ذكر قيس بن الخطيم وأخباره ونسبه

الثالث

الجزء الثالث

ذكر قيس بن الخطيم وأخباره ونسبه

نسبه

هو قيس بن الخطيم بن عدي بن عمرو بن سود بن ظفر، ويكنى قيس أبا يزيد.
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا محمد بن موسى بن حماد، قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال: أنشد ابن أبي عتيق قول قيس بن الخطيم:

بين شكول النساء خلقتهـا

 

حذواً فلا جبلة ولا قضف

فقال: لولا أن أبا يزيد قال: حذوا ما درى الناس كيف يخشون هذا الموضع

أخذه بثأر أبيه وجده واستعانته في ذلك بخداش بن زهير

وكان أبوه الخطيم قتل وهو صغير، قتله رجل من بني حارثة بن الحارث بن الخزرج، فلما بلغ قتل قاتل أبيه ونشبت لذلك حروب بين قومه وبين الخزرج وكان سببها.

فأخبرني علي بن سليمان الأخفش قال أخبرني أحمد بن يحيى ثعلب عن أبي الأعرابي عن المفضل قال: كان سبب قتل الخطيم أن رجلاً من بني حارثة بن الحارث بن الخزرج يقال له مالك اغتاله فقتله، وقيس يومئذ صغير، وكان عدي أبو الخطيم أيضاً قتل قبله، قتله رجل من عبد القيس، فلما بلغ قيس بن الخطيم وعرف أخبار قومه وموضع ثأره لم يزل يلتمس غرة من قاتل أبيه وجده في المواسم حتى ظفر بقاتل أبيه بيثرب فقتله، وظفر بقاتل جده بذي المجاز، فلما أصابه وجده في ركبٍ عظيم من قومه، ولم يكن معه إلا رهط من الأوس، فخرج حتى أتى حذيفة بن بدار الفزاري، فاستنجده فلم ينجده، فأتى خداش بن زهير فنهض معه ببني عامر حتى أتوا قاتل عدي، فإذا هو واقف على راحلته في السوق، فطعنه قيس بحرية فقتله، ثم استمر. فأراده رهط الرجل، فحالت بنو عامر دونه؛ فقال في ذلك قيس بن الخطيم:

ثأرت عديا والخطيم فلـم أضـع

 

ولاية أشياخ جعـلـت إزاءهـا

ضربت بذي الزجين ربقة مالـك

 

فأبت بنفس قد أصبت شفـاءهـا

وسامحني فيها ابن عمرو بن عامرٍ

 

خداش فأدى نـعـمة وأفـاءهـا

طعنت ابن عبد القيس طعنة ثـائرٍ

 

لها نفذ لولا الشعـاع أضـاءهـا

ملكت بها كفي فأنهرت فتقـهـا

 

يرى قائم من دونها مـاوراءهـا

هذه رواية ابن الأعرابي عن المفضل. وأما ابن الكلبي فإنه ذكر أن رجلاً من قريش أخبره عن أبي عبيدة أن محمد بن عمار بن ياسر، وكان عالماً بحديث الأنصار، قال: كان من حديث قيس بن الخطيم أن جده عدي بن عمرو قتله رجل من بني عمرو بن عامر بن ربيعة بن عامر بن صعصعة يقال له مالك، وقتل أباه الخطيم بن عدي رجل من عبد القيس ممن يسكن هجر؛ وكان قيس يوم قتل أبوه صبياً صغيراً، وقتل الخطيم قبل أن يثأر بأبيه عدي؛ فخشيت أم قيس على ابنها أن يخرج فيطلب بثأر أبيه وجدك، فكان قيس لايشك أن ذلك على ذلك. ونشأ أيداً شديد الساعدين، فنازع يوماً فتى من فتيان بني ظفر، فقال له: ومن قاتل أبي وجدي؟ قال: سل أمك تخبرك؟ فأخذ السيف ووضع قائمة على الأرض وذبابة بين ثدييه وقال لأمه: أخبريني من قتل أبي وجدي؟ قالت: ماتا كما يموت الناس وهذان قبراهما بالفناء؛ فقال: والله لتخبرينني من قتلهما أو لأتحاملن على هذا السيف حتى يخرج من ظهري؛ فقالت: أما جدك فقتله رجل من بني عمرو بن عامر بن ربيعة يقال له مالك، وأما أبوك فقتله رجل من عبد القيس ممن يسكن هجر؛ فقال: والله لأنتهي حتى أقتل قاتل أبي وجدي؛ فقالت: يا بني إن مالكاً قاتل جدك من قوم خداش بن زهير، ولأبيك عن خداش نعمة هو لها شاكر، فأته فاستشره في أمرك واستعنه يعنك؛ فخرج قيس من ساعته حتى أتى ناصحه وهو يسقي نخله، فضرب الجرير بالسيف فقطعه، فسقطت الدلو في البئر، وأخذ برأس الجمل فحمل على غرارتين من تمر، وقال: من يكفيني أمر هذه العجوز؟ (يعني أمه) فإن مت أنفق عليها من هذا الحائط حتى تموت ثم هو له، وإن عشت فمالي عائد إلي وله منه ما شاء أن يأكل من تمره؛ فقال رجل من قومه: أنا له، فأعطاه الحائط ثم خرج يسأل عن خداش بن زهير حتى دل عليه بمر الظهران، فصار إلى خبائه فيم يده، فنزل تحت شجرة يكون تحتها أضيافه، ثم نادى امرأة خداش: هل من طعام؟ فأطلعت إليه فأعجبها جماله، وكان من أحسن الناس وجهاً؛ فقالت: والله ما عندنا من نزلٍ نرضاه لك إلا تمراً؛ فقال: لا أبالي، فأخرجي ما كان عندك؛ فأرسلت إليه بقباع فيه تمر، فأخذ منه تمرة فأكل شقها ورد شقها الباقي في القباع، ثم أمر بالقباع فأدخل على امرأة خداش بن زهير، ثم ذهب لبعض حاجاته. ورجع خداش فأخبرته امرأته خبر قيس، فقال: هذا رجل متحرم. وأقبل قيس راجعاً وهو مع امرأته يأكل رطباً؛ فلما رأى خداش رجله وهو على بعيره قال لامرأته: هذا ضيفك؟ قالت: نعم؛ قال: كأن قدمه قدم الخطيم صديقي اليثربي؛ فلما منه قرع طنب البيت بسنان رمحه واستأذن، فأذن له خداش فدخل إليه، فنسبه فانتسب وأخبره بالذي جاء له، وسأله أن يعينه وأن يشير عليه في أمره؛ فرحب به خداش وذكر نعمة أبيه عنده، وقال: إن هذا الأمر مازلت أتوقعه منك منذ حينٍ. فأما قاتل جدك فهو ابن عم لي وأنا أعينك عليه، فإذا اجتمعا في نادينا جلست إلى جنبه وتحدثت معه، فإذا ضربت فخذه فثب إليه فاقتله. فقال قيس: فأقبلت معه نحوه حتى قمت على رأسه لما جالسه خداش، فحين ضرب فخذه فثب إليه فاقتله. فقال قيس: فأقبلت معه نحوه حتى قمت على رأسه لما جالسه خداش، فحين ضرب فخذه ضربت رأسه بسيف يقال له: ذو الخرصين، فثار إلي القوم ليقتلوني، فحال خداش بينهم وبيني وقال: دعوه فإنه والله ما قتل إلا قاتل جده. ثم دعا خداش بجمل من إبله فركبه، وانطلق مع قيس إلى العبدي الذي قتل أباه، حتى إذا كانا قريباً من هجر أشار عليه خداش أن ينطلق حتى يسأل عن قاتل أبيه، فإذا دل عليه قال له: إن لصاً من لصوص قومك عارضني فأخذ متاعاً لي، فسألت من سيد قومه فدللت عليك، فانطلق معي حتى تأخذ متاعي منه؛ فإن اتبعك وحده فستنال ما تريد منه، وإن أخرج معه غيره فاضحك، فإن سألك مم ضحكت فقل: إن الشريف عندنا لايصنع كما صنعت إذا دعي إلى اللص من قومه، إنما يخرج وحده بسوطه دون سيفه، فإذا رآه اللص أعطى كل شيء أخذ هيبة” له، فإن أمر أصحابه بالرجوع فسبيل ذلك، وإن أبى إلا أن يمضوا معه فأتني به، فإني أرجو أن تقتله وتقتل أصحابه. ونزل خداش تحت ظل شجرة، وخرج قيس حتى أتى العبدي فقال له ما أمره خداش فاحفظه، فأمر أصحابه فرجعوا ومضى مع قيس، فلما طلع على خداش، قال له: اختر يا قيس إما أن أعينك وإما أن أكفيك؛ قال: لا أريد واحدة منهما، ولكن إن قتلني فلا يفلتنك؛ ثم ثار إليه فطعنه قيس بالحربة في خاصرته فأنفذها من الجانب الآخر فمات مكانه، فلما فرغ منه قال له خداش: إنا إن قررنا الآن طلبنا قومه، ولكن ادخل بنا مكاناً قريباً من مقتله، فإن  قومه لا يظنون أنك قتلته وأقمت قريباً منه، ولكنهم إذا افتقدوه اقتفوا أثره، فإذا وجدوه قتيلاً، فخرجوا يطلبونهما في كل وجه ثم رجعوا، فكان من أمرهم ما قال خداش. وأقاما مكانهما أياماً ثم خرجا، فلم يتكلما حتى لآتيا منزل خداش، ففارقه عنده قيس بن الخطيم ورجع الى أهله. ففي ذلك يقول قيس:

تذكر ليلى حسنهـا وصـفـاءهـا

 

وبانت فما إن يستطيع لـقـاءهـا

ومثلك قد أصبيت ليسـت بـكـنةٍ

 

ولاجارة أفضت إلي خـبـاءهـا

إذا ما اصطبحت أربعاً خط مئزري

 

وأتبعت دلوي في السماح رشاءها

ثأرت عدياً والخطيم فـلـم أضـع

 

وصية أشياخ جعـلـت إزاءهـا

وهي قصيدة طويلة.

استنشد رسول الله شعره وأعجب بشجاعته

أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثني يعقوب بن اسرائيل قال حدثنا زكريا بن يحيى المنقري قال حدثنا زياد بن بيان العقيلي قال حدثنا أبو خولة الأنصاري عن أنس بن مالك قال: جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجلس ليس فيه إلا خزرجي ثم استنشدهم قصيدة قيس بن الخطيم، يعني قوله:

أتعرف رسماً كاطراد المذاهب

 

لعمرة وحشاً غير موقف راكب

فأنشده بعضهم إياها، فلما بلغ إلى قوله:

أجالدهم يوم الحديقة حـاسـراً

 

كأن يدي بالسيف مخراق لاعب

فالتفت إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ” هل كان كما ذكر”؛ فشهد له ثابت بن قيس بن شماس وقال له: والذي بعثك بالحق يا رسول الله، لقد خرج إلينا يوم سابع عرسه عليه غلالة وملحفة مورسة فجالدنا كما ذكر. هكذا في هذه الرواية.
وقد أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عمي مصعب قال: لم تكن بينهم في هذه الأيام حروب إلا في يوم بعاث فإنه كان عظيماً، وإنما كانوا يخرجون فيترامون بالحجارة ويتضاربون بالخشب.
قال الزبير وأنشدت محمد بن فضالة قول قيس بن الخطيم:

أجالدهم يوم الحديقة حـاسـرا

 

كأن يدي بالسيف مخراق لاعب

فضحك وقال: ما اٌقتتلوا يومئذ إلا بالرطائب والسعف قال أبو الفرج: وهذه القصيدة التي استنشدهم إياها رسول الله صلى الله عليه وسلم من جيد شعر قيس بن الخطيم، ومما أنشده نابغة بني دبيان فاستحسنه وفضله وقدمه من أجله.
أنشد النابغة من شعره فاستجاده أخبرنا الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا الزبير بن بكار قال قال أبو غزية قال حسان بن ثابت: قدم النابغة المدينة فدخل السوق فنزل عن راحلته، ثم جثا على ركبتيه، ثم اعتمد على عصاه، ثم أنشأ يقول:

عرفت منازلاً بعريتنـات

 

فأعلى الجزع للحي المبن

فقلت: هلك الشيخ ورأيته قد تبع قافية منكرة. قال ويقال: إنه قالها في موضعه، فما زال ينشد حتى أتى على آخرها، ثم قال: ألا رجل ينشد؟ فتقدم قيس بن الخطيم فجلس بين يديه وأنشده: “أتعرف رسماً كاطراد المذاهب” حتى فرغ منه؛ فقال: أنت أشعر الناس يابن أخي. قال حسان: فدخلني منه، وإني في ذلك لأجد القوة في نفسي عليهما، ثم تقدمت فجلست بين يديه؛ فقال: أنشد فو الله إنك لشاعر قبل أن تتكلم، قال: وكان يعرفني قبل ذلك، فأنشدته؛ فقال أنت أشعر الناس. قال الحسن بن موسى: وقالت الأوس: لم يزد قيس بن الخطيم النابغة على: “أتعرف رسماً كاطراد المذاهب” -نصف البيت-حتى قال أنت أشعر الناس

صفاته الجثمانية

أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا الزبير قال قال سليمان بن داود المجمعي: كان قيس بن الخطيم مقرون الحاجبين أدعج العينين أحمر الشفتين براق الثنايا كأن بينهما برقا، ما رأته حليلة رجل قط إلا ذهب عقلها.

أمر حسان الخنساء بهجوه فأبت

أخبرني الحسن قال حدثنا محمد قال حدثنا الزبير قال حدثني حسن بن موسى عن سليمان بن داود المجمعي قال: قال حسان بن ثابت للخنساء: أهجي قيس بن الخطيم؛ فقالت: لا أهجو أحداً أبداً حتى أراه. قال: فجاءته يوماً فوجدته في مشرقةٍ ملتفاً في كساء له، فنخسته برجلها وقالت: قم، فقام؛ فقالت: أدبر، فأدبر؛ ثم قالت: أقبل، فأقبل. قال: والله لكأنها تعترض عبداً تشتريه، ثم عاد إلى حاله نائماً؛ فقالت: والله لا أهجو هذا أبداً.

عرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم الإسلام فاستنظره حتى يقدم المدينة:

قال الزبير وحدثني عمي مصعب قال: كانت عند قيس بن الخطيم حواء بنت يزيد بن سنان بن كريز بن زعوراء فأسلمت، وكانت تكتم قيس بن الخطيم إسلامها، فلما قدم قيس مكة عرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم الإسلام، فاستنظره قيس حتى يقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة؛ فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم الإسلام، فاستنظره قيس حتى يقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة؛ فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجتنب زوجته حواء بنت يزيد، وأوصاه بها خيراً، وقال له: إنها قد أسلمت؛ ففعل قيس وحفظ وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبلغ رسول صلى الله عليه وسلم؛ فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ” وفي الأديعج” قال أبو الفرج وأحسب هذا غلطاً من مصعب، وأن صاحب هذه القصة قيس بن شماس، وأما قيس بن الخطيم فقتل قبل الهجرة.

قتله الخزرج بعد هدأة الحرب بينهم وبين الأوس: أخبرني علي بن سليمان الأخفش النحوي عن أبي سعيد السكري عن محمد بن حبيب عن ابن الأعرابي عن المفضل: أن حرب الأوس والخزرج لما هدأت، تذكرت الخزرج قيس بن الخطيم ونكايته فيهم، فتوامروا وتواعدو قتله؛ فخرج عشية من منزله في ملاءتين يريد مالاً له بالشوط حتى مر بأطم بني حارثة، فرمي من الأطم بثلاثة أسهم، فوقع أحدها في صدره، فصاح صيحة سمعها رهطه، فجاؤوا فحملوه الى منزله، فلم يروا له كفئاً إلا أبا صعصعة يزيد بن عوف بن مدرك النجاري، فاندس إليه رجل حتى اغتاله في منزله، فضرب عنقه واشتمل على رأسه، فأتى به قساً وهو بآخر رمق، فألقاه بين يديه وقال: يا قيس قد أدركت بثأرك؛ فقال: عضعضت بأير أبيك إن كان غير أبي صعصعة! فقال: هو أبو صعصعة، وأراه الرأس! فلم يلبث قيس بعد ذلك أن مات.

مهاجاته حسان بن ثابت

وهذا الشعر أعني: (أجد بعمرة غنيانها) فيما قيل يقوله قيس بن عمرة بنت رواحة، وقيل: بل قاله في عمرة: امرأة كانت لحسان بن ثابت، وهي عمرة بنت صامد بن خالد. وكان حسان ذكر ليلى بنت الخطيم في شعره، فكافأه قيس بذلك، وكان هذا في حربهم التي يقال لها يوم الربيع.

فأخبرني الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن زهير قال أخبرنا الزبير قال حدثني مصعب قال: مر حسان بن ثابت بليلى بنت الخطيم-وقيس بن الخطيم أخوها بمكة حين خرجوا يطلبون الحلف في قريش- فقال لها حسان: اظعني فالحقي بالحي فقد ظعنوا، وليت شعري ما خلفك وما شأنك: أقل ناصرك أم راث رافدك؟ فلم تكلمه وشتمه نساؤها؛ فذكرها في شعره في يوم الربيع الذي يقول فيه:

لقد هاج نفسك أشجانهـا

 

وعاودها اليوم أديانـهـا

تذكرت ليلى وأني بـهـا

 

إذا قطعت منك أقرانهـا

وحجل في الدار غربانهـا

 

وخف من الدار سكانهـا

وغيرها معصرات الرياح

 

وسح الجنوب وتهتانـهـا

مهاة من العين تمشي بها

 

وتتبعها ثم غـزلانـهـا

وقفت عليها فساءلتـهـا

 

وقد ظعن الحي: ما شأنها

فعيت وجاوبني دونـهـا

 

بما راع قلبي أعوانـهـا

وهي طويلة. فأجابه قيس بن الخطيم بهذه القصيدة التي أولها: (أجد بعمرة غنيانها)، وفخر فيها بيوم الربيع وكان لهم فقال:

ونحن الفوارس يوم الربي

 

ع قد علموا كيف فرسانها

حسان الوجوه حداد السـيو

 

ف يبتدر المجد شبانـهـا

وهي أيضاً طويلة.

غنت عزة الميلاء النعمان بن بشير بشعره

أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر بن شبة قال أخبرنا الأصمعي قال حدثني عمر بن شبة قال حدثنا أبو غسان عن أبي السائب المخزومي، وأخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه قال ذكر لي عن جعفر بن محرز السدوسي، قالوا: دخل النعمان بن بشير الأنصاري المدينة أيام يزيد بن معاوية وابن الزبير، فقال: والله لقد أخفقت أذناي من الغناء فأسمعوني؛ فقيل له: لو وجهت إلى عزة فإنها من قد عرفت! قال: إي ولارب البيت، إنها لمن يزيد النفس طيباً والعقل شحذاً ابعثوا إليها عن رسالتي، فإن أبت صرنا إليها؛ فقال له بعض القوم: إن النقلة تشتد عليها لثقل بدنها وما بالمدينة دابة تحملها؛ فقال النعمان: وأين النجائب عليها الهوادج! فوجه إليها بنجيب فذكرت علة، فلما عاد الرسول الى النعمان قال لجليسه أنت كنت أخبر بها، قوموا بنا؛ فقام هو مع خواص أصحابه حتى طرقوها، فأذنت وأكرمت واعتذرت، فقبل النعمان عذرها وقال: غنيني فغنته:

أجد بعمرة غنيانهـا

 

فتهجر أم شأننا شأنها

فأشير إليها أنها أمة فسكتت؛ فقال: غنيني فو الله ما ذكرت إلا كرماً وطيباً! لا تغنيني سائر اليوم غير؛ فلم تزل تغنيه هذا اللحن فقط حتى انصرف.
وتذاكروا هذا الحديث عند الهيثم بن عدي، فقال: ألا أزيدكم فيه طريفة”! قلنا بلى يا أبا الرحمن؛ قال قال لقيط: كنت عند سعيد الزبيري قال سمعت عامراً الشعبي يقول: اشتاق النعمان بن بشير إلى الغناء فصار إلى منزل عزة، فلما انصرف إذا امرأة بالباب منتظرة له، فلما خرج شكت إليه كثرة غشيان زوجها إياها، فقال لها النعمان بن بشير: لأقضين بينكما بقضية لاترد علي، قد أحل الله له من النساء مثنى وثلاث ورباع، فله امرأتان بالنهار وامرأتان بالليل. فهذا يدل على أن المعنية بهذا الشعر عمرة بنت رواحة وأما ما ذكر أنه عني عمرة امرأة حسان بن ثابت، فأخبرني الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا الزبير بن بكار عن عمه: أن قيس بن الخطيم لما ذكر حسان أخته ليلى في شعره ذكر امرأته عمرة، وهي التي يقول فيها حسان: ” أزمعت عمرة صرماً فابتكر” حسان بن ثابت وزوجة عمرة بنت الصامت وما قاله فيها من الشعر بعد طلاقها: أخبرني الحسن قال حدثنا أحمد قال حدثنا الزبير قال حدثني عمي مصعب قال: تزوج حسان عمرة بنت الصامت

بن خالد بن عطية الأوسية ثم إحدى بني عمرو بن عوف

فكان كل واحد منهما معجباً بصاحبه، وإن الأوس أجاروا مخلد بن الصامت الساعدي فقال في ذلك أبو قيس بن الأسلت:

أجرت مخلداً ودفعت عنه

 

وعند الله صالح ما أتيت

فتكلم حسان في أمره بكلام أغضب عمرة، فعيرته بأخواله وفخرت عليه بالأوس؛ فغضب لهم فطلقها، فأصابها من ذلك ندم وشدة؛ وندم هو بعد فقال: صوت

أزمعت عمرة صرماً فابتكر

 

إنما يدهن للقلب الحصـر

لا يكن حبك حباً ظـاهـراً

 

ليس هذا منك يا عمر بسر

سألت حسان من أخـوالـه

 

إنما يسأل بالشيء الغمـر

قلت أخوالي بنوكـعـبٍ إذا

 

أسلم الأبطال عورات الدبر

يريد يدهن القلب، فأدخل اللم زائدة” للضرورة. عمر: ترخيم عمرة. والسر: الخالص الحسن. غنت في هذه الأبيات عزة الميلاء ثاني ثقيل بالبنصر من رواية حبش.
وتمام القصيدة:

رب خال لي لـو أبـصـرتـه

 

سبط المشية في اليوم الخصـر

عند هذا البـاب إذ سـاكـنـه

 

كل وجه حسن النـقـبة حـر

يوقد النـار إذا مـا أطـفـئت

 

يعمل القدر بأثبـاج الـجـزر

من يغر الـدهـر أو يأمـنـه

 

من قبيلٍ بعد عمرو وحـجـر

ملكا من جبل الـثـلـج إلـى

 

جانبي أيلة من عـبـدٍ وحـر

ثم كانا خير من نـال الـنـدى

 

سبقا الناس بـإقـسـاطٍ وبـر

فارسي خيلٍ إذا ما أمسـكـت

 

ربة الخدر بأطراف السـتـر

أتـيا فـارس فـي دارهــم

 

فتناهوا بعد إعـصـارٍ بـقـر

ثم نادوا يالغـسـان اصـبـروا

 

إنه يوم مصـالـيت صـبـر

اجعلوا معقلـهـا أيمـانـكـم

 

بالصفيح المصطفى غير الفطر

بضـرابٍ تـأذن الـجـن لـه

 

وطعان مثل أفـواه الـفـقـر

 ولقد يعلـم مـن حـاربـنـا

 

أننا ننفع قـدمـاً ونـضـر

صبر للموت إن حـل بـنـا

 

صادقوا البأس غطاريف فخر

وأقام العز فينـا والـغـنـى

 

فلنا فيه على الناس الكـبـر

منهم أصلي فمن يفخـر بـه

 

يعرف الناس بفخر المفتخـر

نحن أهل العز والمجد مـعـا

 

غير أنكاس ولا ميلٍ عسـر

فاسألوا عنا وعن أفعـالـنـا

 

كل قوم عندهم علم الخـبـر

قال الزبير فحدثني عمي قال: ثم إن حسان بن ثابت مر يوماً بنسوة فيهن عمرة بعد ما طلقها، فأعرضت عنه وقالت لامرأة منهن: إذا حاذاك هذا الرجل فاسأليه من هو وانسبيه وانسبي أخواله وهي متعرضة له، فلما حاذاهن سألته من هو ونسبته فانتسب لها، فقالت: فمن أخوالك؟ فأخبرها، فبصقت عن شمالها وأعرضت عنه؛ فحدد النظر إليها وعجب من فعلها وجعل ينظر إليها، فبصر بامرأته وهي تضحك فعرفها الأمر وعلم أن الأمر من قبلها أتى، فقال في ذلك:

قالت له يوماً تـخـاطـبـه

 

ريا الروادف غادة الصلـب

أما المروءة والـوسـامة أو

 

حشم الرجال فقد بدا، حسبي

فوددت أنك لو تـخـبـرنـا

 

من والداك ومنصب الشعـب

فضحكت ثم رفعت متصـلاً

 

صوتي كرفع المنطق الشغب

جدي أبـو لـيلـى ووالــده

 

عمرو وأخوالي بنو كـعـب

وأنا مـن الـقـوم الـذين إذا

 

أزم الشتاء بحلقة الـجـدب

أعطى ذوو الأموال معسرهم

 

والضاربين بموطن الرعـب

قال مصعب: وأبو ليلى الذي عناه حسان: حرام بن عمرو بن زيد مناة

ومما فيه صنعة من المائة المختارة

من شعر قيس بن الخطيم:

صوت

حوراء ممكورة منـعـمة

 

كأنما شف وجهها نـزف

تنام عن كبر شأنهـا فـإذا

 

قامت رويداً تكاد تنقصف

أوحش من بعد خلةٍ سرف

 

فالمنحنى فالعقيق فالجرف

 الشعر لقيس بن الخطيم سوى البيت الثالث.

والغناء لقفا النجار

ولحنه المختار ثاني ثقيل، هكذا ذكر يحيى بن علي في الاٌختيار الواثقي. وهو في كتاب إسحاق لقفا النجار ثقيل أول بإطلاق الوتر في مجرى البنصر ولعله غير هذا اللحن المختار.
الحرب بين مالك بن العجلان وبني عمر بن عوف وسبب ذلك:

سبب قول قيس لهذا الشعر

وهذا الشعر يقوله قيس بن الخطيم في حرب كانت بينهم وبين بني جحجبى وبني خطمة، ولم يشهدها قيس ولا كانت في عصره، وإنما أجاب عن ذكرها شاعراً منهم يقال له: درهم بن يزيد. قال أبو المنهال عتيبة بن المنهال: بعث رجل من غطفان من بني ثعلبة بن سعد بن ذبيان إلى يثرب بفرسٍ وحلةٍ مع رجل من غطفان وقال: ادفعهما إلى أعز أهل يثرب-قال وقيل: إن الباعث بهما عبد يا ليل بن عمرو الثقفي. قال وقيل: بل الباعث بهما علقمة بن علاثة – فجاء الرسول بهما حتى ورد سوق بني قنيقاع فقال ما أمر به، فوثب إليه رجل من غطفان كان جاراً لمالك بن العجلان الخزرجي يقال له كعب الثعلبي، فقال: مالك بن العجلان أعز أهل يثرب؛ وقام رجل آخر فقال: بل أحيحة بن الجلاح أعز أهل يثرب، وكثر الكلام؛ فقيل لرسول الغطفاني قول الثعلبي الذي كان جاراً لمالك بن العجلان ودفعهما إلى مالك؛ فقال كعب الثعلبي: ألم أقل لكم: إن حليفي أعزكم وأفضلكم ? فغضب رجل من بني عمرو بن عوف يقال له سمير فرصد الثعلبي حتى قتله، فأخبر مالك بذلك، فأرسل إلى بني عوف بن عمرو بن مالك بن الأوس: إنكم قتلته بنو جحجبى: إنما قتلته بنو زيد؛ ثم أرسلوا إلى مالك: إنه قد كان في السوق التي قتل فيها صاحبكم ناس كثير، ولا يدري أيهم قتله؛ وأمر مالك أهل تلك السوق أن يتفرقوا، فلم يبق فيها غير سمير وكعب، فأرسل مالك إلى بني عمرو بن عوف بالذي بلغه من ذلك وقال: إنما قتله سمير، فأرسلوا به إلي أقتله؛ فأرسلوا إليه: إنه ليس لك أن تقتل سميراً بغير بينة؛ وكثرت الرسل بينهم في ذلك: يسألهم مالك أن يعطوه سميراً ويأبون أن يعطوه إياه. ثم إن بني عمرو بن عوف كرهوا أن ينسبوا بينهم وبين مالك حرباً، فأرسلوا إليه يعرضون عليه الدية فقبلها؛ فأرسلوا إليه: إن صاحبكم حليف وليس لكم فيه إلا نصف الدية، فغضب مالك وأبى أن يأخذ فيه إلا الدية كاملة أو يقتل سميراً؛ فأبت بنو عمرو بن عوف أن يعطوه إلا دية الحليف وهي نصف الدية، ثم يأخذ فيه إلا الدية كاملة أو يقتل سميراً؛ فأبت بنو عمرو بن عوف أن يعطوه إلا دية الحليف وهي نصف الدية، ثم دهوه أن يحكم بينهم وبينه عمرو بن امرئ القيس أحد بني الحارث بن الخزرج وهو جد عبد الله بن رواحة ففعل؛ فانطلقوا حتى جاءوه في بني الحارث بن الخزرج، فقضى على مالك بن العجلان أنه ليس له في حليفة إلا دية الحليف، وأبى مالك أن يرضى بذلك وآذن بني عمرو بن عوف بالحرب، واستنصر قبائل الخزرج، فأبت بنو الحارث بن الخزرج أن تنصره غضباً حين رد قضاء عمرو بن امرئ القيس؛ فقال مالك بن العجلان يذكر خذلان بني الحارث بن الخزرج له وحدب يني عمرو بن عوف على سمير، ويحرض بني النجار على نصرته:

إن سميراً أرى عـشـيرتـه

 

قد حدبوا دونه وقد أنـفـوا

إن يكن الظن صادقاً ببني الن

 

جار لا يطعموا الذي علفـوا

لا يسلمونا لمـعـشـرٍ أبـداً

 

مادام منا ببطنـهـا شـرف

لكن موالي قـد بـدا لـهـم

 

رأي سوى ما لدي أو ضعفوا

” يقال: علفوا الضيم إذ أقروا به، أي ظني أنهم لا يقبلون الضيم ”

صوت

بين بني جحجبى وبـين بـنـي

 

زيد فأنى لجـاري الـتـلـف

يمشون في البيض والدروع كما

 

تمشي جمال مصاعب قطـف

كما تمشي الأسود في رهج ال

 

موت إليه وكلـهـم لـهـف

غنى في هذه الأبيات معبد خفيف ثقيلٍ عن إسحاق، وذكر الهشامي أن فيه لحناً من الثقيل الأول للغريض وقال درهم بن يزيد بن ضبيعة أخو سمير في ذلك:

يقوم لا تقتلوا سـمـيراً فـإ

 

ن القتل فيه البوار والأسـف

إن تقتلوه ترن نـسـوتـكـم

 

على كريم ويفزع السـلـف

إني لعمر الذي يحج له الـن

 

اس ومن دون بيتـه سـرف

يمين بر باللـه مـجـتـهـد

 

يحلف إن كان ينفع الحلـف

لا نرفع العبد فوق سـنـتـه

 

مادام منا ببطنـهـا شـرف

إنك لاق غداً غـواة بـنـي

 

عمي فانظر ما أنت مزدهف

فأبدأ سيماك يعرفوك كـمـا

 

يبدون سيماهم فتـعـتـرف

معنى قوله “فأبد سيماك”: أن مالك بن العجلان كان إذا شهد الحرب يغير لباسه ويتنكر لئلا يعرف فيقصد وقال درهم بن يزيد في ذلك:

يا مال لا تبغين ظلامتـنـا

 

يامال إنا معـاشـر أنـف

يا مال والحق إن قنعت بـه

 

فيه وفينا لأمرنا نـصـف

إن بجيراً عبد فخذ ثـمـنـاً

 

فالحق يوفى به ويعتـرف

ثم اعلمن إن أردت ضيم بني

 

زيد فإني ومن له الحلـف

لأصبحن داركم بذي لجـبٍ

 

جونٍ له من أمامه عـزف

البيض حصن لهم إذا فزعوا

 

وسابغات كأنها النـطـف

والبيض قد ثلمت مضاربها

 

بها نفوس الكماة تختطـف

كأنها في الأكف إذ لمعـت

 

وميض برق يبدر وينكسف

وقال قيس بن الخطيم الظفري أحد بني النبيت في ذلك، ولم يدركه وإنما قاله بعد هذه الحرب بزمان، ونم هذه القصيدة الصوت المذكور:

رد الخليط الجمال فانصرفوا

 

ماذا عليهم لو أنهم وقـفـوا

لو وقفوا ساعة نسـائلـهـم

 

ريث يضحي جماله السلف

فيهم لعوب العشاء آنـسة ال

 

دل عروب يسوءها الخلـف

بين شكول النساء خلقتـهـا

 

قصد فلا جبلة ولاقـضـف

تنام عن كبر شأنـهـا فـإذا

 

قامت رويداً تكاد تنـغـرف

تغترف الطرف وهي لاهية

 

كأنما شف وجههـا نـزف

حوراء جيداء يستضاء بـهـا

 

كأنها خوط بـانةٍ قـصـف

قضى لها الله حين صورهاال

 

خالق أن لا يكنهـا سـدف

خوذ يغث الحديث ماصمتـت

 

وهو بفيها ذو لـذة طـرف

تخزنه وهو مشتهى حـسـن

 

وهو إذا ما تكلمـت أنـف

وهي طويلة يقول فيها:

أبلغ بني جحجبى وإخوتهـم

 

زيداً بأنـا وراءهـم أنـف

إنا وإن قل نصرنـا لـهـم

 

أكبادنا من ورائهم تـجـف

لما بدت نحونا جبـاهـهـم

 

حنت إلينا الأرحام والصحف

نفلي بحد الصفيح هامـهـم

 

وفلينا هامهم بهـا جـنـف

يتبع آثارها إذا اختـلـجـت

 

سخن عبيط عروقه تكـف

إن بني عمنا طغوا وبـغـوا

 

ولج منهم في قومهم سرف

فرد عليه حسان بن ثابت ولم يدرك ذلك”

ما بال عينيك دمعـهـا يكـف

 

من ذكر خود شطت بها قذف

بانت بها غـربة تـؤم بـهـا

 

أرضاً سوانا والشكل مختلـف

ما كنت أدري بوشك بـينـهـم

 

حتى رأيت الحدوج تنـقـذف

دع ذا وعد القريض في نفـر

 

يرجون مدحي ومدحي الشرف

إن تدع قومي للمجد تلـفـهـم

 

أهل فعالٍ يبدو إذا وصـفـوا

إن سميراً عبد طغى سـفـهـاً

 

ساعده أعبد لـهـم نـطـف

اليهود والأوس والخزرج قال: ثم أرسل مالك بن العجلان إلى بني عمرو بن عوف يؤذنهم بالحرب، ويعدهم يوماً يلتقون فيه، وأمر قومه فتهيؤا للحرب، وتحاشد الحيان وجمع بعضهم لبعض. وكانت يهود قد حالفت قبائل الأوس والخزرج، إلا بني قريظة وبني النضير فإنهم لم يحالفوا أحداً منهم، حتى كان هذا الجمع، فأرسلت إليهم الأوس والخزرج، كل يدعوهم إلى نفسه، فأجابوا الأوس وحالفوهم، والتي حالفت قريظة والنضير من الأوس أوس الله وهي خطمة وواقف وأمية ووائل، فهذه قبائل أوس الله. ثم زحف مالك بمن معه من الخزرج، وزحفت الأوس بمن معها من حلفائها من قريظة و النضير، فاٌلتقوا بفضاء كان بين بئر سالم وقباء، وكان أول يوم التقوا فيه، فاقتتلوا قتالاً شديداً، ثم انصرفوا وهم منتصفون جميعاً، ثم التقوا مرة أخرى عند أطم بني قنيقاع، فاٌقتتلوا حتى حجز الليل بينهم، وكان الظفر يومئذ للأوس على الخزرج، فقال أبو قيس بن الأسلت في ذلك:

لقد رأيت بني عمرو فما وهنـوا

 

عند اللقاء وما هموا بتـكـذيب

ألا فدى لهم أمـي ومـا ولـدت

 

غداة بمشون إرقال المصاعـيب

بكل سلهـبةٍ كـالأيم مـاضـيةٍ

 

وكل أبيض ماضي الحد مخشوب

أصل المخشوب: الحديث الطبع، ثم صار كل مصقول مخشوباً؛ فشبهها الحية في انسلالها قال: فلبث الأوس والخزرج متحاربين عشرين سنة في أمر سمير يتعاودون القتال في تلك السنين، وكانت لهم فيها أيام ومواطن لم تحفظ، فلما رأت الأوس طول الشر وأن مالكاً لاينوع، قال لهم سويد بن صامت الأوسي- وكان يقال له الكامل في الجاهلية، وكان الرجل عند العرب إذا كان شاعرا شجاعاً كاتباً سابحاً رامياً سموه الكامل، وكان سويد أحد الكملة: يا قوم، أرضوا هذا الرجل من حليفه، ولا تقيموا على حرب إخوتكم فيقتل بعضكم بعضاً ويطمع فيكم غيركم، وإن حملتم على أنفسكم بعض الحمل. فأرسلت الأوس إلى مالك بن العجلان يدعونه إلى أن بحكم بينه وبينهم ثابت بن المنذر بن حرام أبو حسان بن ثابت، فأجابهم إلى ذلك، فخرجوا حتى أتوا ثابت بن المنذر، وهو في البئر التي يقال لها سميحة، فقالوا: إنا قد حكمناك بيننا؛ فقال: لا حاجة لي في ذلك؛ قالوا: ولم؟ قال: أخاف أن تردوا حكمي كما رددت حكم عمرو بن امرئ القيس؛ قالوا: فإنا لانرد حكمك فاحكم بيننا؛ قال: لا أحكم بينكم حتى تعطوني موثقاً وعهداً لترضون بحكمي وما قضيت به ولتسلمن له؛ فأعطوه على ذلك عهودهم ومواثيقهم، فحكم بأن يودى حليف مالك دية الصريح ثم تكون السنة فيهم بعده على ما كانت عليه؛ الصريح على ديته والحليف على ديته، وأن تعد القتلى الذين أصاب بعضهم من بعض في حربهم ” ثم يكون بعض ببعض” ثم يعطوا الدية جار مالك معونة لإخوتهم، و على بني عمرو بن عوف نصفها؛ فرأت بنو عمرو بن عوف أنهم لم يخرجوا إلا الذي كان عليهم، ورأى مالك أنه قد أدرك ما كان يطلب، وودي جاره دية الصريح. ويقال: بل الحاكم المنذر أبو ثابت.