ذكر قيس بن ذريح ونسبه وأخباره

ذكر قيس بن ذريح ونسبه وأخباره

نسبه: هو، فيما ذكر الكلبي والقحذمي وغيرهما، قيس بن ذريح بن سنة بن حذافة بن طريف بن عتوارة بن عامر بن ليث بن بكر بن عبد مناة وهو علي بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار. وذكر أبو شراعة القيسي أنه قيس بن ذريح بن الحباب بن سنة؛ وسائر النسب متفق. واحتج بقول قيس:

فإن يك تهيامي بلبنى غـوايةً

 

فقد يا ذريح بن الحباب غويت

وذكر القحذمي أن أمه بنت سنة بن الذاهل بن عامر الخزاعي، وهذا هو الصحيح؛ وأنه كان له خال يقال له عمرو بن سنة شاعر، وهو الذي يقول:

ضربوا الفيل بالمغمس حتى

 

ظل يحبو كأنه محـمـوم

وفيه يقول قيس:

أنبئت أن لخالي هجمةً حبـسـاً

 

كأنهن بجنب المشعر النـصـل

قد كنت فيما مضى قدماً تجاورنا

 

لا ناقةٌ لك ترعاها ولا جـمـل

ما ضر خالي عمراً لو تقسمهـا

 

بعض الحياض وجم البئر محتفل

هو رضيع الحسين بن علي: أخبرني الحسن بن علي قال حدثني محمد بن موسى بن حماد قال حدثني أحمد بن القاسم بن يوسف قال حدثني جزء بن قطن قال حدثنا جساس بن محمد بن عمرو أحد بني الحارث بن كعب عن محمد بن أبي السري عن هشام بن الكلبي قال حدثني عدد من الكنانيين: أن قيس بن ذريح كان رضيع الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما، أرضعته أم قيس.

أول عشقه لبنى ثم زواجه بها

أخبرنا بخبر قيس ولبنى امرأته جماعةٌ من مشايخنا في قصص متصلة ومنقطة وأخبار منثورة ومنظومةٍ، فألفت ذلك أجمع ليتسق حديثه إلا ما جاء مفرداً وعسر إخراجه عن جملة النظم فذكرته على حدة. فممن أخبرنا بخبره أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة ولم يتجاوزه إلى غيره، وإبراهيم بن محمد بن أيوب عن ابن قتيبة، والحسن بن علي عن محمد بن موسى بن حماد البربري عن أحمد بن القاسم بن يوسف عن جزء بن قطن عن جساس بن محمد عن محمد بن أبي السري عن هشام بن الكلبي وعلى روايته أكثر المعول. ونسخت أيضاً من أخباره أيضاً المنظومة أشياء ذكرها القحذمي عن رجاله، وخالد بن كلثوم عن نفسه ومن روى عنه، وخالد بن جمل ونتفاً حكاها اليوسفي صاحب الرسائل عن أبيه عن أحمد بن حماد عن جميل عن ابن أبي جناح الكعبي. وحكيت كل متفقٍ فيه متصلاً، وكل مختلف في معانيه منسوباً إلى راويه. قالوا جميعاً: كان منزل قومه في ظاهر المدينة، وكان هو وأبوه من حاضرة المدينة. وذكر خالد بن كلثوم أن منزله كان بسرف واحتج بقوله:

الحمد لله قد أمست مـجـاورةً

 

أهل العقيق وأمسينا على سرف

قالوا: فمر قيس لبعض حاجته بخيام بني كعب بن خزاعة، فوقف على خيمة منها والحي خلوف والخيمة خيمة لبنى بنت الحباب الكعبية، فاستسقى ماءً، فسقته وخرجت إليه به، وكانت امرأةً مديدة القامة شهلاء حلوة المنظر والكلام. فلما رآها وقعت في نفسه، وشرب الماء. فقالت له: أتنزل فتتبرد عندنا؟ قال: نعم. فنزل بهم. وجاء أبوها فنحر له وأكرمه. فانصرف قيس وفي قلبه من لبنى حرٌ لا يطفأ، فجعل ينطق بالشعر فيها حتى شاع وروي. ثم أتاها يوماً آخر وقد اشتد وجده بها، فسلم فظهرت له وردت سلامه وتحفت به؛ فشكا إليها ما يجد بها وما يلقى من حبها، وشكت إليه مثل ذلك فأطالت؛ وعرف كل واحد منهما ما له عند صاحبه. فانصرف إلى أبيه وأعلمه حاله وسأله أن يزوجه إياها. فأبى عليه وقال: يا بني، عليك بإحدى بنات عمك فهن أحق بك. وكان ذريح كثير المال موسراً، فأحب ألا يخرج ابنه إلى غريبة. فانصرف قيس وقد ساءه ما خاطبه أبوه به. فأتى أمه فشكا ذلك إليها واستعان بها على أبيه، فلم يجد عندها ما يحب. فأتى الحسين بن علي بن أبي طالب وابن أبي عتيق فشكا إليهما ما به وما رد عليه أبوه. فقال له الحسين: أنا أكفيك. فمشى معه إلى أبي لبنى. فلما بصر به أعظمه ووثب إليه، وقال له: يابن رسول الله، ما جاء بك؟ ألا بعثت إلي فأتيتك ! قال: إن الذي جئت فيه يوجب قصدك وقد جئتك خاطباً ابنتك لبنى لقيس بن ذريح. فقال: يا بن رسول الله، ما كنا لنعصي لك أمراً وما بنا عن الفتى رغبة، ولكن أحب الأمر إلينا أن يخطبها ذريح أبوه علينا وأن يكون ذلك عن أمره، فإنا نخاف إن لم يسع أبوه في هذا أن يكون عاراً وسبةً علينا. فأتى الحسين رضي الله عنه ذريحاً وقومه وهم مجتمعون، فقاموا إليه إعظاماً له وقالوا له مثل قول الخزاعيين. فقال لذريح: أقسمت عليك إلا خطبت لبنى لابنك قيس. قال: السمع والطاعة لأمرك. فخرج معه في وجوه من قومه حتى أتوا لبنى فخطبها ذريحٌ على ابنه إلى أبيها فزوجه إياها، وزفت إليه بعد ذلك.

أبواه يغريانه بطلاقها ويأبى هو

فأقامت معه مدة لا ينكر أحدٌ من صاحبه شيئاً. وكان أبر الناس بأمه، فألهته لبنى وعكوفه عليها عن بعض ذلك، فوجدت امه في نفسها وقالت: لقد شغلت هذه المرأة ابني عن بري؛ ولم تر للكلام في ذلك موضع حتى مرض مرضاً شديداً. فلما برأ من علته قالت أمه لأبيه: لقد خشيت أن يموت قيسٌ وما يترك خلفاً وقد حرم الولد من هذه المرأة، وأنت ذو مال فيصير مالك إلى الكلالة ، فزوجه بغيرها لعل الله يرزقه ولداً، وألحت عليه في ذلك. فأمهل قيساً حتى إذا اجتمع قومه دعاه فقال: يا قيس، إنك اعتللت هذه العلة فخفت عليك ولا ولد لك ولا لي سواك. وهذه المرأة ليست بولود؛ فتزوج إحدى بنات عمك لعل الله أن يهب لك ولداً تقر به عينك وأعيننا. فقال قيس: لست متزوجاً غيرها أبداً. فقال له أبوه: فإن في مالي سعةً فتسر بالإماء. قال: ولا أسوءها بشيء أبداً والله. قال أبوه: فإني أقسم عليك إلا طلقتها. فأبى وقال: الموت والله علي أسهل من ذلك، ولكني أخيرك خصلةً من ثلاث خصال. قال: وما هي؟ قال: تتزوج أنت فلعل الله أن يرزقك ولداً غيري. قال: فما في فضلة لذلك. قال: فدعني أرتحل عنك بأهلي واصنع ما كنت صانعاً لو مت في علتي هذه. قال: ولا هذه. قال ك فأدع لبنى عندك وأرتحل عنك فلعلي أسلوها فإني ما أحب بعد أن تكون نفسي طيبة أنها في خيالي. قال: لا أرضى أو تطلقها، وحلف لا يكنه سقف بيت أبداً حتى يطلق لبنى ،فكان يخرج فيقف في حر الشمس، ويجيء قيسٌ فيقف إلى جانبه فيظله بردائه ويصلى هو بحر الشمس حتى يفيء الفيء فينصرف عنه، ويدخل إلى لبنى فيعانقها وتعانقه ويبكي وتبكي معه وتقول له: يا قيس، لا تطع أباك فتهلك وتهلكني. فيقول: ما كنت لأطيع أحداً فيك أبداً. فيقال: إنه مكث كذلك سنةً وقال. خالد بن كلثوم: ذكر ابن عائشة أنه أقام على ذلك أربعين يوماً ثم طلقها. وهذا ليس بصحيح.

طلاقه لبنى ثم ندمه على فراقها

أخبرني محمد بن خلف وكيع قال حدثني أحمد بن زهير قال حدثني يحيى بن معين قال حدثنا عبد الرزاق قال اخبرنا ابن جريج قال أخبرني عمر بن أبي سفيان عن ليث بن عمرو: أنه سمع قيس بن ذريج يقول لزيد بن سليمان: هجرني أبواي في لبنى عشر سنين أستأذن عليهما فيرداني حتى طلقتها. قال ابن جريح: وأخبرت أن عبد الله بن صفوان الطويل لقي ذريحاً أبا قيس فقال له: ما حملك على أن فرقت بينهما؟ أما علمت أن عمر بن الخطاب قال: ما أبالي أفرقت بينهما أو مشيت إليهما بالسيف. وروى هذا الحديث إبراهيم بن يسار الزمادي عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار قال قال الحسين بن علي رضي الله عنهما لذريح بن سنة أبي قيس: أحل لك أن فرقت بين قيس ولبنى؟ ! أما إني سمعت عمر بن الخطاب يقول: ما أبالي أفرقت بين الرجل وامرأته أو مشيت إليهما بالسيف. قالوا: فلما بانت لبنى بطلاقه إياها وفرغ من الكلام، لم يلبث حتى استطير عقله وذهب به ولحقه مثل الجنون. وتذكر لبنى وحالها معه فأسف وجعل يبكي وينشج أحر نشيج. وبلغها الخبر فأرسلت إلى أبيها ليحتملها، وقيل: بل أقامت حتى انقضت عدتها وقيسٌ يدخل عليها. فأقبل أبوها بهودج على ناقة وبإبل تحمل أثاثها. فلما رأى ذلك قيس أقبل على جاريتها فقال: ويحك ! ما دهاني فيكم؟ فقالت: لا تسألني وسل لبنى. فذهب ليلم بخبائها فيسألها، فمنعه قومها. فأقبلت عليه امرأة من قومه فقالت له: ما لك ويحك تسأل كأنك جاهلٌ أو تتجاهل! هذه لبنى ترتحل الليلة أو غداً. فسقط مغشياً عليه لا يعقل ثم أفاق وهو يقول:

وإني لمفنٍ دمع عيني بالبـكـا

 

حذار الذي قد كان أو هو كائن

وقالوا غداً أو بعد ذاك بـلـيلةٍ

 

فراق حبيبٍ لم يبن وهو بـائن

وما كنت أخشى أن تكون منيتي

 

بكفيك إلا أن ما حـان حـائن

في هذه الأبيات غناء ولها أخبار قد ذكرت في أخبار المجنون. قال وقال قيس:

يقولون لبنى فتنةٌ كنت قـبـلـهـا

 

بخير فلا تندم علـيهـا وطـلـق

فطاوعت أعدائي وعاصيت ناصحي

 

وأقررت عين الشامت المتخـلـق

وددت وبيت الله أني عصـيتـهـم

 

وحملت في رضوانها كل موبـق

وكلفت خوض البحر والبحر زاخرٌ

 

أبيت على أثباج مـوج مـغـرق

كأني أرى الناس المحبين بعـدهـا

 

عصارة ماء الحنظل المتـفـلـق

فتنكر عيني بعدها كل منظـرٍ

 

ويكره سمعي بعدها كل منطق

قال: وسقط غرابٌ قريباً منه فجعل ينعق مراراً، فتطير منه وقال:

لقد نادى الغراب ببين لبـنـى

 

فطار القلب من حذر الغراب

وقال غداً تتباعد دار لبـنـى

 

وتنأى بعـد ودٍ واقـتـراب

فقلت تعست ويحك من غراب

 

وكان الدهر سعيك في تباب

وقال أيضاً وقد منعه قومه من الإلمام بها: صوت

ألا يا غراب البين ويحك نبني

 

بعلمك في لبنى وأنت خبـير

فإن أنت لم تخبر بما قد علمته

 

فلا طرت إلا والجناح كسير

ودرت بأعداءٍ حبيبك فـيهـم

 

كما قد تراني بالحبيب أدور

غنى سليمان أخو حجبةً رملاً بالوسطى.
قالوا: وقال أيضاً وقد دخلت هودجها ورحلت وهي تبكي ويتبعها:

ألا يا غراب البين هل أنت مخبـري

 

بخيرٍ كما خبرت بالنـأي والـشـر

وقلت كذاك الدهر مازال فاجـعـاً

 

صدقت وهل شيءٌ بباق على الدهر

غنى فيهما ابن جامع ثاني ثقيل بالبنصر عن الهشامي. وذكر حبش أن لقفا النجار فيهما ثقيلاً أول بالوسطى. قالوا: فلما ارتحل قومها اتبعها ملياً، ثم علم أن أباها سيمنعه من المسير معها، فوقف ينظر إليهم ويبكي حتى غابوا عن عينه فكر راجعاً. ونظر إلى أثر خف بعيرها فأكب عليه يقبله ورجع يقبل موضع مجلسها وأثر قدمها. فليم على ذلك وعنفه قومه على تقبيل التراب؛ فقال:

وما أحببت أرضكم ولكن

 

أقبل إثر من وطئ الترابا

لقد لاقيت من كلفي بلبنى

 

بلاءً ما أسيغ به الشرابا

إذا نادى المنادي باسم لبنى

 

عييت فما أطيق له جوابا

وقال وقد نظر إلى آثارها: صوت

ألا يا ربع لبنى مـا تـقـول

 

أبن لي اليوم ما فعل الحلـول

فلو أن الديار تجـيب صـبـاً

 

لرد جوابي الربع المـحـيل

ولو أني قدرت غداة قـالـت

 

غدرت وماء مقلتهـا يسـيل

نحرت النفس حين سمعت منها

 

مقالتها وذاك لـهـا قـلـيل

شفيت غليل نفسي من فعالـي

 

ولم أغبر بلا عقـلٍ أجـول

غنى فيه حسين بن محرز خفيف ثقيلٍ من روايتي بذل وقريض. وتمام هذه الأبيات:

كأني والهٌ بفـراق لـبـنـى

 

تهيم بفقد واحدهـا ثـكـول

ألا يا قلب ويحك كن جلـيداً

 

فقد رحلت وفات بها الذميل

فإنك لا تطيق رجوع لبـنـى

 

إذا رحلت وإن كثر العـويل

وكم قد عشت كم بالقرب منها

 

ولكن الفراق هو السـبـيل

فصبراً كل مؤتلفـين يومـاً

 

من الأيام عيشهـمـا يزول

قال: فلما جن عليه الليل وانفرد وأوى إلى مضجعه لم يأخذ القرار وجعل يتململ فيه تململ السليم، ثم وثب حتى أتى موضع خبائها، فجعل يتمرغ فيه ويبكي ويقول: صوت

بت والهم يا لبينى ضـجـيعـي

 

وجرت مذ نأيت عني دموعـي

وتنفست إذ ذكـرتـك حـتـى

 

زالت اليوم عن فؤادي ضلوعي

أتناسـاك كـيف يريغ فـؤادي

 

ثم يشتد عنـد ذاك ولـوعـي

يا لبينى فدتك نفسـي وأهـلـي

 

هل لدهرٍ مضى لنا من رجوع

غنت في البيتين الأولين شارية خفيف رملٍ بالوسطى. وغنى فيهما حسين بن محرز ثاني ثقيل، هكذا ذكر الهشامي؛ وقد قيل إنه لهاشم بن سليمان.

أخبرني محمد بن خلف وكيع قال قال زبير بن بكار حدثني عبد الجبار بن سعيد المساحقي عن محمد بن معن الغفاري عن أبيه عن عجوز لهم يقال حمادة بنت أبي مسافر قالت: جاورت آل ذريح بقطيع لي فيه الرائمة وذات البو والحائل والمتبع. قال: فكان قيس بن ذريح إلى شرفٍ في ذلك القطيع ينظر إلى ما يلقين فيتعجب. فقلما لبث حتى عزم عليه أبوه بطلاق لبنى فكاد يموت، ثم آلى أبوه لئن أقامت لا يساكن قيساً. فظعنت فقال:

أيا كبداً طارت صدوعاً نوافـذاً

 

ويا حسرتا ماذا تغلغل في القلب

فأقسم ما عمش العيون شوارفٌ

 

روائم بوٍ حائمات على سقـب

تشممنه لو يستطعنس ارتشفنـه

 

إذا سفنه يزددن نكباً على نكب

رئمن فما تنحاش مـنـهـن شـارفٌ

 

وحالفن حبساً في المحول وفي الجدب

بأوجد مني يوم ولـت حـمـولـهـا

 

وقد طلعت أولى الركاب من النقـب

وكل ملمات الـزمـان وجـدتـهـا

 

سوى فرقة الأحباب هينة الخـطـب          

أخبرني عمي قال حدثني الكراني قال سمعت ابن عائشة يقول: قال إسحاق بن الفضل الهاشمي: لم يقل الناس في هذا المعنى مثل قول قيس بن ذريح:

وكل مصيبات الزمان وجدتـهـا

 

سوى فرقة الأحباب هينة الخطب

قال وقال ابن النطاح قال أبو دعامة: خرج في فتية إلى بلادها حتى رآها، وشعره في ذلك: خرج قيس في قتية من قومه واعتل على أبيه بالصيد، فأتى بلاد لبنى، فجعل يتوقع أن يراها أو يرى من يرسل إليها. فاشتغل الفتيان بالصيد؛ فلما قضوا وطرهم منه رجعوا إليه وهو واقف، فقالوا له: لقد عرفنا ما أردت بإخراجنا معك وأنت لم ترد الصيد وأنما أردت لقاء لبنى، وقد تعذر عليك فانصرف الآن. فقال:

وما حائماتٌ حمن يومـاً ولـيلةً

 

على الماء يغشين العصي حوان

عوافي لا يصدرن عنه لوجـهةٍ

 

ولا هن من برد الحـياض دوان

يرين حبات الماء والموت دونـه

 

فهن لأصوات الـسـقـاة روان

بأجهد مني حر شـوقٍ ولـوعةٍ

 

عليك ولكن الـعـدو عـدانـي

خليلي إنـي مـيتٌ أو مـكـلـمٌ

 

لبينى بسري فامضـيا وذرانـي

أنل حاجتي لوحدي ويا رب حاجةٍ

 

قضيت على هولٍ وخوف جنان

فإن أحق النـاس ألا تـجـاوزا

 

وتطرحا من لو يشاء شفـانـي

ومن قادني للموت حتى إذا صفت

 

مشاربه السم الذعاف سقـانـي

قال: فأقاموا معه حتى لقيها، فقالت له: يا هذا، إنك متعرضٌ لنفسك وفاضحي. فقال لها:

صدعت القلب ثم زرت فيه

 

هواك فليم فالتأم الفطـور

تغلغل حيث لم يبلغ شرابٌ

 

ولا حزن ولم يبلغ سرور

أبو السائب المخزومي وشعر قيس: وقال القحذمي حدثني أبو الوردان قال حدثني أبي قال: أنشدت أبا السائب المخزومي قول قيس:

صدعت القلب ثم زرت فيه

 

هواك فليم فالتأم الفطـور

فصاح بجارية له سندية تسمى زبدة، فقال: أي زبدة عجلي. فقالت: أنا أعجن. فقال: ويحك! تعالي ودعي العجين. فجاءت فقال لي: أنشد بيتي قيس فأعدتهما. فقال لها: يا زبدة، أحسن قيس وإلا فأنت حرة ! إرجعي الآن إلى عجينك أدركيه لا يبرد.

حسرته على فراقها وتأنيبه نفسه

قالوا: وجعل قيس يعاتب نفسه في طاعته أباه في طلاقه لبنى ويقول: فألا رحلت بها عن بلده فلم أر ما يفعل ولم يرني! فكان إذا فقدني أقلع عما يفعله وإذا فقدته لم أتحرج من فعله! وما كان علي لو اعتزلته وأقمت في حيها أو في بعض بوادي العرب، أو عصيته فلم أطعه ! هذه جنايتي على نفسي فلا لوم على أحد ! وهأنذا ميتٌ مما فعلته، فمن يرد روحي إلي! وهل لي سبيل إلى لبنى بعد الطلاق وكلما قرع نفسه وأنبها بلونٍ من التقريع والتأنيب بكى أحر بكاء وألصق خده بالأرض ووضعه على آثارها ثم قال: صوت

ويلي وعولي ومالي حين تفلتـنـي

 

من بعد ما أحرزت كفي بها الظفرا

قد قال قلبي لطرفي وهو يعـذلـه

 

هذا جزاؤك مني فاكدم الحـجـرا

قد كنت أنهاك عنها لو تطاوعـنـي

 

فاصبر فما لك فيها أجر من صبرا

غناه الغريض خفيف ثقيلٍ أول بالوسطى عن عمرو. وفيه لإبراهيم ثقيلٌ أول بالوسطى عن حبش. وفي الثالث والأول خفيف رملٍ يقال إنه لابن الهربذ.
قالوا وقال أيضاً:

بانت لبينى فأنت اليوم متـبـول

 

والرأي عندك بعد الحزم مخبول

أستودع الله لبنى إذ تفـارقـنـي

 

بالرغم مني وقول الشيخ مفعول

وقد أراني بلبنى حق مقـتـنـعٍ

 

والشمل مجتمعٌ والحبل موصول

قال خالد بن كلثوم وقال:

ألا ليت لبنى في خلاءٍ تزورني

 

فأشكو إليها لوعتي ثم ترجـع

صحا كل ذي لبٍ وكل مـتـيم

 

وقلبي بلبنى ما حييت مـروع

فيامن لقلبٍ ما يفيق من الهوى

 

ويامن لعينٍ بالصبابة تـدمـع

قالوا وقال في ليلته تلك:  

قد قلت للقلب لا لبناك فاعـتـرف

 

واقض اللبانة ما قضيت وانصرف

قد كنت أحلف جهداً لا أفارقـهـا

 

أفٍ لكثرة ذاك القيل والحـلـف

حتى تكنفني الواشون فافتـلـتـت

 

لا تأمنن أبداً من غش مكتـنـف

هيهات هيهات قد أمست مجـاورةً

 

أهل العقيق وأمسينا على سـرف

-قال: وسرف على ستة أميال من مكة. والعقيق: واد باليمامة-

حي يمانون والبطحاء منزلنـا

 

هذا لعمرك شملٌ غير مؤتلف

من شعره في لبنى وقد سنحت له ظبية: قالوا: فلما أصبح خرج متوجهاً نحو الطريق الذي سلكته يتنسم روائحها، فسنحت له ظبيةٌ فقصدها فهربت منه فقال:

ألا يا شبه لبنى لا تراعي

 

ولا تتيممي قلل القلاع

وهي قصيدة طويلة يقول فيها:

فوا كبدي وعاودني رداعي

 

وكان فراق لبنى كالخداع

تكنفني الوشاة فأزعجونـي

 

فيا لله للواشي المـطـاع

فأصبحت الغداة ألوم نفسي

 

على شيءٍ وليس بمستطاع

كمغبونٍ يعض علـى يديه

 

تبين غبنه بعـد الـبـياع

بدار مضيعةٍ تركتك لبنـى

 

كذاك الحين يهدى للمضاع

وقد عشنا نلذ العيش حينـاً

 

لو أن الدهر للإنسان داع

ولكن الجميع إلى افتـراق

 

وأسباب الحتوف لها دواع

غناه الغريض من القدر الأوسط من الثقيل الأول بإطلاق الوتر في مجرى البنصر عن إسحاق. وفيه لمعبد خفيف ثقيلٍ أول بالوسطى عن عمرو والهشامي. ولشارية في البيتين الأولين ثقيلٌ أول آخر بالوسطى. ولابن سريج رملٌ بالوسطى عن الهشامي في:

بدار مضيعةٍ تركتك لبنى

وقبله:

فوا كبدي وعاودني رداعي

ولسياطٍ في البيتين الأولين خفيف رملٍ بالبنصر عن حبش.

أغرت أمه فتيات الحي بأن يعبن عنده لبنى ليسلوها فلم يسل، وشعره في ذلك: حدثني عمي عن الكراني عن العتبي عن أبيه قال: بعثت أم قيس بن ذريح بفتيات من قومه إليه يعبن إليه لبنى ويعبنه بجزعه وبكائه ويتعرضن لوصاله، فأتينه فاجتمعن حواليه وجعلن يمازحنه ويعبن لبنى عنده ويعيرنه ما يفعله. فلما أطلن أقبل عليهن وقال: صوت

يقر بعيني قـربـهـا ويزيدنـي

 

بها كلفاً من كان عندي يعيبهـا

وكم قائلٍ قد قال تب فعصـيتـه

 

وتلك لعمري توبةٌ لا أتوبـهـا

فيا نفس صبراً لست والله فاعلمي

 

بأول نفسٍ غاب عنها حبيبـهـا

– غناه دحمان ثقيلاً أول بالوسطى. وفيه هزجٌ بالبنصر لسليم، وذكر حبش أنه لإسحاق – قال: فانصرفن عنه إلى أمه فأيأسنها من سلوته. وقال سائر الرواة الذين ذكرتهم: اجتمع إليه النسوة فأطلن الجلوس عنده ومحادثته وهو ساهٍ عنهن، ثم نادى: يا لبنى ! فقلن له: ما لك ويحك ! فقال: خدرت رجلي، ويقال: إن دعاء الإنسان باسم أحب الناس إليه يذهب عنه خدر الرجل فناديتها لذلك. فقمن عنه، وقال:

إذا خدرت رجلي تذكرت من لها

 

فناديت لبنى باسمهـا ودعـوت

دعوت التي لو أن نفسي تطيعني

 

لفارقتها من حبهـا وقـضـيت

برت نبلها للصيد لبنى وريشـت

 

وريشت أخرى مثلهـا وبـريت

فلما رمتني أقصدتني بسهمـهـا

 

وأخطأتها بالسهم حـين رمـيت

وفارقت لبنى ضلةً فكـأنـنـي

 

قرنت إلى العيوق ثـم هـويت

فيا ليت أني مت قبل فراقـهـا

 

وهل ترجعن فوت القضية ليت

فصرت وشيخي كالذي عثرت به

 

غداة الوغى بين العداة كمـيت

فقامت ولم تضرر هناك سـويةً

 

وفارسها تحت السنابـك مـيت

فإن يك تهيامي بلبـنـى غـوايةً

 

فقد يا ذريح بن الحباب غـويت

فلا أنت ما أملـت فـيّ رأيتـه

 

ولا أنا لبنى والـحـياة حـويت

فوطّن لهلكي منك نفساً فإنـنـي

 

كأنك بي قد يا ذريح قـضـيت

حديثه في مرضه مع عواده ومع طبيبه عن لبنى، وشعره في ذلك: وقال خالد بن كلثوم: مرض قيس، فسأل أبوه فتيات الحي أن يعدنه ويحدثنه لعله أن يتسلى أو يعلق بعضهن، ففعلن ذلك. ودخل إليه طبيب ليداويه والفتيات معه، فلما اجتمعن عنده جعلن يحادثنه وأطلن السؤال عن سبب علته، فقال: صوت  

عيد قيسٌ من حب لبنى ولبنى

 

داء قيسٍ والحب داءٌ شـديد

وإذا عادني الـعـوائد يومـاً

 

قالت العين لا أرى من أريد

ليت لبنى تعودني ثم أقضـي

 

إنها لا تعود فيمـن يعـود

ويح قيسٍ لقد تضمن منـهـا

 

داء خبلٍ فالقلب منه عمـيد

– غناه ابن سريج خفيف رملٍ عن الهشامي. وفيه للحجبي ثقيلٌ أول بالوسطى. وفيه ليحيى المكي رملٌ – قالوا: فقال له الطبيب: منذ كم هذه العلة؟ ومنذ كم وجدت بهذه المرأة ما وجدت؟ فقال: صوت

تعلق روحي روحها قبل خلقنـا

 

ومن بعد ما كنا نطافاً وفي المهد

فزاد كما زدنا فأصبـح نـامـياً

 

وليس إذا متنا بمنصرم العـهـد

ولكنه باقٍ علـى كـل حـادثٍ

 

وزائرنا في ظلمة القبر واللحـد

– غناه الغريض ثقيلاً أول بالوسطى من رواية حبش – قالوا: فقال له الطبيب: إن مما يسليك عنها أن تتذكر ما فيها من المساوئ والمعايب وما تعافه النفس من أقذار بني آدم؛ فإن النفس تنبو حينئذٍ وتسلو ويخف ما بها. فقال:

إذا عبتها شبهتها البدر طـالـعـاً

 

وحسبك من عيبٍ لها شبه البـدر

لقد فضلت لبنى على الناس مثل ما

 

على ألف شهر فضلت ليلة القدر

صوت

إذا ما مشت شبراً من الأرض أرجفت

 

من البهر حتى ما تزيد على شـبـر

لها كفلٌ يرتج مـنـهـا إذا مـشـت

 

ومتنٌ كغصن اللبان مضطمر الخصر

– غنى في هذين البيتين ابن المكي خفيف رملٍ بالوسطى. وفيهما رمل ينسب إلى ابن سريج وإلى ابن طنبورة عن الهشامي – قالوا: ودخل أبوه وهو يخاطب الطبيب بهذه المخاطبة، فأنبه ولامه وقال له: يا بني ! الله الله في نفسك ! فإنك ميت إن دمت على هذا ! فقال:

وفي عروة العذري إن مت أسـوةٌ

 

وعمرو بن عجلان الذي قتلت هند

وبي مثل ما ماتا به غـير أنـنـي

 

إلى أجلٍ لم يأتني وقـتـه بـعـد

صوت

هل الحب إلا عبرةٌ بعد زفـرةٍ

 

وحرٌ على الأحشاء ليس له برد

وفيض دموع تستهـل إذا بـدا

 

لنا علمٌ من أرضكم لم يكن يبدو

غنى في هذين البيتين زيد بن الخطاب مولى سليمان بن أبي جعفر، وقيل: إنه مولى سليمان بن علي، ثقيلاً أول بالوسطى عن الهشامي.
إعجاب أبي السائب المخزومي بشعر له: وأخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير، وأخبرنا اليزيدي عن ثعلب عن الزبير قال حدثني إسماعيل بن أبي أويس قال: جلست أنا وأبو السائب في النبالين، فأنشدني قول قيس بن ذريح:

عيد قيسٌ من حب لبنى ولبنى

 

داء قيسٍ والحب داءٌ شـديد

ليت لبنى تعودني ثم أقضـي

 

إنها لاتعود فـيمـن يعـود

قال: فأنشدته أنا لقيس:

تعلق روحي روحها قبل خلقنـا

 

ومن بعد ما كنا نطافاً وفي المهد

فزاد كما زدنا وأصبـح نـامـياً

 

وليس إذا متنا بمنتقض العـهـد

ولكنه باقٍ علـى كـل حـادثٍ

 

وزائرنا في ظلمة القبر واللحـد

فحلف لا يزال يقوم ويقعد حتى يرويها. فدخل زقاق النبالين وجعلت أرددها عليه ويقوم ويقعد حتى رواها.
رجع الخبر إلى سياقته.
زوجه أبوه غيرها ليسلوها فتزوجت لبنى، وما قال في ذلك من الشعر: وقال خالد بن جمل: فلما طال على قيس ما به أشار قومه على أبيه بأن يزوجه امرأةً جميلة فلعله أن يسلو بها عن لبنى. فدعاه إلى ذلك فأباه وقال:

لقد خفت ألا تقنع النفس بعدهـا

 

بشيءٍ من الدنيا وإن كان مقنعا

وأزجر عنها النفس إذ حيل دونها

 

وتأبى إليها النفس إلا تطلـعـا

فأعلمهم أبوه بما رد عليه. قالوا: فمره بالمسير في أحياء العرب والنزول عليهم فلعل عينه أن تقع على امرأةٍ تعجبه. فأقسم عليه أبوه أن يفعل. فسار حتى نزل في حيٍ من فزارة، فرأى جاريةً حسناء قد حسرت برقع خزٍ عن وجهها وهي كالبدر ليلة تمه، فقال لها: ما اسمك يا جارية؟ قالت: لبنى. فسقط على وجهه مغشياً عليه، فنضحت على وجهه ماء وارتاعت لما عراه، ثم قالت: إن لم يكن هذا قيس بن ذريح إنه لمجنون !فأفاق فنسبته فانتسب. فقالت: قد علمت أنك قيس، ولكن نشدتك بالله وبحق لبنى إلا أصبت من طعامنا. وقدمت إليه طعاماً، فأصاب منه بإصبعه. وركب فأتى على أثره أخٌ لها كان غائباً، فرأى مناخ ناقته، فسألهم عنه فأخبروه، فركب حتى رده إلى منزله، وحلف عليه ليقيمن عنده شهراً. فقال له: لقد شققت علي، ولكني سأتبع هواك، والفزاري يزداد إعجاباً بحديثه وعقله وروايته، فعرض عليه الصهر. فقال له: يا هذا إن فيك لرغبةً، ولكني في شغل لا ينتفع بي معه. فلم يزل يعاوده والحي يلومونه ويقولون له: قد خشينا أن يصير علينا فعلك سبة. فقال: دعوني، ففي مثل هذا الفتى يرغب الكرام. فلم يزل به حتى أجابه وعقد الصهر بينه وبينه على أخته المسماة لبنى، وقال له: أنا أسوق عنك صداقها. فقال: أنا والله يا أخي أكثر قومي مالاً، فما حاجتك إلى تكلف هذا؟ أنا سائر إلى قومي وسائق إليها المهر. ففعل وأعلم أباه الذي كان منه، فسره وساق المهر عنه. ورجع إلى الفزاريين حتى أدخلت عليه زوجته، فلم يروه هش إليها ولا دنا منها ولا خاطبها بحرفٍ ولا نظر إليها. وأقام على ذلك أياماً كثيرة. ثم أعلمهم أنه يريد الخروج إلى قومه أياماً فأذنوا له في ذلك، فمضى لوجهه إلى المدينة. وكان له صديق من الأنصار بها؛ فأتاه فأعلمه الأنصاري أن خبر تزويجه بلغ لبنى فغمها وقالت: إنه لغدار ! ولقد كنت أمتنع من إجابة قومي إلى التزويج فأنا الآن أجيبهم، وقد كان أبوها شكى قيساً إلى معاوية وأعلمه تعرضه لها بعض الطلاق. فكتب إلى مروان بن الحكم يهدر دمه إن تعرض لها، وأمر أباها أن يزوجها رجلاً يعرف بخالد بن حلزة من بني عبد الله بن غطفان – ويقال: بل أمره بتزويجها رجلاً من آل كثير بن الصلت الكندي حليف قريش فزوجها أبوها منه قال: فجعل نساء الحي يقلن ليلة زفافها:

لبينى زوجها أصب

 

ح لا حر بـواديه

له فضلٌ على الناس

 

بما باتت تنـاجـيه

وقيسٌ مـيتٌ حـيٌ

 

صريعٌ في بواكيه

فلا يبعـده الـلـه

 

وبعداً لـنـواعـيه

قال: فجزع قيس جزعاً شديداً وجعل ينشج أحر نشيج ويبكي أحر بكاء. ثم ركب من فوره حتى أتى محلة قومها، فناداه النساء: ما تصنع الآن ها هنا ! قد نقلت لبنى إلى زوجها !. وجعل الفتيان يعارضونه بهذه المقالة وما أشبهها وهو لا يجيبهم حتى أتى موضع خبائها فنزل عن راحلته وجعل يتمعك في موضعها ويمرغ خده على ترابها ويبكي أحر بكاء. ثم قال: صوت

إلى الله أشكو فقد لبنى كما شكـا

 

إلى الله فقـد الـوالـدين يتـيم

يتيمٌ جفاه الأقربون فـجـسـمـه

 

نحيلٌ وعهـد الـوالـدين قـديم

بكت دارهم من نأيهم فتهلـلـت

 

دموعي فاي الجـازعـين ألـوم

أمستعبراً يبكي من الشوق والهوى

 

أم آخر يبكـي شـجـوه ويهـيم

لابن جامع في البيتين الأولين ثقيلٌ أول بالوسطى عن الهشامي. ولعريب فيهما ثاني ثقيلٍ. وفي الثالث والرابع لمياسة خفيف رملٍ بالبنصر عن عمرو وحبش والهشامي وتمام هذه الأبيات، وليست فيها صنعة، قوله:

تهيضني من حب لبنى عـلائقٌ

 

وأصناف حبٍ هولهن عـظـيم

ومن يتعلق حب لبـنـى فـؤاده

 

يمت أو يعش ما عاش وهو كليم

فإني وإن أجمعت عنك تجـلـداً

 

على العهد فيما بيننا لـمـقـيم

وإن زماناً شتت الشمل بـينـنـا

 

وبينكم فيه الـعـدا لـمـشـوم

أفي الحق هذا أن قلبـك فـارغٌ

 

صحيح وقلبي في هواك سقـيم

وقد قيل: إن هذه الأبيات ليست لقيس وإنما خلطت بشعره. ولكنها في هذه الرواية منسوبة إليه.
قال: وقال أيضاً في رحيل لبنى عن وطنها وانتقالها إلى زوجها بالمدينة وهو مقيم في حيها: صوت  

بانت لبينى فهاج القلب من بانا

 

وكان ما وعدت مطلاً وليانـا

وأخلفتك منىً قد كنت تأملهـا

 

فأصبح القلب بعد البين حيرانا

الله يدري وما يدري بـه أحـدٌ

 

ماذا أجمجم من ذكراك أحيانا

يا أكمل الناس من قرنٍ إلى قدمٍ

 

وأحسن الناس ذا ثوبٍ وعريانا

نعم الضجيع بعيد النوم تجلبـه

 

إليك ممتلئاً نوماً ويقـظـانـا

للغريض في هذه الأبيات ثاني ثقيلٍ مطلق في مجرى البنصر عن إسحاق وعمرو. وذكر الهشامي أن فيه لابن محرز ثاني ثقيلٍ آخر. وقال أحمد بن عبيد: فيه لحنان ليحيى المكي وعلويه. وتمام هذه القصيدة:

لا بارك الله فيمن كان يحسـبـكـم

 

إلا على العهد حتى كان ما كانـا

حتى استفقت أخيراً بعد ما نكحـت

 

كأنما كان ذاك القلـب حـيرانـا

قد زراني طيفكم ليلاً فـأرقـنـي

 

فبت للشوق أذري الدمع تهتـانـا

إن تصرمي الحبل أو تمسي مفارقةً

 

فالدهر يحدث للإنسـان ألـوانـا

وما أرى مثلكم في الناس من بشرٍ

 

فقد رأيت بـه حـياً ونـسـوانـا

شكاه أبوها إلى معاوية فأهدر دمه، وشعره في ذلك:

وقال ابن قتيبة في خبره عن الهيثم بن عدي، ورواه عمر بن شبة أيضاً: أن أبا لبنى شخص إلى معاوية فشكا إليه قيساً وتعرضه لابنته بعد طلاقه إياها. فكتب معاوية إلى مروان أبو سعيد بن العاص يهدر دمه إن ألم بها وأن يشتد في ذلك. فكتب مروان أو سعيد في ذلك إلى صاحب الماء الذي ينزله أبو لبنى كتاباً وكيداً، ووجهت لبنى رسولاً قاصداً إلى قيس تعلمه ما جرى وتحذره. وبلغ أباه الخبر فعاتبه وتجهمه وقال له: انتهى بك الأمر إلى أن يهدر السلطان دمك ! فقال:

صوت

فإن يحجبوها أو يحل دون وصلها

 

مقـالة واشٍ أو وعـيد أمــير

فلن يمنعوا عيني من دائم البـكـا

 

ولن يذهبوا ما قد أجن ضمـيري

إلى الله أشكو ما ألاقي من الهوى

 

ومن حرقٍ تعتـادنـي و زفـير

ومن حرقٍ للحب في باطن الحشى

 

وليلٍ طويل الحزن غير قصـير

سأبكي على نفسي بعـينٍ غـزيرةٍ

 

بكاء حزينٍ في الـوثـاق أسـير

وكنا جميعاً قبل أن يظهر الهـوى

 

بأنعم حالـي غـبـطةٍ وسـرور

فما برح الواشون حتى بدت لهـم

 

بطون الهوى مقلوبةً لـظـهـور

لقد كنت حسب النفس لو دام وصلنا

 

ولكنما الـدنـيا مـتـاع غـرور

-هكذا في هذا الخبر أن الشعر لقيس بن ذريح. وذكر الزبير بن بكار أنه لجده عبد الله بن مصعب – غنى يزيد حوراء في الأول و الثاني والسادس والثالث من هذه الأبيات خفيف رملٍ بالوسطى. وغنى إبراهيم في الأول والثاني لحناً من كتابه غير مجنس. وذكر حبش أن فيهما لإسحاق خفيف ثقيلٍ بالوسطى. وفي الخامس وما بعده لعريب ثقيلٌ أول ابتداؤه نشيد. وقال ابن الكلبي في خبره: قال قيس في اهدار معاوية دمه إن زارها:

إن تك لبنى قد أتى دون قربهـا

 

حجابٌ منيعٌ ما إلـيه سـبـيل

فإن نسيم الجو يجمـع بـينـنـا

 

ونبصر قرن الشمس حين تزول

وأرواحنا باليل في الحي تلتقـي

 

ونعلم أنا بـالـنـهـار نـقـيل

وتجمعنا الأرض القرار وفوقنـا

 

سماء نرى فيها النجوم تـجـول

إلى أن يعود الدهر سلماً وتنقضي

 

تراثٌ بغاها عنـدنـا وذحـول

شعره فيما حين صادفها في موسم الحج: ومما وجد في كتاب لابن النطاح قال العتبي حدثني أبي قال: حج قيس بن ذريح، واتفق أن حجت لبنى في تلك السنة، فرآها ومعها امرأة من قومها، فدهش وبقي واقفاً مكانه ومضت لسبيلها. ثم أرسلت إليه بالمرأة تبلغه السلام وتسأله عن خبره؛ فألفته جالساً وحده ينشد ويبكي:

ويوم منى أعرضت عني فلم أقل

 

بحاجة نفس عند لبنى مقالـهـا

وفي اليأس للنفس المريضة راحةٌ

 

 

فدخلت خباءه وجعلت تحدثه عن لبنى ويحدثها عن نفسه ملياً، ولم تعلمه أن لبنى أرسلتها إليه. فسألها أن تبلغها عنه السلام، فامتنعت عليه؛ فأنشأ يقول:

إذاطلعت شمس النهار فـسـلـمـي

 

فآية تسليمي علـيك طـلـوعـهـا

بعشر تحياتٍ إذا الشمـس أشـرقـت

 

وعشرٍ إذا اصفرت وحان رجوعهـا

ولو أبلغتها جارةٌ قولـي اسـلـمـي

 

بكت جزعاً وارفض منها دموعهـا

وبان الذي تخفي من الوجد في الحشى

 

إذا جاءها عني حـديث يروعـهـا

غنى في البيتين الأولين علويه خفيف رملٍ بالوسطى – قال: وقضى الناس حجهم وانصرفوا. فمرض قيس في طريقه مرضاً شديداً أشفى منه على الموت، فلم يأته رسولها عائداً لأن قومها رأوه وعلموا به؛ فقال:

ألبنى لقد جلت عليك مصيبـتـي

 

غداة غدٍ إذ حـل مـا أتـوقـع

تمنينني نيلاً وتـلـوينـنـي بـه

 

فنفسي شوقاً كل يوم تـقـطـع

وقلبك قط ما يلـين لـمـا يرى

 

فواكبدي قد طال هذا التضـرع

ألومك في شأني وأنت مـلـيمةٌ

 

لعمري وأجفى للمحب وأقطـع

أخبرت أني فيك ميت حسرتـي

 

فما فاض من عينيك للوجد مدمع

ولكن لعمري قد بكيتك جـاهـداً

 

وإن كان دائي كله منك أجمـع

صبيحة جاء العائدات يعدنـنـي

 

فظلت علي العائدات تـفـجـع

فقائلةٌ جئنا إلـيه وقـد قـضـى

 

وقائلةٌ لا، بل تركـنـاه ينـزع

وروى القحذمي ها هنا:

فما غشيت عينيك من ذاك عبرة

 

وعيني على ما بي بذكراك تدمع

إذا أنت لم تبكي علـي جـنـازةً

 

لديك فلا تبكي غداً حين أرفـع

قال: فبلغتها الأبيات، فجزعت جزعاً شديداً وبكت بكاء كثيراً. ثم خرجت إليه ليلاً على موعد فاعتذرت وقالت: إنما أبقي عليك وأخشى أن تقتل، فأنا أتحاماك لذلك، ولو هذا لما افترقنا. وودعته وانصرفت.
???شعره فيها وقد بلغه أنها كذبت مرضه: وقال خالد بن كلثوم: فبلغه أن أهلها قالوا لها: إنه عليل لما به وإنه سيموت في سفره هذا. فقالت لهم لتدفعهم عن نفسها: ما أراه إلا كاذباً فيما يدعي ومتعللاً لا عليلاً. فبلغه ذلك فقال:

تكاد بـلاد الـلـه يا أم مـعـمـرٍ

 

بما رحبت يوماً علـي تـضـيق

تكذبني بالود لـبـنـى ولـيتـهـا

 

تكلف منـي مـثـلـه فـتـذوق

ولو تعلمين الغيب أيقنـت أنـنـي

 

لكم والهدايا المشعـرات صـديق

تتوق إليك الـنـفـس ثـم أردهـا

 

حياءً ومثلي بـالـحـياء حـقـيق

أذود سوام النفس عـنـك ومـالـه

 

على أحـدٍ إلا عـلـيك طـريق

فإني وإن حاولت صرمي وهجرتي

 

عليك من أحداث الردى لشـفـيق

ولم أر أيامـاً كـأيامـنـا الـتـي

 

مررن علينـا والـزمـان أنـيق

ووعدك إيانا، ولو قلت عـاجـلٌ ،

 

بعيدٌ كما قد تعلـمـين سـحـيق

وحدثتني ياقـلـب أنـك صـابـر

 

على البين من لبنى فسوف تـذوق

فمت كمداً أو عش سقيماً فـإنـمـا

 

تكلفـنـي مـالا أراك تـطـيق

أطعت وشاةً لم يكـن لـك فـيهـم

 

خليلٌ ولا جارٌ عـلـيك شـفـيق

فإن تك لما تسل عنهـا فـإنـنـي

 

بها مغرمٌ صب الفـؤاد مـشـوق

بلبنى أنـادى عـنـد أول غـشـية

 

ويثني بها الداعي لـهـا فـأفـيق

شهدت على نفسي بـأنـك غـادةٌ

 

رداحٌ وأن الوجه منـك عـتـيق

وأنك لا تجزينـنـي بـصـحـابةٍ

 

ولا أنا للهجران منـك مـطـيق

وأنك قسمت الفـؤاد فـنـصـفـه

 

رهينٌ ونصفٌ في الحبـال وثـيق

صبوحي إذا ما ذرت الشمس ذكركم

 

ولي ذكركم عند المساء غـبـوق

إذا أنا عزيت الهوى أو تـركـتـه

 

أتت عبراتٌ بالـدمـوع تـسـوق

كأن الهوى بين الحيازيم والحشـى

 

وبين التراقي والـلـهـاة حـريق

فإن كنت لما تعلمي العلم فاسألـي

 

فبعضٌ لبعضٍ في الفعال فـؤوق

سلي هل قلاني من عشيرٍ صحبته

 

وهل مل رحلي في الرفاق رفيق

وهل يجتوي القوم الكرام صحابتي

 

إذا اغبر مخشي الفجاج عمـيق

وأكتم أسرار الهوى فـأمـيتـهـا

 

إذا باح مـزاحٌ بـهـن بـروق

سعى الدهر والواشون بيني وبينها

 

فقطع حبل الوصل وهـو وثـيق

هل الصبر إلا أن أصد فـلا أرى

 

بأرضـك إلا أن يكـون طـريق

قصته مع لبنى وزوجها وقد باعه ناقة وهو لا يعرفه: قال: ثم أتى قومه فاقتطع قطعةً من إبله وأعلم أباه أنه يريد المدينة ليبيعها ويمتار لأهله بثمنها. فعرف أبوه أنه إنما يريد لبنى، فعاتبه وجزره عن ذلك؛ فلم يقبل منه وأخذ إبله وقدم بها المدينة. فبينا هو يعرضها إذ ساومه زوج لبنى بناقة منها وهما لا يتعارفان، فباعه إياها. فقال له: إذا كان غدٌ فأتني في كثير بن الصلت فاقبض الثمن؛ قال: نعم. ومضى زوج لبنى إليها فقال لها: إني ابتعت ناقة من رجل من أهل البادية وهو يأتينا غداً ليقبض ثمنها، فأعدي له طعاماً، ففعلت. فلما كان من الغد جاء قيس فصوت بالخادم: قولي لسيدك: صاحب الناقة بالباب. فعرفت لبنى نغمته فلم تقل شيئاً. فقال زوجها للخادم: قولي له: ادخل، فدخل فجلس. فقالت لبنى للخادم: قولي له: يا فتى، مالي أراك أشعث أغبر؟ فقالت له ذلك. فتنفس ثم قال لها: هكذا تكون حال من فارق الأحبة واختار الموت على الحياة، وبكى. فقالت لها لبنى: قولي له: حدثنا حديثك. فلما ابتدأ يحدث به كشفت الحجاب وقالت: حسبك ! قد عرفنا حديثك! وأسبلت الحجاب. فبهت ساعة لايتكلم ثم انفجر باكياً ونهض فخرج. فناداه زوجها: ويحك ! ما قصتك؟ ارجع اقبض ثمن ناقتك، وإن شئت زدناك. فلم يكلمه وخرج فاغترز في رحله ومضى. وقالت لبنى لزوجها: ويحك ! هذا قيس بن ذريح. فما حملك على ما فعلت به؟ قال: ما عرفته. وجعل قيسٌ يبكي في طريقه ويندب نفسه ويوبخها على فعله ثم قال: صوت

أتبكي على لبنى وأنت تركتـهـا

 

وأنت عليها بالملا أنـت أقـدر

فإن تكن الدنيا بلبنى تقـلـبـت

 

علي فللدنيا بطـونٌ وأظـهـر

لقد كان فيها للأمانة مـوضـعٌ

 

وللكف مرتادٌ وللعين منـظـر

وللحائم العطشان ري بريقـهـا

 

وللمرح المختال خمرٌ ومسكـر

كأني لها أرجوحةٌ بين أحـبـلٍ

 

إذا ذكرةٌ منها على القلب تخطر

للغريض في البيتين الأولين ثقيلٌ أول بالوسطى عن عمرو والهشامي وفيها لعريب رملٌ. ولشارية خفيف رملٍ من رواية أبي العبيس.

أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عبد الملك بن عبد العزيز قال: تزوج رجل من أهل المدينة يقال له أبو درة امرأة كانت قبله عند رجل آخر من أهل المدينة يقال له أبو بطينة؛ فلقيه زوجها الأول فضربه ضربة شلت يده منها. فلقيه أبو السائب المخزومي فقال له: يا أبا درة! أضربك أبو بطينة في زوجته؟ قال: نعم. أما إني أشهد أنها ليست كما قال قيس بن ذريح في زوجته لبنى:

لقد كان فيها للأمانة موضـعٌ

 

وللكف مرتادٌ وللعين منظـر

وللحائم العطشان ري بريقهـا

 

وللمرح المختال خمر ومسكر

قال: وكانت زوجة أبي درة هذه سوداء كأنها خنفساء.

مرضه بعد هذه الحادثة: قال: وعاد إلى قومه بعد رؤيته إياها وقد أنكر نفسه وأسف ولحقه أمر عظيم؛ فأنكروه وسألوه عن حاله فلم يخبرهم، ومرض مرضاً شديداً أشرف منه على الموت. فدخل إليه أبوه ورجال قومه فكلموه وعاتبوه وناشدوه الله. فقال: ويحكم ! أتروني أمرضت نفسي أو وجدت لها سلوةً بعد اليأس فاخترت الهم والبلاء، أو لي في ذلك صنع ! هذا ما اختاره لي أبواي وقتلاني به. فجعل أبوه يبكي ويدعو به بالفرج والسلوة. فقال قيس:

لقد عذبتني يا حب لبنـى

 

فقع إما بموتٍ أو حـياة

فإن الموت أروح من حياةٍ

 

تدوم على التباعد والشتات

وقال الأقربون تعز عنهـا

 

فقلت لهم إذاً حانت وفاتي

دست إليه رسولاً يسأله لم تزوج حتى تزوجت هي:  قال: ودست إليه لبنى بعد خروجه رسولاً وقالت له: استنشده، فإن سألك عن سبتك فانتسب له خزاعياً، فإذا أنشدك فقل له: لم تزوجت بعدها حتى أجابت إلى أن تتزوج بعدك؟ واحفظ ما يقول لك حتى ترده علي. فأتاه الرسول فسلم وانتسب خزاعياً، وذكر أنه من أهل الشام واستنشده؛ فأنشده قوله:

فأقسم ما عمش العيون شوارفٌ

 

روائم بوٍ حانياتٌ على سقـب

وقد مضت هذه الأبيات فقال له رجل: فلم تزوجت بعدها؟ فأخبره الخبر، وحلف له أن عينه ما اكتحلت بالمرأة التي تزوجها، وأنه لو رأها في نسوةً ما عرفها، وأنه ما مد يده إليها ولا كلمها ولا كشف لها عن ثوب. فقال له الرجل: فأنني جارٌ لها وإنها من الوجد بك على حال قد تمنى زوجها معها أن تكون بقربها لتصلح حالها بك؛ فحملني إليها ما شئت أؤده إليها. قال: تعود إلي إذا أردت الرحيل، فعاد إليه لما أراد الرحيل. فقال تقول لها:

ألا حي لبنى اليوم إن كنت غـاديا

 

وألمم بها من قبل أن لا تـلاقـيا

وأهدِ لها منك النصـيحة إنـهـا

 

قليلٌ ولا تخشى الوشـاة الأدانـيا

وقل إنني والراقصات إلى منـى

 

بأجبل جمعٍ يتظرون الـمـنـاديا

أصونك عن بعض الأمور مضنةً

 

وأخشى عليك الكاشحين الأعـاديا

تساقط نفسي حين ألقاك أنفـسـاً

 

يردن فما يصـدرن إلا صـواديا

فإن أحيا أو أهلك فلسـت بـزائل

 

لكم حافظاً ما بل ريق لـسـانـيا

أقول إذا نفسي من الوجد أصعدت

 

بها زفرةٌ تعتادني هي مـا هـيا

وبين الحشى والنحر مني حـرارةٌ

 

ولوعة وجدٍ تترك القلب ساهـيا

ألا ليت لبنى لم تكـن لـي خـلةً

 

ولم ترني لبنى ولم أدر مـا هـيا

سلي الناس هل خبرت سرك منهم

 

أخا ثقةٍ أو ظاهر الغـش بـاديا

يقول لي الواشون لما تظـاهـروا

 

عليك وأضحى الحبل للبين واهيا

لعمري لقبل اليوم حملت ما تـرى

 

وأنذرت من لبنى الذي كنت لاقيا

خليلي مالي قد بـلـيت ولا أرى

 

لبينى على الهجران إلا كما هـيا

ألا يا غراب البين مالك كـلـمـا

 

ذكرت لبينى طرت لي عن شماليا

أعندك علم الغيب أم لست مخبري

 

عن الحي إلا بالذي قد بـدا لـيا

جزعت عليها لو أرى لي مجزعاً

 

وأفنيت دمع العين لو كان فانـيا

حياتك لا تغلب علـيهـا فـإنـه

 

كفى بالذي تلقى لنفسك نـاهـيا

تمر الليالي والشـهـور ولا أرى

 

ولوعي بهـا يزداد إلا تـمـاديا

فما عن نوالٍ من لبينـى زيارتـي

 

ولا قلة الإلمام أن كنـت قـالـيا

ولكنها صدت وحملت من هـوىً

 

لها ما يؤود الشامخات الرواسـيا

وهذه القصيدة تخلط بقصيدة المجنون التي في وزنها وعلى قافيتها لتشابههما، فقلما يتميزان.
غنى الحسين بن محرز في البيت الأول والبيت الخامس من هذه القصيدة ثقيلاً أول بإطلاق الوتر في مجرى الوسطى من روايتي بذل والهشامي.

أنب لبنى زوجها لافتضاح أمره بشعر قيس فغضبت: حدثني المدائني عن عوانة عن يحيى بن علي الكناني قال: شهر أمر قيس بالمدينة وغنى في شعره الغريض ومعبد ومالك وذووهم، فلم يبق شريف ولا وضيع إلا سمع بذلك فأطربه وحزن لقيس مما به. وجاءها زوجها فأنبها على ذلك وعاتبها وقال: قد فضحتني بذكرك. فغضبت وقالت: يا هذا، إني والله ما تزوجتك رغبة فيك ولا فيما عندك ولا دلس أمري عليك، ولقد علمت أني كنت زوجته قبلك وأنه أكره على طلاقي. ووالله ما قبلت التزويج حتى أهدر دمه إن ألم بحينا، فخشيت أن يحمله ما يجد على المخاطرة فيقتل، فتزوجتك. وأمرك الأن إليك، ففارقني فلا حاجة بي إليك. فأمسك عن جوابها وجعل يأتيها بجواري المدينة يغنينها بشعر قيس كيما يستصلحها بذلك؛ فلا تزداد إلا تمادياً وبعداً، ولا تزال تبكي كلما سمعت شيئاً من ذلك أحر بكاء وأشجاه.

وسط بريكة في لقائها، وشعره في ذلك: رجع الحديث إلى سياقته. وقال الحرمازي وخالد بن جمل: كانت امرأة من موالي بني زهرة يقال لها بريكة من أظرف النساء وأكرمهن، وكان لها زوج من قريش له دار ضيافة. فلما طالت علة قيس قال له أبوه: إني لأعلم أن شفاءك في القرب من لبنى فارحل إلى المدينة. فرحل إليها حتى أتى دار الضيافة التي لزوج بريكة. فوثب غلمانه إلى رحل قيس ليحطوه. فقال: لا تفعلوا فلست نازلاً أو ألقى بريكة فإني قصدتها في حاجة؛ فإن وجدت لها عندها موضعاً نزلت بكم وإلا رحلت. فأتوها فأخبروها. فخرجت إليه فسلمت عليه ورحبت به وقالت: حاجتك مقضيةٌ كائنةً ما كانت، فانزل. فنزل ودنا منها فقال: أذكر حاجتي؟ قالت: إن شئت. قال: أنا قيس بن ذريح. قالت: حياك الله وقربك ! إن ذكرك لجديدٌ عندنا في كل وقت. قال: وحاجتي أن أرى لبنى نظرةً واحدةً كيف شئت. قالت: ذلك لك علي. فنزل بهم وأقام عندها وأخفت أمره، ثم أهدى لها هدايا كثيرةً وقال: لاطفيها وزوجها بهذا حتى يأنس بك. ففعلت وزارتها مراراً، ثم قالت لزوجها: أخبرني عنك: أنت خيرٌ من زوجي؟ قال: لا. قالت: فلبنى خيرٌ مني؟ قال: لا. قالت: فما بالي أزورها ولا تزورني؟ قال: ذلك إليها. فأتتها وسألتها الزيارة وأعلمتها أن قيساً عندها. فتسارعت إلى ذلك وأتتها. فلما رأها ورأته بكيا حتى كادا يتلفان. ثم جعلت تسأله عن خبره وعلته فيخبرها، ويسألها فتخبره. ثم قالت: أنشدني ما قلت في علتك؛ فأنشدها قوله:

أعالج من نفسي بقايا حشـاشةٍ

 

على رمقٍ والعائدات تـعـود

فإن ذكرت لبنى هششت لذكرها

 

كما هش للثدي الدرور ولـيد

أجيب بلبنى من دعاني تجـلـداً

 

وبي زفراتٌ تتجلى وتـعـود

تعيد إلى روحي الحياة وإننـي

 

بنفسي لوعاينـتـنـي لأجـود

قال: وفي هذه القصيدة يقول: صوت

ألا ليت أياماً مـضـين تـعـود

 

فإن عدن يوماً إنني لـسـعـيد

سقى دار لبنى حيث خلت وخيمت

 

من الأرض منهل الغمام رعود

في هذين البيتين لعريب خفيف ثقيل أول مطلق في مجرى الوسطى، وقيل: إنه لغيرها. وتمام هذه القصيدة:

على كل حالٍ إن دنت أو تباعـدت

 

فإن تدن منـا فـالـدنـو مـزيد

فلا اليأس يسليني ولا القرب نافعي

 

ولبنى منوعٌ ما تـكـاد تـجـود

كأني من لبنى سلـيمٌ مـسـهـدٌ

 

يظل على أيدي الـرجـال يمـيد

رمتني لبينى في الفؤاد بسهمـهـا

 

وسهم لبينى لـلـفـؤاد صـيود

سلا كل ذي شجوٍ علمت مكـانـه

 

وقلبي للبنـى مـا حـييت ودود

وقائلةٍ قـد مـات أو هـو مـيتٌ

 

وللنفس مني أن تفـيض رصـيد

أعالج من نفسي بقـايا حـشـاشةٍ

 

على رمقٍ والعـائدات تـعـود

وقال الحرمازي في خبره خاصة: وعاتبته على تزوجه؛ فحلف أنه لم ينظر إليها ملء عينيه ولا دنا منها فصدقته.
وقال: صوت

ولقد أردت الصبر عنك فعاقني

 

علقٌ بقلبي من هـواك قـديم

يبقى على حدث الزمان وريبه

 

وعلى جفائك، إنـه لـكـريم

فصرمته وصححت وهو بدائه

 

شتان بين مصحـح وسـقـيم

واربته زمناً فعاد بحـلـمـه

 

إن المحب عن الحبيب حلـيم

لعريب في هذه الأبيات خفيف ثقيل، وللدرامي خفيف رمل من رواية الهشامي. ومن الناس من ينسب خفيف الثقيل إليه وخفيف الرمل إليها قالوا: فلم يزل يومه معها يحدثها ويشكو إليها أعف شكوى وأكرم حديث حتى أمسى؛ فانصرفت ووعدته بالرجوع إليه من غدٍ فلم ترجع. وشاع خبره فلم ترسل إليه رسولاً. فكتب لها الأبيات في رقعة ودفعها إلى بريكة وسألها أن توصلها إليها، ورحل متوجهاً إلى معاوية. والأبيات: صوت

بنفسي من قلبي له الـدهـر ذاكـر

 

ومن هو عني معرض القلب صابر

ومن حـبـه يزداد عـنـدي جـدةً

 

وحبي لديه مخلق العـهـد داثـر

شكا إلى يزيد ما به وامتدحه فحقن دمه:  -غنت في هذين البيتين ضنين جارية خاقان بن حامد خفيف رملٍ قالوا: ثم ارتحل إلى معاوية، فدخل إلى يزيد فشكا ما به إليه وامتدحه؛ فرق له وقال: سل ما شئت، إن شئت أن أكتب إلى زوجها فأحتم عليه أن يطلقها فعلت. قال: لا أريد ذلك، ولكن أحب أن أقيم بحيث تقيم من البلاد، أتعرف أخبارها وأقنع بذلك من غير أن يهدر دمي. قال: لو سألت هذا من غير أن ترحل إلينا فيه لما وجب أن تمنعه، فأقم حيث شئت؛ وأخذ كتاب أبيه له بأن يقيم حيث شاء وأحب ولا يعترض عليه أحد، وأزال ما كان كتب له في إهدار دمه؛ فقدم إلى بلده؛ وبلغ الفزاريين خبره وإلمامه بلبنى، فكاتبوه في ذلك وعاتبوه. فقال للرسول: قل للفتى يعني أخا الجارية التي تزوجها: يا أخي ما غررتك من نفسي ،ولقد أعلمتك أني مشغول عن كل أحد، وقد جعلت أمر أختك إليك فأمض فيه من حكمك ما رأيت. فتكرم الفتى على أن يفرق بينهما، فمكثت في حباله مدة ثم ماتت.

?لقيه عياش السعدي ذاهلاً شارد اللب وأنشده من شعره فيها: أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني سليمان بن عياش السعدي عن أبيه قال: أقبلت ذات يوم من الغابة ؛ فلما كنت بالمذاد ، إذا ربعٌ حديث العهد بالساكن، وإذا رجل مجتمعٌ في جانب ذلك الربع يبكي ويحدث نفسه. فسلمت فلم يرد علي سلاماً. فقلت في نفسي: رجل ملتبسٌ به فوليت عنه. فصاح بي بعد ساعة: وعليك السلام، هلم هلم إلي يا صاحب السلام ! فأتيته فقال: أما والله لقد فهمت سلامك ولكني رجل مشترك اللب يضل عني أحياناً ثم يعود إلي. فقلت ومن أنت؟ قال: قيس بن ذريح الليثي. قلت صاحب لبنى؟ قال: صاحب لبنى لعمري وقتيلها! ثم أرسل عينيه كأنهما مزادتان؛ فما أنسى حسن قوله:

أبائنة لبنى ولم تقطـع الـمـدى

 

بوصلٍ ولا صرمٍ فييأس طامـع

نهاري نهار الوالهـين صـبـابةً

 

وليلي تنبو فيه عني المضـاجـع

وقد كنت قبل اليوم خلواً وإنـمـا

 

تقسم بين الهالكين الـمـصـارع

فلولا رجاء القلب أن تسعف النوى

 

لما حبسته بينـهـن الأضـالـع

له وجباتٌ إثر لبـنـى كـأنـهـا

 

شقائق برقٍ في السماء لـوامـع

أبى الله أن يلقى الرشـاد مـتـيمٌ

 

ألا كل أمـر حـم لابـد واقـع

هما برحابي معولين كـلاهـمـا

 

فؤادٌ وعينٌ جفنها الدهـر دامـع

عبد الله بن مسلم بن جندب ينشد من شعره: أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن سعيد قال حدثنا الزبير قال، وأخبرنا به وكيع عن أبي أيوب المديني، قال الزبير قال حدثتني ظبية قالت: سمعت عبد الله بن مسلم بن جندب ينشد زوجي قول قيس بن ذريح:

إذا ذكرت لبنى تأوه واشتـكـى

 

تأوه محموم عليه الـبـلابـل

يبيت ويضحي تحت ظل منـيةٍ

 

به رمقٌ تبكي عليه القـبـائل

قتيل للبنى صدع الحب قلـبـه

 

وفي الحب شغلٌ للمحبين شاغل

فصاح زوجي:أوه ! واحرباه واسلباه !. ثم أقبل على ابن جندب فقال: ويلك ! أتنشد هذا كذا ! قال: فكيف أنشده؟ قال: لم لا تتأوه كما يتأوه وتشتكي كما يشتكي!.
استنشده ابن أبي عتيق أحر ما قال في لبنى: وقال القحذمي: قال ابن أبي عتيق لقيس يوماً: أنشدني أحر ما قلت في لبنى. فأنشده قوله:

وإني لأهوى النوم في غير حينه

 

لعل لقاءً في المـنـام يكـون

تحدثني الأحـلام أنـي أراكـم

 

فيا ليت أحلام المـنـام يقـين

شهدت بأني لم أحل عن مـودةٍ

 

وأني بكم لو تعلمين ضـنـين

وأن فؤادي لا يلين إلى هـوى

 

سواك وإن قالوا بلى سـيلـين

فقال له بن أبي عتيق: لقل ما رضيت به منها يا قيس. قال: ذلك جهد المقل.
غنى في البتين الأولين قفا النجار ثاني ثقيل بالوسطى عن حبش.
أنشد ثعلب من شعره وكان يستحسنه: أخبرني أحمد بن جعفر جحظة قال أنشدني أحمد بن يحيى ثعلب لقيس بن ذريح وكان يستحسن هذه الأبيات من شعره:

سقى طلل الداري التي أنتم بهـا

 

حياً ثـم وبـلٌ صـيفٌ وربـيع

مضى زمنٌ والناس يستشفعون بي

 

فهل لي إلى لبنى الغداة شفـيع

سأصرم لبنى حبلك اليوم مجمـلاً

 

وإن كان صرم الحبل منك يروع

وسوف أسلي النفس عنك كما سلا

 

عن البلد النأي البـعـيد نـزيع

وإن مسني للضر مـنـك كـآبةٌ

 

وإن نال جسمي للفراق خشـوع

يقولون صب بالنسـاء مـوكـلٌ

 

وما ذاك من فعل الرجال بـديع

ندمت على ما كان منـي نـدامةً

 

كما ندم المغبـون حـين يبـيع

فقدتك من نفسٍ شعاعٍ ألـم أكـن

 

نهيتك عن هذا وأنـت جـمـيع

فقربت لي غير القريب وأشرفت

 

هناك ثنايا ما لـهـن طـلـوع

إلى الله أشكو نيةً شقت العـصـا

 

هي اليوم شتى وهي أمس جميع

فيا حجرات الدار حيث تحمـلـوا

 

بذي سلـمٍ لا جـادكـن ربـيع

صوت

فلو لم يهجني الظاعنون لها جني

 

حمائم ورقٌ في الـديار وقـوع

تداعين فاستبكين من كان ذا هوى

 

نوائح لم تقطر لـهـن دمـوع

-غنى في هذين البيتين ابن سريج خفيف ثقيلٍ أول عن الهشامي – صوت

إذا أمرتني العاذلات بهجرها

 

أبت كبدٌ عما يقلـن صـديع

وكيف أطيع العاذلات وذكرها

 

يؤرقني والعاذلات هجـوع

غنى في هذين البيتين إبراهيم ثاني ثقيلٍ بالبنصر عن عمرو.

فكاهات لأبي السائب في شعره وفي سيرته:

أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عبد الملك بن عبد العزيز قال: أنشدت أبا السائب المخزومي قول قيس بن ذريح: صوت

أحبك أصنافاً من الحـب لـم أجـد

 

لها مثلاً في سائر الناس يوصـف

فمنهن حبٌ للـحـبـيب ورحـمةٌ

 

بمعرفتي منه بـمـا يتـكـلـف

ومنهن ألا يعرض الدهر ذكرهـا

 

على القلب إلا كادت النفس تتلـف

وحبٌ بدا بالجسم واللون ظـاهـرٌ

 

وحبٌ لدى نفسي من الروح ألطف

قال أبو السائب: لا جرم والله لأخلصن له الصفاء ولأغضبن لغضبه ولأرضين لرضاه. غنى في البيتين الأولين الحسين بن محرز خفيف ثقيلٍ عن الهشامي وبذل.

أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثنا الملك بن عبد العزيز عن أبي السائب المخزومي أنه أخبره أنه كان مع عبد الرحمن بن عبد الله بن كثير في سقيفة دار كثير، إذ مر بجنازةٍ؛ فقال لي: يا أبا السائب، جارك ابن كلدة، إلا تقوم بنا فنصلي عليه! قال: قلت: بلى والله فديتك! فقمنا حتى إذا كنا عند دار أويس إذ ذكرت أن جده كان تزوج لبنى ونزل بها المدينة، فرجعت فطرحت نفسي بالسقيفة وقلت: لا يراني الله أصلي عليه. فرجع الكثيري فقال: أكنت جنباً؟ قلت: لا والله. قال: فعلى غير وضوء؟ قلت: لا والله. قال: فما لك؟ قلت: ذكرت أن جده كان تزوج لبنى وفرق بينها وبين قيس بن ذريح لما ظعن بها من بلادها، فما كنت لأصلي عليه.

أخبرني محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا أحمد بن يحيى قال حدثنا عبد الله بن شبيب قال حدثني هارون بن موسى الفروي قال أخبرنا الخليل بن سعيد قال: مررت بسوق الطير، فإذا الناس قد اجتمعوا يركب بعضهم بعضاً، فاطلعت فإذا أبو السائب المخزومي قائم على غراب يباع وقد أخذ بطرف ردائه وهو يقول للغراب: يقول لك قيس بن ذريح:

ألا يا غراب البين قد طرت بالذي

 

أحاذر من لبنى فهل أنت واقـع

لم لا تقع! ويضربه بردائه والغراب يصيح. قال: فقال قائل له: أصلحك الله يا أبا السائب ! ليس هذا ذاك الغراب. فقال: قد علمت، ولكن آخذ البريء حتى يقع الجريء .
آلت لبنى ألا ترى غراباً إلا قتلته لبيت قاله من قصيدة، وذكر المختار منها: وقال الحرمازي في خبره: لم بلغ لبنى قول قيس:

ألا يا غراب البين قد طرت بالذي

 

أحاذر من لبنى فهل أنت واقـع

آلت ألا ترى غراباً إلا قتلته؛ فكانت كلما رأته أو رأته خادمٌ لها أو جارة ابتيع ممن هو معه وذبحته.
وهذه القصيدة العينية أيضاً من جيد شعر قيس. والمختر منها قوله:

أتبكي على لبنى وأنت تركتهـا

 

وكنت كآتٍ حتفه وهو طـائع

فيا قلب صبراً واعترافاً لما ترى

 

ويا حبها قع بالذي أنت واقـع

ويا قلب خبرني إذا شطت النوى

 

بلبنى وبانت عنك ما أنت صانع

أتصبر للبين المشت مع الجـوى

 

أم أنت امرؤ ناسي الحياء فجازع

كأنك بدعٌ لم ترى الناس قبلـهـا

 

ولم يطلعك الدهر فيمن يطالـع

ألا يا غراب البين قد طرت بالذي

 

أحاذر من لبنى فهل أنت واقـع

فليس محبٌ دائمـاً لـحـبـيبـه

 

ولا ثقةٌ إلا له الدهـر فـاجـع

كان بلاد الله ما لم تكـن بـهـا

 

وإن كان فيها الناس قفرٌ بلاقـع

فما أنت إذ بانت لبينى بهـاجـعٍ

 

إذا ما اطمأنت بالنيام المضاجـع

صوت

أقضي نهاري بالحديث وبالـمـنـى

 

ويجمعني والهم بالـلـيل جـامـع

نهاري نهار الناس حـتـى إذا دجـا

 

لي الليل هزتني إليك المضـاجـع

لقد رسخت في القلب منـك مـودةٌ

 

كما رسخت في الراحتين الأصابـع

أحال علي الهم مـن كـل جـانـب

 

ودامت فلم تبرح علي الـفـواجـع

ألا إنما أبـكـي لـمـا هـو واقـعٌ

 

فهل جزعي من وشك ذلك نـافـع

وقد كنت أبكي والنوى مـطـمـئنةٌ

 

بنا وبكم من علم ما البـين صـانـع

وأهجركم هجر البغيض وحـبـكـم

 

على كبدي منـه كـلـوم صـوادع

وأعمد للأرض الـتـي لا أريدهـا

 

لترجعني يومـاً إلـيك الـرواجـع

وأشفق من هجرانكم وتـروعـنـي

 

مخافة وشك البين والشمل جـامـع

فما كل ما منتك نـفـسـك خـالـياً

 

تلاقي ولا كل الهوى أنـت تـابـع

لعمري لمن أمسى ولبنى ضجـيعـه

 

من الناس ما اختيرت عليه المضاجع

فتلك لبينى قد تـراخـى مـزارهـا

 

وتلك نواها غـربةٌ مـا تـطـاوع

وليس لأمرٍ حاول الـلـه جـمـعـه

 

مشتٌ ولا ما فرق الـلـه جـامـع

فلا تبكين في إثر لـبـنـى نـدامةً

 

وقد نزعتهـا مـن يديك الـنـوازع

غنى الغريض في الثالث والرابع والأول والعشرين وهو ” لعمري لمن أمسى ولبنى ضجيعه ” ثقيلاً أول بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق. وغنى إبراهيم الموصلي في العاشر وهو: ” أقضي نهاري بالحديث وبالمنى ” والحادي عشر والثاني عشر رملاً بالوسطى عن عمرو. وقد قيل: إن ثلاثة أبيات من هذه وهي: ” أقضي نهاري بالحديث وبالمنى” والبيتان اللذان بعده لابن الدمينة الخثعمي؛ وهو الصحيح؛ وإنما أدخلها الناس من هذه الأبيات لتشابهها.

مصير قيس ولبنى وهل ماتا زوجين أو مفترقين: وقد اختلف في آخر أمر قيس ولبنى؛ فذكر أكثر الرواة أنهما ماتا على افتراقهما، فمنهم من قال: إنه مات قبلها وبلغها ذلك فماتت أسفاً عليه. ومنهم من قال: بل ماتت قبله ومات أسفاً عليها، وممن ذكر ذلك اليوسفي عن علي بن صالح المصلى؛ قال قال لي أبو عمرو المدني: ماتت لبنى، فخرج قيسٌ ومعه جماعةٌ من أهله فوقف على قبرها فقال:

ماتت لبينى فموتهـا مـوتـي

 

هل تنفعن حسرتي على الفوت

وسوف أبكي بكاء مـكـتـئبٍ

 

قضى حياةً وجداً على مـيت

ثم أكب على القبر يبكي حتى أغمي عليه؛ فرفعه أهله إلى منزله وهو لا يعقل، فلم يزل عليلاً لا يفيق ولا يجيب مكلماً ثلاثاً حتى مات فدفن إلى جنبها. وذكر القحذمي وابن عائشة وخالد بن جمل أن ابن أبي عتيق صار إلى الحسن والحسين ابني علي بن أبي طالب وعبد الله بن جعفر رضي الله عنهم وجماعةٍ من قريش، فقال لهم: إن لي حاجةً إلى رجل أخشى أن يردني فيها، وإني أستعين بجاهكم وأموالكم فيها عليه. قالوا: ذلك لك مبتذلٌ منا. فاجتمعوا ليومٍ وعدهم فيه، فمضى بهم إلى زوج لبنى. فلما رآهم أعظم مصيرهم إليه وأكبره. فقالوا: لقد جئناك بأجمعنا في حاجة لابن أبي عتيق. قال: هي مقضية كائنةً ما كانت. قال ابن أبي عتيق: قد قضيتها كائنةً ما كانت من ملك أو مال أو أهل؟ قال نعم. قال: تهب لهم ولي لبنى زوجتك وتطلقها. قال: فإني أشهدكم أنها طالقٌ ثلاثاً. فاستحيا القوم واعتذروا وقالوا: والله ما عرفنا حاجته، ولو علمنا أنها هذه ما سألناك إياها. وقال ابن عائشة: فعوضه الحسن من ذلك مائة ألف درهم وحملها ابن أبي عتيق إليه. فلم تزل عنده حتى انقضت عدتها. فسأل القوم أباها فزوجها قيساً، فلم تزل معه حتى ماتا. قالوا: فقال قيس يمدح ابن أبي عتيق:

جزى الرحمن أفضل ما يجازي

 

على الإحسان خيراً من صديق

فقد جربت إخواني جـمـيعـاً

 

فما ألفيت كابن أبي عـتـيق

سعى في جمع شملي بعد صدعٍ

 

ورأيٍ حدت فيه عن الطـريق

وأطفأ لوعةً كانت بـقـلـبـي

 

أغصتني حرارتهـا بـريقـي

قال: فقال له ابن أبي عتيق: يا حبيبي أمسك عن هذا المديح؛ فما يسمعه أحد إلا ظنني قواداً. مضى الحديث.

صوت من مدن معبد في شعر عنترة: ومن مدن معبد وهو الذي أوله:

يا دار عبلة بالجواء تكلمي

وقد جمع معه سائر ما يغنى فيه من القصيدة.
منها: صوت

هل غادر الشعراء من مـتـردم

 

أم هل عرفت الدار بعد توهـم

يا دار عبلة بالجواء تكـلـمـي

 

وعمي صباحاً دار عبلة واسلمي

وتحل عبلة بالجواء وأهـلـنـا

 

بالحزن فالصمان فالمتـثـلـم

كيف القرار وقد تربع أهلـهـا

 

بعنيزتين وأهلنـا بـالـغـيلـم

حييت من طللٍ تقـادم عـهـده

 

أقوى وأقفر بعد أم الـهـيثـم

ولقد نزلت فلا تظـنـي غـيره

 

مني بمنزلة المحب المـكـرم

ولقد خشيت بأن أموت ولم تـدر

 

للحرب دائرةٌ على ابني ضمضم

الشاتمي عرضي ولم أشتمهمـا

 

والناذرين إذا لم القهمـا دمـي

ولقد شفى نفسي وأبرأ سقمـهـا

 

قيل الفوارس ويك عنتر فاقـدم

ما زلت أرميهم بثغرة نـحـره

 

ولبانه حتى تسـربـل بـالـدم

هلا سألت الخيل يابـنة مـالـكٍ

 

إن كنت جاهلةً بما لم تعلـمـي

يخبرك من شهد الوقيعة أنـنـي

 

أغشى الوغى وأعف عند المغنم

يدعون عنتر والرماح كـأنـهـا

 

أشطان بئرٍ في لبـان الأدهـم

فشككت بالرمح الطويل ثـيابـه

 

ليس الكريم على القنا بمحـرم

فإذا شربت فإنني مستـهـلـكٌ

 

مالي، وعرضي وافرٌ لم يكلـم

وإذا صحوت فما أقصر عن ندىً

 

وكما علمت شمائلي وتكرمـي

الشعر لعنترة بن شداد العبسي، وقد تقدمت أخباره ونسبه. وغنى في البيت الأول، على ما ذكره ابن المكي، إسحاق خفيف ثقيلٍ أول بالوسطى، وما وجدت هذا في رواية غيره. وغنى معبد في البيت الثاني والثالث خفيف ثقيلٍ أول بإطلاق الوتر في مجرى الوسطى عن إسحاق، وهو الصوت المعدود في مدن معبد. وغنى سلام الغسال في السابع والثامن والثالث والعاشر رملاً بالسبابة في مجرى البنصر، ووجدت في بعض الكتب أن له ايضاً في السابع وجده ثاني ثقيلٍ أيضاً، وذكر عمرو بن بانة أن هذا الثقيل الثاني بالوسطى لمعبد ووافقه يونس، وذكر ابن المكي أن هذا الثقيل الثاني للهذلي، وذكر غيره أنه لابن محرز. وذكر أحمد بن عبيد أن في السابع ثقيلاً أول للهذلي، ووافقه حبش. وذكر حبش أن في الثاني لمعبد ثقيلاً أول، وأن لابن سريج فيه رملاً آخر غير رمل ابن الغسال، وأن لابن مسجح أيضاً فيه خفيف ثقيلٍ بالوسطى. وفي كتاب أبي العبيس: له في الثالث لحن. وفي كتاب أبي أيوب المديني: لابن جامع في هذه الأبيات لحن. ولمعبد في الحادي عشر والثاني عشر والخامس عشر والسادس عشر خفيف ثقيلٍ أول مطلق في مجرى الوسطى عن إسحاق أيضاً. ولعلوية في السادس والرابع ثاني ثقيلٍ، وله أيضاً في الرابع عشر والثالث عشر رملٌ. وفي كتاب هارون بن الزيات لعبد آلٍ في الخامس ثقيلٌ أول؛ وقد نسب الثقيل الثاني المختلف فيه لابن محرز. وفي كتاب هارون: لأحمد النصبي في الرابع والخامس لحن.

” هل غادر الشعراء ” البيت، يدفع أكثر الرواة أن يكون لعنترة؛ وممن يدفعه الأصمعي وابن الأعرابي. وأول القصيدة عندهما ” يا دار عبلة “. فذكر أبو عمرو الشيباني أنه لم يكن يرويه حتى سمع أبا حزامٍ العكلي يرويه له.

قوله: ” هل غادر الشعراء من متردم ” يقول: هل تركوا شيئاً ينظر فيه لم ينظروا فيه؟. والمتردم: المتعطف، وهو مصدر. يقول: هل تركوا شيئاً يتردم عليه أي يتعطف؛ ويقال: تردمت الناقة على ولدها إذا تعطفت عليه، وثوبٌ مردم وملدم إذا سدت خروقه بالرقاع. والربع: المنزل، سمي ربعاً لارتباعهم فيه؛ والربيعة: الصخرة حكى أبو نصر أنه يقول: هل ترك الشعراء من خرقٍ لم يرقعوه وفتقٍ لم يرتقوه ! وهو أشبه بقوله من متردم. وقال غيره: يعني بقوله من متردم البناء وهو الردم، أي لم يتركوا بناءً إلا بنوه؛ قال الله عز وجل ” أجعل بينكم وبينهم ردماً ” يعني بناء؛ وردم فلان حائطه أي بناه. والجواء: بلد بعينه؛ والجواء أيضاً: جمع جوً وهو البطن الواسع من الأرض. عمي صباحاً، وانعمي صباحاً: تحيةٌ. تربع أهلها: نزلوا في الربيع. وعنيزتين: أكمةٌ سوداء بين البصرة ومكة. والغيلم: موضع. والطلل: ما كان له شخص من الدار مثل أثفية أو وتدٍ أو نؤيٍ، وتقول العرب: حيا الله طللك، أي شخصك. وابنا ضمضم: حصين وهرم المريان. وثغرة نحره: موضع لبته. واللبان: مجرى لببة من صدره وهو الصدر نفسه. ويروى ” بغرة وجهه”. وتسربل، أي صار له سربال من الدم. وقوله:” هلا سألت الخيل ” يريد فرسان الخيل ؛كما قال الله تعالى: ” واسأل القرية “. والوقيعة: الوقعة. والوغى والوحى: أصوات الناس وجلبتهم في الحرب؛ وقال الشاعر:

وليلٍ كساج الحميري أدرعته

 

كأن وغى حافاته لغط العجم

والأشطان: الحبال، واحدها شطن. شبه اختلاف الرماح في صدر فرسه بالأشطان. وشككت بالرمح: نظمت. وقال أبو عمرو: يعني بثياب قلبه. والعرض: موضع المدح والذم من الرجل؛ يقال: طيب العرض أي طيب ريح الجسم. والكلوم: الجراح. والوافر: التام. وشمائلي: أخلاقي، واحدها شمال. يقال: فلان حلو الشمائل والنحائت والضرائب والغرائز.

عنترة يقول معلقته لأن رجلاً سبه وعيره سواده: أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال حدثنا أبو سعيد السكري قال قال أبو عمرو الشيباني:  قال عنترة هذه القصيدة لأن رجلاً من بني عبس سابه فذكر سواده وسواد أمه وإخوته وعيره ذلك. فقال عنترة: والله إن الناس ليترافدون بالطعمة، فوالله ما حضرت مرفد الناس أنت ولا أبوك ولا جدك قط. وإن الناس ليدعون في ا لفزع فما رأيتك في خيل قط، ولا كنت في أول النساء. وإن اللبس ” يعني الاختلاط ” ليكون بيننا فما حضرت أنت ولا أحدٌ من أهل بيتك لحظةٍ فيصل قط، وكنت فقعاً بقرقرة . ولو كنت في مرتبتك ومغرسك التي أنت فيه ثم ما جدتك لمجدتك، أو طاولتك لطلتك، ولو سألت أمك وأباك عن هذا لأخبراك بصحته. وإني، وأوفى المنغم، وأعف عن المسألة واجود بما ملكت، وأفضل الخطة الصمعاء . فقال له الآخر: أنا أشعر منك. فقال: ستعلم !. وكان عنترة لا يقول من الشعر إلى البيت أو البيتين في الحرب فقال هذه القصيدة. ويزعمون أنها أول قصيدة قالها. وكانت العرب تسميها المذهبة.

بقية مدن معبد

نسبة الأصوات التي جعلت مكان بعض هذه الأصوات في مدن معبد، وهن: صوت من مدنه في شعر كثير عزة: صوت

تقطع من ظلامة الوصل أجمع

 

أخيراً على أن لم يكن يتقطـع

وأصبحت قد ودعت ظلامة التي

 

تضر وما كانت مع الضر تنفع

الشعر لكثير. والغناء لمعبد خفيف ثقيلٍ أول بالبنصر عن عمرو ويونس.

أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن البكار قال حدثني سليمان بن عياش السعدي قال قال السائب راوية كثير، وأخبرني إسماعيل بن يونس قال حدثنا عمر بن شبة قال زعم ابن الكلبي عن أبي المقوم قال حدثني سائب راوية كثير قال: كنت مع كثير عند ظلامة فأقمنا أياماً. فلما أردنا الانصراف عقدت له في علاقة سوطه عقداً وقالت: أحفظها ثم انصرفنا فمررنا على ماء لبنى ضمرة، فقال: إن في هذه الأخبية جاريةً ظريفةً ذات جمال، فهل لك أن تستبرزها؟ فقلت: ذاك إليك. قال: فملنا إليهم فخرجت إلينا جاريتها فأخرجتها إلينا، فإذا هي عزة، فجلس معها يحادثها، وطرح سوطه بينه وبينها إلى أن غلبته عيناه، وأقبلت عزة على تلك العقد تحلها واحدةً واحدةً. فلما استيقظ انصرفنا. فنظر إلى علاقة سوطه فقال: أحلتها؟ قلت: نعم ! فلا وصلها الله ! والله إنك لمجنون. قال: فسكت عني طويلاً ثم رفع السوط فضرب به واسط رحله وأنشأ يقول:

تقطع من ظلامة الوصل أجمع

 

أخيراً على أن لم يكن يتقطـع

وأصبحت قد ودعت ظلامة التي

 

تضر وما كانت مع الضر تنفع

وقد سد من أبواب ظلامة التـي

 

لنا خلفٌ للنفس منها ومقـنـع

ثم وصل عزة بعد ذلك وقطع ظلامة.
ومنها: وهو الذي أوله: ” خمصانةٌ قلقٌ موشحها “.

صوت من مدنه في شعر الحارث ابن خالد:

صوت

أقوى من آل ظليمة الحزم

 

فلغمرتان فأوحش الخطـم

فجنوب أثبرةٍ فملحـدهـا

 

فلسدرتان فما حوى دسـم

وبما أرى سخصاً به حسناً

 

في القوم إذا حيتكم نـعـم

إذا ودها صافٍ و رؤيتهـا

 

أمنيةٌ وكلامـهـا غـنـم

لفاء مملوءٌ مخلخـلـهـا

 

عجزاء ليس لعظمها حجم

خمصانةٌ قلقٌ موشحـهـا

 

رؤد الشباب على بها عظم

وكأن غاليةً تبـاشـرهـا

 

تحت أثياب إذا صغا النجم

أظليم إن مصابكـم رجـلاً

 

أهدى السلام تحيةً ظـلـم

اقصيته وأراد سلـمـكـم

 

فليهنه إذ جاءك السـلـم

عروضه من الكامل. الشعر للحارث بن خالد المخزومي. والغناء لمعبد، ولحنه من القدر الأوسط من الثقيل الأول بالخنصر في مجرى البنصر. قال: ولحن معبد :

خمصانةٌ قلقٌ موشحها

وأول لحن مالك:

أقوى من آل ظليمة الحزم