ذكر خبر عمر بن أبي ربيعة

ذكر خبر عمر بن أبي ربيعة ونسبه

نسب عمر بن أبي ربيعة

 

هو عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة، واسم أبي ربيعة: حذيفة بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر. وقد تقدم باقي النسب في نسب أبي قطيفة. ويكنى عمر بن أبي ربيعة “أبا الخطاب”. وكان أبو ربيعة جده يسمى “ذا الرمحين” سمي بذلك لطوله، كان يقال: كأنه يمشي على رمحين.

أخبرني بذلك الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عمي ومحمد بن الضحاك عن أبيه الضحاك عن عثمان بن عبد الرحمن اليربوعي. وقيل: إنه قاتل يوم عكاظ برمحين فسمي “ذا الرمحين” لذلك.

وأخبرني بذلك أيضاً علي بن صالح بن الهيثم قال حدثني أبو هفان عن إسحاق بن إبراهيم الموصلي عن مصعب الزبيري والمدائني والمسيبي ومحمد بن سلام، قالوا: وفيه يقول عبد الله بن الزبعرى:

ألا لـلـه قــومٌ و

 

لدت أخت بني سهم

هشامٌ وأبـو عـبـد

 

منافٍ مدرة الخصم

وذو الرمحين أشبـاك

 

على القوة والحـزم

فهــــذان يذودان

 

وذا من كثبٍ يرمي

أسودٌ تزدهي الأقـرا

 

ن مناعون للهضـم

وهم يوم عـكـاظٍ م

 

نعوا الناس من الهزم

وهم من ولدوا أشبوا

 

بسر الحسب الضخم

فإن أحلف وبيت الل

 

ه لا أحلف على إثم

لما من إخـوةٍ بـين

 

قصور الشأم والردم

بأزكى من بني ريط

 

ة أو أوزن في الحلم

أبو عبد مناف: الفاكه بن المغيرة. وريطة هذه التي عناها هي أم بني المغيرة، وهي بنت سعيد بن سعد بن سهم، ولدت من المغيرة هشاماً وهاشماً ربيعة والفاكه.

وأخبرني أحمد بن سليمان بن داود الطوسي والحرمي بن أبي العلاء قالا: حدثنا الزبير بن بكار قال حدثنا محمد بن يحيى عن عبد العزيز بن أبي ثابت قال أخبرني محمد بن عبد العزيز عن ابن أبي نهشلٍ عن أبيه قال: قال لي أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام – وجئته أطلب منه مغرماً – يا خال، هذه أربعة آلاف درهم وأنشد هذه الأبيات الأربعة وقل: سمعت حسان ينشدها رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقلت: أعوذ بالله أن أفتري على الله ورسوله، ولكن إن شئت أن أقول: سمعت عائشة تنشدها فعلت. فقال: لا، إلا أن تقول: سمعت حسان ينشدها رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالسٌ، فأبى علي وأبيت عليه، فأقمنا لذلك لا نتكلم عدة ليالٍ. فأرسل إلي فقال: قل أبياتاً تمدح بها هشاماً – يعني ابن المغيرة – وبني أمية. فقلت: سمهم لي، فسماهم وقال: اجعلها في عكاظ واجعلها لأبيك. فقلت:

ألا لـلـه قــومٌ و

 

لدت أخت بني سهم

قال: ثم جئت فقلت: هذه قالها أبي. فقال: لا، ولكن قل: قالها ابن الزبعري. قال: فهي إلى الآن منسوبةٌ في كتب الناس إلى ابن الزبعري.

قال الزبير: وأخبرني محمد بن الحسن المخزومي قال: أخبرني محمد بن طلحة أن عمر بن أبي ربيعة قائل هذه الأبيات:

ألا لـلـه قــوم و

 

لدت أخت بني سهم

أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري وحبيب بن نصر المهلبي قالا: حدثنا عمر بن شبة قال حدثني محمد بن يحيى قال حدثني عبد العزيز بن عمران قال حدثني محمد بن عبد العزيز عن ابن أبي نهشلٍ عن أبيه بمثل ما رواه الزبير عنه. وزاد فيه عمر بن شبة: قال محمد بن يحيى: و “أخت بني سهم التي عناها ريطة بنت سعيد بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي بن غالب، وهي أم بني المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم وهم: هشام وهاشمٌ وأبو ربيعة والفاكه، وعدةٌ غيرهم لم يعقبوا، وإياهم يعني أبو ذؤيب بقوله:

صخب الشوارب لا يزال كأنه

 

عبدٌ لآل أبي ربيعة مسـبـع

ضرب بعزهم المثل. “قال”: وكان اسم عبد الله بن أبي ربيعة في الجاهلية بحيراً، فسماه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عبد الله، وكانت قريش تلقبه “العدل”، لأن قريشاً كانت تكسو الكعبة في الجاهلية بأجمعها من أموالها سنةً، ويكسوها من ماله سنةً، فأرادوا بذلك أنه وحده عدلٌ لهم جميعاً في ذلك.

وفيه يقول ابن الزبعري:

بحير بن ذي الرمحين قرب مجلسي

 

وراح علي خيره غـير عـاتـم

وقد قيل: إن العدل هو الوليد بن المغيرة.
وكان عبد الله بن أبي ربيعة تاجراً موسراً، وكان متجره إلى اليمن، وكان من أكثرهم مالاً. وأمه أسماء بنت مخربة، وقيل: مخرمة، وكانت عطارة يأتيها العطر من اليمن. وقد تزوجها هشام بن المغيرة أيضاً، فولدت له أبا جهل والحارث ابني هشام، فهي أمهما وأم عبد الله وعياش ابني أبي ربيعة.

أخبرني الحرمي والطوسي قال: حدثنا الزبير قال حدثني عمي عن الواقدي قال: كانت أسماء بنت مخربة تبيع العطر بالمدينة. فقالت الربيع بنت معوذ بن عفراء الأنصارية – وكان أبوها قتل أبا جهل بن هشام يوم بدر واحتز رأسه عبد الله بن مسعود – وقيل: بل عبد الله بن مسعود هو الذي قتله – فذكرت أن أسماء بنت مخربة دخلت عليها وهي تبيع عطراً لها في نسوةٍ، قالت: فسألت عنا، فانتسبنا لها. فقالت: أأنت ابنة قاتل سيده؟ تعني أبا جهل. قلت: بل أنا بنت قاتل عبده. قالت: حرامٌ علي أن أبيعك من عطري شيئاً. قلت: وحرامٌ علي أن أشتري منه شيئاً، فما وجدت لعطرٍ نتناً غير عطرك، ثم قمت، ولا والله ما رأيت عطراً أطيب من عطرها، ولكني أردت أن أعيبه لأغيظها.

وكان لعبد الله بن أبي ربيعة عبيدٌ من الحبشة يتصرفون في جميع المهن، وكان عددهم كثيراً، فروي عن سفيان بن عيينة أنه قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرج إلى حنين: هل لك في حبش بني المغيرة تستعين بهم؟ فقال: “لا خير في الحبش إن جاعوا سرقوا وإن شبعوا زنوا، وإن فيهم لخلتين حسنتين إطعام الطعام والبأس يوم البأس”. واستعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أبي ربيعة على الجند ومخلفيها، فلم يزل عاملاً عليها حتى قتل عمر بن الخطاب رضي الله عنه. هذا من رواية الزبير عن عمه. قال: وحدثني ابن الماجشون عن عمه أن عثمان بن عفان – رحمه الله – استعمله أيضاً عليها.

أم عمر بن أبي ربيعة وأخوه الحارث الملقب بالقباع

وأم عمر بن أبي ربيعة أم ولدٍ يقال لها “مجد”، سبيت من حضرموت، ويقال من حمير. قال أبو محلم ومحمد بن سلام: هي من حمير، ومن هناك أتاه الغزل، يقال: غزلٌ يمانٍ، ودل حجازي.

وقال عمر بن شبة: أم عمر بن أبي ربيعة أم ولدٍ سوداء من حبشٍ يقال لهم: فرسان. وهذا غلط من أبي زيد، تلك أم أخيه الحارث بن عبد الله الذي يقال له: “القباع”، وكانت نصرانيةً. وكان الحارث بن عبد الله شريفاً كريماً ديناً وسيداً من سادات قريش.

قال الزبير بن بكار: ذكره عبد الملك بن مروان يوماً وقد ولاه عبد الله بن الزبير، فقال: أرسل عوفاً وقعد! “لا حر بوادي عوف”. فقال له يحيى بن الحكم: ومن الحارث ابن السوداء! فقال له عبد الملك: ما ولدت والله أمة خيراً مما ولدت أمه!.

وأخبرني علي بن صالح عن أبي هفان عن إسحاق بن إبراهيم عن الزبير والمدائني والمسيبي: أن أمه ماتت نصرانية وكانت تسر ذلك منه. فحضر الأشراف جنازتها، وذلك في عهد عمر بن الخطاب – رحمة الله عليه – فسمع الحارث من النساء لغطاً، فسأل عن الخبر، فعرف أنها ماتت نصرانية وأنه وجد الصليب في عنقها، وكانت تكتمه ذلك. فخرج إلى الناس فقال: انصرفوا رحمكم الله، فإن لها أهل دينٍ هم أولى بها منا ومنكم فاستحسن ذلك منه وعجب الناس من فعله.

نسبة ما في هذه الأخبار من الغناء الغناء في “ألا لله قوم”… الأبيات صوت

ألا لـلـه قــومٌ و

 

لدت أخت بني سهم

هشامٌ وأبو عـبـد

 

منافٍ مدرة الخصم

وذو الرمحين أشباك

 

على القوة والحزم

فهـــذان يذودان

 

وذا من كثب يرمي

عروضه من مكفوف الهزج. الغناء لمعبد خفيف رملٍ من رواية حماد.

رأي يزيد في غناء معبد وابن سريج

أخبرني محمد بن خلف وكيع قال قال إسماعيل بن مجمع أخبرنا المدائني عن رستم ابن صالح قال: قال يزيد بن عبد الملك يوماً لمعبد: يا أبا عباد، أني أريد أن أخبرك عن نفسي وعنك، فإن قلت فيه خلاف ما تعلم فلا تتحاش أن ترده علي، فقد أذنت لك. قال: يا أمير المؤمنين، لقد وضعك ربك بموضع لا يعصيك إلا ضال، ولا يرد عليك إلا مخطىء. قال: إن الذي أجده في غنائك لا أجده في غناء ابن سريج: أجد في غنائك متانةً، وفي غنائه انحناثاً وليناً. قال معبد: والذي أكرم أمير المؤمنين بخلافته، وارتضاه لعباده، وجعله أميناً على أمة نبيه صلى الله عليه وسلم، ما عدا صفتي وصفة ابن سريج، وكذا يقول ابن سريج وأقول، ولكن أن رأى أمير المؤمنين أن يعلمني هل وضعني ذاك عنده فعل. قال: لا والله، ولكني أؤثر الطرب على كل شيء.

قال: يا سيدي فإذا كان ابن سريج يذهب إلى الخفيف من الغناء وأذهب أنا إلى الكامل التام، فأغرب أنا ويشرق هو، فمتى نلتقي؟ قال: أفتقدر أن تحكي رقيق بن سريج؟ قال نعم، فصنع من وقته لحناً من الخفيف في:

ألا لـلـه قــوم و

 

لدت أخت بني سهم

الأربعة الأبيات. فغناه، فصاح يزيد: أحسنت والله يا مولاي! أعد فداك أبي وأمي، فأعاد، فرد عليه مثل قوله الأول، فأعاد. ثم قال: أعد فداك أبي وأمي، فأعاد، فاستخفه الطرب حتى وثب وقال لجواريه: افعلن كما أفعل، وجعل يدور في الدار ويدرن معه وهو يقول:

يا دار دورينــي

 

يا قرقر امسكيني

آليت منـذ حـين

 

حقاً لتصرمينـي

ولا تواصلـينـي

 

بالله فارحمينـي

لم تذكري يميني!

 

 

قال: فلم يزل يدور كما يدور الصبيان ويدرن معه، حتى خر مغشياً عليه ووقعن فوقه ما يعقل ولا يعقلن، فابتدره الخدم “فأقاموه ” وأقاموا من كان على ظهره من جواريه، وحملوه وقد جاءت نفسه أو كادت.

سيرة جوان بن عمر بن أبي ربيعة

رجع الخبر إلى ذكر عمر بن أبي ربيعة وكان لعمر بن أبي ربيعة بنٌ “صالحٌ ” يقال له “جوان”، وفيه يقول العرجي:

شهيدي جوانٌ على حبها

 

أليس بعدلٍ عليها جوان

فأخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني يحيى بن محمد بن عبد الله بن ثوبان قال: جاء جوان بن عمر بن أبي ربيعة إلى زياد بن عبد الله الحارثي وهو إذ ذاك أميرٌ على الحجاز، فشهد عنده بشهادةٍ، فتمثل:

شهيدي جوانٌ على حبها

 

أليس بعدلٍ عليها جوان

– وهذا الشعر للعرجي – ثم قال: قد أجزنا شهادتك، وقبله. وقال غير الزبير: إنه جاء إلى العرجي، فقال له: يا هذا! ما لي وما لك تشهرني في شعرك! متى أشهدتني على صاحبتك هذه! ومتى كنت أنا أشهد في مثل هذا! قال: وكان امرأً صالحاً.
وأخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني بكار بن عبد الله قال: استعمل بعض ولاة مكة جوان بن عمر على تبالة، فحمل على خثعم في صدقات أموالهم حملاً شديداً، فجعلت خثعم سنة جوانٍ تاريخاً، فقال ضبارة بن الطفيل:

أتلبسنا ليلى على شعـثٍ بـنـا

 

من العام أو يرمى بنا الرجوان

صوت

رأتني كأشلاء اللجام وراقـهـا

 

أخو غـزلٍ ذو لـمةٍ ودهـان

ولو شهدتني في ليالٍ مضين لي

 

لعامين مرا قبل عـام جـوان

رأتنا كريمي معشرٍ حم بينـنـا

 

هوى فحفظناه بحسـن صـيان

نذود النفوس الحائمات عن الصبا

 

وهن بأعنـاقٍ إلـيه ثـوانـي

ذكر حبش أن الغناء في هذه الأبيات للغريض ثاني ثقيلٍ بالبنصر، وذكر الهشامي أنه لقراريط.
أمة الواحد بنت عمر بن أبي ربيعة قالوا: وكان لعمر أيضاً بنت يقال لها: “أمه الواحد” وكانت مسترضعةٌ في هذيل، وفيها يقول عمر بن أبي ربيعة – وقد خرج يطلبها فضل الطريق -:

لم تدر وليغفر لها ربهـا

 

ما جشمتنا أمة الواحـد

جشمت الهول براذيننـا

 

نسأل عن بيت أبي خالد

نسأل عن شيخ بني كاهلٍ

 

أعيا خفاء نشدة الناشـد

مولد عمر يوم قتل عمر بن الخطاب

ووفاته وقد قارب السبعين  أخبرني بذلك محمد بن خلف بن المرزبان عن أبي بكر العامري أخبرنا أحمد بن عبد العزيز الجوهري وحبيب بن نصر المهلبي قالا: حدثنا عمر بن شبة قال حدثني يعقوب بن القاسم قال حدثنا أسامة بن زيد بن الحكم بن عوانة عن عوانة بن الحكم – قال: أراه عن الحسن – قال: ولد عمر بن أبي ربيعة ليلة قتل عمر بن الخطاب – رحمة الله عليه – فأي حقٍّ رفع، وأي باطلٍ وضع!. قال عوانة: ومات وقد قارب السبعين أو جاوزها.

أخبرني الجوهري والمهلبي قالا: حدثنا عمر بن شبة قال حدثني يعقوب بن القاسم قال حدثني عبد الله بن الحارث عن ابن جريج عن عطاء قال: كان عمر بن أبي ربيعة أكبر مني كأنه ولد في أول الإسلام.

عمر في مجلس ابن عباس بالمسجد الحرام

أخبرني الجوهري والمهلبي قالا حدثنا عمر بن شبة قال حدثني هارون بن عبد الله الزهري قال: حدثنا ابن أبي ثابت، وحدثني به علي بن صالح بن الهيثم عن أبي هفان عن إسحاق عن المسيبي والزبيري والمدائني ومحمد بن سلام، قالوا: قال أيوب بن سيار، وأخبرني به الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني محمد بن الحسن المخزومي عن عبد العزيز بن عمران عن أيوب بن سيار عن عمر الركاء قال: بينا ابن عباس في المسجد الحرام وعنده نافع بن الأزرق وناسٌ من الخوارج يسألونه، إذ أقبل عمر بن أبي ربيعة في ثوبين مصبوغين موردين أو ممصرين حتى دخل وجلس، فأقبل عليه ابن عباس فقال أنشدنا فأنشده:

أمن آل نعمٍ أنت غادٍ فمبكر

 

غداة غدٍ أم رائحٌ فمهجر

حتى أتى على آخرها. فأقبل عليه نافع بن الأزرق فقال: الله يابن عباس! إنا نضرب إليك أكباد الإبل من أقاصي البلاد نسألك عن الحلال والحرام فتتثاقل عنا، ويأتيك غلام مترفٌ من مترفي قريش فينشدك:

رأت رجلاً أما إذا الشمس عارضت

 

فيخزى وأما بالعشى فـيخـسـر

فقال: ليس هكذا قال. قال: فكيف قال؟ فقال: قال:

رأت رجلاً أما إذا الشمس عارضت

 

فيضحى وأما بالعشى فيخـصـر

فقال: ماأراك إلا وقد حفظت البيت! قال: أجل! وإن شئت أن أنشدك القصيدة أنشدتك إياها. قال فإني أشاء، فأنشده القصيدة حتى أتى على آخرها. وفي غير رواية عمر بن شبة: أن ابن عباس أنشدها من أولها إلى آخرها، ثم أنشدها من آخرها إلى أولها مقلوبة، وما سمعها قط إلا تلك المرة صفحاً. قال: وهذا غاية الذكاء. فقال له بعضهم: ما رأيت أذكى منك قط. فقال: لكني ما رأيت قط أذكى من علي بن أبي طالب رضي الله عنه. وكان ابن عباس يقول: ما سمعت شيئاً قط إلا رويته، وإني لأسمع صوت النائحة فأسد أذني كراهة أن أحفظ ما تقول. قال: ولامه بعض أصحابه في حفظ هذه القصيدة: “أمن آل نعم…” فقال: إنا نستجيدها.
وقال الزبير في خبره عن عمه: فكان ابن عباس بعد ذلك كثيراً ما يقول: هل أحدث هذا المغيري شيئاً بعدنا؟ قال: وحدثني عبد الله بن نافع بن ثابت قال: كان عبد الله بن الزبير إذا سمع قول عمر بن أبي ربيعة:

فيضحى وأما بالعشي فيحضر

قال: لا، بل:

فيخزى وأما بالعشي فيخسر

قال عمر بن شبة وأبو هفان والزبير في حديثهم: ثم أقبل على ابن أبي ربيعة فقال: أنشد، فأنشده:

تشط غداً دار جيراننا

وسكت، فقال ابن عباس:

وللدار بعد غدٍ أبعد

فقال له عمر: كذلك قلت – أصلحك الله – أفسمعته؟ قال: لا، ولكن كذلك ينبغي.

شعره وخلقه وشهادة الشعراء فيه

أخبرنا الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني يعقوب بن إسحاق قال: كانت العرب تقر لقريشٍ بالتقدم في كل شيء عليها إلا في الشعر، فإنها كانت لا تقر لها به، حتى كان عمر بن أبي ربيعة، فأقرت لها الشعراء بالشعر أيضاً ولم تنازعها شيئاً.
قال الزبير: وسمعت عمي مصعباً يحدث عن جدي أنه قال مثل هذا القول. قال: وحدثني عدةٌ من أهل العلم أن النصيب قال: لعمر بن أبي ربيعة أوصفنا لربات الحجال.
قال المدائني قال سليمان بن عبد الملك لعمر بن أبي ربيعة: ما يمنعك من مدحنا؟ قال: إني لا أمدح الرجال، إنما أمدح النساء. قال: وكان ابن جريجٍ يقول: ما دخل على العواتق في حجالهن شيءٌ اضر عليهن من شعر عمر بن أبي ربيعة. قال الزبير وحدثني عمي عن جدي – وذكره أيضاً إسحاق فيما رويناه عن أبي هفان عنه عن المدائني – قال قال هشام بن عروة: لا ترووا فتياتكم شعر عمر بن أبي ربيعة لا يتورطن في الزنا تورطاً، وأنشد:

لقد أرسلت جـاريتـي

 

وقلت لها خذي حذرك

وقولي في مـلاطـفةٍ

 

لزينب: نولي عمرك

أخبرنا علي بن صالح قال حدثني أبو هفان عن إسحاق عن الزبيري قال حدثني أبي عن سمرة الدوماني من حمير قال: إني لأطوف بالبيت فإذا أنا بشيخٍ في الطواف، فقيل لي: هذا عمر بن أبي ربيعة. فقبضت على يده وقلت له: يابن أبي ربيعة. فقال: ما تشاء؟ قلت: أكل ما قتله في شعرك فعلته؟ قال: إليك عني. قلت: أسألك بالله! قال: نعم وأستغفر الله.

قال إسحاق وحدثني الهيثم بن عدي عن حمادٍ الراوية: أنه سئل عن شعر عمر بن أبي ربيعة فقال: ذاك الفستق المقشر.
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير عن عمه قال: سمع الفرزدق شيئاً من نسيب عمر فقال: هذا الذي كانت الشعراء تطلبه فأخطأته وبكت الديار، ووقع هذا عليه. قال: وكان بالكوفة رجلٌ من الفقهاء تجتمع إليه الناس فيتذاكرون العلم، فذكر يوماً شعر عمر بن أبي ربيعة فهجنه. فقالوا له: بمن ترضى؟ ومر بهم حمادٌ الراوية فقال: قد رضيت بهذا. فقالوا له: ما تقول فيمن يزعم أن عمر بن أبي ربيعة لم يحسن شيئاً؟ فقال: أين هذا؟ اذهبوا بنا إليه. قالوا: نصنع به ماذا؟ قال: ننزو على أمه لعلها تأتي بمن هو أمثل من عمر.
قال إسحاق: وقال أبو المقوم الأنصاري: ما عصي الله بشيء كما عصي بشعر عمر بن أبي ربيعة.

قال إسحاق: وحدثني قيس بن داود قال حدثني أبي قال: سمعت عمر بن أبي ربيعة يقول: لقد كنت وأنا شابٌ أعشق ولا أعشق، فاليوم صرت إلى مداراة الحسان إلى الممات. ولقد لقيتني فتاتان مرةً فقالت لي إحداهما: أدن مني يابن أبي ربيعة أسر إليك شيئاً. فدنوت منها ودنت الأخرى فجعلت تعضني، فما شعرت بعض هذه من لذة سرار هذه.

قال إسحاق: وذكر عبد الصمد بن المفضل الرقاشي عن محمد بن فلان الزهري – سقط اسمه – عن إسحاق عن عبد الله بن مسلمة بن أسلم قال: لقيت جريراً فقلت له: يا أبا حزرة، إن شعرك رفع إلى المدينة وأنا أحب أن تسمعني منه شيئاً. فقال: إنكم يا أهل المدينة يعجبكم النسيب، وإن أنسب الناس المخزومي. يعني ابن أبي ربيعة.

قال إسحاق: وذكر محمد بن إسماعيل الجعفري عن أبيه عن خاله عبد العزيز بن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة، قال: أشرف عمر بن أبي ربيعة على أبي قبيسٍ، وبنو أخيه معه وهم محرمون، فقال لبعضهم: خذ بيدي فأخذ بيده، وقال: ورب هذه البنية ما قلت لامرأةٍ قط شيئاً لم تقله لي، وما كشفت ثوباً عن حرام قط. قال: ولما مرض عمر مرضه الذي مات فيه جزع أخوه الحارث جزعاً شديداً. فقال له عمر: أحسبك إنما تجزع لما تظنه بي، والله ما أعلم أني ركبت فاحشةً قط! فقال: ما كنت أشفق عليك إلا من ذلك، وقد سليت عني.

قال إسحاق: حدثني مصعبٌ الزبيري قال قال مصعب بن عروة بن الزبير: خرجت أنا وأخي عثمان إلى مكة معتمرين أو حاجين، فلما طفنا بالبيت مضينا إلى الحجر نصلي فيه، فإذا شيخٌ قد فرج بيني وبين أخي فأوسعنا له. فلما قضى صلاته أقبل علينا فقال: من أنتما؟ فأخبرناه. فرحب بنا وقال: يا ابني أخي، إني موكل بالجمال أتبعه، وإني رأيتكما فراقني حسنكما وجمالكما، فاستمتعا بشبابكما قبل أن تندما عليه، ثم قام، فسألنا عنه فإذا هو عمر بن أبي ربيعة.

أخبرنا الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني محمد بن الضحاك قال: عاش عمر بن أبي ربيعة ثمانين سنة، فتك منها أربعين سنةً، ونسك أربعين سنة.

قال الزبير وحدثني إبراهيم عن حمزة ومحمد بن ثابت عن المغيرة بن عبد الرحمن عن أبيه قال: حججت مع أبي وأنا غلامٌ وعلي جمة. فلما قدمت مكة جئت عمر بن أبي ربيعة، فسلمت عليه وجلست معه، فجعل يمد الخصلة من شعري ثم يرسلها فترجع على ما كانت عليه، ويقول: واشباباه!. حتى فعل ذلك مراراً. ثم قال لي: يابن أخي، قد سمعتني أقول في شعري: قالت لي وقلت لها، وكل مملوكٍ لي حرٌ إن كنت كشفت عن فرجٍ حرامٍ قط! فقمت وأنا متشككٌ في يمينه، فسألت عن رقيقه فقيل لي: أما في الحوك فله سبعون عبداً سوى غيرهم. أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثتني ظبية مولاة فاطمة بنت عمر بن مصعب قالت: مررت بجدك عبد الله بن مصعب وأنا داخلةٌ منزله وهو بفنائه ومعي دفتر، فقال: ما هذا معك؟ ودعاني. فجئته وقلت: شعر عمر بن أبي ربيعة. فقال: ويحك! تدخلين على النساء بشعر عمر بن أبي ربيعة! إن لشعره لموقعاً من القلوب ومدخلاً لطيفاً، لو كان شعرٌ يسحر لكان هو، فارجعي به. قالت: ففعلت.

“قال إسحاق”: وأخبرني الهيثم بن عدي قال: قدمت امرأةٌ مكة وكانت من أجمل النساء. فبينا عمر بن أبي ربيعة يطوف إذ نظر إليها فوقعت في قلبه، فدنا منها فكلمها، فلم تلتفت إليه. فلما كان في الليلة الثانية جعل يطلبها حتى أصابها. فقالت له: إليك عني يا هذا، فإنك في حرم الله وفي أيامٍ عظيمة الحرمة. فألح عليها يكلمها، حتى خافت أن يشهرها. فلما كان في الليلة الأخرى قالت لأخيها: أخرج معي يا أخي فأرني المناسك، فإني لست أعرفها، فأقبلت وهو معها. فلما رآها عمر أراد أن يعرض لها، فنظر إلى أخيها معها فعدل عنها، فتمثلت المرأة بقول النابغة:

تعدو الذئاب على من لا كلاب له

 

وتتقي صولةً المستأسد الحامـي

قال إسحاق: فحدثني السندي مولى أمير المؤمنين أن المنصور قال -وقد حدث بهذا الخبر-: وددت أنه لم تبق فتاة من قريش في خدرها إلا سمعت بهذا الحديث.

قال إسحاق: قال لي الأصمعي: عمر حجةٌ في العربية، ولم يؤخذ عليه إلا قوله:

ثم قالوا تحبها قلـت بـهـراً

 

عدد الرمل والحصى والتراب

وله في ذلك مخرجٌ، إذ قد أتى به على سبيل الإخبار. قال: ومن الناس من يزعم أنه إنما قال:

قيل لي هل تحبها قلت بهرا

نسبة ما مضى في هذه الأخبار من الأشعار التي قالها عمر بن أبي ربيعة وغنى فيها المغنون إذ كانت لم تنسب هناك لطول شرحها

شعر عمر الذي غنى فيه المغنون

منها ما يغنى فيه من قوله:

صوت

أمن آل نعمٍ أنت غادٍ فـمـبـكـر

 

غداة غـدٍ أم رائح فـمـهـجـر

لحاجة نفسٍ لم تقل في جـوابـهـا

 

فتبلغ عذراً والـمـقـالة تـعـذر

أشارت بمدراها وقالت لأخـتـهـا

 

أهذا المغيري الذي كـان يذكـر؟

فقالت: نعم لا شـك غـير لـونـه

 

سر الليل يطوي نصه والتهـجـر

رأت رجلاً أما إذا الشمس عارضت

 

فيضحى وأما بالعشي فيخـصـر

أخا سفرٍ جواب أرضٍ تـقـاذفـت

 

به فلواتٌ فهو أشـعـث أغـبـر

وليلة ذي دوران جشمتني السـرى

 

وقد يجشم الهول المحب المغـرر

فقلت: أباديهم فـإمـا أفـوتـهـم

 

وإما ينال السـيف ثـأراً فـيثـأر

هذه الأبيات جمعت على غير توالٍ؛ لأنه إنما ذكر منها ما فيه صنعةٌ. غنى في الأول والثاني من الأبيات ابن سريج خفيف رملٍ بالبنصر عن أحمد بن المكي وذكر حبشٌ أن فيهما لمعبدٍ لحناً من الثقيل الأول بالبنصر.

وغنى ابن سريج في الثالث والرابع أيضاً خفيف ثقيلٍ بالوسطى، وذكر حبشٌ أن فيهما لحناً من الهزج بالوسطى لحكم. وغنى ابن سريج في الخامس والسادس لحناً من الرمل بالوسطى عن عمرو بن بانه. وذكر يونس أن في السابع والثامن لابن سريج لحناً ولم يذكر طريقته، وذكر حبشٌ أن فيهما لمالك لحناً من الثقيل الثاني بالبنصر.

أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال أخبرني محمد بن إسحاق قال أخبرني محمد بن حبيب عن هشام بن الكلبي: أن عمر بن أبي ربيعة أتى عبد الله بن عباس وهو في المسجد الحرام فقال: متعني الله بك! إن نفسي قد تاقت إلى قول الشعر ونازعتني إليه، وقد قلت منه شيئاً أحببت أن تسمعه وتستره علي. فقال: أنشدني، فأنشده:

أمن آل نعمٍ أنت غادٍ فمبكر

فقال له: أنت شاعرٌ يا ابن أخي، فقل ما شئت. قال: وأنشد عمر هذه القصيدة طلحة بن عبد الله بن عوف الزهري وهو راكبٌ، فوقف ومازال شانقاً ناقته حتى كتبت له.

أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثني الحسين بن إسماعيل قال حدثنا ابن عائشة عن أبيه قال: كان جرير إذا أنشد شعر عمر بن أبي ربيعة قال: هذا شعرٌ تهامي إذا أنجد وجد البرد، حتى أنشد قوله:

رأت رجلاً أما إذا الشمس عارضت

 

فيضحى وأما بالعشي فينحـصـر

قليلاً على ظهر المطية ظـلـه

 

سوى ما نفى عنه الرداء المحبر

وأعجبها من عيشها ظل غـرفةٍ

 

وريان ملتف الحدائق أخضـر

ووالٍ كفاها كل شيء يهمـهـا

 

فليست لشيءٍ آخر الليل تسهـر

فقال جرير: ما زال هذا القرشي يهذي حتى قال الشعر.

أخبرني محمد بن خلف قال أخبرني أبو عبد الله اليمامي قال حدثني الأصمعي قال: قال لي الرشيد: أنشدني أحسن ما قيل في رجل قد لوحه السفر، فأنشدته قول عمر بن أبي ربيعة:

رأت رجلاً إذا ما الشمس عارضت

 

فيضحى وأما بالعشي فينحـصـر

أخا سفرٍ جواب أرضٍ تقـاذفـت

 

به فلوات فهو أشـعـث أغـبـر

… الأبيات كلها. قال: فقال لي الرشيد: أنا والله ذلك الرجل. قال: وهذا بعقب قدومه من بلاد الروم.

أخبرني الفضل بن الحباب الجمحي أبو خليفة في كتابه إلي: قال حدثنا محمد بن سلام قال أخبرني شعيب بن صخر قال: كان بين عائشة بنت طلحة وبين زوجها عمر بن عبيد الله بن معمرٍ كلامٌ، فسهرت ليلةً فقالت: إن ابن أبي ربيعة لجاهلٌ بليلتي هذه حيث يقول:

ووالٍ كفاها كل شيءٍ يهمهـا

 

فليست لشيءٍ آخر الليل تسهر

أخبرني علي بن صالح قال حدثنا أبو هفان قال حدثني إسحاق عن المدائني قال: عرض يزيد بن معاوية جيش أهل الحرة، فمر به رجلٌ من أهل الشأم معه ترسٌ خلقٌ سمجٌ، فنظر إليه يزيد وضحك وقال له: ويحك! ترس عمر بن أبي ربيعة كان أحسن من ترسك. يريد قول عمر:

فكان مجني دون من كنت أتقي

 

ثلاث شخوصٍ كاعبان ومعصر

أخبرنا جعفر بن قدامة قال حدثني محمد بن عبد الله بن مالك الخزاعي قال: سمع أبو الحارث جميز مغنيةً تغني:

أشارت بمدراها وقالت لأختها

 

أهذا المغيري الذي كان يذكر؟

فقال جميز: امرأته طالق إن كانت أشارت إليه بمدراها إلا لتفقأ بها عينه، هلا أشارت إليه بنقانق مطرفٍ بالخردل، أو سنبوسجةٍ مغموسةٍ في الخل، أو لوزينجةٍ شرقةٍ بالدهن! فإن ذلك أنفع له، وأطيب لنفسه، وأدل على مودة صاحبته.
أخبرني الحرمي قال: حدثنا الزبير قال حدثني عبد العزيز بن أبي أويس عن عطاف بن خالد الوابصي عن عبد الرحمن بن حرملة قال: أنشد سعيد بن المسيب قول عمر بن أبي ربيعة:

وغاب قميرٌ كنت أرجو غيوبه

 

وروح رعيانٌ ونوم سـمـر

فقال: ما له قاتله الله! لقد صغر ما عظم الله! يقول الله عز وجل: “والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم”.

شعر عمر في فاطمة الكندية بنت محمد بن الأشعث

ومنها ما فيه غناء لم ينسب في موضعه من الأخبار فنسب ها هنا:

صوت

تشط غـداً دار جـيرانـنـا

 

وللدار بـعـد غـدٍ أبـعـد

إذا سلكت غمـر ذي كـنـدةٍ

 

مع الصبح قصدٌ لها الفرقـد

عراقيةٌ، وتهامـي الـهـوى

 

يغـور بـمـكة أو ينـجـد

وحث الحداة بهـا عـيرهـا

 

سراعاً إذا ما ونت تـطـرد

هنالك إما تـعـزي الـفـؤاد

 

وإما على إثرهـا تـكـمـد

وليسـت بـبـدعٍ إذا دارهـا

 

نأت والـعـزاء إذاً أجـلـد

صرمت وواصلت حتى علـم

 

ت أين المصادر والـمـورد

وجربت من ذاك حتى عرف

 

ت ما أتوقى ومـا أحـمـد

فلما دنونا لجـرس الـنـبـا

 

ح والضوء، والحي لم يرقدوا

“نأينا عن الحـي حـتـى إذا

 

تودع من نارها الـمـوقـد”

بعثنا لهـا بـاغـياً نـاشـداً

 

وفي الحي بغية من ينـشـد

أتتنا تهـادى عـلـى رقـبةٍ

 

من الخوف أحشاؤها ترعـد

تقول وتظهـر وجـداً بـنـا

 

ووجدي وإن أظهرت أوجـد

لمما شقائي تعـلـقـتـكـم

 

وقد كان لي عندكم مقـعـد

وكفت سوابق مـن عـبـرةٍ

 

على الخد يجري بها الإثمـد

فإن التي شيعتـنـا الـغـداة

 

مع الفجر قلبي بها مقصـد

“كـأن أقـاحـي مـولــيةً

 

تحدر من ماء مـزنٍ نـدي”

غنى معبد في الأول والثاني والثالث من الأبيات خفيف ثقيلٍ من أصواتٍ قليلات الأشباه عن إسحاق. وغنى فيها أشعب “المعروف بالطامع” ثاني ثقيلٍ بالوسطى عن الهشامي. وللغريض في الأبيات الأربعة الأول ثاني ثقيلٍ بالوسطى عن عمرو. ولابن سريج في الرابع عشر وهو:

وكفت سوابق من عبرة

ثم الأول والتاسع رملٌ بالوسطى عن ابن المكي. ولمالك (ويقال إنه لمعبد ) خفيف ثقيلٍ في الرابع عشر والثالث عشر والأول عن الهشامي. وفي السابع والثامن والأول لابن جامع ثقيل أول بالوسطى عن الهشامي. وفي الأول والحادي عشر لابن سريج رملٌ بالبنصر في مجراها عن إسحاق، وفيهما ثاني ثقيلٍ بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق ولم ينسبه إلى أحد، وذكر أحمد بن المكي أنه لأبيه. وفي الرابع والخامس رملٌ لمعبد عن ابن المكي، وقيل: إنه من منحول أبيه إلى معبد. وفي الثالث عشر والسادس ليونس خفيف رملٍ عن الهشامي. وفي الأول والثاني عشر ثاني ثقيلٍ تشترك فيه الأصابع عن ابن المكي، وقال أيضاً: فيه للأبجر لحنٌ آخر من الثقيل الثاني. ولمعبد في الرابع والسادس ثاني ثقيل آخر عنه، وفيهما أيضاً رملٌ لابن سريج عنه وعن حبشٍ. ولإسحاق في الأول والثاني رملٌ من كتابه. ولعلية بنت المهدي في الثالث عشر والأول ثقيل أول. ولابن مسجحٍ في الثاني عشر والأول رملٌ، ويقال إنه للرطاب، وذكر حبش أنه لابن سريج. وفي الخمسة الأبيات الأولى متواليةً خفيف رملٍ بالوسطى ينسب إلى معبد وإلى يحيى المكي، وزعم حبشٌ أن فيها رملاً بالوسطى لابن محرز. والذي ذكره يونس في كتابه أن في

تشط غداً دار جيراننا

خمسة ألحانٍ: اثنان لمعبد، واثنان لمالك، وواحد ليونس. وذكر أحمد بن عبيد أن الذي عرف صحته من الغناء فيه سبعة ألحانٍ: ثقيلٌ أول، وثاني ثقيلٍ، وخفيف ثقيل، ورملٌ، وخفيفه.
أخبرني بعض أصحابنا عن أبي عبد الله بن المرزبان أن الذي أحصي فيه إلى وقته ستة عشر لحناً. والذي وجدته فيه مما جمعته ها هنا – سوى ما لم يذكر يونس طريقته – تسعة عشر لحناً: منها في الثقيل الأول لحنان، وفي خفيف الثقيل لحنان، وفي الثقيل الثاني ستة، وفي الرمل سبعة، وفي خفيف الرمل لحنان.

وهذا الشعر يقوله عمر بن أبي ربيعة في امرأةٍ من ولد الأشعث بن قيس حجت فهويها وراسلها، فواصلته ودخل إليها وتحدث معها وخطبها، فقالت: أما ها هنا فلا سبيل إلى ذلك، ولكن إن قدمت إلى بلدي خاطباً تزوجتك، فلم يفعل.
أخبرني بهذا الخبر الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير قال حدثنا محمد بن الحسن المخزومي عن محرز بن جعفر مولى أبي هريرة عن أبيه قال: سمعت بديحاً يقول: حجت بنت محمد بن الأشعث الكندية، فراسلها عمر بن أبي ربيعة وواعدها أن يتلقاها مساء الغد، وجعل الآية بينه وبينها أن تسمع ناشداً ينشد – إن لم يمكنه أن يرسل رسولاً – يعلمها بمصيره إلى المكان الذي وعدها. قال بديح: فلم أشعر به إلا متلثماً، فقال لي: يا بديح، ائت بنت محمد بن الأشعث فأخبرها أني قد جئت لموعدها، فأبيت أن أذهب وقلت: مثلي لا يعين على مثل هذا.
فغيب بغلته عني ثم جاءني فقال لي: قد أضللت بغلتي فانشدها لي في زقاق الحاج. فذهبت فنشدتها، فخرجت علي بنت محمد بن الأشعث وقد فهمت الآية، فأتته لموعده، وذلك قوله:

وآية ذلك أن تسمعي

 

إذا جئتكم ناشداً ينشد

قال بديح: فلما رأيتها مقبلةً عرفت أنه قد خدعني بنشدي البغلة، فقلت له: يا عمر، لقد صدقت التي قالت لك:

فهذا سحرك النسـوا

 

ن، قد خبرنني خبرك

قد سحرتني وأنا رجل! فكيف برقة قلوب النساء وضعف رأيهن! وما آمنك بعدها، ولو دخلت الطواف ظننت أنك دخلته لبليةٍ. قال: وحدثها بحديثي، فما زالا ليلتهما يفصلان حديثهما بالضحك مني.

قال الزبير: فحدثني أبو الهندام مولى الربعيين عن أبي الحارث بن عبد الله الربعي قال: لقي ابن أبي عتيق بديحاً فقال له: يا بديح، أخدعك ابن أبي ربيعة أنه قرشي؟ فقال بديح: نعم! وقد أخطأه ذلك عند القسري وصواحبه. فقال ابن أبي عتيق: ويحك يا بديح! أن من تغابى لك ليغبى عنك، فقد ضمت عليه قبضتك إن كان لك ذهنٌ، أما رأيت لمن كانت العاقبة؟ والله ما بالى ابن أبي ربيعة أوقع عليهن أم وقعن عليه!. أخبرني عمي قال حدثنا محمد بن سعد الكراني قال حدثنا العمري عن كعب بن بكر المحاربي: أن فاطمة بنت محمد بن الأشعث حجت، فراسلها عمر بن أبي ربيعة فواعدته أن تزوره، فأعطى الرسول الذي بشره بزيارتها مائة دينار.

أخبرني علي بن صالح عن أبي هفان عن إسحاق عن رجاله المذكورين، قالوا: حجت بنتٌ لمحمد بن الأشعث “- هكذا قال إسحاق وهو عندي الصحيح -” وكانت معها أمها وقد سمعت بعمر بن أبي ربيعة فأرسلت إليه، فجاءها فاستنشدته، فأنشدها:

تشط غداً دار جيراننا

 

وللدار بعد غدٍ أبعد

وذكر القصة بطولها. قال: وقد كانت لما جاءها أرسلت بينها وبينه ستراً رقيقاً تراه من ورائه ولا يراها، فجعل يحدثها حتى استنشدته، فأنشدها هذه القصيدة، فاستخفها الشعر فرفعت السجف، فرأى وجهاً حسناً في جسمٍ ناحل، فخطبها وأرسل إلى أمها بخمسمائة دينار، فأبت وحجبته وقالت للرسول: تعود إلينا. فكأن الفتاة غمها ذلك، فقالت لها أمها: قد قتلك الوجد به فتزوجيه. قالت: لا والله لا يتحدث أهل العراق عني أني جئت ابن أي ربيعة أخطبه، ولكن إن أتاني إلى العراق تزوجته. قال: ويقال إنها راسلته وواعدته أن تزوره، فأجمر بيته وأعطى المبشر مائة دينار، فأتته وواعدته إذا صدر الناس أن يشيعها، وجعلت علامة ما بينهما أن يأتيها رسوله ينشدها ناقةً له. فلما صدر الناس فعل ذلك عمر. وفيه يقول وقد شيعها:

صوت

قال الخليط غداً تصدعـنـا

 

أو بعده، أفلا تـشـيعـنـا

أما الرحيل فدون بعـد غـدٍ

 

فمتى تقول الدار تجمعنـا

لتشوقنا هندٌ وقد عـلـمـت

 

علماً بأن البين يفـزعـنـا

عجباً لموقفنا وموقـفـهـا

 

وبسمع تربيها تراجعـنـا!

ومقالها سر ليلةً مـعـنـا

 

نعهد فإن البين فاجعـنـا!

قلت العيون كثيرةٌ معـكـم

 

وأظن أن السير مانعـنـا

لا بل نزوركم بأرضـكـم

 

فيطاع قائلكم وشافـعـنـا

قالت أشيءٌ أنت فـاعـلـه

 

هذا لعمرك أم تخادعـنـا؟

بالله حدث مـا تـؤمـلـه

 

واصدق فإن الصدق واسعنا

اضرب لنا أجلاً نعـد لـه

 

إخلاف موعده تقاطعـنـا

الغناء لابن سريج ثقيلٌ أول مطلق في مجرى البنصر عن إسحاق، وذكر عمرو أنه للغريض بالوسطى. وفيه لابن سريج خفيف رملٍ عن الهشامي، وذكر حبشٌ أنه لموسى شهوات.

شعره في زينب بنت موسى الجمحية

ومنها مما لم ينسب أيضاً

صوت

لقد أرسلت جـاريتـي

 

وقلت لها: خذي حذرك

وقولي في مـلاطـفةٍ

 

لزينب: نولي عمـرك

فهزت رأسها عجـبـاً

 

وقالت: من بذا أمـرك

أهذا سحرك النـسـوا

 

ن، قد خبرنني خبـرك

غنى فيها ابن سريج خفيف رملٍ بالبنصر عن عمرو، وقال قومٌ: إنه للغريض. وفيها لمالكٍ خفيف ثقيلٍ عن ابن المكي. وفي هذا الشعر ألحانٌ كثيرةٌ، والشعر فيها على غير هذه القافية، لأن هذه الأبيات لعمر من قصيدةٍ رائيةٍ موصولة الراءات بألفٍ، إلا أن المغنين غيروا هذه الأبيات في هذين اللحنين، فجعلوا مكان الألف كافاً، وإنما هي:

لقد أرسلت جاريتـي

 

وقلت لها: خذي حذرا

وأول القصيدة:

صوت

تصابى القلب وادكـرا

 

صباه ولم يكن ظهـرا

لزينب إذ تـجـدلـنـا

 

صفاءً لم يكـن كـدرا

أليست بالتـي قـالـت

 

لمولاةٍ لهـا ظـهـرا

أشيري بالـسـلام لـه

 

إذا هو نحونا خـطـرا

“لقد أرسلت جـاريتـي

 

وقلت لها: خذي حذرا ”

وقولي في مـلاطـفةٍ

 

لزينب: نولي عـمـرا

فهزت رأسها عجـبـا

 

وقالت: من بذا أمـرا!

أهذا سحرك النـسـوا

 

ن، قد خبرنني الخبـرا

غنى ابن سريج في الثالث والرابع والخامس والأول خفيف ثقيلٍ أول بإطلاق الوتر في مجرى البنصر من رواية إسحاق. وذكر عمرو بن بانة في نسخته الأولى أنه لابن سريج، وأبو إسحاق ينسبه في نسخته الثانية إلى دحمان. وللغريض في الأول من الأبيات لحن من القدر الأوسط من الثقيل الأول بالوسطى في مجراها، وأضاف إليه بيتين ليسا من هذه القصيدة وهما:

طربت ورد من تهوى

 

جمال الحي فابتكروا

فقل للـمـالـكـية لا

 

تلومي القلب إن جهرا

وذكر يونس أن لمعبدٍ في هذا الشعر الذي أوله:

تصابى القلب وادكرا

لحنين لم يذكر جنسيهما، وذكر الهشامي: أن أحدهما خفيف ثقيلٍ والآخر رملٌ. وفي الأبيات التي غنى فيها الغريض رملٌ لدحمان عن الهشامي، قال: ويقال إنه لابنة الزبير. وزينب التي ذكرها عمر بن أبي ربيعة ها هنا، يقال لها: زينب بنت موسى أخت قدامة بن موسى الجمحي.
أخبرني بذلك محمد بن خلف بن المرزبان عن أبي بكر العامري. وأخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد العزيز الزهري قال حدثني عمي عمران بن عبد العزيز قال: شبب عمر بن أبي ربيعة بزينب بنت موسى الجمحية في قصيدته التي يقول فيها:

صوت

يا خليلي من ملامٍ دعـانـي

 

وألما الغـداة بـالأظـعـان

لا تلوما في آل زينـب إن ال

 

قلب رهنٌ بآل زينب عانـي

ما أرى ما بقيت أن أذكر المو

 

قف منها بالخيف إلا شجاني

– غنى في هذه الأبيات الغريض خفيف رملٍ بالبنصر عن عمرو –

لم تدع للنساء عـنـدي حـظـاً

 

غير ما قلت مازحاً بلـسـانـي

هي أهل الصفاء والود مـنـي

 

وإليها الهوى فلا تـعـدلانـي

حين قالت لأختـهـا ولأخـرى

 

من قطينٍ مولـدٍ: حـدثـانـي

كيف لي اليوم أن أرى عمر المر

 

سل سراً في القول أن يلقانـي؟

قالتا: نبـتـغـي رسـولاً إلـيه

 

ونميت الحديث بالـكـتـمـان

إن قلبي بعد الذي نلت مـنـهـا

 

كالمعمى عن سائر النـسـوان

قال: وكان سبب ذكره لها أن ابن أبي عتيق ذكرها عنده يوماً فأطراها، ووصف من عقلها وأدبها وجمالها ما شغل قلب عمر وأماله إليها، فقال فيها الشعر وشبب بها، فبلغ ذلك ابن أبي عتيقٍ، فلامه فيه وقال له: أتنطق الشعر في ابنة عمي؟ فقال عمر:

صوت

لا تلمني عتيق حسبي الذي بي

 

إن بي يا عتيق ما قد كفانـي

لا تلمني وأنت زينتهـا لـي

 

أنت مثل الشيطان للإنسـان

إن بي داخلاً من الحب قد أب

 

لى عظامي مكنونه وبرانـي

لو بعينيك يا عتيق نـظـرنـا

 

ليلة السفح قرت العـينـان

إذ بدا الكشح والوشاح من الد

 

ر فضلٌ فيه من المرجـان

قد قلى قلبي النساء سـواهـا

 

غير ما قلت مازحاً بلسانـي

وأول هذه القصيدة:

إنني اليوم عاد لـي أحـزانـي

 

وتذكرت ما مضى من زماني

وتـذكـرت ظـبــيةً أم رئمٍ

 

هاج لي الشوق ذكرها فشجاني

غنى أبو العبيس بن حمدون في “لا تلمني عتيق…” لحناً من الثقيل الأول المطلق. وفيه رملٌ طنبوريٌ مجهولٌ.
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال أخبرني عبد الملك بن عبد العزيز عن يوسف بن الماجشون قال: أنشد عمر بن أبي ربيعة قوله:

يا خليلي من ملامٍ دعانـي

 

وألما الغداة بـالأظـعـان

لا تلوما في آل زينب إن ال

 

قلب رهنٌ بآل زينب عاني

القصيدة. قال: فبلغ ذلك أبا وداعة السهمي فأنكره وغضب. وبلغ ذلك ابن أبي عتيقٍ وقيل له: إن أبا وداعة قد اعترض لابن أبي ربيعة من دون زينب بنت موسى، وقال: لا أقر لابن أبي ربيعة أن يذكر امرأةً من بني هصيصٍ في شعره. فقال ابن أبي عتيق: لا تلوموا أبا وداعة أن ينعظ من سمرقند على أهل عدن! قال الزبير: وحدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد العزيز الزهري قال حدثني عمي عمران بن عبد العزيز قال: شبب عمر بن أبي ربيعة بزينب بنت موسى في أبياته التي يقول فيها:

لا تلوما في آل زينب إن ال

 

قلب رهنٌ بآل زينب عاني

فقال له ابن أبي عتيق: أما قلبك فقد غيب عنا، وأما لسانك فشاهدٌ عليك.
قال عبد الرحمن بن عبد الله قال عمران بن عبد العزيز: عذل ابن أبي عتيقٍ عمر في ذكره زينب في شعره، فقال عمر:

لا تلمني عتيق حسبي الذي بي

 

إن بي يا عتيق ما قد كفانـي

لا تلمني وأنت زينتها لي

 

 

قال: فبدره ابن أبي عتيق، فقال:

أنت مثل الشيطان للإنسان

فقال ابن أبي ربيعة: هكذا ورب البيت قلته. فقال ابن أبي عتيق: إن شيطانك ورب القبر ربما ألم بي، فيجد عندي من عصيانه خلاف ما يجد عندك من طاعته، فيصيب مني وأصيب منه.
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني عبد الملك بن عبد العزيز قال حدثني قدامة بن موسى قال: خرجت بأختي زينب إلى العمرة، فلما كنت بسرفٍ لقيني عمر بن أبي ربيعة على فرس فسلم علي. فقلت له: إلى أين أراك متوجهاً يا أبا الخطاب؟ فقال: ذكرت لي امرأةٌ من قومي برزة الجمال، فأردت الحديث معها. فقلت: هل علمت أنها أختي؟ فقال: لا! واستحيا وثنى عنق فرسه راجعاً إلى مكة.
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثنا أحمد بن الهيثم قال حدثنا العمري عن لقيط بن بكر المحاربي قال: أنشدني ابن أبي عتيق قول عمر:

صوت

من لسقيمٍ يكتم الـنـاس مـا بـه

 

لزينب نجوى صدره والوسـاوس

أقول لمن يبغي الشفاء متى تجيء

 

بزينب تدرك بعض ما أنت لامس

فإنك إن لم تشف من سقمي بـهـا

 

فإني من طـب الأطـبـاء آيس

ولست بناسٍ ليلة الدار مجـلـسـاً

 

لزينب حتى يعلو الرأس رامـس

خلاءً بدت قمراؤه وتكـشـفـت

 

دجنته وغاب مـن هـو حـارس

وما نلت منها محرماً غير أنـنـا

 

كلانا من الثوب المـورد لابـس

نجيين نقضي اللهو في غير مأثـمٍ

 

وإن رغمت م الكاشحين المعاطس

قال: فقال ابن أبي عتيق: أمنا يسخر ابن أبي ربيعة! فأي محرم بقي! ثم أتى عمر فقال له: يا عمر، ألم تخبرني أنك ما أتيت حراماً قط؟ قال بلى! قال: فأخبرني عن قولك:

كلانا من الثوب المورد لابس

ما معناه؟ قال: والله لأخبرنك! خرجت أريد المسجد وخرجت زينب تريده، فالتقينا فاتعدنا لبعض الشعاب، فلما توسطنا الشعب أخذتنا السماء، فكرهت أن يرى بثيابها بلل المطر، فيقال لها: ألا استترت بسقائف المسجد أن كنت فيه، فأمرت غلماني فسترونا بكساء خزٍّ كان علي؛ فذلك حين أقول:

كلانا من الثوب المطارف لابس

فقال له ابن أبي عتيق: يا عاهر! هذا البيت يحتاج إلى حاضنة! الغناء في هذه الأبيات التي أولها:

من لسقيم يكتم الناس ما به

لرذاذٍ ثقيلٌ أول، وكان بعض المحدثين ممن شاهدناه يدعي أنه له، ولم يصدق.
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني عبد الملك بن عبد العزيز عن يوسف بن الماجشون قال: قال عمر بن أبي ربيعة في زينب بنت موسى:

صوت

طال من آل زينب الإعـراض

 

للتعدي وما بهـا الإبـغـاض

ووليدين كان علقـهـا الـقـل

 

ب إلى أن علا الرءوس بياض

حبلها عندنا متـين وحـبـلـي

 

عندها واهن القوى أنـقـاض

الغناء في هذا الأبيات لابن محرز خفيف رملٍ بالبنصر عن عمرو. وقال الهشامي: فيه لابن جامع خفيف رملٍ آخر.
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير قال قال عبد الرحمن بن عبد الله وحدثني إبراهيم بن محمد بن عبد العزيز عن أبيه قال: لما قال عمر بن أبي ربيعة في زينب:

لم تدع للنساء عندي نصيبـاً

 

غير ما قلت مازحاً بلساني

قال له ابن أبي عتيق: رضيت لها بالمودة، وللنساء بالدهفشة. قال: والدهفشة: التجميش والخديعة بالشيء اليسير. “وقال غير الزبير في هذا الخبر: الدهقشة، مكان الدهفشة”.
ومما قاله عمر في زينب وغني فيه قوله:

صوت

أيها الكاشـح الـمـعـير بـالـصـر

 

م تزحزح فمـا لـهـا الـهـجـران

لا مطـاعٌ فـي آل زينـب فـارجـع

 

أو تكـلـم حـتـى يمـل الـلـسـان

نجعل الليل موعـداً حـين نـمـسـي

 

ثم يخفـي حـديثـنـا الـكـتـمـان

كيف صبري عن بعض نفسي وهل يص

 

بر عن بعـض نـفـسـه الإنـسـان!

ولقد أشـهـد الـمـحـدث عـنـد ال

 

قصـر فـيه تـعـفــفٌ وبـــيان

في زمـانٍ مـن الـمـعـيشة لــدنٍ

 

قد مضـى عـصـره وهـذا زمـان

الغناء في هذه الأبيات لابن سريج رملٌ بالوسطى عن عمرو ودنانير. وذكر يونس أن فيه لحناً لابن محرز ولحناً لابن عباد الكاتب، أول لحن ابن عباد الكاتب:

لا مطاعٌ في آل زينب….

وأول لحن ابن محرز:

ولقد أشهد المحدث….

ومما غني فيه لابن محرز من أشعار عمر بن أبي ربيعة في زينب بنت موسى قوله:

صوت

يا من لقلـبٍ مـتـيمٍ كـلـفٍ

 

يهذي بخودٍ مريضة النـظـر

تمشي الهوينى إذا مشت فضـلاً

 

وهي كمثل العسلوج في الشجر

– للغريض في هذين البيتين خفيف رمل بالوسطى، ولابن سريج رملٌ بالبنصر عن الهشامي وحبش –

ما زال طرفي يحار إذ بـرزت

 

حتى رأيت النقصان في بصري

أبصرتها لـيلةً ونـسـوتـهـا

 

يمشين بين المقام والـحـجـر

ما إن طمعنا بها ولا طمـعـت

 

حتى التقينا ليلاً عـلـى قـدر

بيضاً حساناً خـرائداً قـطـفـاً

 

يمشين هوناً كمشية الـبـقـر

قد فزن بالحسن والجمال مـعـاً

 

وفزن رسلاً بالدل والـخـفـر

ينصتن يوماً لها إذا نـطـقـت

 

كيما يشرفنها على الـبـشـر

قالت لثربٍ لهـا تـحـدثـهـا

 

لنفسدن الطواف فـي عـمـر

قومي تصدي له لـيعـرفـنـا

 

ثم اغمزيه يا أخت في خـفـر

قالت لها قد غمـزتـه فـأبـى

 

ثم اسبطرت تسعى على أثـري

من يسق بعد المنام ريقـتـهـا

 

يسق بمسكٍ وبـاردٍ خـصـر

غنى في هذا الشعر الغريض خفيف رمل بالوسطى عن عمرو. وغنَّ فيه ابن سريج رملاً بالبنصر عن الهشامي وحبش. ومنها:

صوت

ألا يا بكر قد طرقـا

 

خيالٌ هاج لي الأرقا

لزينب إنها هـمـي

 

فكيف بحبلها خلقـا

خدلجةٌ إذا انصرفت

 

رأيت وشاحها قلقـا

وساقاً تملأ الخلـخـا

 

ل فيه تراه مختنقـا

إذا ما زينبٌ ذكـرت

 

سكبت الدمع متسقا

كأن سحابةً تهـمـي

 

بماءٍ حملت غـدقـا

الغناء لحنين رملٌ عن الهشامي. وفيه لابن عباد خفيف ثقيل، ويقال: إنه ليونس. ومما قاله “فيها ” أيضاً وغني فيه:

صوت

ألمم بزينب إن الـبـين قـد أفـدا

 

قل الثواء لئن كان الرحيل غـدا

قد حلفت ليلة الصورين جـاهـدة

 

وما على المرء إلا الحلف مجتهدا

لأختها ولأخرى من مناصـفـهـا

 

لقد وجدت به فوق الـذي وجـدا

لو جمع الناس ثم اختير صفوهـم

 

شخصاً من الناس لم أعدل به أحدا

الغناء لابن سريج رملٌ بالسبابة والبنصر في الأول والثاني عن يحيى المكي، وله فيه أيضاً خفيف رملٍ بالوسطى في الثاني والثالث والرابع عن عمرو. ولمعبد ثقيلٌ أول في الأول والثاني عن الهشامي. وفيه خفيف ثقيلٍ ينسب إلى الغريض ومالك.

أخبرني علي بن صالح قال حدثنا أبو هفان عن إسحاق عن مصعبٍ الزبيري قال: اجتمع نسوةٌ فذكرن عمر بن أبي ربيعة وشعره وظرفه ومجلسه وحديثه، فتشوقن إليه وتمنينه. فقالت سكينة: أنا لكن به، فبعثت إليه رسولاً أن يوافي الصورين ليلةً سمتها، فوافاهن على رواحله، فحدثهن حى طلع الفجر وحان انصرافهن. فقال لهن: والله إني لمحتاجٌ إلى زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم والصلاة في مسجده، ولكني لا أخلط بزيارتكن شيئاً. ثم انصرف إلى مكة وقال في ذلك:

ألمم بزينب إن البين قد أفدا

وذكر الأبيات المتقدمة.

عود إالى شهادة جرير والغريب وغيرهما في شعرعمر

أخبرني عمي قال حدثنا الكراني قال حدثنا العمري عن لقيط قال: أنشد جريرٌ قول عمر بن أبي ربيعة:

الصوت

سائلا الربع بالبلـي وقـولا

 

هجت شوقاً لي الغداة طويلا

أين حيٌ حلوك إذ أنت محفو

 

فٌ بهم آهلٌ أراك جمـيلا؟

قال ساروا فأمعنوا واستقلـوا

 

وبزعمي لو استطعت سبيلا

سئمونا وما سئمنا مـقـامـاً

 

وأحبوا دمـاثة وسـهـولا

فقال جرير: إن هذا الذي كنا ندور عليه فأخطأناه وأصابه هذا القرشي. وفي هذه الأبيات رملان: أحدهما لابن سريج بالسبابة في مجرى الوسطى، والآخر لإسحاق مطلقٌ في مجرى البنصر جميعاً من روايته. وذكر عمرو: أن فيها رملاً ثالثاً بالوسطى، لابن جامع. وقال الهشامي: فيها ثلاثة أرمال لابن سريج، وابن جامع، وإبراهيم. ولأبي العبيس بن حمدون فيها ثاني ثقيلٍ. وفيها هزجٌ لإبراهيم الموصلي من جامع أغانيه.

أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال: وجدت كتاباً بخط محمد بن الحسن ذكر فيه أن فليح بن إسماعيل حدثه عن معاذٍ صاحب الهروي أن النصيب قال: عمر بن أبي ربيعة أوصفنا لربات الحجال.

أخبرني الطوسي: قال حدثنا الزبير قال حدثتني ظمياء مولاة فاطمة بنت عمر بن مصعب قالت: سمعت جدك يقول – وقد أنشد قول عمر بن أبي ربيعة:

صوت

يا ليتني قد أجزت الحبل نحـوكـم

 

حبل المعرف أو جاوزت ذا عشر

إن الثواء بـأرضٍ لا أراك بـهـا

 

فاستيقنيه ثـواءٌ حـق ذي كـدر

وما مللت ولكـن زاد حـبـكـم

 

وما ذكرتك إلا ظلت كالـسـدر

ولا جذلت بشيءٍ كان بـعـدكـم

 

ولا منحت سواك الحب من بشر

الغناء في هذه الأربعة الأبيات لسلام بن الغساني رملٌ بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق. وفيه لابن جامع وقفا النجار لحنان من كتاب إبراهيم ولم يجنسهما. وتمام الأبيات:

أذري الدموع كذى سقم يخامره

 

وما يخامرني سقمٌ سوى الذكر

كم قد ذكرتك لو أجدى تذكركم

 

يا أشبه الناس كل الناس بالقمر

– قالت: فقال جدك: إن لشعر عمر بن أبي ربيعة لموقعاً في القلب، ومخالطةً للنفس ليسا لغيره، ولو كان شعرٌ يسحر لكان شعره سحراً.
أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني عمامة بن عمر قال: رأيت عامر بن صالح بن عبد الله بن عروة بن الزبير يسأل المسور بن عبد الملك عن شعر عمر بن أبي ربيعة، فجعل يذكر له شيئاً لا يعرفه، فيسأله أن يكتبه إياه ففعل، فرأيته يكتب ويده ترعد من الفرح.

المفاضلة بين شعره و شعر الحارث بن خالد

أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني عبد الملك بن عبد العزيز بن الماجشون عن عمه يوسف قال: ذكر شعر الحارث بن خالد وشعر عمر بن أبي ربيعة عند ابن أبي عتيق في مجلس رجل من ولد خالد بن العاصي بن هشام، فقال: صاحبنا – يعني الحارث بن خالد – أشعرهما. فقال له ابن أبي عتيق: بعض قولك يا ابن أخي، لشعر عمر بن أبي ربيعة نوطةٌ في القلب، وعلوقٌ بالنفس، ودركٌ للحاجة ليست لشعرٍ، وما عصي الله جل وعز بشعر أكثر مما عصي بشعر ابن أبي ربيعة، فخذ عني ما أصف لك: أشعر قريش من دق معناه، ولطف مدخله، وسهل مخرجه، ومتن حشوه، وتعطفت حواشيه، وأنارت معانيه، وأعرب عن حاجته. فقال المفضل للحارث: أليس صاحبنا الذي يقول:

إني وما نحروا غداة منى

 

عند الجمار يؤدها العقل

لو بدلت أعلى مساكنـهـا

 

سفلاً واصبح سفلها يعلو

فيكاد يعرفها الخبير بهـا

 

فيرده الإقواء والمـحـل

لعرفت مغناها بما احتملت

 

مني الضلوع لأهلها قبل

فقال له ابن أبي عتيق: يابن أخي، استر على نفسك، واكتم على صاحبك، ولا تشاهد المحافل بمثل هذا، أما تطير الحارث عليها حين قلب ربعها فجعل عاليه سافله! ما بقي إلا أن يسأل الله تبارك وتعالى لها حجارةً من سجيلٍ. ابن أبي ربيعة كان أحسن صحبةً للربع من صاحبك، وأجمل مخاطبةً حيث يقول:

سائلاً الربع بالبلـي وقـولاً

 

هجت شوقاً لي الغداة طويلا

وذكر الأبيات الماضية. قال: فانصرف الرجل خجلاً مذعنا.

شيء من أخبار الحارث الملقب بالقباع

أخبرني علي بن صالح قال حدثني أبو هفان عن إسحاق عن رجاله المسمين، وأخبرني به الحرمي عن الزبير عن عمه عن جده، قالوا: كان الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة أخو عمر بن أبي ربيعة رجلاً صالحاً ديناً من سروات قريش، وإنما لقب القباع لأن عبد الله بن الزبير كان ولاه البصرة، فرأى مكيالاً لهم فقال: إن مكيالكم هذا لقباعٌ – قال: وهو الشيء الذي له قعر – فلقب بالقباع. وأخبرني محمد بن خلف بن المرزبان وأحمد بن عبد العزيز الجوهري وحبيب بن نصر المهلبي قالوا حدثنا عمر بن شبة قال حدثني عبد الله بن محمد الطائي قال حدثنا خالد بن سعيد قال: استعمل ابن الزبير الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة على البصرة، فأتوه بمكيال لهم، فقال لهم: إن مكيالكم هذا لقباعٌ، فغلب عليه. وقال أبو الأسود الدؤلي – وقد عتب عليه – يهجوه ويخاطب ابن الزبير:

أمير المؤمنين جزيت خيراً

 

أرحنا من قباع بني المغيرة

بلوناه ولـمـنـاه فـأعـيا

 

علينا ما يمر لنـا مـريرة

على أن الفتى نكحٌ أكـولٌ

 

وولاجٌ مذاهبـه كـثـيرة

شعر عمر في تشوقه إلى مكة بعد أن خرج منها إلى اليمن

قالوا: وكان الحارث ينهى أخاه عن قول الشعر فيأبى أن يقبل منه، فأعطاه ألف دينار على ألا يقول شعراً، فأخذ المال وخرج إلى أخواله بلحجٍ وأبين مخافة أن يهجيه مقامه بمكة على قول الشعر، فطرب يوماً فقال:

صوت

هيهات من أمة الوهاب منزلـنـا

 

إذا حللنا بسيف البحر مـن عـدن

واحتل أهلك أجياداً ولـيس لـنـا

 

إلا التذكر أو حظ مـن الـحـزن

لو أنها أبصرت بالجزع عبـرتـه

 

من أن يغرد قمريٌ على فـنـن

إذاً رأت غير ما ظنت بصاحبـهـا

 

وأيقنت أن لحجاً ليس من وطنـي

ما أنس لا أنس يوم الخيف موقفها

 

وموقفي وكلانا ثـم ذو شـجـن

وقولها للـثـريا وهـي بـاكـيةٌ

 

والدمع منها على الخدين ذو سنن

بالله قولي له في غير مـعـتـبةٍ

 

ماذا أردت بطول المكث في اليمن

إن كنت حاولت دنيا أو ظفرت بها

 

فما أخذت بترك الحج من ثـمـن

قال: فسارت القصيدة حتى سمعها أخوه الحارث، فقال: هذا والله شعر عمر، قد فتك وغدر. قال: وقال ابن جريج: ما ظننت أن الله عز وجل ينفع أحداً بشعر عمر بن أبي ربيعة حتى سمعت وأنا باليمن منشداً ينشد قوله:

بالله قولي له في غير مـعـتـبة

 

ماذا أردت بطول المكث في اليمن

إن كنت حاولت دنيا أو ظفرت بها

 

فما أخذت بترك الحج من ثـمـن

فحركني ذلك على الرجوع إلى مكة، فخرجت مع الحاج وحججت.
غنى في أبيات عمر هذه ابن سريج، ولحنه رملٌ بالبنصر في مجراها عن إسحاق. وفيها للغريض ثقيلٌ أول بالوسطى عن عمرو.

طلب الوليد من يخبره عن الطائف فدل على عمر

أخبرني علي بن صالح قال حدثنا أبو هفان قال حدثني إسحاق عن السعدي قال: قدم الوليد بن عبد الملك مكة، فأراد أن يأتي الطائف فقال: هل “لي” في رجلٍ علمٌ بأموال الطائف فيخبرني عنها؟ فقالوا: عمر بن أبي ربيعة. قال: لا حاجة لي به. ثم عاد فسأل فذكروه له فرده. ثم عاد فسأل فذكروه “له ثم رده. ثم عاد فسأل فذكروه له “، فقال: هاتوه. فركب معه يحدثه، ثم حرك عمر رداءه ليصلحه على كتفه، فرأى على منكبه أثراً. فقال: ما هذا الأثر؟ فقال: كنت عند جارية إذ جاءتني جاريةٌ برسالة من عند جارية أخرى، فجعلت تسارني، فغارت التي كنت أحدثها فعضت منكبي، فما وجدت ألم عضها من لذة ما كانت تلك تنفث في أذني، حتى بلغت ما ترى، والوليد يضحك. فلما رجع عمر قيل له: ما الذي كنت تضحك أمير المؤمنين به؟ فقال: مازلنا في حديث الزنا حتى رجعنا.

المفاضلة بينه وبين ابن قيس الرقيات

أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني محمد بن عبد الله البكري وغيره عن عبد الجبار بن سعيد المساحقي عن أبيه قال: دخلت مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم مع نوفل بن مساحق، فإنه لمعتمد على يدي، إذ مررنا بسعيد بن المسيب في مجلسه وحوله جلساؤه، فسلمنا عليه فرد علينا، ثم قال لنوفل: يا أبا سعيد، من أشعر: صاحبنا أم صاحبكم؟ يريد: عبد الله بن قيس، أو عمر بن أبي ربيعة. فقال نوفلٌ: حين يقولان ماذا يا أبا محمد؟ قال: حين يقول صاحبنا:

خليلي ما بال المطايا كـأنـمـا

 

نراها على الأدبار بالقوم تنكص

وقد قطعت أعناقهـن صـبـابةً

 

فأنفسنا مما يلاقـين شـخـص

وقد أتعب الحادي سراهن وانتحى

 

بهن فما يألو عجولٌ مقـلـص

يزدن بنا قرباً فيزداد شـوقـنـا

 

إذا زاد طول العهد والبعد ينقض

ويقول صاحبك ما شئت. فقال له نوفلٌ: صاحبكم أشعر في الغزل، وصاحبنا أكثر أفانين شعرٍ. فقال سعيد: صدقت. فلما انقضى ما بينهما من ذكر الشعر، جعل سعيدٌ يستغفر الله ويعقد بيده حتى وفى مائةً. فقال البكري في حديثه عن عبد الجبار: قال مسلم: فلما انصرفنا قلت لنوفل: أتراه استغفر الله من إنشاد الشعر في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: كلا! هو كثير الإنشاد والاستنشاد فيه، ولكن أحسب ذلك للفخر بصاحبه.

المفاضلة بينه وبين جميل ابن معمر العذري

أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر بن شبة قال قال أبو عبيدة حدثنا عوانة بن الحكم وأبو يعقوب الثقعفي: أن الوليد بن يزيد بن عبد الملك قال لأصحابه ذات ليلة: أي بيتٍ قالته العرب أغزل؟ فقال بعضهم: قول جميل:

يموت الهوى مني إذا ما لقيتها

 

ويحيا إذا فارقتهـا فـيعـود

وقال آخر: قول عمر بن أبي ربيعة:

كأنني حين أمسي لا تكلمنـي

 

ذو بغيةٍ يبتغي ما ليس موجودا

فقال الوليد: حسبك والله بهذا! أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن عبد الحميد عن شيخ من أهله عن أبي الحارث مولى هشام بن الوليد بن المغيرة – قال: وهو الذي يقول فيه عمر بن أبي ربيعة:

يا أبا الحارث قلبي طائرٌفأتمر أمر رشيدٍِ مؤتمن

قال: شهدت عمر بن أبي ربيعة، وجميل بن عبد الله بن معمر العذري، وقد اجتمعا بالأبطح، فأنشد جميلٌ قصيدته التي يقول فيها:

لقد فرح الواشون أن صرمت حبلي

 

بثينة أو أبدت لنا جانب الـبـخـل

يقولون مهلاً يا جـمـيل وإنـنـي

 

لأقسم مالي عن بثينة من مـهـل

حتى أتى على آخرها، ثم قال لعمر: يا أبا الخطاب، هل قلت في هذا الروي شيئاً؟ قال نعم.
قال: فأنشدنيه، فأنشده قوله:

جرى ناصحٌ بالود بينـي وبـينـهـا

 

فقربني يوم الحصاب إلى قـتـلـي

فطارت بحد من فـؤادي وقـارنـت

 

قرينتها حبل الصفاء إلى حـبـلـي

فلما تواقفنا عـرفـت الـذي بـهـا

 

كمثل الذي بي حذوك النعل بالنعـل

فقلن لها هذا عـشـاءٌ وأهـلـهـا

 

قريب ألما تسأمي مركب البـغـل

فقالت فما شئتن قلن لهـا انـزلـي

 

فللأرض خير من وقوفٍ على رحل

نجوم دراري تـكـنـفـن صـورةً

 

من البدر وافت غير هوجٍ ولا عجل

فسلمت واستأنسـت خـيفة أن يرى

 

عدوٌ مقامي أو يرى كاشحٌ فعـلـي

فقالت وأرخت جانب الستـر إنـمـا

 

معي فتكلم غير ذي رقبةٍ أهـلـي

فقلت لها ما بي لهم مـن تـرقـبٍ

 

ولكن سري ليس يحملـه مـثـلـي

فلما اقتصرنا دونـهـن حـديثـنـا

 

وهن طبيبات بحاجة ذي الـشـكـل

عرفن الذي تهوى فقلن ائذني لـنـا

 

نطف ساعةً في برد ليلٍ وفي سهل

فقالت: فلا تلبثن قـلـن تـحـدثـي

 

أتيناك، وانسبن انسياب مها الرمـل

وقمن وقد أفهمن ذا الـلـب أنـمـا

 

أتين الذي يأتين من ذاك من أجلـي

فقال جميلٌ: هيهات يا أبا الخطاب! لا أقول والله مثل هذا سجيس الليالي، والله ما يخاطب النساء مخاطبتك أحدٌ. وقام مشمراً.
قال أبو عبد الله الزبير قال عمي مصعب: كان عمر يعارض جميلاً، فإذا قال هذا قصيدة قال هذا مثلها.
فيقال: إنه في الرائية والعينية أشعر من جميل، وإن جميلاً اشعر منه في اللامية، وكلاهما قد قال بيتاً نادراً ظريفاً، قال جميل:

خليلي فيما عشتما هل رأيتما

 

قتيلاً بكى من حب قاتله قبلي

وقال عمر:

فقالت وأرخت جانب الستر إنما

 

معي فتكلم غير ذي رقبةٍ أهلي

كلمة الفرزدق وقد سمع شعر عمر

أخبرني علي بن صالح قال حدثنا أبو هفان عن إسحاق عن المدائني قال: سمع الفرزدق عمر بن أبي ربيعة ينشد قوله:

جرى ناصحٌ بالود بيني وبينهـا

 

فقربني يوم الحصاب إلى قتلي

ولما بلغ قوله:

فقمن وقد أفهمن ذا اللب أنـمـا

 

أتين الذي يأتين من ذاك من أجلي

صاح الفرزدق: هذا والله الذي أرادته الشعراء فأخطأته، وبكت على الديار.
نسبة ما في هذه الأشعار من الغناء الغناء في قصيدتي جميل وعمر اللاميتين منها في قصيدة جميلٍ التي أنشدها عمر، واستنشده ما له في وزنها:

صوت

خليلي فيما عشتما هـل رأيتـمـا

 

قتيلاً بكى من حب قاتله قـبـلـي

أبيت مع الهلاك ضيفاً لأهـلـهـا

 

وأهلي قريبٌ موسعون ذوو فضل

أفق أيها القلب اللجوج عن الجهـل

 

ودع عنك “جملاً” لا سبيل إلى جمل

فلو تركت عقلي معي ما طلبتـهـا

 

ولكن طلابيها لما فات من عقلـي

الغناء للغريض ثاني ثقيلٍ بالوسطى عن عمرو في الأول والثاني من الأبيات.
وذكر الهشامي الأبيات كلها ووصف أن الثقيل الثاني الذي يغنى به فيها لمعبد. وذكر يحيى المكي: أن لابن محرز في الثالث وما بعده من الأبيات ثاني ثقيل بالخنصر والبنصر. وفي هذه الأبيات التي أولها الثالث هزج بالبنصر يمانٍ عن عمرو. وفي الرابع والخامس لابن طنبورة خفيف رملٍ عن الهشامي. وفيها لإسحاق ثقيلٌ أول عن الهشامي أيضاً. وذكر حماد عن أبيه: أن لنافعٍ الخير مولى عبد الله بن جعفر في هذه الأبيات لحناً، ولم يجنسه. وذكر حبشٌ أن الثقيل الأول لابن طنبورة. ومنها في شعر جميل أيضاً:

صوت

لقد فرح الواشون إن صرمت حبلي

 

بثينة أو أبدت لنا جانب الـبـخـل

فلو تركت عقلي معي ما طلبتهـا

 

ولكن طلابيها لما فات من عقلـي

الغناء لابن مسحج ثقيلٌ أول بالوسطى عن الهشامي.
ومنها في شعر عمر بن أبي ربيعة المذكور في أول الخبر:

صوت

فقالت وأرخت جانب الستر إنمـا

 

معي فتحدث غير ذي رقبةٍ أهلي

فقلت لها ما بي لهم من تـرقـبٍ

 

ولكن سري ليس يحمله مثـلـي

جرى ناصحٌ بالود بيني وبينـهـا

 

فقربني يوم الحصاب إلى قتلـي

غنى في هذه الأبيات ابن سريج، ولحنه رملٌ مطلقٌ في مجرى البنصر عن إسحاق وعمرو. وذكر يونس: أن فيه لحناً لمالكٍ لم يجنسه، وذكر الهشامي: أن لحن مالك خفيف ثقيلٍ. وذكر حبشٌ: أن لمعبد فيه لحناً من الثقيل الأول بالبنصر، ولابن سريج ثاني ثقيل بالوسطى. “وليس حبشٌ ممن يعتمد في هذا على روا يته “.

إستحسان الناس شعر عمر وتفضيله على شعراء عصره

أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال: أدركت مشيخةً من قريش لا ينزون بعمر بن أبي ربيعة شاعراً من أهل دهره في النسيب، ويستحسنون منه ما كانوا يستقبحونه من غيره من مدح نفسه، والتحلي بمودته، والابتيار في شعره والابتيار: أن يفعل الإنسان الشيء فيذكره ويفخر به. والابتهار: أن يقول ما لم يفعل.

نقد ابن أبي عتيق أبيات عمر الرائية

أخبرني محمد بن خلف قال: أخبرني عبد الله بن عمر وغيره عن إبراهيم بن المنذر الحزامي عن عبد العزيز بن عمران قال: قال ابن أبي عتيق لعمر وقد أنشده قوله:

صوت

بينما ينعتنني أبـصـرنـنـي

 

دون قيد الميل يعدو بي الأغر

قالت الكبرى أتعرفن الفتـى

 

قالت الوسطى نعم هذا عمر

قالت الصغرى وقد تيمتـهـا

 

قد عرفناه وهل يخفى القمر

– الغناء في هذه الأبيات لابن سريج خفيف رملٍ بالبنصر – فقال له ابن أبي عتيق: – وقد أنشدها – أنت لم تنسب بها، وإنما نسبت بنفسك، كان ينبغي أن تقول: قلت لها فقالت لي، فوضعت خدي فوطئت عليه.

عود إلى سيرته وخلقه

أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير بن بكار قال: لم يذهب على أحدٍ من الرواة أن عمر كان عفيفاً يصف ولا يقف، ويحوم ولا يرد.
أخبرني محمد بن خلف قال حدثنا أحمد بن منصور عن ابن الأعرابي، وحدثني علي بن صالح قال حدثنا أبو هفان عن إسحاق الموصلي عن رجاله، قالوا: كان ابن أبي ربيعة قد حج في سنة من السنين. فلما انصرف من الحج ألفى الوليد بن عبد الملك وقد فرش له في ظهر الكعبة وجلس، فجاءه عمر فسلم عليه وجلس إليه. فقال له: أنشدني شيئاً من شعرك. فقال: يا أمير المؤمنين، أنا شيخ كبير وقد تركت الشعر، ولي غلامان هما عندي بمنزلة الولد، وهما يرويان كل ما قلت وهما لك. قال: ائتني بهما ففعل، فأنشداه قوله:

أمن آل نعمٍ أنت غادٍ فمبكر

فطرب الوليد واهتز لذلك، فلم يزالا ينشدانه حتى قام، فأجزل صلته ورد الغلامين إليه.

مميزات شعره

حدثني علي بن صالح بن الهيثم الأنباري الكاتب الملقب “كيلجة” قال حدثني أبو هفان قال حدثنا إسحاق بن إبراهيم الموصلي عن مصعب بن عبد الله الزبيري، وأخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار عن عمه مصعب أنه قال: راق عمر بن أبي ربيعة الناس وفاق نظراءه وبرعهم بسهولة الشعر وشدة الأسر، وحسن الوصف، ودقة المعنى وصواب المصدر، والقصد للحاجة، واستنطاق الربع، وإنطاق القلب، وحسن العزاء، ومخاطبة النساء، وعفة المقال، وقلة الانتقال، وإثبات الحجة، وترجيح الشك في موضع اليقين، وطلاوة الاعتذار، وفتح الغزل، ونهج العلل، وعطف المساءة على العذال، وأحسن التفجع، وبخل المنازل، واختصر الخبر، وصدق الصفاء، إن قدح أورى، وإن اعتذر أبرا، وإن تشكى أشجى، وأقدم عن خبرة ولم يعتذر بغرة، وأسر النوم، وغم الطير، وأغد السير، وحير ماء الشباب، وسهل وقول، وقاس الهوى فأربى، وعصى وأخلى، وحالف بسمعه وطرفه، وأبرم نعت الرسل وحذر، وأعلن الحب وأسر، وبطن به وأظهر، وألح وأسف، وأنكح النوم، وجنى الحديث، وضرب ظهره لبطنه، وأذل صعبه، وقنع بالرجاء من الوفاء، وأعلى قاتله، واستبكى عاذله، ونفض النوم، وأغلق رهن مني وأهدر قتلاه، وكان بعد هذا كله فصيحاً.
فمن سهولة شعره وشدة أسره قوله

صوت

فلما تواقفنا وسلمت أشرقـت

 

وجوهٌ زهاها الحسن أن تتقنعا

تبالهن بالعرفان لما رأينـنـي

 

وقلن امرؤٌ باغٍ أكل وأوضعا

الغناء لابن عباد رملٌ عن الهشامي، وفيه لابن جامع لحنٌ غير مجنس عن إبراهيم.
ومن حسن وصفه قوله

لها من الريم عيناه وسـنـتـه

 

ونخوة السابق المختال إذ صهلا

ومن دقة معناه وصواب مصدره قوله

صوت

عوجا نحي الطلل المحولا

 

والربع من أسماء والمنزلا

بسابغ البوبـاة لـم يعـده

 

تقادم العهد بـأن يؤهـلا

الغناء لابن سريج ثاني ثقيلٍ بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق. قال إسحاق بن إبراهيم: يعني أنه لم يؤهل فيعدوه تقادم العهد. وقال الزبير: قال بعض المدنيين: يحييه بأن يؤهل، أي يدعو له بذلك.
ومن قصده للحاجة قوله

صوت

أيها المنكح الثريا سهيلاً

 

عمرك الله كيف يلتقيان

هي شاميةٌ إذا ما استقلت

 

وسهيلٌ إذا استقل يماني

ويروى: “هي غورية”. الغناء للغريض خفيف ثقيلٍ بالبنصر عن عمرو وابن المكي.
ومن استنطاقه الربع قوله

صوت

سائلا الربع بالبلـي وقـولا

 

هجت شوقاً لي الغداة طويلا

أين حي حلوك إذ أنت محفو

 

فٌ بهم آهلٌ أراك جـمـيلا

قال ساروا فأمعنوا واستقلـوا

 

وبرغمي لو قد وجدت سبيلا

وبكرهي لو استطعت سبيلا

 

 

سئمونا وما سئمنا جواراً

 

وأحبوا دمـاثةً وسـهـولا

فيه رملان: أحدهما لابن سريج بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق، والآخر لإسحاق مطلقٌ في مجرى البنصر، وفيه لأبي العبيس بن حمدون ثقيلٍ. وقد شرحت نسبته مع خبره في موضع آخر. قال إسحاق: أنشد جرير هذه الأبيات فقال: إن هذا الذي كنا ندور عليه فأخطأناه.
ومن أنطاقه القلب قوله

قال لي فيها عتيقٌ مقـالاً

 

فجرت مما يقول الدموع

قال لي ودع سليمى ودعها

 

فأجاب القلب: لا أستطيع

الغناء للهذلي ثاني ثقيلٍ بالوسطى عن الهشامي. قال: وفيه ليحيى المكي ثقيلٌ أول نسب إلى معبد وهو من منحوله.
ومن حسن عزائه قوله

صوت

أألحق إن دار الرباب تبـاعـدت

 

أو أنبت حبلٌ أن قلـبـك طـائر

أفق قد أفاق العاشقون وفارقوا ال

 

هوى واستمرت بالرجال المرائر

زع النفس واستبق الحياء فإنـمـا

 

تباعد أو تدني الرباب المـقـادر

أمت حبها واجعل قديم وصالهـا

 

وعشرتها كمثل من لا تعـاشـر

وهبها كشيءٍ لم يكن أو كنـازحٍ

 

به الدار أو من غيبته المقـابـر

وكالناس علقت الرباب فلا تكـن

 

أحاديث من يبدو ومن هو حاضر

الغناء في بعض هذه الأبيات وأوله “زع النفس” لابن سريج ثقيلٌ أول بالبنصر عن عمرو. وفيه لعمر الوادي رملٌ بالبنصر عن ابن المكي. وفيه ل “قدارٍ” لحنٌ من كتاب إبراهيم غير مجنس. وهذه الأبيات يرويها بعض أهل الحجاز لكثير، ويرويها الكوفيون للكميت بن معروف الأسدي، وذكر بعضها الزبير بن بكار عن أبي عبيدة لكثيرٍ في أخباره.
ومن حسن غزله في مخاطبة النساء – قال مصعبٌ الزبيري: وقد أجمع أهل بلدنا ممن له علمٌ بالشعر أن هذه الأبيات أغزل ما سمعوا – قوله:

صوت

تقول غداة التقـينـا الـربـاب

 

ايا ذا أفلت أفـول الـسـمـاك

وكفت سـوابـق مـن عـبـرةٍ

 

كما ارفض نظمٌ ضعيف السلاك

فقلت لها من يطع في الصـدي

 

ق أعداءه يجـتـنـبـه كـذاك

أغرك أني عـصـيت الـمـلا

 

م فـيك وأن هـوانـا هـواك

وألا أرى لـذةً فـي الـحــياة

 

تقر بها الـعـين حـتـى أراك

فكان من الذنب لـي عـنـدكـم

 

مكارمتي واتبـاعـي رضـاك

فليت الـذي لام فـي حـبـكـم

 

وفي أن تزاري بقـرنٍ وقـاك

هموم الـحـياة وأسـقـامـهـا

 

وإن كان حتفٌ جـهـيزٌ فـداك

الغناء لابن سريج ثاني ثقيل بالوسطى. وذكر إبراهيم أن فيه لحناً لحكم. وقيل: إن فيه لحناً آخر لابن جامع.
ومن عفة مقاله قوله

صوت

طال ليلي واعتادني اليوم سقم

 

وأصابت مقاتل القلب نعـم

حرة الوجه والشمائل والجو

 

هر تكليمها لمن نال غـنـم

وحديث بمثله تنزل العـص

 

م رخيم يشوب ذلك حـلـم

هكذا وصف ما بدا لي منها

 

ليس لي بالذي تغيب عـلـم

إن تجودي أو تبخلي فبحمـدٍ

 

لست يا نعم فيهما مـن يذم

الغناء لابن سريج رملٌ عن الهشامي.
ومن قلة انتقاله قوله

صوت

أيها القائل غير الـصـواب

 

أمسك النصح وأقلل عتابـي

واجتنبني واعلمن أن ستعصى

 

ولخيرٌ لك طول اجتنـابـي

إن تقل نصحاً فعن ظهر غشٍ

 

دائم الغمر بعـيد الـذهـاب

ليس بي عيٌّ بما قلـت إنـي

 

عالمٌ أفقه رجع الـجـواب

إنما قرة عـينـي هـواهـا

 

فدع اللوم وكلني لمـا بـي

لا تلمني في الرباب وأمست

 

عدلت للنفس برد الشـراب

هي والله الـذي هـو ربـي

 

صادقاً أحلف غير الكـذاب

أكرم الأحياء طراً عـلـينـا

 

عند قربٍ منهم واجتـنـاب

خاطبتني ساعةً وهي تبكـي

 

ثم عزت خلتي في الخطاب

وكفى بي مدرها لخـصـومٍ

 

لسواها عند حـد تـبـابـي

الغناء لكردمٍ ثقيلٌ أول بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق في الأول والخامس ثم الثاني والثالث. وفيه لمعبد خفيف ثقيلٌ بالبنصر عن يحيى المكي.
ومن إثباته الحجة قوله

خليلي بعض اللوم لا ترحلا بـه

 

رفيقكما حتى تقولا على عـلـم

خليلي من يكلف بآخر كـالـذي

 

كلفت به يدمل فؤاداً على سقـم

خليلي ما كانت تصاب مقاتـلـي

 

ولا غرتي حتى وقعت على نعم

خليلي حتى لف حبلـي بـخـادعٍ

 

موقىً إذا يرمى صيودٍ إذا يرمي

خليلي لو يرقى خليلٌ من الهـوى

 

رقيت بما يدني النوار منه العصم

خليلي إن باعدت لانت وإن ألـن

 

تباعد فلم أنبل بحربٍ ولا سـلـم

ومن ترجيحه الشك في موضع اليقين قوله

صوت

نظرت إليها بالمحصب من منـى

 

ولي نظرٌ لولا التـحـرج عـارم

فقلت: أشمس أم مصابـيح بـيعةٍ

 

بدت لك خلف السجف أم أنت حالم

بعيدة مهوى القرط إما لـنـوفـلٌ

 

أبوها وإما عبد شمـسٍ وهـاشـم

ومد عليها السجف يوم لقـيتـهـا

 

على عجلٍ تباعـهـا والـخـوادم

فلم أستطعها غير أن قـد بـدا لـنـا

 

عشية راحت وجهها والمـعـاصـم

معاصم لم تضرب على البهم بالضحى

 

عصاها ووجهٌ لم تلحه الـسـمـائم

نضـارٌ تـرى فـيه أسـاريع مـائه

 

صبيحٌ تغاديه الأكـف الـنـواعـم

إذا ما دعت أترابها فاكتـنـفـنـهـا

 

تمايلن أو مالت بـهـن الـمـآكـم

طلبن الصبا حتى إذا مـا أصـبـنـه

 

نزعن وهن المسلمات الـظـوالـم          

الغناء لمعبد ثقيلٌ أول بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق وابن المكي. وفيها لابن سريج رملٌ بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق أيضاً. وفيها للغريض “خفيف ” ثقيلٍ بالوسطى عن الهشامي.
ومن طلاوة اعتذاره قوله

صوت

عاود القلب بعض ما قد شـجـاه

 

من حبيبٍ أمسى هوانـا هـواه

يا لقومي فكيف أصبـر عـمـن

 

لا ترى النفس طيب عيشٍ سواه

أرسـلـت إذ رأت بـعـادي ألا

 

يقبلن بي مـحـرشـاً إن أتـاه

دون أن يسمع المـقـالة مـنـا

 

وليطعني فإن عـنـدي رضـاه

لا تطع بي فدتك نفسـي عـدواً

 

لحديثٍ علـى هـواه افـتـراه

لا تطع بي مـن لـو رآنـي وإيا

 

ك أسيري ضرورةٍ مـا عـنـاه

ما ضراري نفسي بهجري من لي

 

س مـسـيئاً ولا بـعـيداً ثـراه

واجتنابي بيت الحبيب وما الخـل

 

د بأشـهـى إلـي مـن أن أراه

الغناء لمعبد خفيف ثقيلٍ بالخنصر في مجرى الوسطى عن إسحاق. وفيه لابن جامع ثاني ثقيلٍ بالوسطى عن عمرو. وقال عمرو، فيه خفيف ثقيلٍ بالوسطى للهذلي. وفيه لابن محرز ثاني ثقيل بالوسطى عن عمرو، وابتداؤه نشيدٌ أوله: “ما ضراري نفسي”. وقال الهشامي: وفيه لعلية بنت المهدي وسعيد بن جابر لحنان من الثقيل الثاني.
ومن نهجه العلل قوله

وآية ذلـك أن تـسـمـعـي

 

إذا جئتكـم نـاشـداً ينـشـد

فرحنا سراعاً وراح الـهـوى

 

دليلاً إليهـا بـنـا يقـصـد

فلما دنونا لـجـرس الـنـبـا

 

ح والصوت، والحي لم يرقدوا

بعثنا لـهـا بـاغـياً نـاشـداً

 

وفي الحي بغية مـن ينـشـد

وقد نسبت هذه الأبيات إلى من غنى فيها مع:

تشط غداً دار جيراننا

ومن فتحه الغزل قوله

إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى

 

فكن حجراً من يابس الصخر جلمدا

ومن عطفه المساءة على العذال قوله

صوت

لا تلمني عتيق حسبي الذي بي

 

إن بي يا عتيق ما قد كفانـي

لا تلمني وأنت زينتهـا لـي

 

أنت مثل الشيطان للإنسـان

الغناء لأبي العبيس بن حمدون ثقيلٌ أول مطلقٌ من مجموع أغانيه. وفيه رملٌ طنبري محدث، وفيه هزجٌ لأبي عيسى بن المتوكل.
ومن حسن تفجعه قوله

صوت

هجرت الحبيب اليوم من غير ما اجترم

 

وقطعت من ذي ودك الحبل فانصرم

أطعت الوشاة الكاشحين ومـن يطـع

 

مقالة واشٍ يقرع الـسـن مـن نـدم

أتاني رسولٌ كـنـت أحـسـب أنـه

 

شفيقٌ علينا ناصـحٌ كـالـذي زعـم

فلما تباثثنـا الـحـديث وصـرحـت

 

سرائره عن بعض ما كان قد كـتـم

تبـين لـي أن الـمـحـرش كـاذبٌ

 

فعندي لك العتبى على رغم من رغم

فملآن لمت النفس بعد الذي مـضـى

 

وبعد الذي آلت وآلـيت مـن قـسـم

ظلمت ولم تعتب وكـان رسـولـهـا

 

إليك سريعاً بالرضـا لـك إذ ظـلـم

الغناء لابن سريج رملٌ مطلقٌ في مجرى البنصر عن إسحاق. وقال يونس: فيه لابن سريج لحنان، وذكر الهشامي أن لحنه الآخر ثقيل أول، وأن لعلوية فيه رملاً آخر.
ومن تبخيله المنازل قوله

صوت

عرفت مصيف الحي والمتربـعـا

 

ببطن حلياتٍ دوارس بـلـقـعـا

إلى السرح من وادي المغمس بدلت

 

معالمها وبلاً ونكبـاء زعـزعـا

فيبخلن أو يخبرن بالعلم بـعـد مـا

 

نكأن فؤاداً كان قدماً مـفـجـعـا

الغناء للغريض ثاني ثقيلٍ بالوسطى.
ومن اختصاره الخبر قوله

صوت

أمن آل نعمٍ أنت غادٍ فمبكـر

 

غداة غدٍ أم رائحٌ فمهـجـر

بحاجة نفسٍ لم تقل في جوابها

 

فتبلغ عذراً والمقالة تـعـذر

أشارت بمدراها وقالت لتربها

 

أهذا المغيري الذي كان يذكر

لئن كان إياه لقد حال بعـدنـا

 

عن العهد والإنسان قد يتغير

الغناء لابن سريج رملٌ بالسبابة في مجرى البنصر، وله في بيتين آخرين من هذه القصيدة، وهما:

وليلة ذي دوران جشمتني السرى

 

وقد يجشم الهول المحب المعزرا

فقلت أباديهم فـإمـا أفـوتـهـم

 

وإما ينال السيف ثأراً فـيثـأرا

رملٌ آخر بالوسطى عن عمرو. قال الزبير حدثني إسحاق الموصلي قال: قلت لأعرابي ما معنى قول ابن أبي ربيعة:

بحاجة نفسٍ لم تقل في جوابها

 

فتبلغ عذراً والمقالة تعـذر

فقال: قام كما جلس.
ومن صدقه الصفاء قوله

كل وصلٍ أمسى لديك لأنثى

 

غيرها وصلها إليهـا أداء

كل أنثى وإن دنت لوصـالٍ

 

أو نأت فهي للرباب الفداء

وقوله:

صوت

أحب لحبك مـن لـم يكـن

 

صفياً لنفسي ولا صاحبـاً

وأبذل ما لي لمرضاتـكـم

 

وأعتب من جاءكم عاتـبـا

وأرغب في ود من لم أكن

 

إلى وده قبلكـم راغـبـا

ولو سلك الناس في جانـبٍ

 

من الأرض واعتزلت جانبا

ليممت طـيتـهـا إنـنـي

 

أرى قربها العجب العاجبا

الغناء لابن القفاص رملٌ عن الهشامي ويحيى المكي، وفيه للربعي لحنٌ من كتاب إبراهيم غير مجنس.
ومما قدح فيه فأورى قوله

صوت

طال ليلي وتعناني الـطـرب

 

واعتراني طول همٍّ ووصب

أرسلت أسماء في مـعـتـبةٍ

 

عتبتها وهي أحلى من عتب

أن أتى منها رسولٌ موهـنـاً

 

وجد الحي نياماً فانـقـلـب

ضرب الباب فلم يشعـر بـه

 

أحدٌ يفتح بـابـاً إذ ضـرب

قال: أيقاظٌ ولـكـن حـاجةٌ

 

عرضت تكتم منا فاحتجـب

ولعمداً ردني، فاجـتـهـدت

 

بيمينٍ حلفةً عند الغـضـب

يشهد الرحمن لا يجمـعـنـا

 

سقف بيتٍ رجباً بعد رجـب

قلت حلاً فاقبلي معـذرتـي

 

ما كذا يجري محبٌّ من أحب

إن كفي لك رهن بالـرضـا

 

فاقبلي يا هند، قالت قد وجب

الغناء لمالك خفيف ثقيلٍ بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق. وفيه لدحمان ثقيل أول بالبنصر عن عمرو. وفيه لمعبدٍ لحنٌ من كتاب يونس لم يجنسه، وذكر الهشامي أنه خفيف ثقيلٍ. وفيه لابن سريج رملٌ عن الهشامي.

قال من حكينا عنه في صدر أخبار عمر روايته التي رواها علي بن صالح عن أبي هفان عن إسحاق عن رجاله والحرمي عن الزبير عن عمه: كان عمر بن أبي ربيعة يهوى امرأةً يقال لها “أسماء”، فكان الرسول يختلف بينهما زماناً وهو لا يقدر عليها. ثم وعدته أن تزوره، فتأهب لذلك وانتظرها، فأبطأت عنه حتى غلبته عينه فنام، وكانت عنده جاريةٌ له تخدمه، فلم تلبث أن جاءت ومعها جاريةٌ لها، فوقفت حجرةً وأمرت الجارية أن تضرب الباب، فضربته فلم يستيقظ. فقالت لها: تطلعي فانظري ما الخبر؟ فقالت لها: هو مضطجعٌ وإلى جنبه امرأةٌ، فحلفت لا تزوره حولاً، فقال في ذلك:

طال ليلي وتعناني الطرب

قال أبو هفان في حديثه: وبعث إليها امرأةً كانت تختلف بينه وبين معارفه، وكانت جزلةً من النساء، فصدقتها عن قصته وحلفت لها أنه لم يكن عنده إلا جاريته، فرضيت. وإياها يعني عمر بقوله:

فأتـتـهـا طـبةٌ عـالــمةٌ

 

تخلط الجد مراراً باللـعـب

تغلظ القول إذا لانـت لـهـا

 

وتراخي عند سورات الغضب

لم تزل تصرفها عـن رأيهـا

 

وتـأنـاهـا بـرفـقٍ وأدب

قال إسحاق في خبره: وحدثني ابن كناسة قال أخبرني حماد الراوية قال: استنشدني الوليد بن يزيد، فأنشدته نحواً من ألف قصيدةٍ، فما استعادني إلا قصيدة عمر بن أبي ربيعة:

طال ليلي وتعناني الطرب

فلما أنشدته قوله:

فأتتهـا طـبةٌ عـالـمةٌ

 

تخلط الجد مراراً باللعب

إلى قوله:

إن كفي لك رهنٌ بالرضـا

 

فاقبلي يا هند قالت قد وجب

فقال الوليد: ويحك يا حماد! اطلب لي مثل هذه أرسلها إلى سلمى. يعني امرأته سلمى بنت سعيد بن خالد بن عمرو بن عثمان، وكان طلقها ليتزوج أختها ثم تتبعتها نفسه.
قال إسحاق وحدثني جماعةٌ منهم الحرمي والزبيري وغيرهما: أن عمر أنشد ابن أبي عتيق هذه القصيدة، فقال له ابن أبي عتيقٍ: الناس يطلبون خليفةً “مذ قتل عثمان ” في صفة قوادتك هذه يدبر أمورهم فما يجدونه!.
رجعٌ إلى خبر عمر الطويل قالوا: ومن شعره الذي اعتذر فيه فأبرأ قوله

فالتقينا فرحبت حـين سـلـم

 

ت وكفت دمعاً من العين مارا

ثم قالت عند العـتـاب رأينـا

 

منك عنا تجـلـداً وازورارا

قلت كلالاه ابن عمك بل خف

 

نا أموراً كنا بهـا أغـمـارا

فجعلنا الصدود لما خـشـينـا

 

قالة الناس للهـوى أسـتـارا

ليس كالعهد إذ عهدت ولكـن

 

أوقد الناس بالنـمـيمة نـارا

فلذاك الإعراض عنك ومـا آ

 

ثر قلبي عليك أخرى اختيارا

ما أبالي إذا النوى قربـتـكـم

 

فدنوتم من حل أو من سـارا

فاللـيالـي إذا نـأيت طـوالٌ

 

وأراها إذا قربت قـصـارا

ومن تشكيه الذي أشجى فيه قوله:

صوت

لعمرك ما جاورت غمدان طائعـاً

 

وقصر شعوبٍ أن أكون به صبـا

ولكن حمى أضرعـتـنـي ثـلاثةً

 

مجرمةً ثم استمرت بـنـا غـبـا

وحتى لو أن الخلد تعرض إن مشت

 

إلى الباب رجلي ما نقلت لها إربا

فإنك لـو أبـصـرت يوم سـويقةٍ

 

مناخي وحبسي العيس داميةً جدبـا

ومصرع إخوانٍ كـأن أنـينـهـم

 

أنين المكاكي صادفت بلداً خصبـا

إذاً لاقشعر الرأس منك صـبـابةً

 

ولاستفرغت عيناك من سكبةٍ غربا

غنى في الأول والثاني من هذه الأبيات معبدٌ ولحنه خفيف ثقيلٍ أول بالوسطى عن عمرو. وفيهما لمالك ثقيل أول عن الهشامي، ونسبه يونس إلى مالك ولم يجنسه.
ومن إقدامه عن خبرة ولم يعتذر بغرة قوله

صرمت وواصلت حتى عرف

 

ت أين المصادر والـمـورد

وجربت من ذاك حتى عرف

 

ت ما أتوقى ومـا أعـمـد

ومن أسره النوم قوله

نام صحبي وبات نومي أسيراً

 

أرقب النجم موهناً أن يغورا

ومن غمه الطير قوله

فرحنا وقلنا للغلام اقض حاجةً

 

لنا ثم أدركنا ولا تـتـغـبـر

سراعاً نغم الطير إن سنحت لنا

 

وإن تلقنا الركبان لا نتخـبـر

تتغبر، من قولهم: غبر فلان أي لبث.
ومن إغذاذه السير قوله

قلت سيرا ولا تقيما ببصرى

 

وحفيرٍ فما أحب حـفـيرا

وإذا ما مررتما بـمـعـانٍ

 

فأقلا به الثـواء وسـيرا

إنما قصرنا إذا حسر السي

 

ر بعيراً أن نستجد بعـيرا

ومن تحييره ماء الشباب قوله

صوت

أبرزوها مثل المهاة تـهـادى

 

بين خمسٍ كواعـبٍ أتـراب

ثم قالوا تحبها قلـت بـهـراً

 

عدد القطر والحصى والتراب

وهي مكنونةٌ تحير مـنـهـا

 

في أديم الخدين ماء الشبـاب

الغناء لمحمد بن عائشة خفيف ثقيلٍ بالبنصر. وفيه لمالك خفيف ثقيل آخر عن الهشامي، وقيل: بل هو هذا.
ومن تقويله وتسهيله قوله

قالت على رقبةٍ يوماً لجارتهـا

 

ما تأمرين فإن القلب قد تبـلا

وهل لي اليوم من أختٍ مواخيةٍ

 

منكن أشكو إليها بعض ما فعلا

فراجعتها حصانٌ غير فاحـشةٍ

 

برجع قولٍ ولبٍّ لم يكن خطلا

لا تذكري حبه حتى أراجـعـه

 

إني سأكفيكه إن لم أمت عجلا

فاقني حياءك في سترٍ وفي كرمٍ

 

فلست أول أنثى علقت رجـلا

وأما ما قاس فيه الهوى فقوله

وقربن أسباب الهوى لمـتـيم

 

يقيس ذراعاً كلما قسن إصبعا

ومن عصيانه وإخلائه قوله  

وأنص المطي يتبعن بـالـرك

 

ب سراعاً نواعم الأظـعـان

فنصيد الغرير من بقر الـوح

 

ش ونلهو بلـذة الـفـتـيان

في زمانٍ لو كنت فيه ضجيعي

 

غير شكٍّ عرفت لي عصياني

وتقلبت في الفـراش ولا تـد

 

رين إلا الظنون أين مكانـي

ومن محالفته بسمعه وطرفه قوله

سمعي وطرفي حليفاها على جسـدي

 

فكيف أصبر عن سمعي وعن بصري

لو طاوعاني علـى ألا أكـلـمـهـا

 

إذاً لقضيت من أوطارهـا وطـري

ومن إبرامه نعت الرسل قوله

فبعثت كاتمة الحـدي

 

ث رفيقةً بجوابـهـا

وحـشـيةً إنـسـيةً

 

خراجةً من بابـهـا

فرقت فسلهت المعـا

 

رض من سبيل نقابها

ومن تحذيره قوله

صوت

لقد أرسلت جـاريتـي

 

وقلت لها خذي حذرك

وقولي في مـلاطـفةٍ

 

لزينب نولي عمـرك

فإن داويت ذا سـقـمٍ

 

فأخزى الله من كفرك

فهزت رأسها عجـبـاً

 

وقالت من بذا أمـرك

أهذا سحرك النـسـوا

 

ن، قد خبرنني خبرك

وقلن إذا قضى وطراً

 

وأدرك حاجةً هجرك

غنى ابن سريج في هذه الأبيات، ولحنه خفيف ثقيلٍ. ولابن المكي فيها هزجٌ بالوسطى. وفيها رملٌ ذكر ذكاء وجه الرزة عن أحمد بن أبي العلاء عن مخارق أنه لابن جامع، وذكر قمري أنه له وأن ذكاء أبطل في هذه الحكاية. قال الزبير: حدثني عمي قال حدثني أبي قال: قال شيخ من قريش: لا ترووا نساءكم شعر عمر بن أبي ربيعة لا يتورطن في الزنا تورطاً، وأنشد:

لقد أرسلت جـاريتـي

 

وقلت لها خذي حذرك

ومن إعلانه الحب وإسراره قوله

شكوت إليها الحب أعلن بعضه

 

وأخفيت منه في الفؤاد غليلا

ومما بطن به وأظهر قوله

حبكم يا آل ليلى قـاتـلـي

 

ظهر الحب بجسمي وبطن

ليس حب فوق ما أحببتكـم

 

غير أن أقتل نفسي أو أجن

ومما ألح فيه وأسف قوله

ليت حظي كطرفة العين منها

 

وكثيرٌ منها القليل المهـنـا

أو حديثٌ على خلاءٍ يسلـي

 

ما يجن الفؤاد منها ومـنـا

كبرت رب نعمةً منك يومـاً

 

أن أراها قبل الممات ومنـا

ومن إنكاحه النوم قوله

صوت

حتى إذا ما الليل جن ظلامـه

 

ونظرت غفلة كاشحٍ أن يعقلا

واستنكح النوم الذين نخافـهـم

 

وسقى الكرى بوابهم فاستثقلا

خرجت تاطر في الثياب كأنها

 

أيمٌ يسيب على كثيبٍ أهـيلا

الغناء لمعبد خفيف ثقيلٍ مطلق في مجرى الوسطى عن إسحاق. وفيه ألحانٌ لغيره وقد نسبت في غير هذا الموضع مع قوله:

ودع لبابة قبل أن تترحلا

ومن جنيه الحديث قوله

وجوارٍ مساعفاتٍ على اللـه

 

و ومسرات باطن الأضغان

صيدٍ للرجال يرشقن بالمطر

 

ف حسانٍ كخذل الغـزلان

قد دعاني وقد دعاهن لـلـه

 

و شجونٌ مهمة الأشجـان

فاجتنينا من الحديث ثمـاراً

 

ما جنى مثلها لعمرك جاني

ومن ضربه الحديث ظهره لبطنه قوله

في خلاء من الأنيس وأمـنٍ

 

فبثثنا غليلنا واشـتـفـينـا

وضربنا الحديث ظهراً لبطنٍ

 

وأتينا من أمرنا ما اشتهينـا

فمكثنا بذاك عـشـر لـيالٍ

 

في قضاءٍ لديننا واقتضينـا

ومن إذلاله صعب الحديث قوله

فلما أفضنا في الهوى نستبينـه

 

وعاد لنا صعب الحديث ذلـولا

شكوت إليها الحب أظهر بعضه

 

وأخفيت منه في الفؤاد غلـيلا

ومن قناعته بالرجاء من الوفاء قوله

فعدي نائلاً وإن لم تنيلي

 

إنه ينفع المحب الرجاء

قال الزبير: هذا أحسن من قول كثير:

ولست براضٍ من خليلٍ بنائلٍ

 

قليلٍ ولا أرضى له بقلـيل

ومن إعلائه قاتله قوله

فبعثت جاريتي وقلت لها اذهبي

 

فاشكي إليها ما علمت وسلمي

 

قولـي يقـول تـحـرجـي فـي عـــاشـــقٍ

 

كلـفٍ بـكـم حـتـى الـمـمـات مـــتـــيم

ويقـول إنـك قـد عـلـمـت بـــأنـــكـــم

 

أصـبـحـتـم يا بـــشـــر أوجـــه ذي دم

فكـي رهـينـتـه فـإن لـم تـفــعـــلـــي

 

فاعلي عـلـى قـتـل ابـن عـمـك واسـلـمـي

فتـضـاحـكـت عـجـبـاً وقـالـت حـقـــه

 

ألا يعـلـمـنـا بـمـا لــم نـــعـــلـــم

علمي به والله يغفر ذنبه فيما بدا لي، ذو هوى متقسم

 

 

طرفٌ ينازعه إلى الأدنى الهوى

 

ويبـث خـــلةً ذي الـــوصـــال الأقـــدم            

ومن تنفيضه النوم قوله

فلما فقدت الصوت منهم وأطفئت

 

مصابيح شبت بالعشـاء وأنـور

وغاب قميرٌ كنت أرجو غيوبـه

 

وروح رعيان ونـوم سـمـر

ونفضت عني أقبلت مـشـية ال

 

حباب وركني خشية القوم أزور

ومن إغلاقه رهن منىً وإهداره قتلاه قوله

فكم من قـتـيلٍ مـا يبـاء بـه دمٌ

 

ومن غلق رهناً إذا لـفـه مـنـى

ومن مالىءٍ عينيه من شيء غـيره

 

إذا راح نحو الجمرة البيض كالدمى

وكان بعد هذا كله فصيحاً شاعراً مقولاً.

أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير قال حدثني عمي، وأخبرنا به علي بن صالح عن أبي هفان عن إسحاق عن رجاله: أن عمر بن أبي ربيعة نظر إلى رجل يكلم امرأة في الطواف، فعاب ذلك عليه وأنكره. فقال له: إنها ابنة عمي. قال: ذاك أشنع لأمرك. فقال: إني خطبتها إلى عمي، فأبى علي إلا بصداقٍ أربعمائة دينار، وأنا غير مطيق ذلك، وشكا إليه من حبها وكلفه بها أمراً عظيماً، وتحمل به على عمه. فسار معه إليه فكلمه. فقال له: هو مملق، وليس عندي ما أصلح به أمره. فقال له عمر: وكم الذي تريده منه؟ قال: أربعمائة دينار. فقال له: هي علي فزوجه، ففعل ذلك.
وقد كان عمر حين أسن حلف ألا يقول بيت شعر ألا أعتق رقبةً. فانصرف عمر إلى منزله يحدث نفسه، فجعلت جاريةٌ له تكلمه فلا يرد عليها جواباً. فقالت له: إن لك لأمراً، وأراك تريد أن تقول شعراً، فقال:

صوت

تقول وليدتي لـمـا رأتـنـي

 

طربت وكنت قد أقصرت حينا

أراك اليوم قد أحدثت شـوقـاً

 

وهاج لك الهوى داءً دفـينـا

وكنت زعمت أنك ذو عـزاءٍ

 

إذا ما شئت فارقت القـرينـا

بربك هل أتاك لـهـا رسـول

 

فشاقك أم لقيت لهـا خـدينـا

فقلت شكا إلـي أخٌ مـحـبٌّ

 

كبعض زماننا إذ تعلـمـينـا

فقص علي ما يلقى بـهـنـدٍ

 

فذكر بعض ما كنا نـسـينـا

وذو الشوق القديم وإن تعـزى

 

مشوقٌ حين يلقى العاشقـينـا

وكم من خلةٍ أعرضت عنهـا

 

لغير قلىً وكنت بها ضنـينـا

أردت بعادها فصددت عنـهـا

 

ولو جن الفؤاد بها جـنـونـا

ثم دعا تسعةً من رقيقه فأعتقهم لكل بيتٍ واحدٌ. الغناء لابن سريج رملٌ بالبنصر عن عمرو والهشامي. وفيه ثقيلٌ أول يقال: إنه للغريض. وذكر عبد الله بن موسى أن فيه لدحمان خفيف رملٍ.

عمر بن أبي ربيعة وعروة بن الزبير

أخبرني الحرمي قال حدثنا أحمد بن عبيد أبو عصيدة قال: ذكر ابن الكلبي أن عمر بن أبي ربيعة كان يساير عروة بن الزبير ويحادثه، فقال له: وأين زين المواكب؟ يعني ابنه محمد بن عروة، وكان يسمى بذلك لجماله.
فقال له عروة: هو أمامك، فركض يطلبه. فقال له عروة: يا أبا الخطاب، أولسنا أكفاءً كراماً لمحادثتك ومسايرتك؟ فقال: بلى بأبي أنت وأمي! ولكني مغرى بهذا الجمال أتبعه حيث كان. ثم التفت إليه وقال:

إني امرؤ مولعٌ بالحسن أتبعه

 

لا حظ لي فيه إلا لذة النظر

ثم مضى حتى لحقه فسار معه، وجعل عروة يضحك من كلامه تعجباً منه.

عمر بن أبي ربيعة ومالك بن أسماء

أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا مصعب ابن عبد الله قال: رأى عمر بن أبي ربيعة رجلاً يطوف بالبيت وقد بهر الناس بجماله وتمامه، فسأل عنه فقيل له: هذا مالك بن أسماء بن خارجة. فجاءه فسلم عليه وقال له: يابن أخي مازلت أتشوقك منذ بلغني قولك:

إن لي عند كل نفحة بسـتـا

 

نٍ من الورد أو من الياسمينا

نظرةً والتفاتةً أتـمـنـى

 

أن تكوني حللت فيما يلينا

ويروى:

… أتـرجـــى

 

أن تكوني حللت…

عمر وأبو الأسود الدؤلي وقد عرض لامرأته في الطواف

أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا العباس بن هشام عن أبيه قال أخبرني مولىً لزيادٍ قال: حج أبو الأسود الدؤلي ومعه امرأته وكانت جميلةً. فبينا هي تطوف بالبيت إذ عرض لها عمر بن أبي ربيعة، فأتت أبا الأسود فأخبرته، فأتاه أبو الأسود فعاتبه. فقال له عمر: ما فعلت شيئاً. فلما عادت إلى المسجد عاد فكلمها، فأخبرت أبا الأسود، فأتاه في المسجد وهو مع قومٍ جالسٌ فقال له:

وإني ليثنيني عن الجهل والخنا

 

وعن شتم أقوامٍ خلائق أربع

حياءٌ وإسلامٌ وبقـيا وأنـنـي

 

كريمٌ ومثلي قد يضر وينفع

فشتان ما بيني وبينك إنـنـي

 

على كل حالٍ أستقيم وتظلع

فقال له عمر: لست أعود يا عم لكلامها بعد هذا اليوم. ثم عاود فكلمها، فأتت أبا الأسود فأخبرته، فجاء إليه فقال له:

أنت الفتى وابن الفتى وأخو الفتى

 

وسيدنـا لـولا خـلائق أربـع

نكولٌ عن الجلى وقربٌ من الخنا

 

وبخلٌ عن الجدوى وأنك تـبـع

ثم خرجت وخرج معها أبو الأسود مشتملاً على سيف. فلما رآهما عمر أعرض عنها، فتمثل أبو الأسود:

تعدو الذئاب على من لا كلاب له

 

وتتقي صولة المستأسد الحامـي

رأي الفرزدق في شعر ابن أبي ربيعة

أخبرني ابن المرزبان قال حدثنا أحمد بن الهيثم الفراسي قال حدثنا العمري قال أخبرنا الهيثم بن عدي قال: قدم الفرزدق المدينة وبها رجلان يقال لأحدهما صريمٌ، وللآخر ابن أسماء، وصفا له فقصدهما، وكان عندهما قيانٌ، فسلم عليهما وقال لهما: من أنتما؟ فقال أحدهما: أنا فرعون، وقال الآخر: أنا هامان. قال: فأين منزلكما في النار حتى أقصدكما؟ فقالا: نحن جيران الفرزدق الشاعر! فضحك ونزل، فسلم عليهما وسلما عليه وتعاشروا مدة. ثم سألهما أن يجمعا بينه وبين عمر بن أبي ربيعة ففعلا، واجتمعا وتحادثا وتناشدا إلى أن أنشد عمر قصيدته التي يقول فيها:

فلما التقينا واطمأنت بنا النوى

 

وغيب عنا من نخاف ونشفق

حتى انتهى إلى قوله:

فقـمـن لـكـي يخـلـينـنـا فـتــرقـــرقـــت

 

مدامـع عـينـيهــا وظـــلـــت تـــدفـــق

وقـالـت أمـا تـرحـمـنـنـي! لا تـدعـنــنـــي

 

لدى غـزلٍ جـــم الـــصـــبـــابة يخـــرق

فقلن اسكتي عنا فسلت مطاعةًوخلك منا فاعلمي بك أرفق

 

 

فصاح الفرزدق: أنت والله يا أبا الخطاب أغزل الناس! لا يحسن والله الشعراء أن يقولوا مثل هذا النسيب ولا أن يرقوا مثل هذه الرقية! وودعه وانصرف.

عمرو وعبد الرحمن بن الحارث ابن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة

أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني عبد الجبار بن سعيد المساحقي عن المغيرة بن عبد الرحمن عن أبيه: أنه حج مع أبيه الحارث بن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة، فأتى عمر بن أبي ربيعة وقد أسن وشاخ، فسلم عليه وساءله ثم قال له: أي شيء أحدثت بعدي يا أبا الخطاب؟ فأنشده:

يقولون: إني لست أصدقك الهوى

 

وإني لا أرعـاك حـين أغـيب

فما بال طرفي عف عما تساقطت

 

له أعينٌ من معشـرٍ وقـلـوب

عشية لا يستنكف القـوم أن يروا

 

سفاه امرىءٍ ممن يقال لـبـيب

ولا قتنةً من ناسكٍ أومضـت لـه

 

بعين الصبا كسلى القيام لعـوب

تروح يرجو أن تحـط ذنـوبـه

 

فآب وقد زيدت عـلـيه ذنـوب

وما النسك أسلاني ولكن للهـوى

 

على العين مني والفؤاد رقـيب

عمرو والنسوة اللاتي واعدهن بالعقيق

أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا عيسى بن إسماعيل عن القحذمي قال: واعد عمر بن أبي ربيعة نسوةٌ من قريش إلى العقيق ليتحدثن معه، فخرج إليهن ومعه الغريض، فتحدثوا ملياً ومطروا، فقال عمر والغريض وجاريتان للنسوة فأظلوا عليهن بمطرفة وبردين له حتى استترن من المطر إلى أن سكن، ثم انصرفن. فقال له الغريض: قل في هذا شعراً حتى أغني فيه، فقال عمر:

صوت

ألم تسأل المنزل المقـفـرا

 

بياناً فيكـتـم أو يخـبـرا

ذكرت به بعض ما قد شجاك

 

وحق لذي الشجو أن يذكرا

مقام المحبين قـد ظـاهـرا

 

كساءً وبردين أن يمـطـرا

وممشى الثلاث به موهـنـاً

 

خرجـن إلـى زائرٍ زورا

إلى مجلسٍ من وراء القبـا

 

ب سهل الربا طيبٍ أعفـرا

غفلن عن الليل حتـى بـدت

 

تباشير من و