ذكر طريح وأخباره ونسبه

ذكر طريح وأخباره ونسبه

نسبه

هو – فيما أخبرني به محمد بن الحسن بن دريد عن عمه ابن الكلبي في كتاب النسب إجازةً، وأخبرنا يحيى بن علي بن يحيى عن أبي أيوب المديني عن ابن عائشة ومحمد بن سلام ومصعب الزبيري، قال: – طريح بن إسماعيل بن عبيد بن أسيد بن علاج بن أبي سلمة بن عبد العزى بن عنزة بن عوف بن قسي – وهو ثقيف – بن منبه بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر.

ثقيف والخلاف في نسبه قال ابن الكلبي: ومن النسابين من يذكر أن ثقيفاً هو قسي بن منبه بن النبيت بن منصور بن يقدم بن أفصى بن دعمي بن إياد بن نزار. ويقال: إن ثقيفاً كان عبداً لأبي رغال، وكان أصله من قوم نجوا من ثمود، فانتمى بعد ذلك إلى قيس. وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وكرم وجهه: أنه مر بثقيف، فتغامزوا به؛ فرجع إليهم فقال لهم: يا عبيد أبي رغال، إنما كان أبوكم عبداً له فهرب منه، فثقفه بعد ذلك، ثم انتمى إلى قيس.

وقال الحجاج في خطبة خطبها بالكوفة: بلغني أنكم تقولون إن ثقيفاً من بقية ثمود، ويلكم! وهل نجا من ثمود إلا خيارهم ومن آمن بصالح فبقي معه عليه السلام! ثم قال: قال الله تعالى: ” وثمود فما أبقى “. فبلغ ذلك الحسن البصري: فتضاحك ثم قال: حكم لكع لنفسه، إنما قال عز وجل: ” فما أبقى ” أي لم يبقهم بل أهلكهم. فرفع ذلك إلى الحجاج فطلبه، فتوارى عنه حتى هلك الحجاج. وهذا كان سبب تواريه منه. ذكر ابن الكلبي أنه بلغه عن الحسن.

وكان حماد الراوية يذكر أن أبا رغالٍ أبو ثقيف كلها، وأنه من بقية ثمود، وأنه كان ملكاً بالطائف، فكان يظلم رعيته. فمر بامرأةٍ ترضع صبياً يتيماً بلبن عنزٍ لها، فأخذها منها، وكانت سنة مجدبة؛ فبقي الصبي بلا مرضعة فمات، فرماه الله بقارعةٍ فأهلكه، فرجمت العرب قبره، وهو بين مكة والطائف. وقيل: بل كان قائد الفيل ودليل الحبشة لما غزوا الكعبة، فهلك فيمن هلك منهم، فدفن بين مكة والطائف؛ فمر النبي صلى الله عليه وسلم بقبره، فأمر برجمه فرجم؛ فكان ذلك سنةً.

قال ابن الكلبي وأخبرني أبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: كان ثقيفٌ والنخع من إياد قسي بن منبه بن النبيت بن يقدم بن أفصى بن دعمي بن إياد. والنخع ابن عمرو بن الطمنان بن عبد مناة بن يقدم بن أقصى، فخرجا ومعهما عنزٌ لهما لبونٌ يشربان لبنها، فعرض لهما مصدقٌ لملك اليمن فأراد أخذها؛ فقالا له: إنما نعيش بدرها؛ فأبى أن يدعها؛ فرماه أحدهما فقتله. ثم قال لصاحبه: إنه لا يحملني وإياك أرض فأما النخع فمضى إلى بيشة فأقام بها ونزل القسي موضعاً قريباً من الطائف؛ فرأى جاريةً ترعى غنماً لعامر بن الظرب العدواني، فطمع فيها، وقال: أقتل الجارية ثم أحوي الغنم. فأنكرت الجارية منظره، فقالت له: إني أراك تريد قتلي وأخذ الغنم، وهذا شيءٌ إن فعلته قتلت وأخذت الغنم منك، وأظنك غريباً جائعاً، فدلته على مولاها. فأتاه واستجار به فزوجه بنته، وأقام بالطائف. فقيل: لله دره ما أثقفه حين ثقف عامراً فأجاره. وكان قد مر بيهودية بوادي القرى حين قتل المصدق، فأعطته قضبان كرم فغرسها بالطائف فأطعمته و نفعته.

قال ابن الكلبي في خبرٍ طويلٍ ذكره: كان قسي مقيماً باليمن، فضاق عليه موضعه ونبا به، فأتى الطائف – وهو يومئذ منازل فهمٍ وعدوان ابني عمرو بن قيس بن عيلان – فانتهى إلى الظرب العدواني، وهو أبو عامر بن الظرب؛ فوجده نائماً تحت الشجرة، فأيقظه وقال: من أنت؟ قال: أنا الظرب. قال: علي أليةٌ إن لم أقتلك أو تحالفني وتزوجني ابنتك، ففعل. وانصرف الظرب وقسيٌ معه، فلقيه ابنه عامر بن الظرب فقال: من هذا معك يا أبت؟ فقص قصته. قال عامرٌ: لله أبوه! لقد ثقف أمره؛ فسمي يومئذٍ ثقيفاً. قال: وعير الظرب تزويجه قسياً، وقيل: زوجت عبداً. فسار إلى الكهان يسألهم، فانتهى إلى شق ابن مصعب البجلي وكان أقربهم منه. فلما انتهى إليه قال: إنا قد جئناك في أمر فما هو؟ قال: جئتم في قسي، وقسيٌ عبد إياد، أبق ليلة الواد، في وجٍ ذات الأنداد، فوالى سعداً ليفاد، ثم لوى بغير معاد. ” يعني سعد بن قيس بن عيلان بن مضر “. قال: ثم توجه إلى سطيح الذئبي، “حيٌ من غسان، ويقال: إنهم حيٌ من قضاعة نزولٌ في غسان”، فقال: إنا جئناك في أمر فما هو؟ قال: جئتم في قسيٍ، وقسيٌ من ولد ثمود القديم، ولدته أمه بصحراء بريم، فالتقطه إيادٌ وهو عديم، فاستعبده وهو مليم. فرجع الظرب وهو لا يدري ما يصنع في أمره، وقد وكد عليه في الحلف والتزويج؛ وكانوا على كفرهم يوفون بالقول. فلهذا يقول من قال: إن ثقيفاً من ثمود لأن إياداً من ثمود.

قال: وقد قيل: إن حرباً كانت بين إيادٍ وقيس، وكان رئيسهم عامر بن الظرب، فظفرت بهم قيس، فنفتهم إلى ثمود وأنكروا أن يكونوا من نزار.

قال: وقال عامر بن الظرب في ذلك:

قالت إيادٌ قد رأينا نـسـبـا

 

في ابني نزارٍ ورأينا غلبا

سيري إياد قد رأينا عجبـا

 

لا أصلكم منا فسامي الطلبا

دار ثمود إذ رأيت السببـا

 

 

قال: وقد روي عن الأعمش أن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه قال على المنبر بالكوفة وذكر ثقيفاً: لقد هممت أن أضع على ثقيفٍ الجزية؛ لأن ثقيفاً كان عبداً لصالح نبي الله عليه السلام، وإنه سرحه إلى عاملٍ له على الصدقة، فبعث العامل معه بها، فهرب واستوطن الحرم، وإن أولى الناس بصالح محمد صلى الله عليهما وسلم، وإني أشهدكم أني قد رددتهم إلى الرق.

قال: وبلغنا أن ابن عباس قال، وذكر عنده ثقيف، فقال: هو قسي بن منبه، وكان عبداً لامرأة صالح نبي الله صلى الله عليه وسلم، هي الهيجمانة بنت سعد، فوهبته لصالح، وإنه سرحه إلى عاملٍ له على الصدقة؛ ثم ذكر باقي خبره مثل ما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه. وقال فيه: إنه مر برجل معه غنمٌ ومعه ابن له صغير ماتت أمه فهو يرضع من شاةٍ ليست في الغنم لبونٌ غيرها، فأخذ الشاة؛ فناشده الله، وأعطاه عشراً فأبى، فأعطاه جميع الغنم فأبى. فلما رأى ذلك تنحى، ثم نثل كنانته فرماه ففلق قلبه؛ فقيل له: قتلت رسول رسول الله صالح. فأتى صالحاً فقص عليه قصته؛ فقال: أبعده الله! فقد كنت أنتظر هذا منه؛ فرجم قبره، فإلى اليوم والليلة يرجم، وهو أبو رغال. قال: وبلغنا عن عبد الله بن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين انصرف من الطائف مر بقبر أبي رغال فقال: ” هذا قبر أبي رغال وهو أبو ثقيف كان في الحرم فمنعه الله عز وجل، فلما خرج منه رماه الله وفيه عمود من ذهب “؛ فابتدره المسلمون فأخرجوه.

قال: وروى عمرو بن عبيد عن الحسن أنه سئل عن جرهم: هل بقي منهم أحد؟ قال: ما أدري، غير أنه لم يبق من ثمود إلا ثقيف في قيس عيلان، وبنو لجا في طيىء، والطفاوة في بني أعصر.

قال عمرو بن عبيد وقال الحسن: ذكرت القبائل عند النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ” قبائل تنتمي إلى العرب وليسوا من العرب حمير من تبع وجرهمٌ من عاد وثقيفٌ من ثمود “.

قال: وروي عن قتادة أن رجلين جاءا إلى عمران بن حصين. فقال لهما: ممن أنتما؟ قالا: من ثقيف. فقال لهما: أتزعمان أن ثقيفاً من إياد؟ قالا نعم. قال: فإن إياداً من ثمود؛ فشق ذلك عليهما. فقال لهما: أساءكما قولي؟ قالا: نعم والله. قال: فإن أنجى من ثمود صالحاً والذين آمنوا معه؛ فأنتم إن شاء الله من ذرية من آمن، وإن كان أبو رغالٍ قد أتى ما بلغكما. قالا له: فما اسم أبي رغالٍ؛ فإن الناس قد اختلفوا علينا في اسمه؟ قال: قسي بن منبه.

قال: وروي الزهري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يحب ثقيفاً، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يبغض الأنصار “.

قال: وبلغنا عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: ” بنو هاشم والأنصار حلفان وبنو أمية وثقيفٌ حلفان “.

قال: وفي ثقيف يقول حسان بن ثابت رضي الله تعالى عنه:

إذا الثقفي فاخركم فقولوا

 

هلم نعد شأن أبي رغال

أبوكم أخبث الآباء قدمـاً

 

وأنتم مشبهوه على مثال

عبيد الفزر أورثهم بنـيه

 

وولى عنهم أخرى الليالي

أم طريح ونسبها وأم طريح بنت عبد الله بن سباع بن عبد العزى بن نضلة بن غبشان من خزاعة، وهم حلفاء بني زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي، وسباع بن عبد العزى هو الذي قتله حمزة بن عبد المطلب يوم أحد. ولما برز إليه سباع قال له حمزة: هلم إلي يا بن مقطعة البظور – وكانت أمه تفعل ذلك وتقبل نساء قريش بمكة – فحمي وحشيٌ لقوله وغضب السباع، فرمى حمزة بحربته فقتله – رحمة الله عليه – وقد كتب ذلك في خبر غزاة أحدٍ في بعض هذا الكتاب.

كنيته

ويكنى طريحٌ أبا الصلت؛ كني بذلك لابنٍ كان له اسمه صلتٌ. وله يقول:

يا صلت إن أباك رهـن مـنـيةٍ

 

مكتـوبةٍ لا بـد أن يلـقـاهـا

سلفت سوالفها بالأنفسٍ من مضى

 

وكذاك يتبع بـاقـياً أخـراهـا

والدهر يوشك أن يفـرق ريبـه

 

بالموت أو رحلٍ تشت نـواهـا

لا بد بينكما فتـسـمـع دعـوةً

 

أو تستجيب لدعوةٍ تـدعـاهـا

طرح ابنه الصلت إلى أخواله بعد موت أمه

وأخبرني يحيى بن علي بن يحيى إجازةً قال أخبرني أبو الحسن الكاتب: أن أم الصلت بن طريح ماتت وهو صغير، فطرحه طريح إلى أخواله بعد موت أمه. وفيه يقول:

بات الخيال من الصليت مؤرقي

 

يفري السراة مع الرباب المثلق

ما راعني إلا بياض وجـيهـه

 

تحت الدجنة كالسراج المشرق

طائفة من أخباره

نشأ طريح في دولة بني أمية، واستفرغ شعره في الوليد ين يزيد، وأدرك دولة بني العباس، ومات في أيام المهدي؛ وكان الوليد له مكرماً مقدماً؛ لانقطاعه إليه ولخؤولته في ثقيف.

فأخبرني محمد بن خلفٍ وكيع قال حدثني هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات قال حدثني أحمد بن حماد بن الجميل عن العتبي عن سهم بن عبد الحميد قال أخبرني طريح بن إسماعيل الثقفي قال: خصصت بالوليد بن يزيد حتى صرت أخلو معه. فقلت له ذات يومٍ وأنا معه في مشربةٍ: يا أمير المؤمنين، خالك يحب أن تعلم شيئاً من خلقه. قال: وما هو؟ قلت: لم أشرب شرأبا قط ممزوجاً إلا من لبن أوعسل. قال: وقد عرفت ذاك ولم يباعدك من قلبي. قال: ودخلت يوماً إليه وعنده الأمويون، فقال لي: إلي يا خالي، وأقعدني إلى جانبه، ثم أتي بشراب فشرب، ثم ناولني القدح؛ فقلت: يا أمير المؤمنين قد أعلمتك رأيي في الشراب. قال: ليس لذلك أعطيتك، إنما دفعته إليك لتناوله الغلام، وغضب. فرفع القوم أيديهم كأن صاعقةً نزلت على الخوان؛ فذهبت أقوم، فقال: اقعد. فلما خلا البيت افترى علي، ثم قال: يا عاض كذا وكذا! أردت أن تفضحني، ولولا أنك خالي لضربتك ألف سوط! ثم نهى الحاجب عن إدخالي، وقطع عني أرزاقي. فمكثت ما شاء الله. ثم دخلت عليه يوماً متنكراً، فلم يشعر إلا وأنا بين يديه وأنا أقول:

يابن الخلائف ما لي بعد مـقـربةٍ

 

إليك أقصى وفي حاليك لي عجب

ما لي أذاد وأقصى حين أقصدكـم

 

كما توقي من ذي العرة الجـرب

كأنني لم يكن بـينـي وبـينـكـم

 

إلٌ ولا خلةٌ ترعـى ولا نـسـب

لو كان بالود يدنى منك أزلفـنـي

 

بقربك الود والإشفاق والـحـدب

وكنت دون رجالٍ قد جعلـتـهـم

 

دوني إذ ما رأوني مقبلاً قطبـوا

إن يسمعوا الخير يخفوه وإن سمعوا

 

شراً أذاعوا وإن لم يسمعوا كذبـوا

رأوا صدودك عني في اللقاء فقـد

 

تحدثوا ان حبلى منك منقـضـب

فذو الشماتة مسرورٌ بهيضـتـنـا

 

وذو النصيحة والإشفاق مكـتـئب

قال: فتبسم وأمرني بالجلوس فجلست. ورجع إلي وقال: إياك أن تعاود. وتمام هذه القصيدة:

أين الـذمــامة والـــحـــق الـــذي نـــزلـــت

 

بحـفـظـه وبـتـعـظــيمٍ لـــه الـــكـــتـــب

وحـوكـي لـلـشـعـر أصـفـيه وأنـــظـــمـــه

 

نظـم الـقـصـاد فـيهـــا الـــدر والـــذهـــب

وإن سـخــطـــك شـــيءٌ لـــم أنـــاج بـــه

 

نفـسـي ولـم يكـن مـمـا كـنـت أكــتـــســـب

لكـــن أتـــاك بـــقـــولٍ كـــاذبٍ أثــــــمٍ

 

قومٌ بـغـونـي فـنـالـوا فـي مـا طـــلـــبـــوا

ومـا عـهـدتـك فــيمـــا زل تـــقـــطـــع ذا

 

قربـى ولا تـدفــع الـــحـــق الـــذي يجـــب

ولا تـوجـع مـــن حـــقٍ تـــحـــمـــلـــه

 

ولا تـتـبـع بـالـتـــكـــدير مـــا تـــهـــب

فقـد تـقـربـت جـهـداً مــن رضـــاك بـــمـــا

 

كانـت تـنـال بـه مـن مـثــلـــك الـــقـــرب

فغـير دفـعـك حـقـي وارتـــفـــاضـــك لـــي

 

وطـيك الـكـشـح عـنـي كـنـت أحــتـــســـب

أمـشـمــتٌ بـــي أقـــوامـــاً صـــدورهـــم

 

علـي فـيك إلـى الأذقـــان تـــلـــتـــهـــب

قد كـنـت أحـسـب أنـي قــد لـــجـــأت إلـــى

 

حرزٍ وألا يضـــرونـــي وإن ألــــبـــــــوا

إن الـتـي صـنـتـهـا عـن مـعـشـرٍ طـلـــبـــوا

 

منـي إلـي الـذي لـم ينـجـــح الـــطـــلـــب

أخلصتها لك إخلاص امرئٍ عللم الأقوام إن ليس إلا فيك يرتغب

 

 

أصبحت تدفعها مني وأعطفها

 

علـيك وهـي لـمـن يحـبــى بـــهـــا رغـــب

فإن وصـلـت فـأهـــل الـــعـــرف أنـــت وإن

 

تدفـع يدي فـلـي بـقـــيا ومـــنـــقـــلـــب

إنــي كـــريم كـــرامٍ عـــشـــت فـــي أدبٍ

 

نفـى الـعــيوب ومـــلـــك الـــشـــيمة الأدب

قد يعـلـمـون بـأن الـعـسـر مــنـــقـــطـــعٌ

 

يومـاً وأن الـغـنـى لا بــد مـــنـــقـــلـــب

فمـالـهـم حـبـسٌ فـي الـحــق مـــرتـــهـــن

 

مثـل الـغـنـائم تـحـوى ثـم تـــنـــتـــهـــب

ومـا عــلـــى جـــارهـــم ألا يكـــون لـــه

 

إذا تـكـنــفـــه أبـــياتـــهـــم نـــشـــب

لا يفـرحـون إذا مـا الـدهـــر طـــاوعـــهـــم

 

يومـاً بـيسـرٍ ولا يشــكـــون إن نـــكـــبـــوا

فارقـت قـومـي فـلـم أعـتـض بـهـم عـــوضـــاً

 

والـدهـر يحـدث أحـــداثـــاً لـــهـــا نـــوب

رواية المدائني في ذلك  وأما المدائني فقال: كان الوليد بن يزيد يكرم طريحاً، وكانت له منه منزلةٌ قريبةً ومكانة، وكان يدني مجلسه، وجعله أول داخلٍ وآخر خارج، ولم يكن يصدر إلا عن رأيه. فاستفرغ مديحه كله وعامة شعره فيه؛ فحسده ناسٌ من أهل بيت الوليد. وقدم حماد الراوية على التفئة الشأم، فشكوا ذلك إليه وقالوا: والله لقد ذهب طريح بالأمير، فما نالنا منه ليلٌ ولا نهار. فقال حماد: ابغوني من ينشد الأمير بيتين من شعر، فأسقط منزلته. فطلبوا إلى الخصي الذي كان يقوم على رأس الوليد، وجعلوا له عشرة آلاف درهم على أن ينشدهما الأمير في خلوة، فإذا سأله من قول من ذا؟ قال: من قول طريح؛ فأجابهم الخصي إلى ذلك، وعلموه البيتين. فلما كان ذات يوم دخل طريح على الوليد وفتح الباب وأذن للناس فجلسوا طويلاً ثم نهضوا، وبقي طريح مع الوليد وهو ولي عهد؛ ثم دعا بغدائه فتغديا جميعاً. ثم إن طريحاً خرج وركب إلى منزله، وترك الوليد في مجلسه ليس معه أحدٌ، فاستلقى على فراشه. واغتنم الخصي خلواته فاندفع ينشد:

سيري ركابي إلى من تسعدين به

 

فقد أقمت بدار الهون ما صلحا

سيري إلى سيدٍ سمحٍ خـلائقـه

 

ضخم الدسيعة قرمٍ يحمل المدحا

فأصغى الوليد إلى الخصي بسمعه وأعاد الخصي غير مرة؛ ثم قال الوليد: ويحك يا غلام! من قول من هذا؟ قال: من قول طريح. فغضب الوليد حتى امتلأ غيظاً؛ ثم قال: والهفا على أمٍ لم تلدني! قد جعلته أول داخلٍ وآخر خارجٍ، ثم يزعم أن هشاماً يحمل المدح ولا أحملها! ثم قال: علي بالحاجب، فأتاه. فقال: لا أعلم ما أذنت لطريح ولا رأيته على وجه الأرض؛ فإن حاولك فاخطفه بالسيف. فلما كان العشي وصليت العصر، جاء طريح للساعة التي كان يؤذن له فيها، فدنا من الباب ليدخل. فقال له الحاجب: وراءك! فقال: ما لك! هل دخل علي ولي العهد أحدٌ بعدي؟ قال: لا! ولكن ساعة وليت من عنده دعاني فأمرني ألا آذن لك، وإن حاولتني في ذلك خطفتك بالسيف. فقال: لك عشرة آلاف درهم وأذن لي في الدخول عليه. فقال له الحاجب: والله لو أعطيتني خراج العراق ما أذنت لك في ذلك، وليس لك من خير في الدخول عليه فارجع. قال: ويحك! هل تعلم من دهاني عنده؟ قال الحاجب: لا والله! لقد دخلت عليه وما عنده أحدٌ، ولكن الله يحدث ما يشاء في الليل والنهار. قال: فرجع طريح وأقام بباب الوليد سنةً لا يخلص إليه ولا يقدر على الدخول عليه. وأراد الرجوع إلى بلده وقومه فقال: والله إن هذا لعجزٌ بي أن أرجع من غير أن ألقى ولي العهد فأعلم من دهاني عنده. ورأى أناساً كانوا له أعداءً قد فرحوا بما كان من أمره، فكانوا يدخلون على الوليد ويحدثونه ويصدر عن رأيهم. فلم يزل يلطف بالحاجب ويمنيه؛ حتى قال له الحاجب: أما إذ أطلت المقام فإني أكره أن تنصرف على حالك هذه، ولكن الأمير إذا كان يوم كذا وكذا دخل الحمام، ثم أمر بسريره فأبرز، وليس عليه يومئذ حجابٌ؛ فإذا كان ذلك اليوم أعلمتك فتكون قد دخلت عليه وظفرت بحاجتك وأكون أنا على حال عذرٍ. فلما كان ذلك اليوم، دخل الحمام وأمر بسريره فأبرز وجلس عليه، وأذن للناس فدخلوا عليه، والوليد ينظر إلى من أقبل. وبعث الحاجب إلى طريح، فأقبل وقد تتام الناس. فلما نظر الوليد إليه من بعيدٍ صرف عنه وجهه، واستحيا أن يرده من بين الناس؛ فدنا فسلم فلم يرد عليه السلام. فقال طريح يستعطفه ويتضرع إليه:

نام الخلي من الهموم وبات لـي

ليلٌ أكابـده وهـمٌ مـضـلـع

وسهرت لا أسري ولا في لـذةٍ

أرقي وأغفل ما لقيت الهجـع

أبغي وجوه مخارجي من تهـمةٍ

أزمت علي وسد منها المطلـع

جزعاً لمعتبة الوليد ولـم أكـن

من قبل ذاك من الحوادث أجزع

يابن الخلائف إن سخطك لامرئٍ

أمسيت عصمته بلاءٌ مفـظـع

فلأنزعن عن الذي لـم تـهـوه

إن كان لي ورأيت ذلك منـزع

فاعطف فداك أبي علي توسعـاً

وفضيلةً فعلى الفضيلة تتـبـع

فلقد كفاك وزاد ما قد نـالـنـي

إن كنت لي ببلاء ضرٍ تقـنـع

سمةٌ لذاك علي جسمٌ شـاحـبٌ

بادٍ تحـسـره ولـونٌ أسـفـع

إن كنت في ذنبٍ عتبت فإنـنـي

عما كرهت لنازعٌ متـصـرع

ويئست منك فكل عسـرٍ بـاسـطٌ

 كفا إلي وكـل يسـرٍ أقـطـع

من بعد أخذي من حبالك بـالـذي

 قد كنت أحسب أنـه لا يقـطـع

فاربب صنيعك بي فإن بـأعـينٍ

 للكاشحين وسمعهم ما تـصـنـع

أدفعتني حتى انقطعـت وسـددت

 عني الوجوه ولم يكن لي مدفـع

ورجيت واتقيت يداي وقـيل قـد

 أمسى يضر إذا أحـب وينـفـع

ودخلت في حرم الذمام وحاطنـي

 خفرٌ أخذت به وعهـدٌ مـولـع

أفهادمٌ ما قد بـنـيت وخـافـضٌ

 شرفي وأنت لغير ذلـك أوسـع

أفلا خشيت شمات قومٍ فـتـهـم

 سبقاً وأنفسهم علـيك تـقـطـع

وفضلت في الحسب الأشم عليهـم

 وصنعت في الأقوام ما لم يصنعوا

فكأن آنفـهـم بـكـل صـنـيعةٍ

 أسديتها وجميل فـعـلٍ تـجـدع

ودوا لو أنهـم ينـال أكـفـهـم

 شلل وأنك عن صنيعك تـنـزع

أو تستليم فيجـعـلـونـك أسـوةً

 وأبى الملام لك الندى والموضـع

قال: فقربه وأدناه، وضحك إليه، وعاد له إلى ما كان عليه.

عاتبه المنصور في شعر مدح به الوليد فأحسن الاعتذار:

أخبرني حبيب بن نصر المهلبي قال حدثنا عبد الله بن شبيب قال حدثنا محمد بن عبد الله بن حمزة بن عتبة اللهبي عن أبيه: أن طريحاً دخل على أبي جعفر المنصور وهو في الشعراء؛ فقال له: لا حياك الله ولا بياك! أما اتقيت الله -ويلك! – حيث تقول للوليد بن يزيد:

لو قلت للسيل دع طريقك وال

 

موج عليه كالهضب يعتـلـج

لساخ وارتـد أو لـكـان لـه

 

في سائر الأرض عنك منعرج

فقال له طريح: قد علم الله عز وجل أني قلت ذاك ويد ممدودة إليه عز وجل، وإياه تبارك وتعالى عنيت. فقال المنصور: يا ربيع، أما ترى هذا التخلص!

أدخل على الوليد فمدحه فطرب وأجازه

نسخت من كتاب أحمد بن الحارث مما أجاز لي أبو أحمد الجريري روايته عنه: حدثنا المدائني: أن الوليد جلس يوماً في مجلس له عامٍ، ودخل إليه أهل بيته ومواليه والشعراء وأصحاب الحوائج فقضاها، وكان أشرف يوم رئى له؛ فقال بعض الشعراء فأنشد، ثم وثب طريح، وهو عن يسار الوليد، وكان أهل بيته عن يمينه، وأخواله عن شماله وهو فيهم، فأنشد:

صوت

أنت ابن مسلنطح البطاح ولم

 

تطرق عليك الحني والولـج

طوبى لفرعيك من هنا وهنـا

 

طوبى لأعراقك التي تشـج

لو قلت للسيل دع طريقك وال

 

موج عليه كالهضب يعتلـج

لساخ وارتد أو لـكـان لـه

 

في سائر الأرض منعـرج

ولاؤه وكان مغنياً وشاعراً

فطرب الوليد بن يزيد حتى رئي الارتياح فيه، وأمر له بخمسين ألف درهم، وقال: ما أرى أحداً منكم يجيئني اليوم بمثل ما قال خالي، فلا ينشدني أحدٌ بعده شيئاً؛ وأمر لسائر الشعراء بصلات وانصرفوا، واحتبس طريحاً عنده، وأمر ابن عائشة فغنى في هذا الشعر.
نسبة هذا الصوت

أنت ابن مسلنطح البطاح ولم

 

تطرق عليك الحني والولج

الأبيات الأربعة. عروضه عن المنسرح. غناه ابن عائشة، ولحنه رملٌ مطلق في مجرى الوسطى عن إسحاق.
المسلنطح من البطاح: ما اتسع واستوى سطحه منها. وتطرق عليك: تطبق عليك وتغطيك وتضيق مكانك؛ يقال: طرقت الحادثة بكذا وكذا إذا أتت بأمر ضيق معضل. والوشيج: أصول النبت؛ يقال: أعراقك واشجةٌ في الكرم، أي نابتة فيه. قال الشاعر:

وهل ينبت الخطي إلا وشيجه

 

وتنبت إلا في مغارسها النخل

يعني أنه كريم الأبوين من قريش وثقيف. وقد ردد طريح هذا المعنى في الوليد، فقال في كلمة له:

واعتام كهلك من ثقيفٍ كفـأه

 

فتنازعاك فأنت جوهر جوهر

فنمت فروع القريتين قصيهـا

 

وقيسها بك في الأشم الأكبـر

والحني: ما انخفض من الأرض، والواحدة حناً، والجمع حني مثل عصاً وعصي. والولج: كل متسع في الوادي، والواحدة ولجةٌ. ويقال: الولجات بين الجبال مثل الرحاب. أي لم تكن بين الحني ولا الولج فيخفى مكانك، أي لست في موضع خفي من الحسب. وقال أبو عبيدة: سمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجلاً يقول لآخر يفخر عليه: أنا ابن مسلنطح البطاح، وابن كذا وكذا؛ فقال له عمر: إن كان لك عقلٌ فلك أصلٌ، وإن كان لك خلقٌ فلك شرفٌ، وإن كان لك تقوى فلك كرمٌ، وإلا فذاك الحمار خيرٌ منك. أحبكم إلينا قبل أن نراكم أحسنكم سمتاً، فإذا تلكمتم فأبينكم منطقاً، فإذا اختبرناكم فأحسنكم فعلاً.

قول: ” لو قلت للسيل دع الطريق:، يقول: أنت ملك هذا الأبطح والمطاع فيه، فكل من تأمره يطيعك فيه، حتى لو أمرت السيل بالانصراف عنه لفعل لنفوذ أمرك. وإنما ضرب هذا مثلاً وجعله مبالغةً، لأنه لا شيء أشد تعذراً من هذا وشبهه، فإذا صرفه كان على كل شيء سواه أقدر. وقوله: ” لساح ” أي لغاض في الأرض. ” وارتد ” أي عدل عن طريقه، وإن لم يجد إلى ذلك سبيلاً كان له منعرجٌ إلى سائر الأرض.

أخبرني الحسين بن يحيى عن حمادٍ عن أبيه قال إسحاق وحدثني به الواقدي عن أبي الزناد عن إبراهيم بن عطية: أن الوليد بن يزيد لما ولي الخلافة بعث إلى المغنين بالدينة ومكة فأشخصهم إليه، وأمرهم أن يتفرقوا ولا يدخلوا نهاراً لئلا يعرفوا، وكان إذ ذاك يتستر في أمره ولا يظهره. فسبقهم ابن عائشة فدخل نهاراً وشهر أمره، فحبسه الوليد وأمر به فقيد، وأذن للمغنين وفيهم معبدٌ، فدخلوا عليه دخلات، ثم أنه جمعهم ليلة فغنوا له حتى طرب وطابت نفسه. فلما رأى ذلك منه معبدٌ قال لهم: أخوكم ابن عائشة فيما قد علمتم، فاطلبوا فيه. ثم قال: يا أمير المؤمنين، كيف ترى مجلسنا هذا؟ قال: حسناً لذيذاً. قال: فكيف لو رأيت ابن عائشة وسمعت ما عنده! قال: فعلي به. فطلع ابن عائشة يرسف في قيده. فلما نظر إليه الوليد، اندفع ابن عائشة فغناه في شعر طريح، والصنعة فيه له:

أنت ابن مسلنطح البطاح ولم

 

تطرق عليك الحني والولج

فصاح الوليد: اكسروا قيده وفكوا عنه؛ فلم يزل عنده أثيراً مكرماً.

أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا ابن أبي سعد عن الحزامي عن عثمان بن حفص عن إبراهيم بن عبد السلام بن أبي الحارث الذي يقول له عمر بن أبي ربيعة:

يا أبا الحارث قلبي طائرٌ

 

فأتمر أمر رشيدٍ مؤتمن

قال: والله إني لقاعدٌ مع مسلمة بن محمد بن هشام إذ مر به ابن جوان بن عمر بن أبي ربيعة، وكان يغني؛ فقال له: اجلس يا بن أخي غننا، فجلس فغنى:

أنت ابن مسلنطح البطاح ولم

 

نطرق عليك الحني والولج

فقال له: يا بن أخي، ما أنت وهذا حيت تغناه، ولا حظ لك فيه! هذا قاله طريح فينا:

إذ الناس ناسٌ والزمان زمان

ومما في المائة الصوت المختارة

من الأغاني من أشعار طريح بن إسماعيل التي مدح بها الوليد بن يزيد:

صوت من المائة المختارة

ويحي غداً إن غدا علي بمـا

 

أحذر من لوعة الفراق غـد

وكيف صبري وقد تجاوب بال

 

فرقة منها الغراب والصرد

الشعر لطريح بن إسماعيل. والغناء مشعب الطائفي، ولحنه المختار من الرمل بالوسطى.