ وإنما هو:

وعند علي سيفه ونجائبه

فغضب وتطير وقال لها: ما قصتك ويحك انثني وانتهي وغنيني ما يسرني فأندفعت وغنت:

هذا مقـام مـطـردٍ

 

هدمت منازله ودوره

فازداد تطيراً، ثم قال لها: ويحك انتهي، غنيني غير هذا، فغنت:

كليبٌ لعمري كان أكثر ناصراً

 

وأيسر جرماً منك ضرج بالدم

فقال لها: قومي إلى لعنة الله فوثبت وكان بين يديه قدح بلور وكان لحبه إياه سماه باسمه محمدا، فأصابه طرف ذيلها فسقط على بعض الصواني فأنكسر وتفتت؛ فأقبل علي وقال: أرى والله يا عم أن هذا آخر أيامنا؛ فقلت: كلا بل يبقيك الله يا أمير المؤمنين ويسرك؛ قال: ودجلة والله يا بني هادئة ما فيها صوت مجداف ولا أحدٌ يتحرك وهي كالطست هادئة، فسمعت هاتفاً يهتف: “قضي الأمر الذي فيه تستفتيان”. قال: فقال لي: أسمعت ما سمعت يا عم؟ فقلت: وما هو؟ وقد والله سمعته – فقال: الصوت الذي جاء الساعة من دجلة؛ فقلت: ما سمعت شيئاً، وما هذا إلا توهم؛ فإذا الصوت قد عاد يقول: “قضي الأمر الني فيه تستفتيان”. فقال: انصرف يا عم بيتك الله بخير، فمحالٌ ألا تكون الآن قد سمعت ما سمعت؛ فانصرفت، وكان آخر العهد به أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري ومحمد بن يحيى الصولي واللفظ له، قالا حدثنا محمد بن زكريا الغلابي قال حدثنا عبد الله بن الضحاك عن هشام بن محمد عن أبيه، قال محمد: وحدثنا عبد الله بن محمد ومحمد بن عبد الرحمن جميعاً عن مطرف بن عبد الله عن عيسى بن يزيد، قال: وفد الوليد بن عقبة، وكان جواداً، على معاوية، فقيل له: هذا الوليد بن عقبة بالباب؛ فقال: والله ليرجعن معطياً غير معطىً، فإنه الآن قد أتانا يقول: علي دين وعلي كذا وكذا؛ يا غلام ائذن له، فأذن له؛ فسأله وتحدث معه، ثم قال: أما والله إن كنا لنحب إيثار مالك بالوادي وقد أعجب أمير المؤمنين، فإن رأيت أن تهبه ليزيد فعلت؛ فقال الوليد: هو ليزيد، ثم خرج وجعل يختلف إلى معاوية أياماً، فقال له يوماً: انظر يا أمير المؤمنين في شأني، فإن علي مؤونة وقد أرهقني دين؛ فقال له معاوية: ألا تستحي لحسبك ونسبك تأخذ ما تأخذ فتبذره ثم لا تنفك تشكو ديناً، فقال له الوليد: أفعل، ثم انطلق مكانه فصار إلى الجزيرة، فقال:

فإذا سـئلـت تـقـول لا

 

وإذا سألت تقول هـات

تأبى فعـال الـخـير لا

 

تروي وأنت على الفرات

أفلا تمـيل إلـى نـعـم

 

أو ترك لا حتى الممات

قال: فبلغ معاوية مقدمه الجزيرة، فخافه وكتب إليه: أن أقبل إلي؛ فكتب إليه:

أعف وأسـتـحـيي كـمـا قـد أمـرتـنـي

 

فأعـط سـواي مـا بـدا لـك وانـحـــل

سأحـدو ركـابـي عـنـك إن عـزيمـتـي

 

إذا نـابـنـي أمـر كـسـلة مـنـصــل

وإنـي امـرؤ لـلـرأي مـنـي تـطــرفٌ

 

وليس شـبـا قـفـلٍ عـلـي بـمـقـفـل

ورحل إلى الحجاز، فبعث إليه معاوية بجائزة.

 

 

انقضت أخبار الوليد بن عقبة.

ربـمـا نـــبـــهـــنـــي الإخ

 

وان والـــلـــيل بـــهـــــيم

حين غـــارت وتـــدلـــــــت

 

في مـهـاويهـا الـــنـــجـــوم

ونـعـاس الـلــيل فـــي عـــي

 

ني كـالـــثـــاوي مـــقـــيم

للـتـي تـعــصـــر لـــمـــا

 

أينـعـت مـنـهــا الـــكـــروم

أنـــا بـــالـــري مـــقـــيمٌ

 

في قـــرى الـــري أهـــــيم

ما أراني عن قرى الري مدى دهري أريم

 

 

الشعر والغناء لإبراهيم الموصلي. ولحنه المختار ثقيلٌ أول بإطلاق الوتر في مجرى البنصر عن إسحاق. ولإبراهيم أيضاً فيه خفيف ثقيل، وقيل: إنه لابنه إسحاق. وفيه لأحمد بن يحيى المكي ثاني ثقيلٍ بالوسطى عن الهشامي وأحمد بن عبيد.