ذكر ذي الإصبع العدواني ونسبه وخبره

الثالث

ذكر ذي الإصبع العدواني ونسبه وخبره

نسبه وهو شاعر فارس جاهلي

هو حرثان بن الحارث بن محرث بن ثعلبة بن سيار بن ربيعة بن هبيرة بن ثعلبة بن ظرب بن عمرو بن عباد بن يشكر بن عدوان بن عمرو بن سعد بن قيس بن عيلان بن مضر بن نزار، أحد بني عدوان وهم بظن من جديلة. شارع فارس من قدماء الشعراء في الجاهلية وله غارات كثيرة على العرب ووقائع مشهورة

فنيت عدوان فرثاها

أخبرنا محمد بن خلف وكيع وابن عمار والأسدي، قالوا حدثنا الحسن بن عليل العنزي قال حدثنا أبو عثمان المازني عن الأصمعي قال: نزلت عدوان على ماء فأحصوا فيهم سبعين ألف غلام أغرل سوى من كان مختوناً لكثرة عددهم، ثم وقع بأسهم بينهم فتفانوا فقال ذو الإصبع:

صوت

عذير الحي من عدوا

 

ن كانوا حية الأرض

بغى بعضهم بعـضـاً

 

فلم يبقوا على بعـض

فقد صـاروا أحـاديث

 

برفع القول والخفض

ومنهم كانت الـسـادا

 

ت والموفون بالقرض

ومنهم من يجيز الـنـا

 

س بالسنة والفـرض

ومنهم حكم يقـضـي

 

فلا ينقض ما يقضي

 

وأما قول ذي الأصبع

ومنهم حكم يقضي

فإنه يعني عامر بن الظرب العدواني، كان حكماً للعرب تحتكم إليه.

من قرعت له العصا: حدثنا محمد بن العباس اليزيدي عن محمد بن حبيب قال: قيس تدعى هذه الحكومة وتقول: إن عامر بن الظرب العدواني هو الحكم وهو الذي كانت العصا تقرع له، وكان قد كبر فقال له الثاني من ولده: إنك ربما أخطأت في الحكم فيحمل عنك؛ قال: فاجعلوا لي أمارة أعرفها فإذا زغت فسمعتها رجعت إلى الحكم والصواب، فكان يجلس قدام بيته ويقعد ابنه في البيت ومعه العصا، فإذا زاغ أو هفا قرع له الجفنة فرجع إلى الصواب. وفي ذلك يقول المتلمس:

لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا

 

وماعلم الإنسان إلا لـيعـلـمـا

قال ابن حبيب: وربيعه تدعيه لعبد الله بن عمرو بن الحارث بن همام. واليمن تدعيه لربيعة بن مخاشن، وهو ذو الأعواد، وهو أول من جلس على منبر أو سرير وتكلم،؛ وفيه يقول الأسود بن يعفر:

ولقد علمت لوأن علمي نافعي

 

أن السبيل سبيل ذي الأعواد

أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي أبو دلف قال أهبرنا الرياشي قال حدثنا الأصمعي قال: زعم أبو عمر بن العلاء أنه ارتحلت عدوان من منزلٍ، فعد فيهم أربعون ألف غلام أقلف. قال الرياشي وأخبرني رجل عن هشام بن الكلبي قال: وقع على إياد البق فأصاب كل رجلٍ منهم بقتان.

استعراض عبد الملك أحياء العرب وسؤاله عن ذي الإصبع:

أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثني يعقوب بن نعيم قال حدثنا أحمد بن عبيد أبو عصيدة قال أخبرني محمد بن زياد الزيادي، وأخبرني به أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثني عمر بن شبة ولم يسنده إلى أحد وروايته أتم: أن عبد الملك بن مروان لما قدم الكوفة بعد قتله مصعب بن الزبير جلس لعرض أحياء العرب-وقال عمر بن شبة: إن مصعب بن الزبير كان صاحب هذه القصة- فقام إليه معبد بن خالد الجدلي، وكان قصيراً دميماً، فتقدمه إليه رجل منا حسن الهيئة؛ قال معبد: فنظر عبد الملك إلى الرجل وقال: ممن أنت؟ فسكت ولم يقل شيئاً وكان منا، فقلت من خلف: نحن يا أمير المؤمنين من جديلة؛ فأقبل على الرجل وتركني؟ فسكت ولم يقل شيئاً وكان منا، فقلت من خلفه: نحن يا أمير المؤمنين منجديلة؛ فأقبل على الرجل وتركني، فقال: من أيكم ذو الإصبع؟ قال الرجل: لا أدري؛ فقلت: نهشته حية في إصبعه فيبست؛ فأقبل على الرجل وتركني، فقال: وبم كان يسمى قبل ذلك؟ قال الرجل: لا أدري؛ قلت: كان يسمى حرثان؛ فأقبل على الرجل وتركني، فقال: من أي عدوان كان؟ فقلت من خلفه: من بني ناجٍ الذين يقول فيهم الشاعر:

وأما بنو ناجٍ فلا تذكرنـهـم

 

ولاتتبعن عينيك ما كان هالكا

إذا قلت معروفاً لأصلح بينهم

 

يقول وهيب لا أسالم ذلكـا

وروى عمر بن شبة: لاأسلم

فأضحى كظهر الفحل جب سنامه

 

يدب إلى الأعداء أحدب باركـا

فأقبل على الرجل وتركني وقال أنشدني قوله:

عذير الحي من عدوان

قال الرجل: لست أرويها؛ قلت يا أمير المؤمنين إن شئت أنشدتك؛ قال: ادن مني، فإني أراك بقومك عالماً؛ فأنشدته:

وليس المرء في شيءٍ

 

من الإبرام والنقـص

إذا أبـرم أمـراً خـا

 

له يقضي وما يقضي

يقول اليوم أمـضـيه

 

ولا يملك ما يمضـي

عذير الحي من عـدوا

 

ن كانوا حية الأرض

بغى بعضهم بعـضـاً

 

فلم يبقوا على بعـض

فقد صـاروا أحـاديث

 

برفع القول والخفض

ومنهم كانت الـسـادا

 

ت والموفون بالقرض

ومنهم حكم يقـضـي

 

فلا ينقض ما يقضي

ومنهم من يجيز الـنـا

 

س بالسنة والفـرض

وهم من ولدوا أشبـوا

 

بسر الحسب المحض

ومـمـن ولـدوا عــام

 

ر ذو الطول وذو العرض

وهـم بـووا ثـقـيفـاً دا

 

ر لاذل ولاخـفـــض

 

فأقبل على الرجل وتركني وقال: كم عطاؤك؟ فقال: ألفان، فأقبل علي فقال: كم عطاؤك؟ فقلت: خمسمائة؛ فأقبل على كاتبه وقال: اجعل الألفين لهذا والخمسمائة لهذا؛ فانصرفت بها.

وقوله: “ومنهم من يجيز الناس” فإن إجازة الحج كانت لخزاعة فأخذتها منهم عدوان فصارت إلى رجل منهم يقال له أبو سيارة أحد بني وابش بن يزيد بن عدوان وله يقول الراجز:

خلوا السبيل عن أبي سيارة

 

وعن مواليه بن فـزاره

حتى يجيز سالماً حمـاره

 

مستقبل الكعبة يدعو جاره

قال: وكان أبو سيارة يجيز الناس في الحج بأن يتقدمهم على حمارٍ، ثم يخطبهم فيقول: اللهم أصلح بين نسائنا، وعاد بين رعائنا، واجعل المال في سمحائنا، أوفوا بعهدكم، وأكرموا جاركم، واقروا ضيفكم، ثم يقول: أشرق ثبير كما نغير، وكانت هذه إجازته، ثم ينفر ويتبعه الناس. ذكر ذلك أبو عمرو الشيباني والكلبي وغيرهما.

قصته مع بناته الأربع وقد أردن الزواج

أخبرنا أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا أبو بكر العليمي قال حدثنا محمد بن داود الهشامي قال: كان لذي الإصبع أربع بنات وكن يخطبن إليه فيعرض ذلك عليهن فيستحين ولا يزوجهن، وكانت أمهن تقول: لو زوجتهن فلا يفعل. قال: فخرج ليلة إلى متحدثٍ لهن فاستمع عليهن وهن لا يعلمن فقلن: تعالين نتمنى ولنصدق، فقالت الكبرى:

ألا ليت زوجي من أناس ذوي غنى

 

حديث الشباب طيب الريح والعطر

طبيب بأدواء الـنـسـاء كـأنـه

 

خليفة جانٍ لاينـام عـلـى وتـر

فقلن لها: أنت تحبين رجلاً ليس من قومك. فقالت الثانية:

ألا هل أراها ليلة وضـجـيعـهـا

 

أشم كنصل السيف غير مـبـلـد

لصوق بأكباد النـسـاء وأصـلـه

 

إذا ما انتمى من سر أهلي ومحتدي

فقلن لها: أنت تحبين رجلاً من قومك. فقالت الثالثة:

ألا ليته يملا الجفـان لـضـيفـه

 

له جفنة يشقى بها النيب والجـزر

له حكمات الدهر من غير كبـرة

 

تشين ولا الفاني ولا الضرع الغمر

فقلن لها: أنت تحبين رجلاً شريفاً. وقلن للصغرى: تمني؛ فقالت: ماأريد شيئاً؛ قلن: والله لاتبرجين حتى نعلم ما في نفسك؛ قالت: زوج من عود خير من قعود. فلما سمع ذلك أبوهن زوجهن أربعتهن. فمكثن برهة” ثم اجتمعن إليه، فقال للكبرى: يا بنية، ما مالكم؟ قالت: الإبل؛ قال: فكيف تجدونها؟ قالت: خير مال، نأكل لحومها مزعاً، ونشرب ألبانها جرعاً، وتحملنا وضيفنا معاً؛ قال: فكيف تجدين زوجك؟ قالت: خير زوج يكرم الحليلة، ويعطي الوسيلة؛ قال: فكيف تجدين زوجك؟ قالت: خير زوج يكرم الحليلة، ويعطي الوسيلة؛ قال: مال عميم وزوج كريم. ثم قال للثانية: يا بنية ما مالكم؟ قالت: البقر؛ قال: فكيف تجدونها؛ قالت: خير مال، تألف الفناء، وتودك السقاء، وتملأ الإناء، ونساء في نساء؛ قال: فكيف تجدين زوجك؟ قالت: خير زوج يكرم أهله وينسى فضله؛ قال: حظيت ورضيت. ثم قال للثالثة: ما مالكم؟ قالت: المغزى؛ قال: فكيف تجدونها؟ قالت: لابأس بها نولدها فطماً، ونسلخها أدماً؛ قال: فكيف تجدين زوجك؟ قالت: لابأس به ليس بالبخيل الحكر ولا بالسمح البذر، قال: جدوى مغنية. ثم قال للرابعة: يا بنية، مالكم؟ قالت: الضأن؛ قال: وكيف تجدونها؟ قالت: شر مال، جوف لا يشبعن، وهيم لاينقعن، وصم لايسمعن، وأمر مغويتهن يتبعن؛ قال: فكيف تجدين زوجك؟ قالت: شر زوج، يكرم نفسه ويهين عرسه؛ قال: ” أشبه أمرأ بعض بزه”.

وذكر الحسن بن عليل العنزي في خبر عدوان الذي رواه عن أبي عمرو بن العلاء أنه لا يصح من أبيات ذي الإصبع الضادية إلا الأبيات التي أنشدها وأن سائرها منحول.

خرف واهترأ وقال في ذلك شعراً

أخبرني عمي قال حدثني محمد بن عبد الله الحزنبل قال حدثني عمرو بن أبي عمرو الشيباني عن أبيه قال: عمر ذو الإصبع العدواني عمراً طويلاً حتى خرف وأهتر وكان يفرق ماله، فعذله أصهاره ولاموه وأخذوا على يده؛ فقال في ذلك:

أهلكنا الليل والنهار مـعـاً

 

والدهر يعدو مصمماً جذعا

فليس فيما أصابني عـجـب

 

إن كنت شيباً أنكرت أو صلعا

وكنت إذ رونق الشبـاب بـه

 

ماء شبابي تخالـه شـرعـا

والحي فيه الفتاة ترمـقـنـي

 

حتى مضى شأو ذاك فانقشعا

صوت

إنكما صاحبـي لـم تـدعـا

 

لومي ومهما أضق فلن تسعا

لم تعقلا جفوة” علـي ولـم

 

أشتم صديقاً ولم أنل طبعـا

إلا بأن تكذبـا عـلـي ومـا

 

أملك أن تكذبا وأن تـلـعـا

لابن سريح في هذه الأبيات لحنان: أحدهما ثاني ثقيل بالسبابة والبنصر عن يحيى المكي، والآخر ثقيل أول عن الهشامي.

وإنني سوف أبتـدي بـنـدى

 

ياصاحبي الغداة فآستـمـعـا

ثم سلا جارتي وكـنـتـهـا

 

هل كنت فيمن أراب أو خدعا

أو دعتاني فلم أجب، ولـقـد

 

تأمن من حليلتي الفـجـعـا

آبى فلا أقرب الـخـبـاء إذا

 

ماربه بعد هـدأة هـجـعـا

ولا أروم الفـتـاة زورتـهـا

 

إن نام عنها الحليل أو شسعـا

وذاك في حقبة خلت ومضت

 

والدهر ياي على الفتى لمعـا

إن تزعما أنني كبرت فـلـم

 

أفل ثقيلاً نكـسـاً ولاورعـا

إما ترى شكتي رمـيح أبـي

 

سعدٍ فقد أحمل السلاح معـا

أبو سعد: ابنه، ورميح: عصاً كانت لابنه يلعب بها مع الصبيان يطاعنهم بها كالرمح، فصار يتوكأ هو عليها ويقوده ابنه هذا بها:

السيف والرمح والكنـانة قـد

 

أكملت فيها معابلاً صنـعـا

والمهر صافي الأديم أصنعـه

 

يطير عنه عفـاؤه قـزعـا

أقصر مـن قـيده وأردعـه

 

حتى إذا السرب ريع أو فزعا

كان أمام الجـياد يقـدمـهـا

 

يهز لدناً وجؤجـؤاً تـلـعـاً

فغامس الموت أو حمى ظعنا

 

أو رد نهباً لأي ذاك سـعـى

وصيته لابنه عند موته

قال أبو عمرو: ولما احتضر ذو الإصبع دعا ابنه سيداً فقال له: يا بني، إن أباك قد فني وهو حي وعاش حتى سشم العيش، وإني موصيك بما إن حفظته بلغت في قومك ما بلغته، فاحفظ عني: ألن جانبك لقومك يحبوك، وتواضع لهم يرفعوك، وابسط لهم وجهك يطيعوك، ولا تستأثر عليهم بشيء يسودوك؛ وأكرم صغارهم كما تكرم كبارهم يكرمك كبارهم ويكبر على مودتك صغارهم، واسمح بمالك، واحم حريمك، وأعزز جارك، وأعن من استعان بك، وأكرم ضيفك، وأسرع النهضة في الصريخ، فإن لك أجلاً لا يعدوك، وصن وجهك عن مسألة أحد شيئاً، فبذلك يتم سوددك؛ ثم أنشأ يقول:

أأسـيد إن مـالاً مـلـك

 

ت فسر به سيراً جمـيلاً

آخ الكرام إن استـطـع

 

ت إلى إخائهم جملاً ذلولا

وأشرب بكـأسـهـم وإن

 

شربوا به السم الثـمـيلا

أهن الـلـئام ولاتـكـن

 

لإخائهم جـمـلاً ذلـولاً

إن الـكـرام إذا تـــوا

 

خيهم وجدت لهم فضولا

ودع الذي يعد العـشـي

 

رة أن يسيل ولن يسـيلا

ابـنـي إن الـمــال لا

 

يبكي إذا فقد الـبـخـيلا

صوت

أأسيد إن أزمعـت مـن

 

بلدٍ إلى بـلـدٍ رحـيلا

فاحفظ وإن شحط المـزا

 

ر أخـيك أو الـزمـيلا

واركب بنفسك إن همـم

 

ت بها الحزونة والسهولا

وصل الكرام وكن لمـن

 

ترجو مودتـه وصـولا

الغناء للهذلي خفيف ثقيل أول بالوسطى عن عمرو.

ودع التوانـي فـي الأمـو

 

ر وكن لها سلسـاً ذلـولا

وابسط يمينـك بـالـنـدى

 

وامدد بها بـاعـاً طـويلا

وابسط يديك بمـا مـلـك

 

ت وشيد الحسـب الأثـيلا

واعـزم إذا حـاولــت أم

 

راً يفرج الهـم الـدخـيلا

وابذل لضـيفـك ذات رح

 

لك مكرماً حـتـى يزولا

واحلل علـى الأيفـاع لـل

 

عافين واجتنب المـسـيلا

وإذا القـوم تـخـاطـرت

 

يوماً وارعدت الخـصـيلا

فاهصر كهصر الليث خض

 

ب من فريسته الـتـلـيلا

وانزل إلى الـهـيجـا إذا

 

أبطالها كرهوا الـنـزولا

 

وإذا دعيت إلى المه

 

م فكن لفادحه حمولا

 

استنشد معاوية قيسياً وزراد في عطائه: أخبرني عمي قال حدثنا الكراني قال حدثنا العمري عن العتبي قال: جرى بين عبد الله بن الزبير وعتبة بن أبي سفيان لحاء بين يدي معاوية، فجعل ابن الزبير يعدل بكلامه عن عتبة ويعرض بمعاوية، حتى أطال وأكثر”من ذلك”، فالتفت إليه معاوية متمثلاً وقال:

ورام بعوران الكـلام كـأنـهـا

 

نوافر صبح نفرتها الـمـراتـع

وقد يدحض المرء الموراب بالخنا

 

وقد تدرك المرء الكريم المصانع

ثم قال لابن الزبير: من يقول هذا؟ فقال: ذو الإصبع؛ فقال: أترويه؟ قال لا؛ فقال: من هاهنا يروي هذه الأبيات؟ فقام رجل من قيس فقال: أنا أرويها يا أمير المؤمنين؛ فقال: أنشدني؛ فأنشده حتى أتى على قوله:

وسـاع بـرجـلـيه لآخـر قـاعـد

 

ومعـطٍ كـريم ذو يسـار ومـانـع

وبانٍ لأحـسـاب الـكـرام وهـادم

 

وخافض مولاه سـفـاهـاً ورافـع

ومغضٍ على بعض الخطوب وقد بدت

 

له عورة من ذي القرابة ضـاجـع

وطالب حوب باللـسـان وقـلـبـه

 

سوى الحق لاتخفى عليه الـشـرائع

فقال له معاوية: كم عطاءك؟ قال: سبعمائة؛ قال: اجعلوها ألفاً، وقطع الكلام بين عبد الله وعتبة.

شعره في ابن عمه وقد عاداه

قال أبو عمرو: وكان لذي الإصبع ابن عم يعاديه فكان يتدسس إلى مكارهه ويمشي به إلى أعدائه ويولب عليه ويسعى بينه وبين عمه ويبغيه عندهم شراً؛ فقال فيه- وقد أنشدنا الأحفش هذا الأبيات ” ايضاً ” عن ثعلب والأحول السكري:

ياصاحبي قفـا قـلـيلا

 

وتخبرا عني لمـيسـا

عمن أصابت قـلـبـه

 

في مرها غدا نكيسـا

ولـي ابـن عـم لايزا

 

ل إلي منكره دسيسـا

دبت له فـأحـس بـع

 

د البرء من سقم وسيسا

إمـا عـلانـــية وإم

 

ا مخمراً أكلاً وهيسـا

إني رأيت بنـي أبـي

 

ك يحمجون إلي شوسا

حنقاً علي ولـن تـرى

 

لي فيهم أثراً بـئيسـا

أنحوا على حر الوجـو

 

ه بحد مئشار ضروسا

لو كنت ماء” لم تـكـن

 

عذب المذاق ولامسوسا

ملحاً بعيد القعـر قـد

 

فلت حجارته الفؤوسـا

مناع ما مـلـكـت يدا

 

ك وسائل لهم نحوسـا

وأنشدنا الأخفش عن هؤلاء الرواة بعقب هذه الأبيات- وليس من شعر ذي الإصبع ولكنه معناه-:

لو كنت ماء كنت غير عـذب

 

أو كنت سيفاً كنت غير عضب

أو كنت طرفاً كنت غير نـدب

 

أو كنت لحماً كنت لحم كلـب

لو كنت مخا كنت مـخـاريرا

 

أو كنت برداً كنت زمهـريرا

أو كنت ريحاً كانت الدبـورا

 

 

سبب تفرق عدوان وتقاتلهم

قال أبو عمرو، وكان السبب في تفرق عدوان وقتال بعضهم بعضاً حتى تفانوا: أن بني ناج بن يشكر بن عدوان أغاروا على بني عوف بن سعد بن ظرب بن عمرو بن عباد بن يشكر بن عدوان، ونذرت بهم بنو عوف فاققتلوا، فقتل بنو ناج ثمانية نفرٍ، فيهم عمير بن مالك سيد بني عوف، وقتلت بنو عوف رجلاً منعم يقال له سنان بن جابر، وتفرقوا على حرب. وكان الذي أصابوه من بني واثلة بن عمرو بن عباد وكان سيداً، فاصطلح سائر الناس على الديات أن يتعاطوها ورضوا بذلك، وأبى مرير بن جابر أن يقبل بسنان بن جابر دية”، واعتزل هو وبنو أبيه ومن أطاعهم ومن والاهم، وتبعه علىذلك كرب بن خالد أحد بني عبس بن ناج، فمشى إليهما ذو الإصبع وسألهما قبول الدية وقال: قد قتل منا ثمانية نفر فقبلنا الدية وقتل منكم رجل فاقبلوا ديته؛ فأبيا ذلك وأقاما الحرب، فكان ذلك مبدأ حرب بعضهم بعضاً حتى تفانوا وتقطعوا. فقال ذو الإصبع في ذلك:

ويابؤس للأيام والدهر هالـكـا

 

وصرف الليالي يختلفن كذلكـا

أبعد بني ناجٍ وسعـيك فـيهـم

 

فلاتتبعن عينيك ما كان هالكـا

إذا قلت معروفاً لأصلح بينـهـم

 

يقول مرير لاأحـاول ذلـكـا

فأضحوا كظهر العود جب سنامه

 

تحوم عليه الطير أحدب باركـا

فإن تك عدوان بن عمرو تفرقت

 

فقد غنيت دهراً ملوكاً هنالكـا

 

قصيدته النونية وقال أبو عمرو: وفي مرير بن جابر يقول ذو الأصبع – وهذه القصيدة هي التي منها ” الغناء” المذكور -وأولها:

يامن لقلب شديد الـهـم مـحـزون

 

أمـسـى تـذكـر ريا أم هـارون

أمسى تذكرها من بعد ما شحـطـت

 

والدهر ذو غلظ حـينـاً وذو لـين

فإن يكن حبها أمسى لنـا شـجـنـاً

 

وأصبح الولي منـهـا لايوايتـينـي

فقد غنينا وشمل الدار يجـمـعـنـا

 

أطـيع ريا وريا لاتـعـاصـينـي

نرمي الوشاة فلا نخطي مقاتلـهـم

 

بخالصٍ من صفاء الود مـكـنـون

ولي ابن عم علي ما كان من خلـق

 

مختلفـان فـأقـلـيه ويقـلـينـي

أزرى بنا أننا شالت تـعـامـتـنـا

 

فخالني دونه بل خـلـتـه دونـي

لاه ابن عمك لاأفضلت من حـسـب

 

شيئاً ولاأنت دياني فـتـحـزونـي

ولاتقوت عـيالـي يوم مـسـغـبةٍ

 

ولابنفسك في العزاء تـكـفـينـي

فإن ترد عرض الدنيا بمنقـصـتـي

 

فإن ذلك ممـا لـيس يشـجـينـي

ولاترى في غير الصبر منـقـصة

 

وماسواه فـإن الـلـه يكـفـينـي

لولا أواصرقربى لست تحفـظـهـا

 

ورهبة الله في مولـى يعـادينـي

إذا بريتك بـرياً لا أنـجـبـار لـه

 

إني رأيتك لاتـنـفـك تـبـرينـي

إن الذي تقبض الدنيا ويبـسـطـهـا

 

إن كان أغناك عني سوف يغنينـي

الله يعلمكـم والـلـه يعـلـمـنـي

 

والله يجزيكم عـنـي ويجـزينـي

ماذا علي وإن كنتـم ذوي رحـمـي

 

ألا أحبكـم إن لـم تـحـبـونـي

لو تشربون دمي لم يرو شـاربـكـم

 

ولادماؤكـم جـمـعـاً تـروينـي

ولي ابن عم لو أن الناس في كبـدي

 

لظل محتجزاً بالنـبـل يرمـينـي

ياعمرو إن لا تدع شتمي ومنقصتـي

 

ظاضربك حتى تقول الهامة اسقوني

كل امرىء صائر يوماً لشـيمـتـه

 

ظغن تخلق أخـلاقـاً إلـى حـين

إني لعمرك مابابـي بـذي غـلـقٍ

 

عن الصديق ولاخيري بمـمـنـون

ولا لساني على الأدنى بمنـطـلـق

 

بالمنكرات ولافتكـي بـمـأمـون

لايخرج القسر مني غير مغـضـبة

 

ولاألين لمـن لايبـتـغـي لـينـي

وأنتم معـشـر زيد عـلـى مـائة

 

فأجمعوا أمركم شتى فـكـيدونـي

فإن علمتم سبيل الرشد فانطـلـقـوا

 

ظغن غبيتم طريق الرشد فأتـونـي

يارب ثوبٍ حواشـيه كـأوسـطـه

 

لاعيب في الثوب من حسنٍ ومن لين

يوماً شددت على فرغـاء فـاهـقةٍ

 

يوماً من الدهر تارات تـمـارينـي

ماذا علي إذا تدعـونـنـي فـزعـاً

 

ألا أجـيبـكـم إذ لاتـجـيبـونـي

وكنت أعطيكم مالي وأمـنـحـكـم

 

ودي على مثبت في الصدر مكنون

يارب حي شديد الشغب ذي لـجـب

 

ذعرت من راهنٍمنهم ومـرهـون

رددت باطلهم في رأس قـائلـهـم

 

حتى يظلوا خصـومـاً ذا أفـانـين

ياعمرو لو كنت لي ألفيتينـي يسـراً

 

سمحاً كريماً أجازي من يجازينـي

قصيدته في رثاء قومه

قال ابو عمرو: وقالذو الإصبع يرثي قومه:

ولـــيس الـــمـــــرء قـــــــي شـــــــيء

 

من الإبـــــرام والـــــــنـــــــقـــــــض

لإذا يفــــــعـــــــل شـــــــيئاً خـــــــا

 

له يقـــضـــي ومـــــا يقـــــــضـــــــي

جديد الـــعـــيش مــــــلـــــــبـــــــوس

 

وقــــد يوشـــــــك أن ينـــــــضـــــــي

وقد مضى بعض هذه القصيدة متقدماً في صدر هذه الأخبار، وتمامها:

 

 

وأمر اليوم أصلحه

 

ولاتـــعـــرض لـــمـــا يمــــــضـــــــي

فبـــينـــا الـــمـــكـــرء فـــي عـــــــيشٍ

 

له مـــــن عـــــــيشة خـــــــفـــــــض

أتـــــــاه طـــــــبـــــــق يومــــــــاً

 

علـــــى مـــــــزلـــــــقة دحـــــــض

وهـــم كـــانـــوا فـــلا تـــــــكـــــــذب

 

ذوي الـــقـــوة والــــــنـــــــهـــــــض

وهـــــم إن ولـــــــدوا أشـــــــبـــــــوا

 

بســـر الـــحـــســـب الـــمـــحـــــــض

لهـــم كـــانــــــت أعـــــــالـــــــي الأر

 

ض فـــالـــســـران فـــالـــــعـــــــرض

إلى ما حـازه الـحـزن

 

فما أسهل للـحـمـض

إلى الكفرين من نـخـل

 

ة فالداءة فـالـمـرض

لهـم كـان الــمـــا

 

ء ولا المزجى ولاالبرص

فكان النـاس إذا هـمـوا

 

بيسر خاشع مـغـضـي

تنـادوا ثـم ســاروا ب

 

رئيس لهـم مـرضـي

فمن ساجلـهـم حـربـاً

 

ففي الخيبة والـخـفـش

وهم نالوا على الـشـنـآ

 

ن والشحناء والبـغـض

معالي لم ينلـهـا الـنـا

 

س في بسطٍ ولاقـبـض

 

شعر أمامة في رثاء قومها قال أبو عمرو: قالت أمامة بنت ذي الإصبع وكانت شاعرة ترثي قومها:

كم من فتى كانت له مـيعة

 

أبلج مثل القمر الـزاهـر

قد مرت الخيل بحـافـاتـه

 

كمر غيثٍ لجبٍ مـاطـر

قد لقيت فهم وعـدوانـهـا

 

قتلاً وهلكاً آخر الـغـابـر

كانوا ملوكاً سادة” في الذرى

 

دهراً لها الفخر على الفاخر

حتى تساقوا كأسهم بينـهـم

 

بغياً فيا للشارب الخـاسـر

بادوا فمن يحلل بأوطانـهـم

 

يحلل برسم مـقـفـر دائر

شعره في الكبر

قال أبو عمرو: ولأمامة ابنته هذه يقول ذو الإصبع ورأته قد نهض فسقط وتوكأ على العصا فبكت فقال:

جزعت أمامة أن مشيت على العصا

 

وتذكرت إذ نـحـن م الـفـتـيان

فلـقـبـل مـارام الإلـه بـكـيده

 

إرماً وهذا الـحـي مـن عـدوان

بعد الحكومة والفضيلة والـنـهـي

 

طاف الزمـان عـلـيهـم بـأوان

وتفرقوا وتقطـعـت أشـلاؤهـم

 

وتبددوا فـرقـاً بـكـل مـكـان

جدب البلاد فأعقمت أرحـامـهـم

 

والدهر غيرهم مـع الـحـدثـان

حتى أبادهـم عـلـى أخـراهـم

 

صرعى بكل نـقـيرة ومـكـان

لاتعجبن أمـام مـن حـدث عـرا

 

فالدهر غـيرنـا مـع الأزمـان