ذكر عبيد الله بن عبد الله ونسبه

ذكر عبيد الله بن عبد الله ونسبه

نسبه، وعداده في بني زهرة: هو عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود بن غافل بن حبيب بن شمخ بن فأر بن مخزوم بن صاهلة بن كاهل بن الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار. وهوفي حلفاء بني زهرة من قريش وعداده فيهم.
كان لجده صحبة وليس بدرياً: وعتبة بن مسعود وعبد الله بن مسعود البدري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أخوان، ولعتبة صحبة بالنبي صلى الله عليه وسلم وليس من البدريين.
استعمل أباه عمر بن الخطاب: وكان ابنه عبد الله أبو عبيد الله بن عبد الله رجلاً صالحاً، واستعمله عمر بن الخطاب فأحمده.

أخواه عون وعبد الرحمن

ولعبيد الله بن عبد الله أخوان عونٌ وعبد الرحمن.
وكان عون من أهل الفقه والأدب، وكان يقول بالإرجاء ثم رجع عنه. وقال وكان شاعراً:

فأول ما أفارق غير شـك

 

أفارق ما يقول المرجئونا

وقالوا مؤمنٌ من آل جورٍ

 

وليس المؤمنون بجائرينـا

وقالوا مؤمنٌ دمه حـلالٌ

 

وقد حرمت دماء المؤمنينا

وخرج مع ابن الأشعث، فلما هزم هرب، وطلبه الحجاج؛ فأتى محمد بن مروان بن الحكم بنصيبين فأمنه وألزمه ابنيه مروان بن محمد وعبد الرحمن بن محمد. فقال له: كيف رأيت ابني أخيك؟ قال: أما عبد الرحمن فطفلٌ، وأما مروان فأني إن أتيته حجب، وإن قعدت عنه عتب، وإن عاتبته صخب، وإن صاحبته غضب. ثم تركه ولزم عمر بن عبد العزيز فلم يزل معه. ذكر ذلك كله ومعانيه الأصمعي عن أبي نوفل الهذلي عن أبيه: ولعونٍ يقول جرير:

يا أيها القارئ المرخي عمامـتـه

 

هذا زمانك إني قد مضى زمنـي

أبلغ خليفتـنـا إن كـنـت لاقـيه

 

إني لدى الباب كالمصفود في قرن

وخبره يأتي في أخبار جرير .
كان فقيهاً، وهوأحد السبعة بالمدينة: وأما عبد الرحمن فلم تكن له نباهة أخويه وفضلهما فسقط ذكره.

وأما عبيد الله فإنه أحد وجوه الفقهاء الذين روي عنهم الفقه والحديث. وهو أحد السبعة من أهل المدينة، وهم القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وعروة بن الزبير، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وسعيد بن المسيب، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وخازجة بن زيد بن ثابت، وسليمان بن يسار. وكان عبيد الله ضريراً. وقد روى عن جماعة من وجوه الصحابة مثل ابن عباس وعبد الله بن مسعود عمه وأبي هريرة. وروى عنه الزهري وابن أبي الزناد وغيرهما من نظرائهما. كان يؤثره ابن عباس: وكان عبد الله بن عباس يقضمه ويؤثره.

أخبرني محمد بن خلف وكيع قال حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال حدثنا أبي قال حدثنا يونس بن محمد قال حدثنا حماد بن زيد عن معمر عن الزهري قال: كان عبيد الله بن عبد الله يلطف لابن عباس فكان يعزه عزاً.

حديث الزهري عنه

وكان كثير الاتصال به: أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار عن محمد بن الحسن عن مالك بن أنس عن ابن شهاب الزهري قال: كنت أخدم عبيد الله بن عبد الله بن عتبة حتى إن كنت لأستقي الماء المالح وإن كان ليسأل جاريته فتقول: غلامك الأعمش.

أخبرني وكيع قال حدثنا محمد بن عبد الملك بن زنجويه قال حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال: أدركت أربعة بحور، عبيد الله بن عبد الله أحدهم.

أخبرني وكيع قال حدثنا محمد قال حدثنا حامد بن يحيى عن أبي عيينة عن الزهري قال: سمعت من العلم شيئاً كثيراً، فلما لقيت عبيد الله بن عبد الله كأني كنت في شعب من الشعاب فوقعت في الوادي؛ وقال مرة: صرت كأني لم أسمع من العلم شيئاً.

أثنى عليه عمر بن عبد العزيز: أخبرني وكيع قال حدثني بشر بن موسى قال حدثنا الحميدي عن ابن عيينة عن علي بن زيد بن جدعان قال: كان عمر بن العزيز يقول: ليت لي مجلساً من عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بدية.

أخبرني وكيع قال حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب قال حدثني عمي عن يعقوب بن عبد الرحمن الزهري عن حمزة بن عبد الله قال: قال عمر بن عبد العزيز: لو كان عبيد الله بن عبد الله بن عتبة حياً ما صدرت إلا عن رأيه، ولوددت أن لي بيوم من عبيد الله غرماً. قال ذلك في خلافته.

ما جرى بين عمر بن عبد العزيز وعروة في شأن عائشة وابن الزبير أمامه، ثم شعره لعمر حين أرسل إليه: أخبرنا محمد بن جرير الطبري وعم أبي عبد العزيز بن أحمد ومحمد بن العباس اليزيدي والطوسي ووكيع والحرمي بن أبي العلاء وطاهر بن عبد الله الهاشمي، قالوا حدثنا الزبير بن بكار قال حدثنا إبراهيم بن طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق وابن أخيه يحيى بن محمد بن طلحة جميعاً عن عثمان بن عمر بن موسى عن الزهري قال: دخل عروة بن الزبير وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة على عمر بن عبد العزيز وهو أمير المدينة. فقال عروة لشيء حدث به من ذكر عائشة وعبد الله بن الزبير: سمعت عائشة تقول: ما أحببت أحداً حبي عبد الله بن الزبير لا أعني رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أبوي. فقال عمر: إنكم لتنتحلون عائشة لابن الزبير انتحال من لا يرى لكم مسلم معه فيها نصيباً.

فقال عروة: بركة عائشة كانت أوسع من ألا يرى لكم مسلم فيها حق، ولقد كان عبد الله منها بحيث وضعته الرحم والمودة التي لا يشرك كل واحد منهما فيه عند صاحبه أحدٌ. فقال عمرو: كذبت. فقال عروة: هذا عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود يعلم أني غير كاذب، وإن من أكذب الكاذبين من كذب الصادقين. فسكت عبيد الله ولم يدخل بينهما في شيء. فأفف بهما عمرو وقال: أخرجا عني. ثم لم يلبث أن بعث إلى عبيد الله بن عبد الله رسولاً يدعوه لبعض ما كان يدعوه إليه. فكتب إليه عبيد الله:

لعمر ابن ليلى وابن عائشة التـي

 

لمروان أدته، أبٌ غـير زمـل

لو أنهم عـمـاً وجـداً ووالـداً

 

تأسوا فسنوا سنة المتـعـطـل

عذرت أبا حفص وإن كان واحداً

 

من القوم يهدي هديهم ليس يأتلي

ولكنهم فاتوا وجئت مـصـلـياً

 

تقرب إثر السابق المتـمـهـل

وعمت فإن تسبق فضنء مبـرزٍ

 

جوادٍ وإن تسبق فنفسك فاعـذل

فمالك بالسلطان أن تحمل القـذى

 

جفون عيونٍ بالقذى لم تكـحـل

وما الحق أن تهوى فتعسف بالذي

 

هويت إذا ما كان ليس بأعـدل

أبى الله والأحساب أن ترأم الخنى

 

نفوسٌ كرامٌ بالخنا لـم تـوكـل

قال الزبير في خبره وحده: الضنء والضنء: الولد. قال: وأنشد الخليل بن أسد قال أنشدني دهثم:

ابن عجوزٍ ضنؤها غير أمـر

 

لو نحرت في بيتها عشر جزر

لأصبحت من لحمهن تعـتـذر

 

تغدو على الحي بعود من سمر

حتى يفر أهلها كـل مـفـر

 

 

حجبه عمر بن عبد العزيز فقال فيه شعر ثم اعتذر فعذره: أخبرني الحسن بن علي ووكيع قالا حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا الزبير، وأخبرناه الحرمي بن أبي العلاء إجازةً قال حدثنا الزبير عن ابن أبي أويس عن بكار بن حارثة عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن هشام بن عروة: إن عبيد الله بن عبد الله جاء إلى عمر بن عبد العزيز فاستأذن عليه، فرده الحاجب وقال له: عنده عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان وهو مختلٍ به، فانصرف غضبان. وكان في صلاحه ربما صنع الأبيات، فقال لعمر:

أبن لي فكن مثلي أو ابتغ صاحباً

 

كمثلك إني تابع صاحباً مثـلـي

عزيزٌ إخائي لا ينـال مـودتـي

 

من الناس إلا مسلمٌ كامل العقـل

وما يلبث الفتيان أن يتـفـرقـوا

 

إذا لم يؤلف روح شكل إلى شكل

قال: فأخبر عمر بأبياته؛ فبعث إليه أبا بكر بن سليمان بن أبي خيثمة وعراك بن مالك يعذرانه عنده ويقولان:إن عمر يقسم بالله ما علم بأبياتك ولا برد الحاجب إياك، فعذره. قال الزبير وقد أنشدني محمد بن الحسن قال أنشدني محزر بن جعفر لعبيد الله بن عبد الله هذه الأبيات وزاد فيها وهو أولها:

وإني امرؤ من يصفني الود يلفـنـي

 

وإن نزحت دارٌ بـه دائم الـوصـل

عزيز إخـائي لا ينـال مـودتــي

 

من الناس إلا مسلمٌ كامل الـعـقـل

ولولا اتقائي اللـه قـلـت قـصـيدةً

 

تسير بها الركبان أبردهـا يغـلـي

بها تنقض الأحلاس في كل مـنـزل

 

وينفي الكرى عنه بها صاحب الرحل

كفاني يسيرٌ إذ أراك بـحـاجـتـي

 

كليل اللسان ما تمر وما تـحـلـي

تلاوذ بالأبواب مـنـي مـخـافة ال

 

ملامة والإخلاف شرٌ من البـخـل

وذكر الأبيات الأول بعد هذه.
شعره في عراك وابن حزم حين علم أنهما مرا عليه ولم يسلما: أخبرني وكيع قال حدثني علي بن حرب الموصلي قال حدثنا إسماعيل بن ريان الطائي قال سمعت ابن إدريس يقول: كان عراك بن مالك وأبو بكر بن حزم وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة يتجالسون بالمدينة زماناً. ثم أن ابن حزم ولي إمرتها وولي عراكٌ القضاء، وكانا يمران بعبيد الله فلا يسلمان عليه ولا يقفان، وكان ضريراً فأخبر بذلك، فأنشأ يقول:

ألا أبلغا عني عراك بـن مـالـك

 

ولا تدعا أن تثنيا بـأبـي بـكـر

فقد جعلت تبدو شواكل منـكـمـا

 

كأنكما بي موقران من الصخـر

وطاوعتما بي داعكاً ذا مـعـاكةٍ

 

لعمري لقد أزرى وما مثله يزري

ولولا اتقائي ثم بقـياي فـيكـمـا

 

للمتكما لوماً أحر من الـجـمـر

صوت

فمسا تراب الأرض منها خلقتمـا

 

ومنها المعاد والمصير إلى الحشر

ولا تأنفا أن تسـألا وتـسـلـمـا

 

فما خشي الإنسان شراً من الكبر

فلو شئت أن ألفي عدواً وطاعنـا

 

لألفيته أو قال عندي في الـسـر

فإن أنا لم آمر ولم أنه عنـكـمـا

 

ضحكت له حتى يلج ويستشـري

عروضه من الطويل. غني في:

فمسا تراب الأرض منها خلقتما

والذي بعده لحن من الثقيل الأول بالبنصر من رواية عمرو بن بانة وابن المكي ويونس وغيرهم. وزعم ابن شهاب الزهري أن عبيد الله قال هذه الأبيات في عمر بن عبد العزيز وعمرو بن عثمان، يعني أن الأبيات الأول ليست منها في شيء، وإنما أدخلت فيها لاتفاق الروي والقافية.

أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي قال حدثنا إبراهيم بن محمد بن عبد العزيز عن أبيه عن ابن شهاب قال: جئت عبيد الله بن عبد الله يوماً في منزله فوجدته ينفخ وهو مغتاظ؛ فقلت له: ما لك؟ قال: جئت أميركم آنفاُ يعني عمر بن عبد العزيز فسلمت عليه وعلى عبد الله بن عمرو بن عثمان، فلم يردا علي، فقلت:

فمسا تراب الأرض منها خلقتما

وذكر الأبيات الأربعة. قال فقلت له: رحمك الله ! أتقول الشعر في فضلك ونسكك ! قال: إن المصدور إذا نفث برأ.
قال أبو زيد حدثنا إبراهيم بن المنذر، وأنشدني هذه الأبيات عبد العزيز بن أبي ثابت عن ابن أبي الزناد له وذكر مثل ذلك وأنها في عمر بن عبد العزيز وعبد الله بن عمرو، وزاد فيها:

وكيف يريدان ابن تـسـعـين حـجةً

 

على ما أتى وهو ابن عشرين أوعشر

شيء من شعره: ولعبيد الله بن عبد الله شعرٌ فحلٌ جيد ليس بالكثير. ومنه قوله:

إذا كان لي سرٌ فحدثته الـعـدا

 

وضاق به صدري فللناس أعذر

وسرك ما استودعته وكتمـتـه

 

وليس بسر حين يفشو ويظهـر

وقوله لابن شهاب الزهري:

إذا قلت أما بعد لم يثن منطقي

 

فحاذر إذا ما قلت كيف أقول

إذا شئت أن تلقى خليلاً مصافياً

 

لقيت وإخوان الثقات قـلـيل

استحسن جامع بن مرخية شعره فأجازه: أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير قال حدثني عبد الجبار بن سعيد المساحقي عن ابن أبي الزناد عن أبيه قال: أنشد عبيد الله بن عبد الله جامع بن مرخية الكلابي لنفسه:

لعمر أبي المحصين أيام نلـتـقـي

 

لما لا نلاقيها من الدهـر أكـثـر

يعدون يوماً واحـداً إن أتـيتـهـا

 

وينسون ما كانت على الدهر تهجر

وإن أولع الواشون عمداً بوصلـنـا

 

فنحن بتجديد الـمـودة أبـصـر

قال: فأعجبت أبياته هذه جامعاً، فسر ذلك عبيد الله فكساه وحمله.
جامع بن مرخية هذا من شعراء الحجاز، وهو الذي يقول:

سألت سعيد بن المسيب مفـتـى ال

 

مدينة هل في حب ظمياء من وزر

فقال سعيد بن الـمـسـيب إنـمـا

 

تلام على ما تستطيع مـن الأمـر

فبلغ قوله سعيداً، فقال: كذب والله ! ما سألني ولا أفتيته بما قال. أخبرني بذلك الحرمي بن أبي العلاء عن الزبير.
مختارات من شعره: ومن جيد شعر عبيد الله وسهله:

أعاذل عاجل ما أشتـهـي

 

أحب من الآجل الـرائث

سأنفق مالي على لـذتـي

 

وأوثر نفسي على الوارث

أبادر إهلاك مستـهـلـك

 

لمالي أو عبث العـابـث

وقوله يفتخر في أبيات:

إذا هي حلت وسط عوذ ابن غالب

 

فذلـك ودٌ نـازحٌ لا أطـالـعـه

شددت حيازيمي على قلب حـازمٍ

 

كتومٍ لما ضمت عليه أضالـعـه

أداجي رجالاً لست مطلع بعضهـم

 

على سر بعضٍ إن صدري واسعه

بنى لي عبد الله في ذروة الـعـلا

 

وعتبة مجداً لا تنال مصـانـعـه

وقوله وفيه غناء: صوت

إن يك ذا الدهر قد أضر بنا

 

من غير ذحلٍ فربما نفعـا

أبكي على ذلك الزمـان ولا

 

أحسب شيئاً قد فات مرتجعا

إذ نحن في ظل نعمةٍ سلفت

 

كانت لها كل نعمةٍ تبـعـا

عروضه من المنسرح. غنت فيها عريب خفيف رملٍ عن الهشامي.

قدمت المدينة مكية فتنت الناس فشبب بها: حدثنا محمد بن جرير الطبري والحرمي بن أبي العلاء ووكيع قالوا حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني إسماعيل بن يعقوب عن ابن أبي الزناد عن أبيه قال: قدمت المدينة امرأةٌ من ناحية مكة من هذيل، وكانت جميلة فخطبها الناس وكادت تذهب بعقول أكثرهم فقال فيها عبيد الله بن عبد الله بن عتبة:

أحبك حباً لو عملت ببعضـه

 

لجدت ولم يصعب عليك شديد

وحبك يا أم الصبي مدلـهـي

 

شهيدي أبو بكر وأي شهـيد

ويعلم وجدي القاسم بن محمد

 

وعروة ما ألقى بكم وسعـيد

ويعلم ما أخفي سليمان علمـه

 

وخارجةٌ يبدي لـنـا ويعـيد

متى تسألي عما أقول فتخبري

 

فللحب عندي طارفٌ وتلـيد

فبلغت أبياته سعيد بن المسيب، فقال: والله لقد أمن أن تسألنا وعلم أنها لو استشهدت بنا لم نشهد له بالباطل عندها.

وقال الزبير: أبو بكر الذي ذكر والنفر المسمون معه: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، وعروة بن الزبير، وسعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وخارجة بن زيد بن ثابت، وهم الفقهاء الذين أخذ عنهم أهل المدينة.

عتب على زوجة عثمة في بعض الأمر فطلقها وشعره فيها: أخبرني وكيع قال حدثني عمر بن محمد بن عبد الملك الزيات عن أحمد بن سعيد الفهري عن إبراهيم بن المنذر بن عبد الملك بن الماجشون: أن أبيات عبيد الله بن عبد الله بن عتبة التي أولها:

لعمري لئن شطت بعثمة دارها

 

لقد كدت من وشك الفراق أليح

قالها في زوجة له كانت تسمى عثمة، فعتب عليها في بعض الأمر فطلقها. وله فيها أشعار كثيرة، منها هذه الأبيات، ومنها قوله يذكر ندمه على طلاقها:

كتمت الهوى حتى أضر بك الكتم

 

ولامك أقوامٌ ولومهـم ظـلـم

وأخبرني الحرمي بن ابي العلاء قال حدثنا الزبير قال قال لي عمي: لقيني علي بن صالح فأنشدني بيتاً وسألني من قائله؟ وهل فيه زيادة؟ فقلت: لا أدري، وقد قدم ابن أخي أعنيك وقلما فاتني شيء إلا وجدته عنده. قال الزبير: فأنشدني عمي البيت وهو:

غرابٌ وظبيٌ أعضب القرن ناديا

 

بصرمٍ وصردان العشي تصـيح

فقلت له: قائله عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وتمامها:

لعمري لئن شطت بعثمة دارها

 

لقد كنت من وشك الفراق أليح

أروح بهم ثم أغدو بمـثـلـه

 

ويحسب أني في الثياب صحيح

فكتبهما عمي عني وانصرف بهما إليه.
صوت

ألا من لنفسٍ لا تموت فينقضي

 

عناها ولا تحيا حياةً لها طعـم

أأترك إتيان الحبـيب تـأثـمـاً

 

ألا إن هجران الحبيب هو الإثم

فذق هجرها قد كنت تزعم أنه

 

رشادٌ ألا يا ربما كذب الزعـم

عروضه من الطويل. غنى يونس في هذه الأبيات الثلاثة لحناً ماخورياً وهو خفيف الثقيل الثاني من رواية إسحاق ويونس وابن المكي وغيرهم. وغنت عريب في:

أأترك إتيان الحبيب تأثما

لحناً من الثقيل الأول، وأضافت إليه بعده على الولاء بيتين ليسا من هذا الشعر وهما:

وأقبل أقوال الوشاة تجـرمـاً

 

ألا إن أقوال الوشاة هي الجرم

وأشتاق لي إلفاً على قرب داره

 

لأن ملاقاة الحبيب هي الغنـم

ومما قاله عبيد الله أيضاً في زوجته هذه وغني فيه: صوت

عفت أطلال عثمة بالـغـمـيم

 

فأضحت وهي موحشة الرسوم

وقد كنا نحـل بـهـا وفـيهـا

 

هضيم الكشح جائلة الـبـريم

عروضه من الوافر. عفت. درست. والأطلال: ما شخص من آثار الديار. والرسوم: ما لم يكن له شخص منها ولا ارتفاع وإنما هو أثر. والهضيم الكشح الخميص الحشى والبطن. والبريم: الخلخال، وقيل: بل هو اسم لكل ما يلبس من الحلي في اليدين والرجلين. والجائل: ما يجول في موضعه لا يستقر. غنى في هذين البيتين قفا النجار. ولحنه من القدر الأوسط من الثقيل الأول بالخنصر في مجرى البنصر.

ومما قاله في زوجته عثمة وفيها غناء: صوت

تغلغل حب عثمة في فؤادي

 

فباديه مع الخافـي يسـير

تغلغل حيث لم يبلغ شـرابٌ

 

ولا حزنٌ ولم يبلغ سـرور

صدعت القلب ثم ذررت فيه

 

هواك فليم والتأم الفطـور

أكاد إذا ذكرت العهد منهـا

 

أطير لو ان إنسانـاً يطـير

غني النفس أن أزداد حـبـاً

 

ولكني إلى صـلةٍ فـقـير

وأنفذ جارحاك سواد قلبـي

 

فأنت علي ما عشنا أمـير

لمعبد في الأول والثاني من الأبيات هزجٌ بالبنصر عن حبش، وذكر أحمد بن عبيد الله أنه منحولٌ من المكي. وفي الثالث ثم الثاني لأبي عيسى بن الرشيد رملٌ.

قال ابن أبي الزناد في الخبر الذي تقدم ذكره عن عبيد الله وما قاله من الشعر في عثمة وغيرها: فقيل له: أتقول في مثل هذا ؟! قال: في اللدود راحة المفئود .

بلغه أن رجالاً يقع ببعض الصحابة فجفاه: أخبرني وكيع قال حدثنا أحمد بن عبد الرحمن قال حدثنا بن وهب عن يعقوب يعني ابن عبد الرحمن عن أبيه قال: كان رجل يأتي عبيد الله بن عبد الله ويجلس إليه. فبلغ عبيد الله أنه يقع ببعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. فجاءه الرجل فلم يلتفت إليه عبيد الله. وكان الرجل شديد العقل، فقال له: يا أبا محمد، إن لك لشأناً، فإن رأيت لي عذراً فاقبل عذري. فقال له: أتتهم الله في علمه؟ قال: أعوذ بالله. قال: أتتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه؟ قال: أعوذ بالله. قال: يقول الله عز وجل: ” لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة ” وأنت تقع في فلان وهو ممن بايع، فهل بلغك أن الله سخط عليك بعد أن رضي عنه ؟! قال: والله لا أعود أبداً. قال: والرجل عمر بن عبد العزيز .

صوته: أخبرني وكيع عن أحمد بن زهير عن يحيى بن معين قال: مات عبيد الله بن عبد الله سنة اثنتين ومائة، ويقال سنة تسع وتسعين وأخبرني محمد بن جرير الطبري والحسن بن علي عن الحارث عن ابن سعد عن معن عن محمد بن هلال: إن عبيد الله توفي بالمدينة سنة ثمانٍ وتسعين.
صوت من أصوات معبد المعروفة بالمدن: ومنها : صوت

ودع هريرة إن الركـب مـرتـحـل

 

وهل تطبـق وداعـاً أيهـا الـرجـل

غراء فرعاء مصقولٌ عـوارضـهـا

 

تمشي الهوينى كما يمشي الوجي الوحل

تسمع للحلي وسواساً إذا انـصـرفـت

 

كما استعان بـريح عـشـرقٌ زجـل

علقتها عـرضـاً وعـلـقـت رجـلاً

 

غيري وعلق أخرى غيرها الـرجـل

قالت هـريرة لـمـا جـئت زائرهـا

 

ويلي عليك وويلـي مـنـك يا رجـل

لم تمش ميلاً ولم تركب علـى جـمـلٍ

 

ولم تر الشمس إلا دونهـا الـكـلـل

أقول للركب في درنى وقد ثـمـلـوا

 

شيموا وكيف يشيم الشارب الـثـمـل

كناطح صخـرةً يومـاً لـيفـلـقـهـا

 

فلم يضرها وأوهى قرنـه الـوعـل

أبلـغ يزيد بـنـي شـيبـان مـألـكةً

 

أبا ثبـيتٍ أمـا تـنـفـك تـأتـكـل

إن تركبوا فركوب الخـيل عـادتـنـا

 

أو تنزلون فـإنـا مـعـشـرٌ نـزل

وقد غدوت إلى الحانوت يتـبـعـنـي

 

شاوٍ نشولٌ مشـلٌ شـلـشـلٌ شـول

في فتيةٍ كسيوف الهند قـد عـلـمـوا

 

أن ليس يدفع عن ذي الحيلة الـحـيل

نازعتهم قضب الـريحـان مـتـكـئاً

 

وقهـوة مـزةً راووقـهـا خـضـل

غنى معبد في الأول والثاني في لحنه المذكور في مدن معبد لحناً من القدر الأوسط من الثقيل الأول بإطلاق الوتر في مجرى البنصر عن إسحاق. وذكرت دنانير أن فيهما لابن سريج أيضاً صنعةً. ولمعبد أيضاً في الرابع والخامس والثالث ثقيلٌ أول، ذكره حبشٌ، وقيل له: بل هو لحن ابن سريج، وذلك الصحيح. ولابن محرز في الثقيل في ” إن تركبوا ” وفي ” كناطح صخرةً ” ثاني ثقيلٍ مطلق في مجرى الوسطى عن إسحاق. ولحنينٍ الحيري في ” أبلغ يزيد بني شيبان ” و ” إن تركبوا ” ثاني ثقيلٍ آخر. وذكر أحمد بن المكي أن لابن محرز في ” ودع هريرة ” و ” تسمع للحلي ” ثاني ثقيلٍ بالخنصر في مجرى البنصر. وفي ” وقد غدوت ” وما بعده رملٌ لابن سريج و مخارق عن الهشامي. ولابن سريج في ” تسمع للحلى ” وقبله ” ودع هريرة ” رملٌ بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق. وللغريض في ” قالت هريرة ” و ” علقتها عرضاً ” رمل. وفي هذه الأبيات بعينها هزجٌ ينسب إليه أيضاً وإلى غيره. وفي ” تسمع للحلى ” و ” قالت هريرة ” هزج لمحمد بن حسن بن مصعب. وفي ” لم تمش ميلاً ” و ” أقول للركب ” لابن سريج خفيف الثقيل الأول بالبنصر عن حبش وفي ” قالت هريرة ” و ” تسمع للحلى ” لحن لابن سريج. وإن لحنين في البيتين الآخرين لحناً آخر. وقد مضت أخبار هريرة مع الأعشى في:

هريرة ودعها وإن لام لائم

وأخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن الأصمعي قال قلت لأعرابية: ما الغراء؟ قالت: التي بين حاجبيها بلجٌ وفي جبهتها اتساعٌ تتباعد قصتها عن حاجبيها فيكون بينهما نفنف . وقال أبو عبيدة: الفرعاء: الكثيرة الشعر. والعوارض: الأسنان. والهوينى: تصغير الهونى، والهونى: مؤنث الأهون. والوجي: الظالع وهو الذي قد حفي فليس يكاد يستقل على رجله. والوحل: الذي وقع في الوحل. والعشرق: نبت يبس فتحركه الريح؛ شبه صوت حليها بصوته. الزجل: المصوت من العشرق. وعلقتها: أحببتها. وعرضاً: على غير موعد. والوعل: التيس الجبلي، والجمع أوعال. مألكة: رسالة والجمع مآلك. ما تنفك: ما تزال. وتأتكل: تتحرق. وقال أبو عبيدة: الشاوي: الذي يشوي اللحم: والنشول: الذي ينشل اللحم من القدر. ومشلٌ: سواقٌ سريع يسوق به. وشلشلٌ: خفيف. وشولٌ: طيب الريح.

ما وقع بين بني كعب وبني همام وقصيدة الأعشى في ذلك:

الشعر للأعشى وقد تقدم نسبه وأخباره. يقول هذه القصيدة ليزيد بن مسهر أبي ثابت الشيباني. قال أبو عبيدة: وكان من حديث هذه القصيدة أن رجلاً من بني كعب بن سعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة، يقال له ضبيع، قتل رجلاً من بني همام يقال له زاهر بن سيار بن أسعد بن همام بن مرة بن ذهل بن شيبان، وكان ضبيع مطروقاً ضعيف العقل. فنهاهم يزيد بن مسهر أن يقتلوا ضبيعة بزاهر وقال: اقتلوا به سيداً من بني سعد بن مالك بن ضبيعة، فحض بني سيار بن أسعد على ذلك وأمرهم به. وبلغ بني قيس مما قاله، فقال الأعشى هذه الكلمة يأمره أن يدع بني سيار وبني كعب ولا يعين بني سيار ؛ فإنه إن أعانهم أعانت قبائل بني قيس بني كعب، وحذرهم أن تلقى شيبان منهم مثل ما لقوا يوم العين عين محلم بهجر.
يوم عين محلم: قال أبو عبيدة: وكان من حديث ذلك اليوم، كما زعم عمر بن هلال أحد بني سعد بن قيس بن ثعلبة، أن يزيد بن مسهر كان خالع أصرم بن عوف بن ثعلبة بن سعد بن قيس بن ثعلبة، وكان عوف أبو بني الأصرم يقال له الأعجف والضيعة له وهي قرية باليمامة. فلما خلع يزيد أصرم من ماله خالعه على أن يرهنه ابنيه أفلت وشهابا ابني أصرم، وأمهما فطيمة بنت شرحبيل بن عوسجة بن ثعلبة بن سعد بن قيس، وأن يزيد قمر أصرم فطلب أن يدفع إليه ابنيه رهينةً، فأبت أمهما وأبى يزيد إلا أخذهما. فنادت قومها، فحضر الناس للحرب، فاشتملت فطيمة على ابنيها بثوبها، وفك قومها عنها وعنهما. فذلك قول الأعشى:

نحن الفوارس يوم العين ضاحيةً

 

جنبي فطيمة لا ميلٌ ولا عزل

قال: فانهزمت بنو شيبان، فحذر الأعشى أن يلقى مسهرٌ مثل تلك الحال.
قال أبو عبيدة: وذكر عامر ومسمعٌ عن قتادة الفقيه أن رجلين من بني مروان تنازعا في هذا الحديث، فجردا رسولاً في ذلك إلى العراق حتى قدم إلى الكوفة فسأل فأخبر أن فطيمة من بني سعد بن قيس كانت عند رجل من بني شيبان، وكانت له زوجة أخرى من بني شيبان، فتعايرتا فعمدت الشيبانية، فحلت ذوائب فطيمة، فاهتاج الحيان فاقتتلوا، فهزمت بنو شيبان يومئذٍ.

مسحل رئي الأعشى: أخبرنا محمد بن خلف وكيع قال حدثنا أحمد بن محمد القصير قال حدثنا محمد بن صالح قال حدثني أبو اليقظان قال حدثني جويرية عن يشكر بن وائل اليشكري، وكان من علماء بكر بن وائل وولد أيام مسيلمة فجيء به إليه فمسح له على رأسه فعمي، قال جويرية فحدثني يشكر هذا قال حدثني جرير بن عبد الله البجلي قال: سافرت في الجاهلية فأقبلت على بعيري ليلةً أريد أن أسقيه، فجعلت أريده على أن يتقدم فوالله ما يتقدم، فتقدمت فدنوت من الماء وعقلته، ثم أتيت الماء فإذا قوم مشوهون عند الماء فقعدت. فبينا أنا عندهم إذ أتاهم رجل أشد تشويهاً منهم فقالوا: هذا شاعرهم. فقالوا له: يا فلان أنشد هذا فإنه ضيف؛ فأنشد:

ودع هريرة إن الركب مرتحل

فلا والله ما خرم منها بيتاً واحداُ حتى انتهى إلى هذا البيت.

تسمع للحلي وسواساً إذا انصرفت

 

كما استعان بريحٍ عشرقٌ زجـل

فأعجب به. فقلت: من يقول هذه القصيدة؟ قال: أنا. قلت: لولا ما تقول لأخبرتك أن أعشى بني ثعلبة أنشدنيها عام أول بنجران. قال: فإنك صادق، أنا الذي ألقيتها على لسانه وأنا مسحلٌ صاحبه، ما ضاع شعر شاعرٍ وضعه عند ميمون بن قيس:

رأيت عرابة الأوسي يسمـو

 

إلى الخيرات منقطع القرين

إذا ما رايةٌ رفعت لمـجـد

 

تلقاها عـرابة بـالـيمـين

عروضه من الوافر. الشعر للشماخ. والغناء لمعبد خفيف الثقيل الأول بالوسطى. وذكر إسحاق أنه من الأصوات القليلة الأشباه. وذكر ابن المكي أن له فيه لحناً آخر من خفيف الثقيل. وقد أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثني عمر بن شبة عن محمد بن يحيى أبي غسان قال غنى أبو نؤي:

رأيت عرابة الأوسي يسمـو

 

إلى الخيرات منقطع القرين

فنسبه الناس إلى معبد. ولعله يعني اللحن الآخر الذي ذكره ابن المكي. وقال هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات أخبرني حماد عن ابن أبي جناح قال: الناس ينسبون هذا الصوت إلى معبد.