ذكر عبيد الله بن قيس الرقيات

ذكر عبيد الله بن قيس الرقيات

نسبه وأخباره

هو عبيد الله بن قيس بن شريح بن مالك بن ربيعة بن أهيب بن ضباب بن حجير بن عبد بن معيص بن عامر بن لؤي بن غالب. وأمه قتيلة بنة وهب بن عبد الله بن ربيعة بن طريف بن عدي بن سعد بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة.

أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني محمد بن محمد بن أبي قلامة العمري قال حدثني محمد بن طلحة، قال الزبير وحدثنيه أيضاً محمد بن الحسن المخزومي، قالا جميعاً: كان يقال لبني معيص بن عامر بن لؤي وبني محارب بن فهر: الأجربان من أهل تهامة، وكانا متحالفين، وإنما قيل لهما الأجربان من شمة بأسهما وعرهما من ناوأهما كما يعر الجرب.

سبب تلقيبه بهذا اللقب

وإنما لقب عبيد الله بن قيس الرقيات لأنه شبب بثلاث نسوة سمين جميعاً رقية، منهن رقية بنت عبد الواحد بن أبي سعد بن قيس بن وهب بن أهبان بن ضباب بن حجير بن عبد بن معيص بن عامر بن لؤفي، وابنة عم لها يقال لها رقية، وامرأة من بني أمية يقال لها رقية. وكان هواه في رقية بنت عبد الواحد، وكان عبد الواحد فيما أخبرني الحرمي بن أبي العلاء عن الزبير ينزل الرقة. وإياه عنى ابن قيس بقوله:

ما خير عيش بالجزيرة بعد ما

 

عثر الزمان ومات عبد الواحد

وله في الرقيات عدة أشعار يغنى فيها تذكر بعقب هذا الخبر. والأبيات الثانية التي فيها اللحن المختار يقولها في مصعب بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، وكان صاحب شرطة مروان بن الحكم بالمدينة.

أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عمي قال: لما ولي مروان بن الحكم المدينة ولى مصعب بن عبد الرحمن بن عوف شرطته، فقال: إني لا أضبط المدينة بحرس المدينة، فابغني رجالاً من غيرها، فأعانه بمائتي رجل من أهل أيلة فضبطها ضبطاً شديداً. فدخل المسور بن مخرمة على مروان فقال: أما ترى ما يشكوه الناس من مصعب! فقال:

ليس بهذا من سياق عـتـب

 

يمشي القطوف وينام الركب

وقال غير مصعب في هذا الخبر وليس من رواية الحرمي: إنه بقي إلى أن ولي عمرو بن سعيد المدينة وخرج الحسين رضي

الله تعالى عنه وعبد الله بن الزبير، فقال له عمرو: اهدم دور بني هاشم وآل الزبير، فقال: لا أفعل، فقال: انتفخ سحرك يا بن أم حريث! ألق سيفنا! فألقاه ولحق بابن الزبير. وولى عمرو بن سعيد شرطته عمرو بن الزبير بن العوام وأمره بهدم دور بني هاشم وآل الزبير، ففعل وبلغ منهم كل مبلغ، وهدم دار ابن مطيع التي يقال لها العنقاء، وضرب محمد بن المنذر بن الزبير مائة سوط، ثم دعا بعروة بن الزبير ليضربه. فقال له محمد: أتضرب عروة فقال: نعم يا سبلان إلا أن تحتمل ذلك عنه، فقال: أنا أحتمله، فضربه مائة سوط أخرى، ولحق عروة بأخيه. وضرب عمرو الناس ضرباً شديداً، فهربوا منه إلى ابن الزبير، وكان المسور بن مخرمة أحد من هرب منه، ولما أفضى الأمر إلى ابن الزبير أقاد منه وضربه بالسوط ضرباً مبرحاً فمات فدفنه في غير مقابر المسلمين، وقال للناس، فيما ذكر عنه: إن عمراً مات مرتداً عن الإسلام.

شاعر قريش في الإسلام

أخبرني الحرمي قال حدثني الزبير قال: سألت عمي مصعباً ومحمد بن الضحاك ومحمد بن حسن عن شاعر قريش في الإسلام، فكلهم قالوا: ابن قيس الرقيات، وحكي ذلك عن عدي وعن الضحاك بن عثمان، وحكاه محمد بن الحسن عن عثمان بن عبد الرحمن اليربوعي. قال الزبير: وحدثني بمثله غمامة بن عمرو السهمي عن مسور بن عبد الملك اليربوعي.

أخبرنا محمد بن العباس اليزيدي والحرمي بن أبي العلاء وغيرهما قالوا حدثنا الزبير بن بكار قال حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله الزهري عن عمه محمد بن عبد العزيز: أن ابن قيس الرقيات أتى إلى طلحة بن عبد الله بن عوف الزهري فقال له: يا عمي، إني قد قلت شعراً فأسمعه فإنك ناصح لقومك، فإن كان جيداً قلت، وإن كان رديئاً كففت، فقال له: أنشد، فأنشده قصيدته التي يقول فيها:

منع اللهو والـهـوى

 

وسرى الليل مصعب

وسـياط عـلـى أك

 

ف رجال تقـلـب

فقال: قل يا بن أخي فإنك شاعر.

خروجه مع مصعب على عبد الملك

وشفاعة عبد الله بن جعفر له وكان عبيد الله بن قيس الرقيات زبيري الهوى، وخرج مع مصعب بن الزبير على عبد الملك، فلما قتل مصعب وقتل عبد الله هرب فلجأ إلى عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، فسأل عبد الملك في أمره فأمنه. وأخبرنا محمد بن العباس اليزيدي والحرمي بن أبي العلاء وغيرهما قالوا حدثنا الزبيري قال حدثني عبد الله بن البصير البربري مولى قيس بن عبد الله بن الزبير عن أبيه قال: قال عبيد الله بن قيس الرقيات: خرجت مع مصعب بن الزبير حين بلغه شخوص عبد الملك بن مروان إليه، فلما نزل مصعب بن الزبير بمسكن، ورأى معالم الغدر ممن معه، دعاني ودعا بمال ومناطق، فملأ المناطق من ذلك المال وألبسني منها، وقال لي: انطلق حيث شئت فإني مقتول، فقلت له: لا والله لا أريم حتى أرى سبيلك، فأقمت معه حتى قتل، ثم مضيت إلى الكوفة، فأول بيت صرت إليه دخلته، فإذا فيه امرأة لها ابنتان كأنهما ظبيتان، فرقيت في درجة لها إلى مشربة فقعدت فيها، فأمرت لي المرأة بما أحتاج إليه من الطعام والشراب والفرش والماء للوضوء، فأقمت كذلك عندها أكثر من حول، تقيم لي ما يصلحني وتغدو علي في كل صباح فتسألني بالصباح والحاجة، ولا تسألني من أنا ولا أسألها من هي، وأنا في ذلك أسمع الصياح في والجعل، فلما طال بي المقام وفقدت الصياح في وغرضت بمكاني غدت علي تسألني بالصباح والحاجة، فعرفتها أني قد غرضت وأحببت الشخوص إلى أهلي، فقالت لي: نأتيك بما تحتاج إليه إن شاء الله تعالى، فلما أمسيت وضرب الليل بأرواقه رقيت إلي وقالت: إذا شئت! فنزلت وقد أعدت راحلتين عليهما ما أحتاج إليه ومعهما عبد، وأعطت العبد نفقة الطريق، وقالت: العبد والراحلتان لك، فركبت وركب العبد معي حتى طرقت أهل مكة، فدققت منزلي، فقالوا لي: من هذا؟ فقلت: عبيد الله بن قيس الرقيات، فولولوا وبكوا، وقالوا: ما فارقنا طلبك إلا في هذا الوقت، فأقمت عندهم حتى أسحرت، ثم نهضت ومعي العبد حتى قدمت المدينة، فجئت عبد الله بن جعفر بن أبي طالب عند المساء وهو يعشي أصحابه، فجلست معهم وجعلت أتعاجم وأقول: يار يار ابن طيار. فلما خرج أصحابه كشفت له عن وجهي، فقال: ابن قيس؟ فقلت: ابن قيس، جئتك عائذاً بك، قال: ويحك! ما أجدهم في طلبك وأحرصهم على الظفر بك! ولكني سأكتب إلى أم البنين بنت عبد العزيز بن مروان فهي زوجة الوليد بن عبد الملك، وعبد الملك أرق شيء عليها. فكتب إليها يسألها أن تشفع له إلى عمها، وكتب إلى أبيها يسأله أن يكتب إليها كتاباً يسألها الشفاعة، فدخل عليها عبد الملك كما كان يفعل وسألها، هل من حاجة؟ فقالت: نعم لي حاجة، فقال: قد قضيت كل حاجة لك إلا ابن قيس الرقيات، فقالت: لا تثتثن علي شيئاً! فنفح بيده فأصاب خدها، فوضعت يدها على خدها، فقال لها: يا بنتي ارفعي يدك، فقد قضيت كل حاجة لك وإن كانت ابن قيس الرقيات، فقالت: إن حاجتي ابن قيس الرقيات تؤمنه، فقد كتب إلي أبي يسألني أن أسألك ذلك، قال: فهو آمن، فمريه يحضر مجلسي العشية، فحضر ابن قيس وحضر الناس حين بلغهم مجلس عبد الملك، فأخر الإذن، ثم أذن للناس، وأخر إذن ابن قيس الرقيات حتى أخذوا مجالسهم، ثم أذن له، فلما دخل عليه قال عبد الملك: يأهل الشأم، أتعرفون هذا؟ قالوا: لا، فقال: هذا عبيد الله بن قيس الرقيات الذي يقول:

كيف نومي على الفراش ولما

 

تشمل الشأم غارة شـعـواء

تذهل الشيخ عن بنيه وتبـدي

 

عن خدام العقيلة العـفـراء

فقالوا: يا أمير المؤمنين اسقنا دم هذا المنافق! قال: الآن وقد أمنته وصار في منزلي وعلى بساطي! قد أخرت الإذن له لتقتلوه فلم تفعلوا. فاستأذنه ابن قيس الرقيات أن ينشده مديحه فأذن له، فأنشده قصيدته التي يقول فيها:

عاد له من كثيرة الـطـرب

 

فعينه بالدموع تنـسـكـب

كوفية نازح مـحـلـتـهـا

 

لا أمم دارها ولا صـقـب

والله ما إن صبت إلـي ولا

 

إن كان بيني وبينها سـبـب

إلا الذي أورثت كثيرة في ال

 

قلب وللحب سورة عجـب

حتى قال فيها:

إن الأغر الذي أبوه أبـو ال

 

عاصي عليه الوقار والحجب

يعتدل التاج فوق مـفـرقـه

 

على جبين كأنـه الـذهـب

فقال له عبد الملك: يا بن قيس تمدحني بالتاج كأني من العجم وتقول في مصعب:

إنما مصعب شهاب مـن ال

 

له تجلت عن وجهه الظلماء

ملكه ملك عزة لـيس فـيه

 

جبروت منه ولا كـبـرياء

أما الأمان فقد سبق لك، ولكن والله لا تأخذ مع المسلمين عطاء أبداً!. قال: وقال ابن قيس الرقيات لعبد الله بن جعفر: ما

نفعني أماني، تركت حياً كميت لا آخذ مع الناس عطاء أبداً، فقال له عبد الله بن جعفر: كم بلغت من السن؟ قال: ستين سنة، قال: فعمر نفسك، قال: عشرين سنة من في قبل، فذلك ثمانون سنة قال: كم عطاؤك. قال: ألفا درهم، فأمر له بأربعين ألف درهم، وقال: ذلك لك علي إلى أن تموت على تعميرك نفسك، فعند ذلك قال عبيد الله بن قيس الرقيات يمدح عبد الله بن جعفر:

نقدت بي الشهباء نحو ابن جعـفـر

 

سواء عليها ليلـهـا ونـهـارهـا

تزور امرأً قد يعـلـم الـلـه أنـه

 

تجود له كف قـلـيل غـرارهـا

أتيناك نثني بـالـذي أنـت أهـلـه

 

عليك كما يثني على الروض جارها

فوالله لولا أن تزور ابن جـعـفـر

 

لكان قليلاً في دمشـق قـرارهـا

إذا مت لم يوصل صديق ولم تـقـم

 

طريق من المعروف أنت منارهـا

ذكرتك أن فاض الفرات بأرضـنـا

 

وفاض بأعلى الرقتين بـحـارهـا

وعندي مما خول الـلـه هـجـمة

 

عطاؤك منها شولها وعـشـارهـا

مباركة كانـت عـطـاء مـبـارك

 

تمانح كبراها وتنمي صـغـارهـا

أخبرنا الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير قال حدثنا مصعب بن عبد الملك قال: قال عبد الملك بن مروان لعبيد الله بن قيس

الرقيات: ويحك يا بن قيس! أما اتقيت الله حين تقول لابن جعفر:

تزور امرأ قد يعلم الله أنـه

 

تجود له كف قليل غرارها

ألا قلت: قد يعلم الناس ولم تقل: قد يعلم الله! فقال ابن قيس: قد والله علمه الله وعلمته أنت، وعلمته أنا وعلمه الناس.

أخبرنا الحسين بن يحيى قال قال حماد بن إسحاق: قرأت على أبي أن عبيد الله بن قيس الرقيات منعه عبد الملك بن مروان عطاءه من بيت المال وطلبه ليقتله، فاستجار بعبد الله بن جعفر، وقصده فألفاه نائماً، وكان صديقاً لسائب خاثر، فطلب الإذن على ابن جعفر فتعذر، فجاء سائب خاثر ليستأذن له عليه، قال سائب: فجئت من قبل رجل عبد الله بن جعفر فنبحت نباح الجرو الصغير، فانتبه ولم يفتح عينيه، وركلني برجله، فدرت إلى عند رأسه، فنبحت نباح الكلب الهرم، فانتبه وفتح عينيه فراني، فقال: ما لك. ويحك! فقلت: ابن قيس الرقيات بالباب، قال: ائذن له، فأذنت له، فدخل إليه فرحب ابن جعفر به وقربه، فعرفه ابن قيس خبره، فدعا بظبية فيها دنانير، وقال: عد له منها، فجعلت أعد وأترنم وأحسن صوتي بجهدي حتى عددت ثلثمائة دينار، فسكت، فقال لي عبد الله: مالك ويلك سكت! ما هذا وقت قطع الصوت الحسن، فجعلت أعد حتى نفد ما كان في الظبية، وفيها ثمانمائة دينار، فدفعتها إليه، فلما قبضها قال لابن جعفر: اسأل أمير المؤمنين في أمري، قال: نعم، فإذا دخلت إليه معي ودعا بالطعام، فكل أكلاً فاحشاً. فركب ابن جعفر، فدخل معه إلى عبد الملك، فلما قدم الطعام جعل يسيء الأكل، فقال عبد الملك لابن جعفر: من هذا. فقال: هذا إنسان لا يجوز إلا أن يكون صادقاً إن استبقي، وإن قتل كان أكذب الناس، قال: وكيف ذلك! قال: لأنه يقول:

ما نقموا من بني أمية إلا أنهم يحلمون إن غضبوا

فإن قتلته لغضبك عليه أكذبته فيما مدحكم به، قال: فهو آمن، ولكن لا أعطيه عطاء من بيت المال، قال: ولم وفد وهبته لي؟

فأحب أن تهب لي عطاءه أيضاً كما وهبت لي دمه وعفوت لي عن ذنبه، قال: قد فعلت، قال: وتعطيه ما فاته من العطاء، قال: قد فعلت، وأمرت له بذلك.

أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عمي قال: كان ابن قيس الرقيات منقطعاً إلى ابن جعفر، وكان يصله ويقضي عنه دينه، ثم استأمن له عبد الملك فأمنه، وحرمه عطاءه، فأمره عبد الله أن يقدر لنفسه ما يكفيه أيام حياته ففعل ذلك، فأعطاه عبد الله ما سأل وعوضه من عطائه أكثر منه، ثم جاءت عبد الله صلة من عبد الملك وابن قيس غائب، فأمر عبد الله خازنه فخبأ له صلته، فلما قدم دفعها إليه، وأعطاه جارية حسناء، فقال ابن قيس:

إذا زرت عبد الله نفسي فـداؤه

رجعت بفضل من نداه ونـائل

وإن غبت عنه كان للود حافظاً

ولم يك عني في المغيب بغافل

تداركني عبد الإلـه وقـد بـدت

 لذي الحقد والشنان مني مقاتلـي

فأنقذني من غمرة الموت بعدمـا

 رأيت حياض الموت جم المناهل

حباني لما جـئتـه بـعـطـية

 وجارية حسناء ذات خـلاخـل

ومنها:

عاد له من كثيرة الـطـرب

 

فعينه بالدموع تنـسـكـب

كوفية نازح مـحـلـتـهـا

 

لا أمم دارها ولا صـقـب

والله ما إن صبت إلـي ولا

 

يعرف بيني وبينها سـبـب

إلا الذي أورثت كثيرة في ال

 

قلب وللحب سورة عجـب

نسبة ما في هذه الأخبار من الأغاني عروضه من المنسرح، غناه معبد ثقيلاً أول بإطلاق الوتر في مجرى الوسطى. قوله: لا أمم دارها يعني أنها ليست بقريبة. ويقال: ما كلفتني أمماً من الأمر فأفعله: أي قريباً من الإمكان، ويقال: إن فلاناً لأمم من أن يكون فعل كذا وكذا. قال الشاعر:

أطرقته أسماء أم حلـمـا

 

بل لم تكن من رحالنا أمما

أي قريبة. وقال الراجز:

كلفها عمرو نقال الضبعان

 

ما كلفت من أمم ولا دان

وقال آخر:

إنك إن سألت شيئاً أممـا

 

جاء به الكري أو تجشما

والصقب: الملاصقة. تقول: والله ما صاقبت فلاناً ولا صاقبني، ودار فلان مصاقبة لدار فلان، وفي الحديث: الجار أحق بصقبه، أي بما لاصقه، أي إنه أحق بشفعته. والسورة: شدة الأمر، ومنه يقال: ساور فلان فلاناً، وتساور الرجلان إذا تغالبا وتشادا، وقيل إن السورة: البقية أيضاً.

ومنها:

ما نقموا من بني أمية إلا

 

أنهم يحلمون إن غضبوا

وأنهم سادة الملوك فمـا

 

تصلح إلا عليهم العرب

غنت في هذين البيتين حبابة، وهما من القصيدة التي أولها:

عاد له من كثيرة الطرب

قال الأصمعي: كثيرة هذه امرأة نزل بها بالكوفة فآوته. قال ابن قيس: فأقمت عندها سنة تروح وتغدو علي بما أحتاج إليه، ولا تسألني عن حالي ولا نسبي، فبينا أنا بعد سنة مشرق من جناح إلى الطريق، إذا أنا بمنادي عبد الملك ينادي ببراءة الذمة ممن أصبت عنده، فأعلمت المرأة أني راحل، فقالت: لا يروعنك ما سمعت، فإن هذا نداء شائع منذ نزلت بنا، فإن أردت المقام ففي الرحب والسعة، وإن أردت الانصراف أعلمتني، فقلت لها: لا بد لي من الانصراف، فلما كان الليل، قدمت إلي راحلة عليها جميع ما أحتاج إليه في سفري، فقلت لها: من أنت جعلت فداءك لأكافئك؟ قالت: ما فعلت هذا لتكافئني، فأنصرفت ولا والله ما عرفتها إلا أني سمعتها تدعى باسمها كثيرة، فذكرتها في شعري.

الفتك ببني أمية بسبب شعره

وذكر الزبير بن بكار عن عمه مصعب أن عبد الله بن علي بن عبد الله بن عباس صاحب بني أمية بنهر أبي فطرس، إنما بعثه على قتلهم أنه أنشده بعض الشعراء ذات يوم مديحاً مدح به بني هاشم، فقال لبعضهم: أين هذا مما كنتم تمدحون به! فقال: هيهات أن يمدح أحد بمثل قول ابن قيس فينا:

ما نقموا من بنـي أمـية إ

 

لا أنهم يحلمون إن غضبوا

البيتين، فقال له عبد الله بن علي: ألا أرى المطمع في الملك في نفسك بعد يا ماص كذا من أمه! ثم أوقع بهم.

 

غضب الرشيد وقد غني بشعره فيهم أخبرنا محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عمي عن جدي عبد الله بن مصعب قال: اعترض هارون الرشيد قينة فغنت:

ما نقموا من بنـي أمـية إ

 

لا أنهم يحلمون إن غضبوا

فلما ابتدأت به تغير وجه الرشيد، وعلمت أنها قد غلطت وأنها إن مرت فيه قتلت، فغنت:

ما نقموا من بنـي أمـية إ

 

لا أنهم يجهلون إن غضبوا

وأنهم معدن النفاق فـمـا

 

تفسد إلا عليهم الـعـرب

فقال الرشيد ليحيى بن خالد: أسمعت يا أبا علي؟ فقال: يا أمير المؤمنين تبتاع وتسنى لها الجائزة، ويعجل لها الإذن ليسكن قلبها، قال: ذلك جزاؤها، قومي فأنت مني بحيث تحبين. قال: فأغمي على الجارية. فقال يحيى بن خالد:

جزيت أمير المؤمنين بأمنها

 

من الله جنات تفوز بعدنها

ومنها:

تقدت بي الشهباء نحو ابن جعفر

 

سواء عليها ليلها ونـهـارهـا

تزور امرأ قد يعلم اللـه أنـه

 

 

 تجود له كف بطيء غرارها

ووالله لولا أن تزور ابن جعفر

 

 

 لكان قليلاً في دمشق قرارها            

عروضه من الطويل. غناه معبد ثاني ثقيل بالبنصر. قوله: تقدت أي سارت سيراً ليس بعجل ولا مبطئ، فيقال: تقدى فلان إذا سار سير من لا يخاف فوت مقصده فلم يعجل. وقوله: بطيء غرارها يعني أن منعها المعروف بطيء. وأصل الغرار: أن تمنع الناقة درتها، ثم يستعار في كل ما أشبه ذلك، ومنه قول الراجز:

إن لكل نهـلات شـره

 

ثم غراراً كغرار الدره

وقال جميل في مثل ذلك:

لاحت لعينك من بثينة نار

 

فدموع عينك درة وغرار

قال الزبير: وهذا البيت مما عيب على ابن قيس، لأنه نقض صدره بعحزه، فقال في أوله: إنه سار سيراً بغير عجل، ثم قال:

سواء عليها ليلها ونهارها وهذا غاية الدأب في السير، فناقض معناه في بيت واحد. ومما عيب على ابن قيس الرقيات قوله وفي هذين البيتين غناء:

ترضع شبلين وسط غيلهما

 

قد ناهزا للفطام أو فطما

ما مر يوم إلا وعندهمـا

 

لحم رجال أو يولغان دما

غناه الغريض خفيف ثقيل أول بالوسطى على مذهب إسحاق من رواية عمرو بن بانة وهي قصيدة مدح بها عبد العزيز بن

مروان، وفيها يقول:

أعني ابن ليلى عبد العزيز ببا

 

بليون تغدو جفانـه رذمـا

الواهب النجب والولائد كال

 

غزلان والخيل تعلك اللجما

وكان قال في قصيدته هذه: أو يالغان دماً بالألف، وكذلك روي عنه، ثم غيرته الرواة.

من ذهب إلى إسقاط الاحتجاج بشعره

أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثنا أحمد بن الحارث الخراز قال: سمعت ابن الأعرابي يقول: سئل يونس عن قول ابن قيس الرقيات:

ما مر يوم إلا وعندهمـا

 

لحم رجال أو يولغان دما

فقال يونس: يجوز يولغان ولا يجوز يالغان، فقيل له: فقد قال ذلك أين قيس الرقيات وهو حجازي فصيح فقال: ليس بفصيح ولا

ثقة، شغل نفسه بالشرب بتكريت.

أخبار متفرقة

أخبرني الحسين بن يحيى قال قال حماد: قرأت على أبي: أو بلغك أن ابن أبي عتيق أنشد قول ابن قيس:

سواء عليها ليلها ونهارها

فقال: كانت هذه يا بن أم فيما أرى عمياء.

أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عمي مصعب عن جدي عن هشام بن سليمان المخزومي قال: قال ابن أبي عتيق لعبيد الله بن قيس وقد مر به فسلم عليه فقال: وعليك السلام يا فارس العمياء، فقال له: ما هذا الاسم الحادث يا أبا محمد! بأبي أنت! قال: أنت سميت نفسك حيث تقول:

سواء عليها ليلها ونهارها

فما يستوي الليل والنهار إلا على عمياء، قال: إنما عنيت التعب، قال: فبيتك هذا يحتاج إلى ترجمان يترجم عنه.

ومنها:

ذكرتك أن فاض الفرات بأرضـنـا

 

وفاضت بأعلى الرقتين بحـارهـا

وحولي مما خول الـلـه هـجـمة

 

عطاؤك منها شولها وعـشـارهـا

فجئناك نثني بالـذي أنـت أهـلـه

 

عليك كما أثنى على الروض جارها

إذا مت لم يوصل صديق ولم تـقـم

 

طريق من المعروف أنت منارهـا

الشول: النوق التي شالت بأذنابها وكرهت الفحل، وذلك حين تلقح، واحدتها شائل غناه حكم الوادي ثقيلاً أول بالوسطى.

 

أخبرني إسماعيل بن يونس الشيعي قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال قال لي أبي: قال حكم الوادي: دخلت يوماً على يحيى بن خالد. فقال لي: يا أبا يحيى، ما رأيك في خمسمائة دينار قد حضرت؟ قلت: ومن لي بها؟ قال: تلقي لحنك في:

ذكرتك أن فاض الفرات بأرضنا

على دنانير فها هي ذه، وهذا سلام واقف معك ومخرجها إليك، وأنا راكب إلى أمير المؤمنين، ولست أنصرف من مجلس

المظالم إلى وقت الظهر، فكدها فيه، فإذا أحكمته فلك خمسمائة، فقالت دنانير: يا سيدي، أبو يحيى يأخذ خمسمائة دينار وينصرف وأنا أبقى معك أقاسيك عمري كله! فقال لها: إن حفظتيه فلك ألف دينار، وقام فمضى، فقلت لها: يا سيدتي، شغلي نفسك بذا، فإنك أنت تهبين لي الخمسمائة الدينار بحفظك إياه وتفوزين بالألف الدينار، وإلا بطل هذا، فلم أزل معها أكدها ونفسي وتغنيني حتى انصرف يحيى، فدعا بماء وطست، ثم قال: يا أبا يحيى، غن الصوت كما كنت تغنيه فقلت: هلكت! يسمعه مني، وليس هو بمن يخفى عليه، ثم يسمعه منها فلا يرضاه فلم أجد بداً من الغناء، ثم قال: غنيه أنت الآن، فغنت، فقال: والله ما أرى إلا خيراً، فقات: جعلت فداءك! أنا أمضغ هذا منذ أكثر من خمسين سنة كما أمضغ الخبز، وهذه أخذته الساعة وهو يذل لها بعدي وتجترئ عليه ويزداد حسناً في صوتها. فقال: صدقت، هات يا سلام خمسمائة دينار ولها ألف دينار، ففعل، فقالت له: وحياتك يا سيدي لأشاطرن أستاذي الألف الدينار، قال: ذلك إليك، ففعلت. فانصرفت وقد أخذت بهذا الصوت ألف دينار.

رجع الحديث إلى عبيد الله بن قيس الرقيات.

قال الزبير بن بكار حدثني عبد الله بن النضير عن أبيه: أن ابن قيس الرقيات قال في الكوفية التي نزل عليها:

بانت لتحزننا كـثـيره

 

ولقد تكون لنا أمـيره

حلت فلاليج الـسـوا

 

د وحل أهلي بالجزيره

قال: ولقد رحل من عندها وما يتعارفان.

قال: وقال فيها أيضاً وفيه لحن من خفيف الثقيل لابن المكي:

لججت بحبك أهل العراق

 

ولولا كثيرة لم تلـجـج

فليت كثيرة لم تلـقـنـي

 

كثيرة أخت بني الخزرج

سعيد بن المسيب وابن قيس الرقيات

أخبرنا الحرفي قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عبد الله بن عاصم القحطاني قال حدثني أبي عن عبد الرحيم بن حرملة قال: كنت عند سعيد بن المسيب، فجاء ابن قيس الرقيات، فهش وقال: مرحباً بظفر من أظفار العشيرة، ما أحدثت بعدي. قال: قد قلت أبياتاً وأستفتيك في بيت منها فاسمعها، قال: هات، فأنشده:

هل للديار بأهلهـا عـلـم

 

أم هل تبين فينطق الرسم

قالت رقية قيم تصرمـنـا

 

أرقي ليس لوجهك الصرم

تخطو بخلخالين حشوهمـا

 

ساقان مار عليهما اللحـم

ياصاح هل أبكاك موقفنـا

 

أم هل علينا في البكا إثـم

فقال سعيد: لا والله ما أبكاني، قال ابن قيس الرقيات:

بل ما بكاؤك منزلاً خلقاً

 

قفراً يلوح كأنه الوشم

فقال سعيد: اعتذر الرجل. ثم أنشد:

أتـــلـــبـــث فـــي تـــكـــريت لا فـــي عـــشــــــيرة

 

شهـــود ولا الـــســـلـــطـــان مـــنـــــك قـــــــريب

وأنـــت امـــرؤ لـــلـــحـــزم عـــنـــدك مـــنـــــــزل

 

ولـــلـــدين والإســـلام مـــنــــــك نـــــــصـــــــيب

فقال سعيد: لا مقام على ذلك، فاخرج منها، قال: قد فعلت، قال: قد أصبت أصاب الله بك.

 

 

نسبة ما في هذا الخبر من الغناء.

قامت بخلخالين حشوهما

 

ساقان مار عليهما اللحم

يا صاح هل أبكاك موقفنا

 

أم هل علينا في البكا إثم

غنى فيهما ابن سريج رملاً بالبنصر.

ابن قيس الرقيات وعمر بن أبي ربيعة

خبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثنا محمد بن عبد الله البكري وهارون بن أبي بكر عن عبد الجبار بن سعيد المساحقي عن أبيه عن سعيد بن مسلم بن وهب مولى بني عامر بن لؤي عن أبيه قال: دخلت مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم مع نوفل بن مساحق وإنه لمعتمد على يدي إذ مررنا بسعيد بن المسيب في مجلسه فسلمنا عليه فرد سلامنا، ثم قال لنوفل: يا أبا سعيد من أشعر، أصاحبنا أم صاحبكم؟ يعني: عبيد الله بن قيس – الرقيات أو عمر بن أبي ربيعة؛ فقال نوفل: حين يقولان ماذا؟ فقال: حين يقول صاحبنا:

خليلي ما بال المطي كـأنـمـا

 

نراها على الأدبار بالقوم تنكص

وقد أبعد الحادي سراهن وانتحى

 

بهن فما يألوا عجولٌ مقـلـص

وقد قطعت أعناقهـن صـبـابة

 

 

يزدن بنا قرباً فيزداد شـوقـنـا

 

إذا زاد طول العهد والبعد ينقص

           

ويقول صاحبكم ما شئت؛ قال: فقال له نوفلٌ: صاحبكم أشهر بالقول في الغزل أمتع الله بك، وصاحبنا أكثر أفانين شعر؛ قال:

صدقت؛ فلما انقضى ما بينهما من ذكر الشعر، جعل سعيدٌ يستغفر الله ويعقد بيده ويعده بالخمس كلها حتى وفى مائةً.

قال البكري في حديثه عن عبد الجبار: فقال مسلم بن وهب: فلما فارقناه قلت لنوفل: أتراه أستغفر الله من إنشاده الشعر في

مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: كلا هو كثير الإنشاد والأستنشاد للشعر، ولكني أحسبه للفخر بصاحبه.

أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير قال حدثنا محمد بن الضحاك عن أبيه قال: استأذن عبيد الله بن قيس الرقيات

على حمزة بن عبد الله بن الزبير، فقالت له الجارية: ليس عليه إذنٌ الآن، فقال: أما إنه لو علم بمكاني ما احتجب عني قال: فدخلت الجارية على حمزة فأخبرته، فقال: ينبغي أن يكون هذا ابن قيس الرقيات، ائذني له، فأذنت له، فقال: مرحباً بك يابن قيس، هل من حاجة نزعت بك. قال: نعم، زوجت بنين لي ثلاثة ببنات أخ لي ثلاث، وزوجت ثلاثة من بني أخ لي بثلاث بنات لي، قال: فلبنيك الثلاثة أربعمائة دينارٍ أربعمائة دينارٍ، ولبني أخيك الثلاثة أربعمائة دينارٍ أربعمائة دينارٍ، ولبناتك الثلاث ثلثمائة دينارٍ ثلثمائة دينارٍ، ولبنات أخيك الثلاث ثلثمائة دينارٍ، ثلثمائة دينارٍ، هل بقيت لك من حاجة يابن قيس؟ قال: لا والله إلا مؤونة السفر؛ فأمر له بما يصلحه لسفره حتى رقاع أخفاف الإبل.

ذكر ما قاله ابن قيس الرقيات وغنى فيه

أمست رقية دونها البشر

 

فالرقة السوداء فالغمر

غناه يونس ثقيلاً أول بالوسطى، وفيه لعزة الميلاء ثاني ثقيلٍ.

ومنها:

رقي بعيشكم لا تهجرينـا

 

ومنينا المنى ثم امطلينـا

عدينا في غدٍ ماشئت إنـا

 

نحب وإن مطلت الواعدينا

أغرك أنني لاصبر عندي

 

على هجرٍ وأنك تصبرينا

ويوم تبعتكم وتركت أهلي

 

حنين العود يتبع القرينـا

عروضه من الوافر. غناه ابن محرز ثاني ثقيلٍ بالسبابة في مجرى الوسطى.

ومنها:

رقية تيمت قلـبـي

 

فواكبدي من الحب

نهاني إخوتي عنهـا

 

وما بالقلب من عتب

غناه مالكٌ ثاني ثقيلٍ أول بالبنصر على مذهب إسحاق من رواية عمرو بن بانة. وقد ذكرت بذل أن فيه لابن المكي لحناً.

أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير قال حدثني سعيد بن عمرو بن الزبير قال حدثني إبراهيم عبد الله قال: أنشد كثيرٌ ابن أبي عتيق كلمته التي يقول فيها:

ولست براض من خليلٍ بنائلٍ

 

قليلٍ ولا أرضى له بقلـيل

فقال له: هذا كلام مكافىءٍ ليس بعاشقٍ، القرشيان أقنع وأصدق منك: ابن أبي ربيعة حيث يقول:

ليت حظي كلحظة العين منها

 

وكثيرٌ منها القليل المهـنـا

وقوله أيضاً:

فعدي نائلاً وإن لم تنيلي

 

إنه يقنع المحب الرجاء

وابن قيس الرقيات حيث يقول:

رقي بعيشكم لا تهجرينـا

 

ومنينا المنى ثم امطلينـا

عدينا في غدٍ ماشئت إنـا

 

نحب وإن مطلت الواعدينا

فإم اتنجزي عدتـي وإمـا

 

نعيش بما نؤمل منك حينا

قال: فذكرت ذلك لأبي السائب المخزومي ومعه ابن المولى، فقال: صدق ابن أبي عتيق وفقه الله، ألا قال المديون كثير كما قال هذا حيث يقول:

وأبكي فلا ليلى بكت من صبابةٍ

 

لباكٍ ولا ليلى لذي الود تبـذل

واخنع بالعتبى إذا كنت مذنبـاً

 

وإن أذنبت كنت الذي أتنصـل

أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال سمعت عبيدة بن أشعب بن جبير قال حدثني أبي قال

خبره مع رقية بنت عبد الواحد

حدثني فندٌ مولى عائشة بنت سعد بن أبي وقاص قال: حجت رقية بنت عبد الواحد بن أبي سعد العامرية، فكنت آتيها وأحدثها فتستظرف حديثي وتضحك مني؛ فطافت ليلةً بالبيت ثم أهوت لتستلم الركن الأسود وقبلته، وقد طفت مع عبيد الله بن قيس الرقيات، فصادف فراغنا فراغها ولم أشعر بها، فأهوى ابن قيس يستلم الركن الأسود ويقبله، فصادفها قد سبقت إليه، فنفحته بردنها فارتدع؛ وقال لي: من هذه؟ فقلت: أو لا تعرفها هذه رقية بنت عبد الواحد بن أبي سعد؛ فعند ذلك قال:

من عذيري ممن يضن بمبذو

 

لٍ لغيري علي عند الطواف

يريد أنها تقبل الحجر الأسود وتضن عنه بقبلتها. وقال في ذلك:

حدثوني هل على رجلٍ

 

عاشقٍ في قنلةٍ حرج

وفيه غناءٌ ينسب بعد هذا الخبر. قال: ولما نفحته بردنها فاحت منه رائحة المسك حتى عجب من في المسجد، وكأنما فتحت بين أهل المسجد لطيمة عطارٍ، فسبح من حول البيت. قال: وقال فندٌ: فقلت بعد انصرافها لابن قيس: هل وجدت رائحة ردنها لشيءٍ طيبا. فعند ذلك قال أبياته التي يقول فيها:

سائلاً فنداً خليلـي

 

كيف أردان رقيه

إنني علقت خوداً

 

ذات دل بختريه

غناه فندٌ، ولحنه ثقيلٌ أول بالبنصر عن حبش.

حب ذاك الدل والغـنـج

 

والتي في عينها دعـج

والتي إن حدثت كذبـت

 

والتي في وعدها خلـج

وترى في البيت صورتها

 

مثلما في البيعة السرج

خبروني هل على رجلٍ

 

عاشقٍ في قبلةٍ حـرج

الشعر لابن قيس الرقيات يقوله في رقية بنت عبد الواحد. والغناء لمالكٍ خفيف ثقيلٍ أول مطلقٌ في مجرى البنصر. وفيه خفيف ثقيلٍ آخر لابن محرز من رواية عمرو بن بانة، وقيل: بل هو هذا.

أخبار متفرقة

أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني سليمان بن عياش السعدي قال حدثني سائبٌ راوية كثير قال: كان كثئر مديوناً، فقال لي يوماً ونحن بالمدينة: اذهب بنا إلى ابن أبي عتيق نتحدث عنده؛ قال: فذهبت إليه معه ة فاستنشده ابن أبي عتيق، فأنشده قوله:

أبائنةٌ سعدى نعم ستبين

حتى بلغ إلى قوله:

وأخلفن ميعادي وخن أمانتي

 

وليس لمن خان الأمانة دين

فقال له ابن أبي عتيق: أعلى الأمانة تبعتها فانكف واستغضب نفسه وصاح وقال:

كذبن صفاء الود يوم محله

 

وأنكدنني من وعدهن ديون

فقال له ابن أبي عتيق: ويلك هذا أملح لهن وأدعى للقلوب إليهن، سيدك ابن قيس الرقيات كان أعلم منك وأوضع للصواب موضعه فيهن؛ أما سمعت قوله:

حب ذاك الدل والغـنـج

 

والتي في عينها دعـج

والتي إن حدثت كذبـت

 

والتي في وعدها خلـج

وترى في البيت صورتها

 

مثلما في البيعة السرج

خبروني هل على رجلٍ

 

عاشقٍ في قبلةٍ حـرج

قال: فسكن كثير واستحلى ذلك، وقال: لا إن شاء الله؛ فضحك ابن أبي عتيق حتى ذهب به.

أخبرنا الحرمي فال حدثنا الزبير قال حدثنا عبد الرحمن بن غرير الزهري قال: أنشدت أبا السائب المخزومي قول ابن قيس الرقيات:

قد أتانا من آل سعدى رسول

 

حبذا ما يقول لـي وأقـول

من فتاةٍ كأنها قرن شمـسٍ

 

ضاق عنها دمالجٌ وحجول

حبذا ليلتي بمـزة كـلـبٍ

 

غال عني بها الكوانين غول

فقال لي: يابن الأمير ما تراه كان يقول وتقول؟ فقلت:

حديثاً كما يسري الندى لو سمعته

 

شفاك من “أدواءٍ كثيرٍ وأسقمـا

فطرب وقال بأبي أنت وأمي؛ ما زلت أحبك، ولقد أضعف حبي إياك حين تفهم عني هذا الفهم.

غنى في هذه الأبيات ابن سريج ثقيلاً أول بالوسطى. ولمالكٍ فيها ثاني ثقيلٍ، كلاهما عن الهشامي.

أخبرني محمد بن جعفر الصيدلاني النحوي صهر المبرد قال حدثني طلحة بن عبد الله أبو إسحاق الطلحي فال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عبد الله بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان قال: أنشد أشعب بن جبير أبي أبيات عبيد الله بن قيس الرقيات التي يقول فيها:

قد أتانا من آل سعنى رسول

 

حبذا ما يقول لي وأقـول

فقال أبي: ويحك يا أشعب ما تراه قال وقالت له؟ فقال:

حديثاً لو أن اللحم يصلي بـحـره

 

غريضاً أتى أصحابه وهو منضج

ذكر شوقاً ووصف توقاً، ووعد ووفى، والتقيا بمزة كلب فشفى واشتفى، فذلك قوله:

حبذا ليلتي بمـزة كـلـبٍ

 

غال عني بها الكوانين غول

فقال له: إنك لعلامة بهذه الأحوال؛ قال أجل بأبي أنت فاسأل عالما عن علمه.

ومما في المائة الصوت المختارة من شعر عبيد الله بن قيس الرقيات.

يا قلب ويحك لا تذهب بك الحرق

 

إن الألى كنت تهواهم قد انطلقوا

وذكر أنه لوضاح، وقد أخرج في موضع آخر.