ذكر عبد الله بن الحسن بن الحسن

ذكر عبد الله بن الحسن بن الحسن

عليهم السلام ونسبه وأخباره وخبر هذا الشعر

نسبه

عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب – عليهم السلام – وقد مضى نسبه في أخبار عمه الحسين صلوات الله عليه في شعره الذي يقول فيه:

لعمرك إنني لأحب دارا

 

تحل بها سكينة والرباب

ويكنى عبد اللله بن الحسن أبا محمد، وأم عبد الله بن الحسن فاطمة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام، وأمها أم إسحاق بنت طلحة بن عبيد الله، وأمها الجرباء بنت قسامة بن رومان عن طيء.

سميت جدته الجرباء لحسنها: أخبرني أحمد بن سعيد: قال: حدثنا يحيى بن الحسن: قال: إنما سميت الجرباء لحسنها، كانت لا تقف إلى جنبها امرأة، وإن كانت جميلة إلا استقبح منظرها لجمالها، وكان النساء يتحامين أن يقفن إلى جنبها، فشبهت بالناقة الجرباء التي تتوقاها الإبل مخافة أن تعديها.

وكانت أم إسحاق من أجمل نساء قريش وأسوئهن خلقاً، ويقال: إن نساء بني تيم كانت لهن حظوة عند أزواجهت على سوء أخلاقهن، ويروى أن أم إسحاق كانت ربما حملت وولدت وهي لا تكلم زوجها.

أخبرني الحرمي بن أبي العلاء عن الزبير بن بكار عن عمه بذلك: قال: وقد كانت أم إسحاق عند الحسن بن علي بن أبي طالب صلوات الله عليه قبل أخيه الحسين رضي الله عنه، فلما حضرته الوفاة دعا بالحسين صلوات الله عليه فقال له: يا أخي إني أرضى هذه المرأة لك، فلا تخرجن من بيوتكم، فإذا انقضت عدتها فتزوجها. فلما توفي الحسن عنها تزوجها الحسين رضي الله عنه، وقد كانت ولدت من الحسن رضي الله عنه ابنه طلحة بن الحسن، فهو أخو فاطمة لأمها وابن عمها، وقد درج طلحة ولا عقب له.

جمال وسوء خلق: ومن طرائف أخبار التيميات من نساء قريش في حظوتهن وسوء أخلاقهن ما أخبرنا به الحرمي بن أبي العلاء عن الزبير بن بكار عن محمد بن عبد الله. قال: كانت أم سلمة بنت محمد بن طلحة عند عبد الله بن الحسن وكانت تقسو عليه قسوة عظيمة وتغلظ، له، ويفرق منها ولا يخالفها، فرأى يوماً منها طيب نفس، فأراد أن يشكو إليها قسوتها، فقال لها: يا بنت محمد، قد أحرق والله قلبي… فحددت له النظر، وجمعت وجهها وقالت له: أحرق قلبك ماذا؟ فخافها فلم يقدر على أن يقول لها: سوء خلقك، فقال لها: حب أبي بكر الصديق، فأمسكت عنه.

وتزوج الحسن بن الحسن فاطمة بنت الحسين في حياة عمه، وهو – رضي الله عنه – زوجه إياها.

زواجه فاطمة بنت الحسين: أخبرني الطّوسي والحرمي، عن الزبير، عن عمه بذلك، وحدثني أحمد بن محمد بن سعيد عن يحيى بن الحسن عن إسماعيل بن يعقوب قال: حدثني جدي عبد الله بن موسى بن عبد الله بن الحسن، قال: حدثني جدي عبد الله بن موسى بن عبد الله بن الحسن، قال: خطب الحسن بن الحسن إلى عمه الحسين – صلوات الله عليه – وسأله أن يزوجه إحدى ابنتيه، فقال له الحسن رضي الله عنه: اختر يا بني أحبهما إليك، فاستحيا الحسن، ولم يحر جواباً، فقال له الحسين رضي الله عنه: فإني اخترت منهما لك ابنتي فاطمة، فهي أكثر شبهاً بأمي فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم.

أخبرني الطوسي والحرمي عن الزبير عن عمه مصعب: إن الحسن لما خيره عمه اختار فاطمة، وكانوا يقولون: إن امرأة، سكينة مردودتها، لمنقطعة القرين في الجمال.

أخبرني الطوسي والحرمي بن أبي العلاء، عن الزبير بن بكار، وأخبرني محمد بن العباس اليزيدي، عن أحمد بن يحيى وأحمد بن زهير، عن الزبير، وأخبرني أحمد بن سعيد، عن يحيى بن الحسن، عن الزبير بن بكار واللفظ للحسن بن علي، وخبره أتم: قال: قال الزبير: حدثني عمي مصعب ولم يذكر أحداً.

ليس لمخضوب البنان يمين: وأخبرني محمد بن يحيى عن أيوب، عن عمر بن أبي الموالي قال الزبير: وحدثني عبد الملك بن عبد العزيز بن يوسف بن الماجشون، وقد دخل حديث بعضهم في بعض حديث الآخرين: أن الحسن بن الحسن لما حضرته الوفاة جزع، وجعل يقول: إني لأجد كرباً ليس إلا هو كرب الموت، وأعاد ذلك دفعات، فقال له بعض أهله: ما هذا الجزع، تقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جدك وعلى علي والحسن والحسين – صلوات الله عليهم – وهم آباؤك؟ فقال: لعمري إن الأمر لكذلك، ولكن كأني بعبد الله بن عمرو بن عثمان حين أموت وقد جاء في مضرجتين أو ممصرتين وهو يرجل جمته يقول: أنا من بني عبد مناف جئت لأشهد ابن عمي، وما به إلا أن يخطب فاطمة بنت الحسين، فإذا جاء فلا يدخل علي، فصاحت فاطمة: أتسمع؟ قال: نعم، قالت: أعتقت كل مملوك لي، وتصدقت بكل ملك لي إن أنا تزوجت بعدك أحداً أبداً، قال: فسكن الحسن وما تنفّس ولا تحرك حتى قضى، فلما ارتفع الصياح أقبل عبد الله على الصفة التي ذكرها الحسن، فقال بعض القوم: ندخله. وقال بعضهم: لا يدخل، وقال قوم: لا يضر دخوله، فدخل وفاطمة تصك وجهها، فأرسل إليها وصيفاً كان معه، فجاء يتخطى الناس حتى دنا منها فقال لها: يقول لك مولاي أبقي على وجهك فإن لنا فيه أرباً، قال: فأرسلت يدها في كمها واختمرت وعرف ذلك منها، فما لطمت وجهها حتى دفن صلوات الله عليه. فلما انقضت عدتها خطبها فقالت: فكيف لي بنذري ويميني؟ فقال: نخلف عليك بكل عبد عبدين، وبكل شيء شيئين، ففعل وتزوجته، وقد قيل في تزويجه إيها غير هذا.

أخبرني به أحمد بن محمد بن إسماعيل الهمدانيّ، عن يحيى بن الحسن العلويّ عن أخيه أبي جعفر، عن إسماعيل بن يعقوب، عن محمد بن عبد الله البكري: أن فاطمة لما خطبها عبد الله أبت أن تتزوجه، فحلفت عليها أمها لتتزوجنه، وقامت في الشمس، وآلت لا تبرح حتى تتزوجه، فكرهت فاطمة أن تحرج، فتزوجته.

وكان عبد الله بن الحسن بن الحسن شيخ أهله وسيداً من ساداتهم ومقدماً فيهم فضلاً وعلماً وكرماً، وحبسه أبو جعفر المنصور في الهاشمية بالكوفة لما خرج عليه ابناه محمد وإبراهيم فمات في الحبس، وقيل: إنه سقط عليه وقيل غير ذلك.
كان من أجمل الناس وأفضلهم: أخبرني أحمد بن محمد بن سعيد، عن يحيى بن الحسن عن علي بن أحمد الباهلي: قال: سمعت مصعباً الزبيري يقول: انتهى كل حسن إلى عبد الله بن حسن، وكان يقال: من أحسن الناس؟ فيقال: عبد الله بن الحسن، ويقال: من أفضل الناس؟ فيقال عبد الله بن الحسن. حدثني محمد بن الحسن الخثعمي الأشاني والحسن بن علي السلولي قالا: حدثنا عباد بن يعقوب قال: حدثنا تلميذ بن سليمان، قال: رأيت عبد الله بن الحسن، وسمعته يقول: أنا أقرب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولدتني بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين.

حدثني أحمد بن محمد بن سعيد عن يحيى بن الحسن، عن إسماعيل بن يعقوب، عن عبد الله بن موسى، قال: أول من اجتمعت له ولادة الحسن رضي الله عنه والحسين – صلوات الله عليهما – عبد الله بن الحسن رضي الله عنه: حدثني محمد بن الحسن الأشناني، عن عبد الله بن يعقوب، عن بندقة بن محمد بن حجازة الدهان قال: رأيت عبد الله بن الحسن، فقلت: هذا والله سيد الناس، كان مكسواً نوراً من قرنه إلى قدمه.

قال علي بن الحسين: وقد روي ذلك في أخبار أبي جعفر محمد بن علي رضي الله عنه، وأمه أم عبد الله بنت الحسن بن علي رضي الله عنه.

حدثني أحمد بن محمد بن سعيد، عن يحيى بن الحسن، عن القاسم بن عبد الرزاق: قال: جاء منظور بن زيان الفزاري إلى حسن بن حسن – وهو جده أبو أمه – فقال له: لعلك أحدثت بعدي أهلاً، قال: نعم، تزوجت بنت عمي الحسين بن علي – رضي الله عنهما – قال: بئسما صنعت، أما علمت أن الأرحام إذا التقت أضوت، كان ينبغي أن تتزوج في الغرب، قال: فإن الله جل وعز قد رزقني منها ولداً، قال: أرنيه، فأخرج إليه عبد الله بن الحسن فسر به، وقال: أنجبت، هذا والله ليث غاب ومعدو عليه، قال: فإن الله تعالى قد رزقني منها ولداً ثانياً، قال: فأرنيه، فأخرج إليه حسن بن حسن بن حسن، فسر به، وقال: أنجبت، وهذا دون الأول، قال: فإن الله قد رزقني منها ولداً ثالثاً، قال: فأرنيه. فأراه إبراهيم بن الحسن.

غمزة ترحى بها شفاعة: حدثني أبو عبيد محمد بن أحمد الصيرفي: قال: حدثنا محمد بن علي بن خلف قال: حدثنا عمر بن عبد الغفار قال: حدثنا سعيد بن أبان القرشي قال: كنت عند عمر بن عبد العزيز، فدخل عبد الله بن الحسن عليه، وهو يومئذ شاب في إزار ورداء، فرحب به وأدناه وحياه، وأجلسه إلى جنبه وضاحكه، ثم غمز عكنة من بطنه، وليس في البيت حينئذ إلا أموي، فقيل له: ما حملك على غمز بطن هذا الفتى؟ قال: إني لأرجو بها شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم.
يعطي جائزة: حدثني عمر بن عبد الله بن جميل العتكي، عن عمر بن شبة، عن إسماعيل بن جعفر الجعفري: قال: حدثني سعيد بن عقبة الجهني: قال: إني لعند عبد الله بن الحسن إذ أتاني آت، فقال: هذا رجل يدعوك، فخرجت، فإذا أنا بأبي عدي الشاعر الأموي، فقال: أعلم أبا محمد، فخرج إليه عبد الله، وهم خائفون، فأمر له بأربعمائة دينار، وهند بمائتي دينار، فخرج بستمائة دينار. وقد روى مالك بن أنس عن عبد الله بن الحسن الحديث.

كان يسدل شعره: حدثني أحمد بن محمد بن سعيد عن يحيى بن الحسن قال: حدثنا علي بن أحمد الباهلي عن مصعب بن عبد الله قال: سئل مالك عن السدل قال: رأيت من يرضى بفعله؛ عبد الله بن الحسن يفعله، والسبب في حبس عبد الله بن الحسن وخروج ابنيه وقتلهما يطول ذكره. وقد أتى عمر بن شبة منه بما لا يزيد عليه أحد إلا اليسير، ولكن من أخباره ما يحسن ذكره ها هنا فنذكره.

السبب في حبسه وقتل ابنيه: أخبرني عمر بن عبد الله العتكي عن عمر بن شبة، قال: حدثني موسى بن سعيد بن عبد الرحمن وأيوب بن عمر عن إسماعيل بن أبي عمرو قالوا: لما بنى أبو العباس بناءه بالأنبار الذي يدعى الرصافة: رصافة أبي العباس قال لعبد الله بن الحسن: ادخل فانظر ودخل معه، فلما رآه تمثل:

ألم تر حوشباً أمسى يبني

 

بناء نفعه لبني نـفـيلة

يؤمل أن يعمر عمر نوح

 

وأمر الله يحدث كل يلية

فاحتمله أبو العباس ولم يبكته بها.

أخبرني عمي عن ابن شبة عن يعقوب بن القاسم عن عمرو بن شهاب، وحدثني أحمد بن محمد بن سعيد عن يحيى بن الحسن عن الزبير عن محمد بن الضحاك عن أبيه قالوا: إن أبا العباس كتب إلى عبد الله بن الحسن في تغيب ابنيه:

أريد حياته ويريد قـتـلـي

 

عذيرك من خليلك من مراد

قال عمر بن شبة: وإنما كتب بها إلى محمد، قال عمر بن شبة: فبعثوا إلى عبد الرحمن بن مسعود مولى أبي حنين، فأجابه:

وكيف يريد ذاك وأنت منه

 

بمنزلة النياط من الفـؤاد

وكيف يريد ذاك وأنت منه

 

وزندك حين تقدح من زناد

وكيف يريد ذاك وأنت منه

 

وأنت لهاشم رأس وهـاد

أخبرني عمر بن عبد الله بن شبة عن عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب عليهم السلام عن الحسن بن زيد عن عبد الله بن الحسن قال: بينا أنا في سمر أبي العباس، وكان إذا تثاءب أو ألقى المروحة من يده قمنا، فألقاها ليلة فقمنا، فأمسكني فلم يبق غيري، فأدخل يده تحت فراشه، وأخرج إضبارة كتب وقال: اقرأ يا أبا محمد، فقرأت فإذا كتاب من محمد بن هشام بن عمرو التغلبي يدعوه إلى نفسه، فلما قرأته قلت له: يا أمير المؤمنين، لك عهد الله وميثاقه ألا ترى منهما شيئاً تكرهه ما كانا في الدنيا.

أخبرنا العتكي عن ابن شبة عن محمد بن إسماعيل عن عبد العزيز بن عمر، عن عبد الله بن عبدة بن محمد بن عمار بن ياسر قال: لما استخلف أبو جعفر ألح في طلب محمد والمسألة عنه، وعمن يؤويه، فدعا بني هاشم رجلاً رجلاً، فسألهم عنه، فكلهم يقول: قد عليم أمير المؤمنين أنك قد عرفته بطلب هذا الشأن قبل اليوم، فهو يخافك على نفسه، ولا يريد لك خلافاً، ولا يحب لك معصية، إلا الحسن بن زيد فإنه أخبره خبره، فقال: والله ما آمن وثوبه عليك، وأنه لا ينام فيه فر رأيك فيه قال ابن أبي عبيدة: فأيقظ من لا ينام.

أخبرني عمر بن عبد الله بن شبة عن عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن محمد بن عمران عن عقبة بن سلم: إن أبا جعفر دعاه فسأله عن اسمه ونسبه، فقال: أنا عقبة بن سلم بن نافع بن الأزدهاني، قال: إني أرى لك هيئة وموضعاً، وإني لأريدك لأمر أنا به معني، قال: أرجو أن أصدق ظن أمير المؤمنين، قال: فأخف شخصك، وائتني في يوم كذا وكذا، فأتيته، فقال: إن بني عمنا هؤلاء قد أبوا إلا كيداً بملكنا، ولهم شيعة بخراسان بقرية كذا وكذا، يكاتبونهم، ويرسلون إليهم بصدقات وألطاف، فاذهب حتى تأتيهم متنكراً بكتاب تكتبه عن أهل تلك القرية، ثم تسير ناحيتهم، فإن كانوا نزعوا عن رأيهم علمت ذلك، وكنت على حذر منهم حتى تلقى عبد الله بن الحسن متخشعاً، وإن جبهك – وهو فاعل – فاصبر وعاوده أبداً حتى يأنس بك، فإذا ظهر لك ما في قلبه فاعجل إلي، ففعلذلك، وفعل به حتى أنس عبد الله بناحيته، فقاله له عقبة: الجواب، فقال له: أما الكتاب فإني لا أكتب إلى أحد، ولكن أنت كتابي إليهم، فأقرئهم السلام، وأخبرهم أن ابني خارج لوقت كذا وكذا، فشخص عقبة حتى قدم على أبي جعفر، فأخبره الخبر.

أخبرني العتكي عن عمر بن محمد بن يحيى بن الحارث بن إسحاق، قال: سأل أبو جعفر عبد الله بن الحسن عن ابنيه لما حج، فقال: لا أعلم بهما حتى تغالظا، فأمضه، أبو جعفر، فقال له: يا أبا جعفر، بأي أمهاتي تمضني؟ أبخديجة بنت خويلد أم بفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أم بفاطمة بنت الحسين – عليهم السلام – أم بأم إسحاق بنت طلحة؟ قال: لا ولا بواحدة منهن، ولكن بالجرباء بنت قسامة فوثب المسيب بن زهير، فقال: يا أمير المؤمنين، دعني أضرب عنق ابن الفاعلة، فقام زياد بن عبد الله، فألقى عليه رداءه، وقال: يا أمير المؤمنين، هبه لي، فأنا المستخرج لك ابنيه، فتخلصه منه.

قال ابن شبة: وحدثني بكر بن عبد الله مولى أبي بكر، عن علي بن رباح أخي إبراهيم بن رباح، عن صاحب المصلى: قال: إني لواقف على رأس أبي جعفر وهو يتغذى بأوطاس، وهو متوجه إلى مكة، ومعه على مائدته عبد الله بن الحسن وأبو الكرام الجعفري وجماعة من بني العباس، فأقبل على عبد الله بن الحسن، فقال: يا أبا محمد؛ محمد وإبراهيم أراهما قد استوحشا من ناحيتي، وإني لأحب أن يأنسا بي ويأتياني فأصلهما وأزوجهما، وأخلطهما بنفسي، قال: وعبد الله يطرق طويلاً، ثم يرفع رأسه ويقول: وحقك يا أمير المؤمنين مالي بهما ولا بموضعهما من البلاد علم، ولقد خرجا عن يدي، فيقول: لا تفعل يا أبا محمد، اكتب إليهما وإلى من يوصل كتابك إليهما، قال: وامتنع أبو جعفر عن عامة غداته ذلك اليوم إقبالاً على عبد الله، وعبد الله يحلف أنه لا يعرف موضعهما، وأبو جعفر يكرر عليه: لا تفعل يا أبا محمد.

قال ابن شبة: فحدثني محمد بن عباد عن السندي بن شاهك: أن أبا جعفر قال لعقبة بن سلم: إذا فرغنا من الطعام فلحظتك فامثل بين يدي عبد الله، فإنه سيصرف بصره عنك، فدر حتى تغمز ظهره بإبهام رجلك، حتى يملأ عينيه منك، ثم حسبك وإياك أن يراك ما دام يأكل، ففعل ذلك عقبة، فلما رآه عبد الله وثب حتى جثا بين يدي أبي جعفر، وقال: يا أمير المؤمنين أقلني أقالك الله، قال: لا أقالني الله إن أقلتك، ثم أمر بحبسه.

قال ابن شبة، فحدثني أيوب بن عمر، عن محمد بن خلف المخزومي قال: أخبرني العباس بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس قال: لما حج أبو جعفر في سنة أربعين ومائة أتاه عبد الله وحسن ابنا حسن، فإنهما وإياي لعنده، وهو مشغول بكتاب ينظر فيه إذ تكلم المهدي فلحن فقال عبد الله: يا أمير المؤمنين، ألا تأمر بهذا من يعدل لسانه، فإنه يفعل فعل الأمة، فلم يفهم، وغمزت عبد الله فلم ينتبه، وعاد لأبي جعفر فأحفظ من ذلك، وقال له: أين ابنك؟ قال: لا أدري، قال: لتأتيني به، قال: لو كان تحت قدمي ما رفعتهما عنه، قال: يا ربيع فمر به إلى الحبس.

زوجته هند بنت أبي عبيدة: أخبرني أحمد بن محمد بن سعيد، عن يحيى بن الحسن قال: توفي عبد الله في محبسه بالهاشمية وهو ابن خمس وسبعين سنة في سنة خمس وأربعين ومائة وهند التي عناها عبد الله في شعره الذي فيه الغناء زوجته هند بنت أبي عبيدة بن عبد الله بن زمعة بن الأسود بن المطلب.

وكان أبو عبيدة جواداً وممدحاً، وكانت هند قبل عبد الله بن الحسن تحت عبد الله بن عبد الملك بن مروان، فمات عنها.

فأخبرني الحرمي عن الزبير عن سليمان بن عياش السعدي قال: لما توفي أبو عبيدة وجدت ابنته هند وجداً شديداً، فكلم عبد الله بن الحسن محمد بن بشير الخارجي أن يدخل على هند بنت أبي عبيدة، فيعزيها ويؤسيها عن أبيها، فدخل معه عليها، فلما نظر إليها صاح بأبعد صوته.

قومي اضربي عينيك يا هند لن تري

 

أباً مثله تسمو إليه الـمـفـاخـر

وكنت إذا أسبلـت فـوقـك والـدا

 

تزيني كما زان الـيدين الأسـاور

فصكت وجهها، وصاحت بحربها وجهدها، فقال له عبد الله بن الحسن: ألهذا دخلت؟ فقال الخارجي: وكيف أعزي عن أبي عبيدة وأنا أعزى به!.

أخبرني العتكي، عن شبة: قال: حدثني عبد الرحمن بن جعفر بن سليمان، عن علي بن صالح، قال: زوج عبد الملك بن مروان ابنه عبد الله هند بنت أبي عبيدة وريطة بنت عبد الله بن عبد المدان لما كان يقال إنه كائن في أولادهما، فمات عنهما عبد الله أو طلقهما، فتزوج هنداً عبد الله بن الحسن، وتزوج ريطة محمد بن علي، فجاءت بأبي العباس السفاح.

أخبرني العتكي عن عمر بن شبة عن ابن داجة عن أبيه قال: لما مات عبد الله بن عبد الملك رجعت هند بميراثها منه، فقال عبد الله بن حسن لأمه فاطمة: اخطبي علي هنداً، فقالت: إذاً تردك، أتطمع في هند وقد ورثت ما ورثته، وأنت ترب لا مال لك؟ فتركها ومضى إلى أبي عبيدة أبي هند، فخطبها إليه، فقال: في الرحب والسعة، أما مني فقد زوجتك، مكانك لا تبرح، ودخل على هند، فقال: يا بنية، هذا عبد الله بن حسن، أتاك خاطباً، قالت: فما قلت له؟ قال: زوجته. قالت: أحسنت. قد أجزت ما صنعت، وأرسلت إلى عبد الله: لا تبرح حتى تدخل على أهلك. قال: فتزينت له فبات بها معرساً من ليلته، ولا تشعر أمه، فأقام سبعاً، ثم أصبح يوم سابعه غادياً على أمه وعليه ردع الطيب، وفي غير ثيابه التي تعرف، فقالت له: يا بني، من أين لك هذا؟ قال: من عند التي زعمت أنها لا تريدني.

أخبرني حبيب بن نصر المهلبي وعمي عبد العزيز بن أحمد بن بكار: قالا: حدثنا الزبير: قال: حدثتني ظبية مولاة فاطمة: قالت: كان جدك عبد الله بن مصعب يستنشدني كثيراً أبيات عبد الله بن حسن ويعجب بها:

إن عيني تعودت كحل هند

 

جمعت كفها مع الرفق لينا

صوت

يا عيد مالك من شـوق وإيراق

 

ومر طيف على الأهوال طراق

يسري على الأين والحيات محتفياً

 

نفسي فداؤك من سار على ساق

عروضه من البسيط: العيد: ما اعتاد الإنسان من هم أو شوق أو مرض أو ذكر. والأين والأيم: ضرب من الحيات. والأين: الإعياء أيضاً، وروى أبو عمرو:

يا عيد قلبك من شوق وإيراق

الشعر لتأبط شراً، والغناء لابن محرز ثقيل أول بالوسطى من رواية يحيى المكي وحبش وذكر الهشامي أنه من منحول يحيى إلى ابن محرز.